­­إثيوبيا وتوازنات الصراع الجديدة

مركز الإمارات للسياسات | 16 أغسطس 2021

بعد سيطرة دامت لثمانية أشهر على إقليم تيجراي، انسحبت قوات الجيش الإثيوبي من الإقليم بعد قرار الحكومة الفدرالية الأحادي بوقف إطلاق النار، وهو ما بدا مؤشراً على تحوُّل مجرى الصراع في إثيوبيا لتنتقل قوات دفاع تيجراي -الذراع العسكري لجبهة تحرير تيجراي-من حالة الدفاع إلى حالة الهجوم، الأمر الذي خلق توازنات جديدة تفتح مسارات الصراع في إثيوبيا على مآلات جديدة لم تكن متوقعة في مرحلته الأولى.

تسعى هذه الورقة إلى استعراض وتحليل التوازنات الجديدة في الصراع الإثيوبي، واستكشاف أبرز السيناريوهات المحتملة لمآلاته.

المشهد الراهن: دوائر المعارك المتعددة

فَرَضَ وقف إطلاق النار وانسحاب القوات الحكومية الإثيوبية من مدينة ميكيلي توازنات جديدة يمكن إيجازها في عدد من الاتجاهات التي يمكن تتبعها في دوائر القتال المتعددة على النحو الآتي:

1. إقليما تيجراي وأمهرا

في الحادي والعشرين من يونيو 2021، اليوم المحدد لإجراء الانتخابات الفدرالية والإقليمية في إثيوبيا، أطلقت قوات دفاع تيجراي حملة عسكرية جديدة حملت اسم "راس الولا ابانجا". وقد أسفرت العملية عن تمكن قوات دفاع تيجراي من استعادة السيطرة على مدينة ميكيلي عاصمة الإقليم، قبل أن تعلن الحكومة الفدرالية وقف إطلاق النار من جانب واحد وسحب قواتها من المدينة.[1]

هذا التقدم الذي أحرزته جبهة تحرير تيجراي ميدانياً جعلها غير راغبة في وقف القتال، خاصة بعد إعادة تنصيب حكومة الجبهة من جديد في عاصمة الإقليم. وبعد مرور شهر تمكنت جبهة تحرير تيجراي من استعادة القسم الجنوبي من إقليمها كاملاً، إلا أن مناطق غرب الإقليم الواقعة على الحدود مع إقليم أمهرا لا تزال خاضعة لسيطرة القوات الإريترية والقوات الخاصة الأمهرية، والتي تتشبث بمواقعها في ظل أهمية منع قوات دفاع تيجراي من الوصول إلى الحدود السودانية. وتربط قوات دفاع تيجراي بين استمرار توغلها في إقليم أمهرا وبين إخلاء المنطقة الغربية من إقليم تيجراي كشرط مسبق لأي وقف محتمل لإطلاق النار. لكن انسحاب القوات الأمهرية قد لا يكون متاحاً في اللحظة الحالية في ظل النزاع التاريخي بين الأمهرا والتيجراي على السيادة على هذه المناطق[2].

2. إقليم العفر والإقليم الصومالي

من بين أحد أكثر هذه النزاعات حدة وعنفاً في إثيوبيا النزاع بين الإقليمين الصومالي والعفري. حيث يتنازع الإقليمان على السيادة على ثلاث مناطق هي جاربا عيسى، وأوندوفو، وأديتو. وفي عام 2014 رعت الحكومة الفدرالية الإثيوبية اتفاقاً بين الإقليمين تم بموجبه قيام الإقليم الصومالي بتسليم المناطق الثلاث للإقليم العفري، قبل أن يعلن الإقليم الصومالي من جانب واحد في عام 2019 انسحابه من هذا الاتفاق باعتبار أنه لا يجد أي سند في الدستور الإثيوبي. وقد تسبب هذا الوضع في أزمة جديدة في أبريل الماضي حين شرع المجلس الوطني للانتخابات في الاستعداد لإجراء الانتخابات الفيدرالية مضمناً المناطق الثلاث في الدوائر الانتخابية لإقليم العفر، ما فجر حالة من الغضب لدى الإقليم الصومالي أدت لشن هجوم مسلح في أبريل أسقط مائة من العفر في المنطقة المتنازع عليها. وفي أعقاب امتداد معارك إقليم تيجراي لإقليم العفر في يوليو، استغلت الفصائل العفرية المسلحة هذا الوضع الجديد في شن هجوم مضاد على جاربا عيسى خلف قتلى وجرحى وأسفر عن تهجير الآلاف من الصوماليين.[3]

