­­إسرائيل ومباحثات الاتفاق النووي مع إيران: التوجهات والسيناريوهات

مركز الإمارات للسياسات | 09 أغسطس 2021

حدث التغيير السياسي الحكومي في إسرائيل في خضم المباحثات بين إيران والقوى الدولية، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكيّة، الرامية إلى توقيع اتفاق نووي جديد، ورافق هذه المباحثات والتغيير السياسي في إسرائيل فوز المرشح ابراهيم رئيسي في الانتخابات الإيرانية، والذي اعتبرته إسرائيل شخصاً راديكالياً عموماً، وفي الموضوع النووي خصوصاً.

تُحلِّل هذه الورقة السياسة الإسرائيلية تجاه المباحثات النووية بين الولايات المتحدة وإيران، لاسيّما بعد التغيير السياسي في إسرائيل، حيث كان بنيامين نتنياهو من أشد السياسيين الإسرائيليين معارضة للاتفاق النووي في فيينا عام 2015، ووقف ضد الادارة الأمريكيّة في هذا الصدد، وكان توجهه واضحاً في هذا الملف، وتناقش الورقة سيناريوهات ردود الفعل الإسرائيلية على المباحثات النووية.

الحكومة الإسرائيلية الحالية ومباحثات الاتفاق النووي

منذ فوز جو بايدن في الانتخابات الرئاسية أدركت إسرائيل أنه سوف يفتح ملف الاتفاق النووي مع إيران الذي انسحبت منه الولايات المتحدة فترة الرئيس دونالد ترامب عام 2018. وفعلا بدأت المحادثات بين الطرفين (الولايات المتحدة وإيران) حول اتفاق نووي جديد، رافقه التوصل إلى تفاهمات بين وكالة الطاقة الذرية وإيران في فبراير الماضي، على فتح المفاعلات النووية الإيرانية لرقابة الوكالة والذي انتهت مدته في 24 يونيو الماضي، بعد تمديده شهر اضافي.

وعندما كان نتنياهو يشغل منصب رئيس الحكومة، رفض مجرد وضع تحفظات على الاتفاق النووي الآخذ بالتبلور بين ادارة بايدن وإيران، وفرض على ممثلي المؤسسة الأمنية الإسرائيلية الذين كانوا يلتقون مع نظرائهم الأمريكيين عدم التعاطي مع بنود مسودة المقترح الأمريكي للاتفاق، لأنه اعتبر أن مجرد نقاش تفاصيله وكأن إسرائيل قبلت به[1]. في المقابل كان موقف وزير الدفاع في حكومة بنيامين نتنياهو، بيني غانتس، والذي عبّر عنه خلال زيارته لواشنطن ولقائه وزير الدفاع الأمريكي في ابريل الماضي، أن على إسرائيل أن تكون مع الولايات المتحدة وبتوافق معها فيما يتعلق بالاتفاق النووي، من أجل التأثير عليه. وذلك على عكس ما حدث فترة باراك اوباما حيث تم توقيع الاتفاق بدون دور أو تأثير إسرائيليين بسبب الخلاف بين نتنياهو واوباما حول هذا الملف وتداعيات ذلك على العلاقة بين الرجلين[2].

ومع تشكيل حكومة بينيت-لبيد في إسرائيل واستبدال حكومة نتنياهو، لم يتم حتى الآن بلورة موقف واضح ومحدد من الاتفاق النووي، مع ميل لديها إلى التعاطي معه بالتعاون مع ادارة بايدن. وتعمل شخصيتان، بالأساس، في تعزيز التوجه السابق الذي حمله غانتس خلال حكومة نتنياهو والدفع به كسياسة الحكومة الحالية. وهما، وزير الخارجية الإسرائيلي يائير لبيد، ووزير الدفاع غانتس الذي أكمل اشغال منصبه في حكومة بينيت-لبيد.

