سياسة روسيا في أفغانستان بعد انسحاب القوات الأجنبية: المحددات والتوجهات المُتوقَّعة

مركز الإمارات للسياسات | 04 أغسطس 2021

سينتهي الوجود العسكري الأجنبي في أفغانستان بحلول سبتمبر المقبل (2021). ورغم أنه كان من الممكن أن يمثل هذا التطور نقطة تحول إيجابية كبيرة في تاريخ أفغانستان، لكن على العكس، هناك مخاوف ضخمة من تبعات هذا الانسحاب، بالنظر إلى ما قد يرتبه ذلك من سيناريوهات عدة على مستوى الوضع الداخلي، أو على مستوى الصراعات الدولية والإقليمية على أفغانستان، وهي سيناريوهات سلبية في المجمل يعززها انقسام النخبة الأفغانية وضعف مؤسسات الدولة الأفغانية، سواء القوات الأمنية أو مؤسسات إنفاذ القانون وانحسارها عن مساحة كبيرة من الأراضي الأفغانية.

تسلِّط هذه الورقة الضوء على أبرز التداعيات المحتملة للانسحاب الأمريكي من أفغانستان، والآليات المتوقعة للتعامل معها، بالنسبة إلى روسيا وبلدان آسيا الوسطى، على ضوء ظهور تحديات جديدة وتهديدات واسعة وُصفت لدى الأوساط الروسية بأنها أهم اختبار لقدرات بلدان الرابطة المستقلة ومجموعة "شانغهاي للتعاون" كونها لا تُهدد روسيا وحدها بل تهدد أيضاً حلفاءها في المنطقة.

أهمية أفغانستان بالنسبة إلى روسيا

شغلت أفغانستان على مدى قرون موقعاً مهماً على لائحة أولويات السياسة الروسية، وكانت دائماً محور صراعات مع قوى إقليمية وعالمية، بفضل موقعها في قلب آسيا الوسطى وكونها تُعد أقصر معبر بري إلى اسواق جنوب آسيا. وهذا ما حدد طبيعة الصراع للسيطرة عليها بين روسيا وبريطانيا في القرن التاسع عشر فيما عرف بـ "اللعبة الكبرى". وفي القرن العشرين تم اكتشاف وتطوير حقول نفطية كبيرة في المنطقة، ما زاد من الاهتمام الدولي بالمنطقة وحوَّلها إلى ساحة صراع بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة.

وفي حين أن خروج الاتحاد السوفييتي مهزوماً من حرب أفغانستان في العام 1988 شكَّل بداية النهاية بالنسبة إلى الدولة العظمى في السابق، فإن روسيا بعد تفكُّك الدولة السوفيتية لم تربطها حدود مع أفغانستان، لكن اهتمامها بهذا البلد لم يتراجع، خصوصاً ان ثلاث جمهوريات سوفيتية سابقة (اوزبكستان وطاجكستان وتركمنستان) تربطها حدود معها، فضلاً عن أن الحضور العسكري الأمريكي لمدة عقدين في المنطقة أعاد الصراع على أفغانستان إلى لائحة الأولويات. لعدة اعتبارات أبرزها:

  • تزايد التهديدات الإرهابية التي تنطلق من أفغانستان ومن الجمهوريات المحيطة، وبروز نشاط عدد من الأحزاب والتنظيمات المتشددة التي تنشط في آسيا الوسطى عموماً، بينها بجانب "القاعدة" "حزب التحرير الاسلامي" وحزب تحرير تركستان" وغيرها.
  •  تهديد المخدرات المتزايد، علماً أن نحو 90% من الإنتاج العالمي من الأفيون ينطلق من أفغانستان. وعانت روسيا خلال عقدين من تحوُّل أراضيها إلى معبر لنقل المخدرات إلى أوروبا ومناطق أخرى.
  • الحرب المستمرة في أفغانستان أسهمت في زعزعة استقرار الدول المجاورة التي بنت أنظمة هشة، وحافظت في غالبيتها على بؤر توتر داخلية انقلبت في أكثر من مناسبة إلى ساحات مواجهة مسلحة.
  • أسهم الوضع في أفغانستان والجمهوريات المحيطة بها خلال العقدين الماضيين في تشجيع عمليات الهجرة غير الشرعية إلى روسيا ومناطق أخرى، وفي حالات كثيرة كانت الهجرة مرتبطة بأعمال متطرفة، علماً أن غالبية المجموعات المتشددة التي تواجهها حالياً روسيا على أراضيها جاءت من منطقة آسيا الوسطى.
  • حمل الحضور العسكري الأمريكي في أفغانستان تهديداً مباشراً للمصالح الروسية في جمهوريات آسيا الوسطى، وزاد من نزعة التنافس الروسي الأمريكي على هذه المنطقة، وهذا برز في سعي واشنطن لإقامة قواعد عسكرية في بلدان مثل طاجكستان وأوزبكستان لتسهيل مهمة جيشها، فضلاً عن توجُّه واشنطن لزيادة تأثيرها كحليف بديل عن روسيا وهذا ظهر واضحاً في مثال انسحاب أوزبكستان من منظمة الأمن الجماعي التي تقودها روسيا في مقابل تعزيز طشقند روابطها الأمنية والعسكرية مع الولايات المتحدة، علماً أن واشنطن أقامت قاعدة عسكرية في أوزبكستان بين عامي 2001 و2005 ثم انسحبت منها استجابة لطلب طشقند ونقلت قواتها إلى قاعدة "ماناس" في قيرغيزستان" (أُغلقت هذه القاعدة رسمياً في 2014) . في المقابل، أغلقت طشقند القاعدة العسكرية الروسية في هذا البلد، وظلت موسكو تحتفظ بقاعدة عسكرية ضخمة في طاجكستان.
  • يبقى العنصر المهم الأخير هو ضمان إمدادات النفط والغاز من المنطقة، والسيطرة عليها بشكل كامل، علماً أن موسكو تسيطر بشكل كامل تقريباً على إمدادات الغاز الطبيعي الضخمة من تركمانستان وتقوم بشرائه بأسعار تفضيلية وإعادة بيعه إلى أوروبا بأسعار السوق.

كيف تتعامل موسكو مع قرار سحب قوات حلف الناتو؟

خَلْف حديث الدبلوماسيين الروس عن "هزيمة الولايات المتحدة" وفشلها الذريع على مدى عقدين في تحقيق أهداف الحملة العسكرية على أفغانستان، تبرز مشكلات جدية أمام موسكو بسبب قرار الانسحاب وتأثيراته المباشرة على الارض، خصوصاً مع توسيع "طالبان" سيطرتها الميدانية واستعدادها عملياً لتولِّي القرار في البلاد. ويرى خبراء روس أن موسكو واجهت مشكلتين كبيرتين بسبب قرار الغزو الأمريكي لأفغانستان: الأولى من خلال تغيير الوضع الجيوسياسي في المنطقة كلها لتسهيل السيطرة على أفغانستان، والثانية بسبب الانسحاب السريع مع ترك الفوضى تسيطر على البلاد.

كان دخول الولايات المتحدة إلى أفغانستان في عام 2001 بمثابة بداية الوجود العسكري لواشنطن في قلب أوراسيا، وتطلَّب ذلك تجهيز قواعد الدعم في آسيا الوسطى وإنشاء ممرات لوجستية عبر باكستان والبحر الأسود وبحر قزوين ومنطقة جنوب القوقاز وأوروبا الشرقية وحتى عبر التعاون مع روسيا لتسهيل الإمدادات العسكرية لسنوات طويلة. وأدَّى الوجود العسكري إلى زيادة النفوذ السياسي والأيديولوجي الأمريكي في المنطقة، الأمر الذي أثار مخاوف بين روسيا والصين وإيران. وأدى نشر القوات في أفغانستان والعراق إلى جعل الولايات المتحدة القوة المهيمنة في أوراسيا.