ومما زاد من حدة التوترات على جبهة العفر محاولة جبهة تحرير تيجراي التقدم شرقاً بغرض السيطرة على الطريق البري وخط السكك الحديدية الرابط بين العاصمة الإثيوبية أديس أبابا وموانئ جيبوتي والتي تشكل معبراً لأكثر من 95% من تجارة إثيوبيا الخارجية الصادرة والواردة. وعلى الرغم من توقف قوات تيجراي عن التمدد جهة الشرق بعد رفض عفري رسمي وشعبي، قام محتجون في الإقليم الصومالي بصورة منفردة بقطع خط السكك الحديدية الرابط بين أديس أبابا وجيبوتي، وذلك احتجاجاً على أعمال العنف التي تعرض لها الصوماليون في جاربا عيسى.[4]

3. إقليما أوروميا وبني شنقول

تفجَّرت الاشتباكات العنيفة في أبريل 2021 في منطقة أوروميا[5] (Oromia Zone) الواقعة أقصى غرب إقليم أمهرا والتي تضم مكوناً أورومياً غالباً، الأمر الذي دفع السلطات الفدرالية لإعلان حالة الطوارئ في هذه المنطقة ومنطقتين مجاورتين بعد أن أسفرت الاشتباكات بين الأورومو والأمهرا عن سقوط عشرات القتلى ونزوح عشرة آلاف من السكان المدنيين.[6]

تأتي هذه التوترات لتضاف لما يشهده إقليم أوروميا من أعمال عنف متفاوتة في حدتها وذلك منذ توقيع اتفاق السلام بين الحكومة وجبهة تحرير أورومو عام 2018، حيث عمل فصيل شني Shene المسلح الأكثر تطرفاً -والذي تزعم الجبهة انشقاقه عنها- على إطلاق تمرد مسلح في مناطق غرب الإقليم مما أسفر عن سيطرته على عدد من القرى.[7] كما تنشط تنظيمات مسلحة متعددة في إقليم بني شنقول جوموز المجاور والتي تستهدف في المقام الأول إدارة الإقليم وسكانه من الأمهرا.[8] وبينما لا توجد أي شواهد مؤكدة لظهور تحالف بين العناصر المسلحة في أوروميا ونظيرتها في بني شنقول جوموز، إلا أن التقارب الجغرافي لمسارح عمليات الجانبين ضد القوات الحكومية الإثيوبية قد يرجح نشأة تقارب تكتيكي بينهما في المستقبل.

أسباب التحولات الحادة في المشهد الإثيوبي

لم تأتِ التحولات الجذرية في ميادين المعارك الإثيوبية بصورة مفاجئة، فمنذ نوفمبر الماضي بدأ العديدُ من العوامل في التراكم إلى أن تسببت في النهاية في اضطرار الحكومة الفدرالية لإنهاء وجودها في إقليم تيجراي بكل ما تسبب فيه هذا القرار من اضطرابات. وتشمل هذه الأسباب الآتي:

1. فشل الحكومة الفدرالية في بسط سيطرتها على إقليم تيجراي

مع إعلان الحكومة الفدرالية انتصارها في إقليم تيجراي في نوفمبر 2020 بدأت تتخذ إجراءات متسارعة لبسط السيطرة على الإقليم، ففي نهاية ديسمبر أعلنت الإدارة المؤقتة لإقليم تيجراي التي شكلها البرلمان الفدرالي عن تشكيل حكومة مؤقتة للإقليم تضم أحد عشر عضواً من أجل استعادة مظاهر الحياة الطبيعية.[9]

ومع انقضاء ستة أشهر على تعيين الحكومة الإقليمية المؤقتة برئاسة مولو نجا، ونتيجة لإخفاقها طوال مدة بقائها في تحقيق أي قدر من الاستقرار في مدن الإقليم أو اختراق القواعد الشعبية المؤيدة لجبهة تحرير تيجراي، عيَّن رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد في مايو 2021 وزير التكنولوجيا والابتكار بالحكومة الفدرالية أبراهام بيلاي رئيساً جديداً لحكومة إقليم تيجراي المؤقتة، مانحاً إياه صلاحيات واسعة.[10]