ويعتبر الملف النووي الإيراني محل إجماع إسرائيلي من حيث تقييمه على أنه خطر استراتيجي على الأمن القومي الإسرائيلي، وهناك من يعتبره خطراً وجودياً على إسرائيل. في العموم، هناك ثلاثة توجّهات إسرائيلية حول الاتفاق المتبلور بين الولايات المتحدة والدول الكبرى وإيران:

  • التوجه الأول، يرفض مبدأ الاتفاق مع إيران لأنه لا يحل المشكلة جذرياً، بل يؤجلها. الأمر الذي يُعطي إيران الوقت لبسط نفوذها الاقليمي والتخلص من العقوبات الاقتصادية، وتعزيز النظام الإيراني القائم. ويُؤيد أصحابُ هذا التوجه ضرب المشروع النووي عسكرياً، أو استمرار وتشديد العقوبات الاقتصادية على النظام الإيراني وعزله سياسياً ودولياً، ويُمثِّل نتنياهو وأقطاب اليمين الإسرائيلي هذا الموقف.
  • التوجه الثاني، يُؤيد توقيع اتفاق نووي مع إيران، من منطلق أنه حقيقة دولية واقعة، ولكنه يرى أن على إسرائيل أن تكون شريكة من خلال الولايات المتحدة في التأثير على صياغة بنوده، وتحديداً فيما يتعلق بعدة مسائل:
  1. ما يسمى "مدة الاختراق" وهي المدة التي تستطيع إيران من خلالها أن تُحوِّل برنامجها النووي إلى برنامج عسكري، حيث تُطالب إسرائيل بتوسيع هذه المدة.
  2. ما يتعلق بمنظومة الرقابة على البرنامج النووي الإيراني، حيث تُطالب إسرائيل بتشديد الرقابة عليه، على اعتبار أن إيران متمرسة في المراوغة في هذا الشأن.
  3. تحديد رؤية مستقبلية للسياسة الأمريكيّة والدولية في التعامل مع الملف النووي الإيراني بعد انتهاء مدة الاتفاق في العام 2030.

في هذا الصدد، وفي ورقها قدمها كلٌّ من ايلي لفيتا متخصص في الشؤون النووية ورئيس لجنة الطاقة الذرية الإسرائيلية سابقا، وغدعون فرانك والذي شغل أيضا منصب رئيس لجنة الطاقة الذرية، والجنرال أهرون زئيف-فاركش الرئيس السابق للاستخبارات العسكرية، وتم تسليمها لمتخذي القرار في الحكومة الإسرائيلية الحالية، يؤيد الكتّاب الثلاثة الاتفاق النووي مع إيران، ولكنهم يحذرون من بعض الأعطاب فيه[3]، ومنها التحفظات الثلاث المذكورة سابقاً. وفي لقاء جمع بين وزير الخارجية الإسرائيلي يائير لبيد، ووزير الخارجية الأمريكي انتوني بلينكن في روما في يونيو، لم يُعبّر لبيد عن معارضته لاتفاق نووي مع إيران، لكنه أكد أن لدى إسرائيل تحفظات على الاتفاق الذي يتم بلورته مع إيران[4].

  • التوجه الثالث، ويعتقد أن على إسرائيل الاعتماد على السياسة الأمريكيّة والموقف الامريكي الذي لن يسمح بامتلاك إيران سلاحاً نووياً، وهو ينطلق من أن المشروع النووي الإيراني لا يُشكّل تهديداً وجودياً على إسرائيل[5]. وهو بطبيعة الحال توجه هامشي في المشهد الإسرائيلي.