بعد عشرين عاماً، الولايات المتحدة تغادر، وأفغانستان تغرق في الفوضى. وصحيح أن تنظيم "القاعدة" الذي شن هجمات 11 سبتمبر هُزِم سريعاً، لكن طالبان التي وفرت له الملجأ تظل أقوى قوة في البلاد، وهي تستعد للإطاحة بالحكومة المدعومة من الولايات المتحدة في كابول. وثمة من يرى خطراً آخر لا يقل اهمية، وهو احتمال اتساع نفوذ وحضور تنظيم "داعش" الذي بدأ بنقل جزء من نشاطه إلى أفغانستان بعد هزيمته في الشرق الأوسط. لكن فريقاً واسعاً من الدبلوماسيين الروس يقلل من أهمية هذا الخطر كون "طالبان" استفادت من تجربتها السابقة بدعم واحتضان "القاعدة"، وهذا أمر حرصت طالبان على إبلاغ القيادة الروسية به خلال كل اللقاءات التي جرت معها في الآونة الأخيرة.

المخاوف الروسية تكمن في احتمال فشل التوصل لتسوية داخلية سريعاً، والتعثُّر الذي شهدته جولات الحوار الاخيرة في الدوحة يُعد مؤشراً على ذلك، ما يعني ان احتمال اندلاع حرب اهلية واسعة ما زال قائماً، وقد تكون أكثر عنفاً، والأسوأ من ذلك أن تنجح طالبان بإطاحة الحكومة المعترف بها دولياً، ما يمكن أن يسفر عن تدفق موجات الهجرة، فضلاً عن تدفق الإرهاب العابر للحدود إلى البلدان المجاورة، ما يعني في اسوأ السيناريوات أن أفغانستان قد تتحوَّل إلى قاعدة لزعزعة استقرار آسيا الوسطى. لذلك حرصت روسيا على ترك باب الحوار مع "طالبان" مفتوحاً، واستضافت ممثلين عنهم في جولات حوار مطولة، برغم أنها من الناحية الرسمية والقانونية لم ترفع الحركة عن لائحة الارهاب. أكثر من ذلك فقد حثَّت موسكو الحكومة الأفغانية على "عدم المماطلة والتأثير الايجابي في الحوار حول آليات التسوية النهائية داخلياً"، ورأت أن كابول بذلك "قد تضيع فرصة كبيرة وتدفع الوضع إلى مزيد من التأزم"، وفقاً لتعبير وزير الخارجية سيرغي لافروف.

في مقابل هذه المخاوف لا ترى موسكو مشكلة في التعامل مستقبلاً مع حكومة تسيطر عليها "طالبان" أو تشكل العمود الفقري لها، بسبب القناعة بأن هذه الحركة التي تمثل الغالبية البشتونية سيظل لها حضور سياسي وعشائري ومجتمعي قوي. لكن هذه القناعة مرتبطة بأن يبقى نفوذ أي حكومة أفغانية داخلياً ولا ينعكس على المحيط الإقليمي، بمعنى عدم مواصلة احتضان المتشددين والتعامل بشكل فعال مع ملف المخدرات وغيرها من المشكلات القائمة حالياً.

محددات التحرك الروسي حتى سبتمبر المقبل

مع اتضاح ملامح الاتفاق على الانسحاب الأمريكي، وشروع واشنطن فعلياً في بداية مايو الماضي بتنفيذ بنود الاتفاق، تزايدت المخاوف في روسيا ودول آسيا الوسطى من حال الفوضى التي يمكن أن تسود المنطقة، وفور تلقِّي موسكو طلباً رسمياً من طاجكستان في السابع من يوليو الماضي، بالمساعدة في إطار منظمة الامن الجماعي على حماية الحدود ومنع أي تطورات وانعكاسات سلبية بسبب الانسحاب الأمريكي، سارعت موسكو وحليفاتها في المنظمة إلى تنشيط التحرك الدبلوماسي والاتصالات مع الأطراف المختلفة، بما فيها "طالبان" والحكومة الأفغانية. كما أن التحرك الروسي امتد ليشمل منظمة شانغهاي للتعاون، التي تضم الصين بالإضافة إلى أطراف المعاهدة الأمنية من الجمهوريات السوفيتية السابقة.