وبينما كان من المنتظر من حكومة بيلاي أن تعلن إحكام السيطرة على المدن في إقليم تيجراي مع تهدئة الأوضاع عبر مد المواطنين بالخدمات الأساسية، أسفر مسار المعارك عن قيام الحكومة المؤقتة في نهاية يونيو بالتقدم للحكومة الفدرالية بطلب لإعلان الوقف الفوري لإطلاق النار في الإقليم، وذلك بعد أن تمكنت قوات دفاع تيجراي من إطلاق عملية عسكرية هجومية أسفرت عن استعادة السيطرة على مدينة ميكيلي عاصمة الإقليم وعلى قطاعات واسعة منه.

2. تفاقُم المشكلات داخل الجيش الإثيوبي

بدأ الصراع في إقليم تيجراي بسيطرة قوات دفاع تيجراي على مقر القيادة العسكرية الشمالية للقوات المسلحة الإثيوبية في مدينة ميكيلي في إشارة واضحة على وجود مظاهر لتفوق قوات دفاع تيجراي من حيث العدد أو التدريب أو العتاد العسكري، ما خلق أزمة بالغة التعقيد لآبي أحمد تتمثل باحتياجه منذ اليوم الأول للصراع لدعم عسكري من أطراف أخرى لا تخضع لقيادته، وفي مقدمتها القوات الإريترية والقوات الخاصة لإقليم أمهرا وعدد من المليشيات الأمهرية شبه النظامية. وبقدر ما ساهم هذا التحالف العسكري في حسم المرحلة الأولى من الصراع لصالح الحكومة الفدرالية، فقد كرَّس ما تعانيه القوات المسلحة الإثيوبية من تراجُع فاقمت من آثاره الزيادة المطردة في أعداد الملتحقين بالقوات الخاصة لجميع الأقاليم الإثيوبية في السنوات الأخيرة. وتسبب الاعتماد المكثف على القوات الإريترية في أزمة داخلية في صفوف القوات المسلحة الإثيوبية لم تصعد إلى السطح سريعاً بحكم مسار المعارك المتلاحقة، لكنها تسببت في انخفاض واضح للمعنويات لدى المستويات القيادية والقاعدية على السواء.[11]

من جهة أخرى، جاء مسار الحرب في إقليم تيجراي ليفرض تحديات إضافية خاصة، أبرزها عجز القيادات العسكرية الإثيوبية عن ضبط أعمال العنف والانتهاكات المرتكبة من الجنود وخاصة الإريتريين والأمهرا بحق المدنيين في إقليم تيجراي، ما وضع القوات المسلحة الإثيوبية في مرمى اتهامات دولية بارتكاب انتهاكات ممنهجة لحقوق الإنسان. وأمام هذا التصاعد الكبير للإدانة الدولية، اضطرت السلطات الإثيوبية للاستجابة، حيث أعلن النائب العام الإثيوبي تقريره المتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان في إقليم تيجراي والذي أسفر عن إحالة 28 جندياً بالجيش الإثيوبي للمحاكمة العسكرية، شكلت هذه الإدانات عاملاً إضافياً لإضعاف معنويات القوات المقاتلة في إقليم تيجراي.[12]

3. عجز الانتخابات عن تحقيق هدف تجديد شرعية النظام

كان إجراء حكومة إقليم تيجراي الانتخابات الإقليمية بإرادتها المنفردة في سبتمبر من عام 2020 أحد المسببات الرئيسة لتفجر الصراع بعد نحو شهرين. وبينما كان من المفترض أن تساهم انتخابات يونيو 2021 في تهدئة الأوضاع ومعالجة وضع إشكالي للحكومة الفدرالية في أديس أبابا، تحولت الانتخابات إلى مصدر لمفاقمة المشكلات القائمة وخلق مشكلات أخرى جديدة. فقد تم الإعلان المبكر عن عدم شمول إقليم تيجراي بأي انتخابات نتيجة خضوعه لحالة الطوارئ، الأمر الذي حال دون تقدم العملية السياسية في الإقليم.