وعلى عكس حكومة نتنياهو التي تبنَّت التوجه الأول، تميل الحكومة الإسرائيلية الحالية حتى الآن نحو التوجه الثاني، وانطلقت في بلورة توجهها هذا من الاتفاق النووي على عدة اعتبارات:

  1. أن التوصل إلى الاتفاق النووي حقيقة نهائية، وأن ادارة بايدن ماضية وعازمة عليه على الرغم من الصعوبات التي تعتري الاتفاق من الجانب الإيراني.
  2. أن الحكومة السابقة فشلت في التأثير على مباحثات الاتفاق الحالي بسبب التوتر بين الحزب الديمقراطي وإدارة بايدن وبنيامين نتنياهو، مع التأكيد أن بايدن شغل منصب نائب الرئيس اوباما فترة اتفاق فيينا، وشهد على التوتر بين اوباما ونتنياهو، وتصرفات نتنياهو التي حاول من خلالها إفشال الاتفاق من خلال الالتفاف على البيت الأبيض، كما حدث عندما خطب نتنياهو في الكونغرس ضد الاتفاق عشية توقيعه بدون تنسيق مع الإدارة الأمريكيّة. لذلك على الحكومة الجديدة تحسين العلاقات مع إدارة بايدن والعمل للتأثير على بنود الاتفاق[6].
  3. إبقاء الخيار العسكري كخيار قائم من أجل ردع إيران، وتحضير مستمر للجيش الإسرائيلي من أجل تنفيذ إمكانية ضرب البرنامج النووي الإيراني عسكرياً. حيث صرح غانتس "أن إسرائيل تعمل دائماً من أجل أن يكون الخيار العسكري قائما"[7]. وعدا ذلك تستمر الحكومة الإسرائيلية الحالية في سياسة تنفيذ هجمات على البرنامج النووي، حيث رجَّحت مصادر أن الهجوم الذي ضرب مفاعل كاراج في 23 من يونيو الماضي كان هجوماً إسرائيليا، وأن إسرائيل كانت قد أخبرت الولايات المتحدة سابقاً عن أن مفاعل كاراج هو هدف عسكري بالنسبة لها[8]. فضلاً عن الهجوم السيبراني الذي تشنه إسرائيل بين الفينة والأخرى ضد مؤسسات إيرانية، كان آخرها، حسب مصادر إسرائيلية، على نظام القطارات الإيراني في بداية شهر يوليو.

وبعد تسلمه منصب رئيس الحكومة، عقد نفتالي بينيت ورشة دراسية مُكثفة حول الملف النووي الإيراني، كانت أهم استنتاجاتها أنه يجب تحضير الجيش من أجل هجوم عسكري على المشروع النووي الإيراني في حال فشل المباحثات، وهرولة إيران نحو تخصيب اليورانيوم للمستوى العسكري. في هذا الصدد طالب الجيش مؤخراً بميزانيات جديدة من أجل تعزيز استعداداته لهذا الخيار[9]. واعتمد هذا الموقف على تقديرات إسرائيلية أن النظام الإيراني تنفَّس الصعداء بعد خسارة ترمب الانتخابات، بسبب تخوُّف النظام من إمكانية ضرب إيران ومشروعها النووي عسكرياً، وترى إسرائيل أن المرشد الإيراني الأعلى، علي خامنئي، يتصرف بثقة كبيرة بالنفس، ولوحظ ذلك خلال إدارته الحملة الانتخابية الإيرانية وشطب الكثير من المرشحين بزعم أنهم غير مخلصين كفاية للثورة الاسلامية، فضلاً عن التقدير الإسرائيلي أن المليشيات المسلحة التي تدعمها إيران سوف تستمر بالعمل بدون علاقة مع توقيع اتفاق مع القوى الكبرى[10].