لهذا الغرض انعقد في دوشانبي العاصمة الطاجيكية اجتماع على مستوى وزراء خارجية "مجموعة شانغهاي" بحث الترتيبات الجماعية الممكنة لضمان أمن المنطقة بعد الانسحاب الأمريكي، وجرى الإعداد لقمة لرؤساء بلدان المنظمة في سبتمبر المقبل. ويُعد هذا التحرك جزءاً من النشاط الجماعي الذي تقوده عملياً في الوقت الحالي روسيا والصين، لدراسة التحديات الجديدة، ووضع الترتيبات اللازمة لمواجهة السيناريوات المختلفة بعد انجاز الانسحاب الأمريكي الأطلسي.

لكن في الوقت ذاته، قامت موسكو بتحرك واسع ومنفرد للتحضير للاستحقاق المقبل، من خلال إعادة نشاط القاعدة العسكرية الروسية في طاجكستان إلى الواجهة، والشروع بعمليات واسعة وفقاً لمصادر عسكرية لتحديثها وتطوير المعدات فيها، كونها ستلعب من وجهة نظر موسكو وحليفاتها في آسيا الوسطى دوراً اساسياً في تأمين الحدود مع أفغانستان خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد الدبلوماسي لم تكتف موسكو بالمشاورات التمهيدية مع كل بلدان المنطقة، بل استضافت أيضاً ممثلي "طالبان" وأخذت منهم تعهدات بأن تضمن الحركة عدم السماح بأي نشاط إرهابي أو للأحزاب المتشددة في محيطها الإقليمي انطلاقاً من أفغانستان. في الوقت ذاته واصلت موسكو مشاوراتها مع الحكومة الأفغانية التي حضرت اجتماعات منظمة شانغهاي كونها عضواً مراقباً في هذه المجموعة. وأعلنت موسكو على المستوى الرسمي أنها لن تتدخل عسكرياً أو تقوم بأي تحرك تجاه الوضع في أفغانستان إلا في حال تعرُّضها هي أو تعرُّض حلفائها في آسيا الوسطى لخطر أو تهديد مباشر. لكن تبرز نقاط عدة حول حدود وإمكانات الدور الروسي خلال المرحلة المقبلة.

  • فروسيا ودول آسيا الوسطى لا تملك الموارد ولا الأسباب ولا الرغبة في التدخل العسكري المباشر في الشؤون الأفغانية؛ لأنه سيكون محفوفاً بمخاطر كبرى، والأهم من ذلك أنه لا توجد مصالح مباشرة لروسيا حالياً في أفغانستان ذاتها، بمعنى أن انزلاق الوضع الداخلي الأفغاني لن يشكل خطراً على موسكو إلا لجهة تصاعد الخطر الارهابي في المحيط، لذلك تتجه الجهود المبذولة حالياً لمواجهة هذا السيناريو فقط، ولذلك أيضاً تبدو موسكو منفتحة على الحوار مع كل الأطراف الأفغانية.
  • الأولوية تكمن في ضمان أمن حدود أوزبكستان وطاجيكستان؛ فهما لا تملكان القدرة ولا الرغبة أيضاً في التدخل عسكرياً في الصراع الداخلي بين الأفغان.
  • مع هدف عدم الانجرار إلى أي صراعات داخلية في أفغانستان، تستعد موسكو لسيناريو توجيه ضربات محددة ضد أهداف أو مواقع إذا ثبت أنها يمكن أن تشكل قاعدة انطلاق لتهديد أمن البلدان المجاورة.
  • هناك جزء من النخب الروسية يرى أن الانسحاب الأمريكي برغم أنه سيكون كاملاً، لكنه لا يعني أن واشنطن لن تستخدم قدراتها على توجيه ضربات عن بعد إلى أهداف داخل أفغانستان إذا دعت الحاجة، وهذا يعني بالنسبة لموسكو أن واشنطن لا تنسحب نهائياً من آسيا الوسطى، وستعمل على تعزيز حضورها في المنطقة عبر نقل جزء من معداتها وقواتها إليها. وتحدثت تسريبات عن تقديم واشنطن طلباً رسمياً إلى أوزبكستان وقيرغيزستان في هذا الشأن، وهو أمر تراقبه موسكو عن كثب حالياً، وحذرت أخيراً على لسان سيرغي لافروف من أن أي بلد يمنح واشنطن هذا الوجود سيغامر بأن يكون طرفاً دائماً في الصراع في أفغانستان.
  • تقوم موسكو حالياً بجانب إعادة تأهيل وتحديث قاعدتها العسكرية في طاجكستان، بالاستعداد للاستحقاق المقبل في أفغانستان عبر تعزيز قواتها في قيرغيزستان أيضاً، كما تعمل المنطقة العسكرية المركزية في روسيا ومقرها في يكاترينبورغ على دراسة آليات التحرك السريع إذا دعت الضرورة، فضلاً عن التنسيق الروسي الجاري مع القوات المسلحة والبنية التحتية في كازاخستان. وتضم منظمة معاهدة الأمن الجماعي كازاخستان وقيرغيزستان وروسيا وطاجيكستان. ومع غياب أوزبكستان وتركمنستان عنها فإن التنسيق مع البلدين له أهمية خاصة بالنسبة إلى روسيا، خصوصاً أن تركمنستان - من بين دول آسيا الوسطى - لها أطول حدود مشتركة مع أفغانستان.