كما فجرت الانتخابات قضية النزاع الحدودي بين الإقليم الصومالي وإقليم العفر والذي أطلق سلسلة من التفاعلات الصراعية أدت في النهاية إلى استبعاد الإقليم الصومالي بأكمله من الانتخابات والإعلان عن إجراء جولة لاحقة تشمل الإقليم في سبتمبر المقبل، بالإضافة إلى عشرات الدوائر الانتخابية في أقاليم أمهرا وأوروميا وبني شنقول-جوموز والتي حالت التوترات الأمنية فيها دون إجراء العملية الانتخابية.

 وبعد تأخر طويل، أُعلنت نتائج الانتخابات لتزيد من حجم المشكلات التي تعاني منها إثيوبيا، حيث تم الإعلان عن فوز حزب الازدهار بأكثر من 97% من مقاعد البرلمان، ما تسبب في إحباط واسع لدى الأحزاب التي قبلت المشاركة في الانتخابات، وأيد الحجج التي أطلقتها الأحزاب التي قاطعت العملية الانتخابية.[13]

4. تحول الحرب في تيجراي لمصدر ضغط دولي متصاعد

وصل آبي أحمد السلطة بأجندة إقليمية واضحة رغب من خلالها في استعادة وضع إثيوبيا كقائد إقليمي لمنطقة القرن الأفريقي، وفي سبيل هذا الهدف اتخذ خطوة استثنائية تمثلت في توقيع اتفاق السلام الذي أنهى حرباً دامت عقدين مع إريتريا، فضلاً عن سعيه لبناء تحالف إقليمي ثلاثي بقيادة إثيوبية يجمعه بكل من إريتريا والصومال، كذلك لعب آبي أحمد دوراً فاعلاً في إقرار اتفاق تقاسم السلطة بين المكونين المدني والعسكري في السودان. إلا أن الصراع مع جبهة تحرير تيجراي قد يستنزف أرصدة إثيوبيا الإقليمية والدولية.

فمع وصول إدارة أمريكية ديموقراطية جديدة للسلطة في يناير 2021، بدأت الانتقادات الأمريكية المباشرة لدور الحكومة الفدرالية الإثيوبية في الصراع في إقليم تيجراي في التصاعد من تنديد بالأوضاع الإنسانية المتردية في الإقليم، وصولاً للإلحاح في الضغط من أجل إخراج القوات الإريترية والأمهرية منه، قبل أن تصبح الانتقادات الأمريكية أكثر حدة مع سيرها في مسار فرض العقوبات على الحكومة الإثيوبية وفق نهج متدرج؛ فقد دخلت الخارجية الإثيوبية في أزمة دبلوماسية مع اللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب التي أعلنت عن شروعها في إجراء تحقيقات ميدانية في إقليم التيجراي، الأمر الذي ردت عليه الخارجية الإثيوبية بالرفض القاطع واتهام الهيئة التابعة للاتحاد الأفريقي بتجاوز سيادة إثيوبيا.[14]

5. تعثُّر محاولات تطبيق وقف إطلاق النار

منذ البداية تتبنى جبهة تحرير تيجراي منطق المماطلة في التعامل مع وقف إطلاق النار، حيث صدر عن الجبهة بيانان حتى الآن بشأن شروطها لقبول وقف إطلاق النار في الرابع ثم في السابع والعشرين من يوليو. قبل أن يدلي تسادكان جبريتنساي أحد أهم القادة العسكريين للجبهة بتصريحات صوتية لشبكة "بي بي سي" البريطانية في الأول من أغسطس تضمنت إشارات إضافية بشأن شروط الجبهة لوقف إطلاق النار. وتتضمن هذه الشروط في مضمونها مجموعة من البنود التعجيزية التي تجعل من قبولها تهديداً وجودياً لبقاء الحكومة الإثيوبية.

وتنقسم الشروط إلى شروط عسكرية تتضمن انسحاب كافة القوات من إقليم تيجراي بما في ذلك مناطق غرب تيجراي، والتي أعلن إقليم أمهرا "استردادها" في خضم المعارك. بجانب الشروط السياسية التي تتمثل في إطلاق مرحلة انتقالية بدون مشاركة آبي أحمد أو نائبه ديميكي ميكونين وكافة القيادات العسكرية والأمنية التي شاركت في شن الهجوم على إقليم تيجراي. بالإضافة لشروط أخرى تتضمن إنهاء الحصار المضروب على إقليم تيجراي بما في ذلك السماح لحكومة الإقليم بإدارة المنافذ الحدودية مع السودان، فضلاً عن إطلاق عملية للمساءلة القانونية لكافة القيادات السياسية والعسكرية التي اشتركت في الهجوم[15].