ووضعت الأجهزة الاستخباراتية الإسرائيلية ثلاثة احتمالات حول مستقبل المباحثات بين الأطراف، وتم تقديمها للحكومة الحالية:

  • الأول ينطلق من أن إيران معنية بالتوقيع على اتفاق ولكنها تنتظر دخول ابراهيم رئيسي منصبه كرئيس إيران في 5 اغسطس 2021، لإعطائه نقطة انطلاق ناجحة وتعزيز شرعيته الدولية.
  • والثاني ينطلق من أن المباحثات بين الأطراف ستتفجر، حيث إن انتخاب رئيسي يدل على توجه إيراني لوضع مطالب متطرفة سيكون من الصعب على الأطراف الأخرى القبول بها.
  • أما الاحتمال الثالث، وهو الذي يحظى بتأييد من شخصيات دولية، فإنه يُحذر من مناورة إيرانية تهدف إلى اطالة المباحثات لشهور، تستغلها إيران من أجل التقدم في مشروعها النووي لاستغلال ذلك كورقة ضغط خلال المباحثات مع القوى الدولية[11]. ويؤكد هذا الاحتمال تصريحات وزير الخارجية الأمريكي انتوني بلينكن بأنه إذا لم يتم التوصل سريعاً إلى اتفاق مع إيران فإن "مدة الاختراق" لإيران للحصول على سلاح نووي سوف تتقلص لبضعة أسابيع فقط[12]. وتشير التقييمات الاستخباراتية الإسرائيلية إلى أن إسرائيل لم تتوصل بعد إلى رؤية واضحة بالنسبة للموقف الإيراني في هذه الفترة من موضوع الاتفاق. غير أن رئيس الحكومة الإسرائيلية نفتالي بينيت صرَّح بُعيد فوز رئيسي في الانتخابات الإيرانية، أن فوز الأخير يدل على توجهات إيران فيما يتعلق بالسلاح النووي[13]، قاصداً أنها ماضية في تخصيب اليورانيوم للأهداف العسكرية. واعتبرت إسرائيل أن موقف إيران من عدم تجديد الاتفاق مع وكالة الطاقة الذرية الذي انتهى في يونيو مؤشراً سلبياً حول توجه إيران من الاتفاق النووي، وهو الاتفاق الذي لم توافق إيران على تجديده بعد انتهاء مدته.

وتشير التقديرات إلى أن الحكومة الحالية توصلت إلى قناعة أن قدرتها على التأثير على الاتفاق الجديد قليلة، لذلك تبذل جهوداً حثيثة من أجل تنسيق المواقف بين الحكومة الحالية وإدارة بايدن بهدف التأثير على بايدن والاتفاق. بدأت هذه الجهود مع زيارة رئيس هيئة الأركان الإسرائيلية، افيف كوخافي إلى واشنطن في نهاية يونيو الماضي التقى خلالها مع كبار المسؤولين الأمريكيين ونقل التحفظات الإسرائيلية على الاتفاق، تبعها لقاء الرئيس الإسرائيلي حينها رؤوبين ريبلين في أول لقاء لمسؤول رسمي إسرائيلي مع بايدن. حيث أكد جو بادين لريبلين أنه لن يكون لإيران سلاح نووي في فترته، في المقابل أكد ريبلين أن "المشروع النووي الإيراني هو التهديد الاستراتيجي الأكبر للعالم الحر، وأن التوجه الذي تحمله إيران خطير ومتطرف بالذات بعد فوز ابراهيم رئيسي في الانتخابات"[14]. ورافق ذلك لقاء لبيد مع بلينكن في روما، وستتوج هذه الجهود بزيارة لنفتالي بينيت للولايات المتحدة في شهر أغسطس الجاري، والذي سوف يُخصص للملف النووي الإيراني. في هذا الصدد يحاول نتنياهو الذي يمثل التوجه الأول، ابراز ضعف الحكومة الحالية في موافقتها على ما تمليه عليها الإدارة الأمريكيّة، موضحاً أن الحكومة الحالية استبدلت الموقف الصلب الذي كان لإسرائيل أمام الادارة الأمريكيّة خلال فترته بموقف رخو، وصرح أنه أعطى أوامر لكل الاجهزة الأمنية في أن يكون موقفها موحدا أمام ادارة بايدن فيما يتعلق بالاتفاق النووي. ودفعت هذا التصريحات الحكومة الحالية إلى اتهام نتنياهو بمحاولة تخريب العلاقات الأمريكيّة-الإسرائيلية من أجل الضغط على الحكومة الحالية في الملف النووي[15]، والتي حتى الآن لا يبدو أن لها موقفاً واضحاً، أو على الأقل واحداً مع المباحثات حول التوصل لاتفاق جديد مع إيران.