شركاء روسيا المحتملين في التحرك على صعيد التطورات الأفغانية

يُشكِّل الوضع المتدهور في أفغانستان اختبارًا خطيرًا لمنظمة معاهدة الأمن الجماعي، والتي سيتعين عليها إثبات قدرتها على أن تكون ضامنًا للأمن في المنطقة. ويُعد هدف السيطرة على حدود طاجيكستان وأوزبكستان مع أفغانستان أمراً بالغ الأهمية بصفته خط الدفاع الأول لآسيا الوسطى وروسيا. ويجب أن يُعطي الانسحاب الأمريكي من أفغانستان دفعة جديدة لعمل المنظمة. وبرغم أن أهداف وأولويات هذه البلدان تشهد اختلافًا كبيرًا وتعارضاً أحياناً مع بعضها البعض، فإن الخبرة التي اكتسبتها موسكو في السنوات الأخيرة في الشرق الأوسط تُظهر أنه من الممكن الحفاظ على الاتصالات مع كل الأطراف المنخرطة في الأزمة.

على الصعيد الدبلوماسي تحاول موسكو المحافظة على اتفاقيات التعاون الموقعة مع الحكومة الأفغانية الحالية، بما في ذلك المجالات العسكرية والأمنية. لكن موسكو برأي خبراء لا تسعى للعب دور البديل في أي حال عن واشنطن، وهو أمر صعب ليس فقط بسبب تعقيدات العلاقة مع "طالبان"، ولكن لأن موسكو أيضاً لم تكن لديها في أي وقت مشاعر ودية أو علاقات جيدة للغاية مع الرئيس الأفغاني أشرف غني.

وبين التوجهات المتوقعة للتحرك الروسي توسيع الاتصالات مع إسلام أباد، التي لم تحظ حتى الآن باهتمام خاص من جانب موسكو التي تربطها علاقات تعاون وثيقة مع الهند. لكن التعاون الوثيق بين "طالبان" وأجهزة المخابرات الباكستانية يُجبر روسيا على توسيع اتصالاتها، خاصة مع الجيش والمخابرات الباكستانية.

وبطبيعة الحال فإن الملف الأفغاني سيكون له أولوية في التنسيق مع الصين التي هي طرف أساسي في مجموعة شانغهاي، والتي تربطها أيضاً علاقات جيدة مع باكستان. 