كل هذه الشروط كانت وراء تصريحات القائد العسكري جبريتنساي بأن الجبهة ستحتفظ بالسيطرة على مناطق داخل إقليمي العفر وأمهرا لحين تحقيق "الانسحاب الكامل" و"فك الحصار" المضروب على إقليم تيجراي، وهما الشرطان اللذان قد يقودان إلى صراعات في الجبهة الداعمة لرئيس الوزراء الذي قد يجد نفسه في مواجهة مفتوحة مع النخبة الأمهرية التي تدعمه منذ قدومه للسلطة والتي لن تقبل أياً من شروط التيجراي.[16]

السيناريوهات المحتملة

تنفتح الأوضاع السائلة في إثيوبيا على أربعة سيناريوهات رئيسة، تفترض ثلاثة منها استمرار المواقف الدولية الحذرة التي تترقب مسار المعارك على الأرض قبل أي تدخل حاسم، بينما يقوم الأخير على تحوُّل المواقف الخارجية في اتجاه تدخُل آني حاسم، وذلك على النحو الآتي:

السيناريو الأول: استعادة الحكومة الفدرالية السيطرة من جديد من خلال التصدي لهجوم جبهة تحرير تيجراي على إقليم أمهرا والاستمرار في محاصرة التيجراي في أضيق مساحة ممكنة مع العمل على استمرار حرمانهم من أي منفذ حدودي دولي. ولا تؤيد تطورات الأحداث على الأرض هذا السيناريو بدرجة كبيرة في ظل استمرار تقدم قوات دفاع تيجراي على جبهات متعددة، وفي ظل صعوبة استعادة الحكومة الفدرالية السيطرة على كامل الإقليم الإثيوبي بما في ذلك دوائر الصراع بين الصوماليين والعفر، وبين الأورومو والأمهرا.

السيناريو الثاني: انتصار التيجراي وتمكنهم من إسقاط الحكومة الفدرالية وهو الهدف المعلن الذي أكده جيتاشيو ردا المتحدث الرسمي باسم الجبهة. وبتمكن التيجراي من إسقاط حكومة آبي أحمد ستشهد الأوضاع في إثيوبيا استمراراً لحالة الفوضى بسبب الانشغال المتوقع للتيجراي بتصفية الحسابات مع الأمهرا على وجه الخصوص، وكذلك بسبب اعتماد التيجراي على مشروعهم الخاص بهويتهم القومية بعد أن أسقطت الاحتجاجات بين أعوام 2015 و2018 أي ادعاءات لوجود فرصة للجماعات الإثيوبية لتتمتع بحقوقها تحت حكم التيجراي.

السيناريو الثالث: اتساع دائرة الصراع كي تشمل الأقاليم الجنوبية ومناطق إضافية من شمال ووسط أوروميا، وتحوُّل إثيوبيا إلى ساحة مفتوحة لمعارك متعددة الجبهات تخوضها القوات الخاصة والمليشيات التابعة لكل الجماعات الإثنية. ويُنذر هذا السيناريو بانتقال عدوى الصراع سريعاً إلى كافة دول الجوار في ظل التداخل السكاني الكبير بين الجماعات الإثيوبية وجماعات القرن الأفريقي بصورة عامة.

السيناريو الرابع: التدخل الدولي بفرض وقف إطلاق شامل للنار وطرح مبادرة لتقاسم السلطة بحيث تضمن وحدة الدولة الإثيوبية وتمثيل التيجراي في حكومة فدرالية. ويعترض الطريق أمام هذا السيناريو تناقض المواقف الدولية وتحوُّل الصراع إلى صراع جذري يدور حول الهويات الإثنية بعد الانتهاكات التي ارتكبتها القوات الفدرالية والأمهرية في إقليم تيجراي.