السيناريوهات المحتملة للتعاطي الإسرائيلي

في ضوء ما سبق حول التوجهات الإسرائيلية من مباحثات الاتفاق النووي، يمكن الإشارة إلى عدة سيناريوهات للتعاطي الإسرائيلي المستقبلي:

السيناريو الأول: توجُّه إسرائيلي بقبول الاتفاق النووي مع إيران

ينطلق هذا السيناريو من توجُّه أقطاب في الحكومة الحالية التي تعتبر أن أي اتفاق تتوصل له الولايات المتحدة هو اتفاق يحقق المصالح الإسرائيلية، ومن الأفضل عدم الوقوف في وجه الإدارة الأمريكيّة وتحديّها في هذا الصدد. وينطلق هذا السيناريو من الاعتبارات التالية:

  • التجربة السابقة، فعندما وقفت إسرائيل ضد الادارة الأمريكيّة في اتفاق فييّنا، لم يُؤثر ذلك على توجُّه الولايات المتحدة ومضت في توقيع الاتفاق.
  • يُسهم ذلك في تعزيز دور إسرائيل في بلورة بنود الاتفاق بالشراكة مع الولايات المتحدة.
  • يجعل إسرائيل تطالب بضمانات أمريكيّة لأمنها وتعويضها عن الاتفاق النووي على شكل تعزيز التحالف الاستراتيجي ومساعدات اقتصادية وعسكرية.
  • يُعزّز التزام الولايات المتحدة بضمان التفوق العسكري النوعي الإسرائيلي في المنطقة.
  • يُسهم في تحسين العلاقات بين إسرائيل والحزب الديمقراطي، والادارة الحالية الذي طوّر موقفاً متحفظاً من إسرائيل بسبب سياسات وتوجه نتنياهو.
  • لن يمنع الاتفاق إسرائيل من استمرار حربها ضد إيران في المنطقة واستهداف مشروعها النووي، ونفوذها في المنطقة.

السيناريو الثاني: معارضة إسرائيل للاتفاق النووي مع إيران

ينطلق هذا السيناريو من اعتبار إسرائيلي أن أي اتفاق نووي مع إيران لا يحقق المصالح الإسرائيلية، ولا يضمن منع إيران التخلي عن طموحها النووي العسكري، وهو سيناريو يُعيد السياسة الإسرائيلية إلى سياسات نتنياهو في هذا الملف. وينطلق هذا السيناريو من الاعتبارات الإسرائيلية الآتية:

  • استمرار إسرائيل في معارضة اتفاق مع إيران يمسّ شرعية الاتفاق، لأن إسرائيل هي المُهدَّدة الرئيسية من البرنامج النووي الإيراني.
  • معارضة الاتفاق يمنح إسرائيل الشرعية في استمرار حربها السرية والعلنية العسكرية وغير العسكرية (السيبرانية) ضد المشروع النووي الإيراني.
  • معارضة إسرائيل للاتفاق قد يدفع بمزيد من التشدد الدولي في بنود الاتفاق، بحيث يشمل جوانب أخرى مثل مشروع الصواريخ الباليستية.
  • معارضة الاتفاق تحظى بدعم أقطاب في السياسة الأمريكيّة مثل الحزب الجمهوري الذي سيقدم الدعم السياسي والإعلامي للموقف الإسرائيلي.
  • معارضة الاتفاق تخدم الموقف والسياسة اليمينيّة في الحكومة، ويُظهرها أنها ليست أقل من نتنياهو قوة وحزماً في الوقوف أمام الادارة الأمريكيّة.
  • معارضة الاتفاق لن تُقلّل من التزام الولايات المتحدة بأمن إسرائيل وتفوقها، فالعلاقة بينهما استراتيجية تتجاوز خلاف هنا وهناك بين البلدين، وهو ما تؤكده التجربة السابقة، فرغم معارضة إسرائيل للاتفاق السابق وتحديها الإدارة الأمريكية، وقَّع اوباما أهم تحالف استراتيجي مع إسرائيل عشية تركه منصبه الرئاسي.

وتميل الورقة إلى أن السيناريو الأول هو المرجَّح، وأن الحكومة الإسرائيلية ستتخذ موقفاً ينسجم مع الموقف الأمريكي من الاتفاق، ولكن مع محاولة التأثير على بنوده وإدخال المصالح والمطالب الإسرائيلية ضمن الاتفاق. وقد يكون الموقف الإسرائيلي العلني هو معارضة الاتفاق، ولكن ستسعى الحكومة الحالية إلى تنسيق موقفها الجوهري وغير العلني من الاتفاق مع الإدارة الأمريكية في حال تجدّدت المباحثات بين الأطراف مع دخول الرئيس الايراني الجديد للحكم. وتفضِّل إسرائيل أن يبقى الوضع على ما هو عليه الآن وأن يتخلى بايدن عن فكرة توقيع اتفاق مع إيران بكل ثمن، ولكنها لن تتحدى الإدارة الأمريكية بشكل علني كما فعل نتنياهو في السابق.

خلاصة واستنتاجات

تُشير التحركات الإسرائيلية أن الحكومة الجديدة سوف تتخذ موقفاً مختلفاً من الاتفاق النووي الإيراني مقارنةً مع حكومات نتنياهو الذي اعتبر أن البرنامج النووي الإيراني خطر وجودي على إسرائيل، واعتبر اتفاق فيينا عام 2015 اتفاقاً سيئاً لإسرائيل، واستمرت إسرائيل بعدها في محاربة البرنامج النووي بعمليات استخباراتية متنوعة، واعتبرت إسرائيل أن اتفاق فيينا يُؤجِّل المشكلة ولا يحلها، ويعطي إيران مكانة ونفوذاً إقليميين بسبب تراجع العقوبات الاقتصادية بعد الاتفاق.

أما الحكومة الجديدة فسوف تكون متماهية مع الموقف الأمريكي فيما يتعلق بالمباحثات مع إيران، سواء نجحت هذه المباحثات في التوصل إلى اتفاق أم أخفقت في ذلك. فهنالك توجه قويّ في الحكومة الحالية يعتبر أن العلاقات مع الولايات المتحدة وعدم تحدِّي إدارتها هو جوهر الأمن القومي الإسرائيلي. ويقود هذا التوجه وزير الخارجية ورئيس الحكومة بالإنابة، يائير لبيد، ووزير الدفاع بيني غانتس، فضلاً عن قناعتهما أن معارضة الاتفاق والخروج ضده بشكل مباشر لن يُغير الإرادة الأمريكيّة في التوصل إلى اتفاق عندما يحين ذلك.

علاوةً على ذلك، اعتبر أقطاب في الحكومة الإسرائيلية الحالية أن سياسة نتنياهو في التعامل مع الملف النووي فشلت؛ فعندما تحدَّى أوباما لم يثنِ ذلك الأخير من توقيع اتفاق مع إيران، وعندما ضغط على ترمب للانسحاب من الاتفاق لم يثنِ ذلك إيران من الاستمرار في مشروعها النووي، وفشلت سياسة إخضاعها عبر تشديد العقوبات الاقتصادية عليها. يضاف إلى ذلك، الخلافات داخل المؤسسة السياسية والأمنية الإسرائيلية حول أهمية الاتفاق وتحقيقه للمصالح الإسرائيلية؛ فليس هنالك إجماع أن اتفاقاً نووياً مع إيران هو ضد مصلحة إسرائيل، لاسيما إذا استطاعت أن تكون شريكة في بلورة بنوده بالتعاون مع الولايات المتحدة، وتحسين الاتفاق مقارنةً مع اتفاق فيينا السابق.