على المدى القريب، ونتيجة لعجز أي من طرفي الصراع على حسمه على الأرض، ومع حالة الاستنزاف التي تعرَّض لها الطرفان عسكرياً واقتصادياً، يرجَّح السيناريو الرابع؛ أي أن تفضي الضغوط الدولية المتصاعدة إلى وقف مؤقت لإطلاق النار مع احتفاظ كل طرف بمواقعه، وهو ما أشارت إليه جبهة تحرير تيجراي ضمناً بالإعلان عن انتهاء عملية "أمهات تيجراي" بتحقيق أهدافها على كل الجبهات. ويمهد مثل هذا الإجراء للمزيد من التهدئة ميدانياً عبر انخراط الوساطات الدولية في العمل على فك الاشتباك بين القوات المتقاتلة وتبادل الأسرى. لكن هذه التهدئة الهشة تبقى غير قابلة للاستدامة ما لم يتم التوصل لحل سياسي شامل، وهو ما سيشكل تحدياً جوهرياً بسبب التباينات الحادة بين المشروعات السياسية من جهة، ووجود أطراف سياسية أخرى في الداخل الإثيوبي لها مطالبها الخاصة من جهة أخرى، ما قد ينتج دورة جديدة من الصراع.

خلاصة واستنتاجات

  • بعد سيطرة دامت لثمانية أشهر على إقليم تيجراي، انسحبت قوات الجيش الإثيوبي من الإقليم بعد قرار الحكومة الفدرالية الأحادي بوقف إطلاق النار. وقد تسبب هذا الانسحاب في تحويل مجرى الصراع في إثيوبيا لتنتقل قوات دفاع تيجراي من حالة الدفاع إلى حالة الهجوم.
  • يدور الصراع في إثيوبيا حالياً في مناطق متعددة أبرزها منطقة غرب إقليم تيجراي التي لا تزال خاضعة لسيطرة الحكومة الفدرالية والمليشيات الأمهرية، ومناطق شمال ووسط إقليم أمهرا التي تشهد تمدداً عسكرياً من جانب التيجراي، فضلاً عن المنطقة الحدودية بين الإقليم الصومالي وإقليم العفر وبعض مناطق غرب وجنوب إقليم أوروميا، وشمال إقليم بني شنقول-جوموز.
  • نتيجة عجز أي من طرفي الصراع الإثيوبي على حسمه على الأرض، من المرجَّح أن تفضي الضغوط الدولية المتصاعدة إلى وقف مؤقت لإطلاق النار مع احتفاظ كل طرف بمواقعه. ويمهد مثل هذا الإجراء للمزيد من التهدئة ميدانياً عبر انخراط الوساطات الدولية في العمل على فك الاشتباك بين القوات المتقاتلة وتبادل الأسرى. لكن هذه التهدئة ستظل هشة، وهو ما سيشكل تحدياً جوهرياً وقد ينتج دورة جديدة من الصراع.

الهوامش والمراجع

[1] Vivienne Nunis, Ethiopia's Tigray crisis: Rebel resurgence raises questions for Abiy Ahmed, BBC News, July 3, 2021. https://www.bbc.com/news/world-africa-57693784

[2] Aggrey Mutambo and Tesfa-Alem Tekle, TPLF gives five conditions for ceasefire, wants transition process, the East African, July 31, 2021. https://www.theeastafrican.co.ke/tea/rest-of-africa/tplf-gives-five-conditions-for-ceasefire-wants-transition-3493224

[3] Somali Regional Gov’t Blames Afar Forces For Violence, Demands Swift Response From Fed. Gov’t; Afar Regional Gov’t Dismisses Claims As Propaganda, Addis Standard, July 27, 2021. https://addisstandard.com/news-somali-regional-govt-blames-afar-forces-for-violence-demands-swift-response-from-fed-govt-afar-regional-govt-dismisses-claims-as-propaganda/; Somali Region Unilaterally Withdraws From 2014 Agreement Transfering Three Kebeles To Afar Region, Beefs Up Security, Addis Standard, May 4, 2019. https://addisstandard.com/news-somali-region-unilaterally-withdraws-from-2014-agreement-transfering-three-kebeles-to-afar-region-beefs-up-security/

[4] Giulia Paravicini, Maggie Fick Protesters close road, rail links between Djibouti, Addis Ababa – official, Reuters, July 28, 2021. https://www.reuters.com/world/africa/road-railway-linking-djibouti-addis-ababa-is-blocked-ethiopian-official-2021-07-28/

 [5] تختلف منطقة أوروميا عن إقليم أوروميا الفدرالي، حيث تعد المنطقة جزءاً من إقليم أمهرا.