الهوامش

[1] عاموس هرئيل، خلال هجومه على نتنياهو، بينيت يشير أن إسرائيل غير جاهزة للوضع الجديد مع إيران. هآرتس، 15\7\2021. ص 1+4.

[2] يانيف كوفوفيتش، غانتس: سنعمل مع الولايات المتحدة حتى نضمن أن يمنع الاتفاق مع إيران سباق تسلح نووي في المنطقة. هآرتس، 11\4\2021، أنظر الرابط: גנץ: נעבוד עם ארה"ב כדי להבטיח שכל הסכם עם איראן ימנע מירוץ חימוש גרעיני באזור - מדיני ביטחוני - הארץ (haaretz.co.il)

[3] الون بينكس، الشك بدأ يتغلغل. هآرتس، 30\6\2021، ص 3+10.

[4] يهوناتان ليس، ريبلين سيلتقي اليوم مع بايدن ويعبر عن التحفظ من الاتفاق النووي. هآرتس، 28\6\2021، ص 3.

[5] أنظر على سبيل المثال مقال للعالم النووي الإسرائيلي نوح شامير الذي كان عضواً لمدة 40 عاماً في لجنة الطاقة الذرية: نوح شامير، النووي الإيراني ليس تهديداً وجودياً على إسرائيل. هآرتس، 9\7\2021، ص 20.

[6] المصدر السابق.

[7] بن صموئيليس، في الائتلاف يتهمون نتنياهو بمحاولة تخريب العلاقات مع الولايات المتحدة. هآرتس، 25\6\20121، ص 5.

[8] نيويورك تايمز ويانيف كوفيفيتش، إسرائيل أخبرت الولايات المتحدة العام الماضي أن المفاعل النووي هو هدف لهجوم عسكري. هآرتس، 25\6\2021، ص 5.

[9] عاموس هرئيل، خطط ترامب كشفت عن حجم تأثير نتنياهو عليه. هآرتس، 18\7\2021، ص 4.

[10] عاموس هرئيل، إسرائيل تقدر أن دعاية خامنئي للتوصل إلى اتفاق تبددت. هآرتس، 13\7\2021، ص 1+4.

[11] يهوناتان ليس، هنالك صعوبة في إسرائيل في تحديد هل وُجهة إيران لتوقيع اتفاق أو للتطرف. هآرتس، 23\6\2021، ص 1+5.

[12] المصدر السابق، ص 5.

[13] هوناتان ليس، بينيت عن انتخاب رئيسي: إشارة للعالم بالاستيقاظ. هآرتس، 21\6\2021، ص 1.

[14] يوهانان ليس، بينيت: سندافع عن أنفسنا، ولم نقيّد أيدينا من تأمين أمننا، هآرتس، 1\7\2021، ص 4.

[15] بن صموئيليس، في الائتلاف يتهمون نتنياهو بمحاولة تخريب العلاقات مع الولايات المتحدة، مصدر سبق ذكره.

_____

تنويه: جميع حقوق نشر هذه المقالة محفوظة لـ"مركز الإمارات للسياسات"، ويُمنَع إعادة نشرها أو الاقتباس منها، جزئياً أو كلياً، دون أخذ إذن مُباشِر ومُسبَق من المركز، ويستثنى من ذلك الاقتباسات المحدودة المراعية لأصول البحث العلمي، لهدف تعليمي أو بحثي مُحدَّد، مع ضرورة الإشارة إلى المركز بوصفه الناشر الأصلي. 

 

سيناريوهات

­­أفغانستان والتحديات أمام حُكم "طالبان"

مركز الإمارات للسياسات | 18 أكتوبر 2021