[6] Authorities declare state of emergency in southern part of Amhara region in response to mid-April communal violence, Crisis 24, April 20, 2021. https://www.garda.com/crisis24/news-alerts/469476/ethiopia-authorities-declare-state-of-emergency-in-southern-part-of-amhara-region-in-response-to-mid-april-communal-violence

[7] Attackers kill at least 20 in attack in Ethiopia's Oromiya region, says official, Reuters, April 29, 2021. https://www.reuters.com/world/africa/attackers-kill-least-20-attack-ethiopias-oromiya-region-says-official-2021-04-29/

[8] Mehdi Labzaé, Benishangul conflict spurred by investment, land titling, rumors, Ethiopia Insight, March 8, 2019. https://www.ethiopia-insight.com/2019/03/08/benishangul-conflict-spurred-by-investment-land-titling-rumors/

[9] Michael Horton, Tigray Defense Forces Resist Ethiopian Army Offensive as Sudan, Eritrea, and Ethnic Militias Enter the Fray, The Jamestown Foundation: Global Research & Analysis, May 24, 2021. https://jamestown.org/program/tigray-defense-forces-resist-ethiopian-army-offensive-as-sudan-eritrea-and-ethnic-militias-enter-the-fray/

[10] Ethiopia removes Tigray regional government leader, DW, May 5, 2021. https://www.dw.com/en/ethiopia-removes-tigray-regional-government-leader/a-57440830

[11] ففي يناير 2021 تم تداول مقطع مصور للجنرال بيلاي سيوم قائد المنطقة العسكرية الشمالية وهو يندد بدخول القوات الإريترية، مؤكداً أن الجيش الإثيوبي لم يقم بدعوتهم وأنهم هم من اقتحموا الحدود الشمالية لإثيوبيا، أنظر: Ethiopian General Says Eritrean Troops Entered ‘Tigray’ Uninvited, Tesfa News, January 8, 2021. https://tesfanews.net/ethiopian-general-says-eritrean-troops-entered-tigray-uninvited/; https://cn.reuters.com/article/uk-ethiopia-conflict/ethiopian-general-says-eritrean-troops-entered-tigray-video-clip-idUKKBN29C2L4

[12] Ethiopia Convicts 3 Troops of Rape, Charges 28 for Killings, U.S News, May 21, 2021. https://www.usnews.com/news/world/articles/2021-05-21/ethiopia-charges-28-soldiers-with-killings-in-tigray-region

[13] Ahmed Soliman, Imperfect elections do not fortify Ethiopia’s transition, Chatham House, June 17, 2021. https://www.chathamhouse.org/2021/06/imperfect-elections-do-not-fortify-ethiopias-transition; Ayenta Mersi, Ethiopians vote as opposition alleges some irregularities, Reuters, June 22, 2021. https://www.reuters.com/world/africa/ethiopians-vote-what-government-bills-first-free-election-2021-06-20/

[14] إثيوبيا ترفض تحقيقاً أفريقياً "أحاديا" بشأن إقليم تيجراي، العين الإخبارية، 17 يونيو 2021. https://al-ain.com/article/ethiopia-au-5

[15] Current and Previous Tigray Preconditions for Negotiated Ceasefire, TGHAT, July 29, 2021. https://www.tghat.com/2021/07/29/current-and-previous-tigray-preconditions-for-negotiated-ceasefire/

[16] Ethiopia's Tigray crisis: Rebels vow to fight on until blockade ends, BBC News, Aug 2, 2021. https://www.bbc.com/news/world-africa-58056588

_____

تنويه: جميع حقوق نشر هذه المقالة محفوظة لـ"مركز الإمارات للسياسات"، ويُمنَع إعادة نشرها أو الاقتباس منها، جزئياً أو كلياً، دون أخذ إذن مُباشِر ومُسبَق من المركز، ويستثنى من ذلك الاقتباسات المحدودة المراعية لأصول البحث العلمي، لهدف تعليمي أو بحثي مُحدَّد، مع ضرورة الإشارة إلى المركز بوصفه الناشر الأصلي. 

 

سيناريوهات

­­أفغانستان والتحديات أمام حُكم "طالبان"

مركز الإمارات للسياسات | 18 أكتوبر 2021