ويبقى أن التعاون أو على الأقل الإبقاء على بعض قنوات التنسيق مع الولايات المتحدة بعد انسحاب القوات الأمريكية لا يمكن أن ينتهي، وإن كان سيظل محدوداً وفقاً للتوقعات. ويرى خبراء أنه على الرغم من أن الولايات المتحدة تفقد اهتمامها بالشرق الأوسط وأفغانستان المجاورة، بما يعني أن واشنطن في الغالب لن ترغب بأن تحمل مسؤولية الوضع على الأرض بعد الآن، لكنها في الوقت ذاته ستستمر في التصرف في المنطقة كقوة عالمية. وفي هذا، يمكن للولايات المتحدة أيضاً الاعتماد على حلفائها في الناتو، وعلى سبيل المثال المملكة المتحدة وتركيا.

ولا يستبعد خبراء أن تُوسِّع موسكو، التي باتت لديها خبرة واسعة في التعامل مع السياسة التركية، من اتصالاتها مع أنقرة في الشأن الأفغاني، خصوصاً بعد بروز اهتمام تركي خاص بأفغانستان بشكل متزايد في الفترة الاخيرة. والعلاقات مع تركيا في هذا الشأن تبقى لها أهمية خاصة؛ لأنها على غرار الوضع في سوريا تشكل بحكم عضويتها في الناتو واتصالاتها مع واشنطن عنصراً مهماً للسياسة الروسية تجاه هذين الطرفين.

ومع سيطرة الفهم بأن المهمة الاساسية لموسكو يمكن أن تنحصر في احتواء أي حكومة مقبلة في أفغانستان والسعي، من الخارج غالباً، إلى تقليص المخاطر المحتملة لاستمرار الصراع، إلا أنه يوجد رأي بأن مصلحة موسكو على المدى القصير والمتوسط ربما، انتصار "طالبان" الكامل، باعتبار أن أولويات الحكومة التي ستديرها "طالبان" وحلفاؤها سوف تنحصر في سنوات أولى في تثبيت الحكم والسعي إلى استقرار الوضع الداخلي بعد أن أضعفت الحرب كل الأطراف، وسينشغل مركز القرار في حل المشاكل الملحة اقتصادياً وسياسياً ومعيشياً، بما في ذلك على صعيد السعي لجذب استثمارات خارجية يمكن أن تقدمها الصين وباكستان وبلدان الخليج العربي. لكن في المقابل، لا ينبغي وفقاً لهذا الرأي تجاهل منطق أن سيطرة حركة راديكالية على السلطة قد يُسفر عن انقلاب في أولوياتها خلال سنوات لاحقة، ما يعني أن تبقى موسكو مستعدة لكل الفرضيات المحتملة بما فيها احتمال القيام بعمل عسكري إذا اضطرت لذلك في المستقبل.

خلاصة واستنتاجات

  • لا تملك روسيا ودول آسيا الوسطى الموارد ولا الرغبة للتدخل العسكري المباشر في الشؤون الأفغانية؛ لأنه سيكون محفوفاً بمخاطر كبرى، والأهم من ذلك أنه ليست لروسيا مصالح مباشرة حالياً في أفغانستان ذاتها؛ فانزلاق الوضع الداخلي الافغاني لن يشكل خطراً على موسكو إلا لجهة تصاعد الخطر الارهابي في المحيط، لذلك تتجه الجهود المبذولة حالياً لمواجهة هذا السيناريو فقط، ولذلك أيضاً تبدو موسكو منفتحة على الحوار مع كل الأطراف الأفغانية. لكن مع هدف عدم الانجرار للصراع الداخلي في أفغانستان، تستعد موسكو لسيناريو توجيه ضربات محددة ضد أهداف أو مواقع إذا ثبت أنها تشكل قاعدة انطلاق لتهديد أمنها أو أمن البلدان المجاورة.
  • ترى بعض النخب الروسية أن الانسحاب الأمريكي لا يعني أن واشنطن لن تستخدم قدراتها على توجيه ضربات عن بعد إلى أهداف داخل أفغانستان إذا دعت الحاجة، وهذا يعني بالنسبة لموسكو أن واشنطن ستعمل على تعزيز حضورها في المنطقة عبر نقل جزء من معداتها وقواتها إليها. وبجانب إعادة تأهيل وتحديث قاعدتها العسكرية في طاجكستان، تستعد موسكو للاستحقاق المقبل في أفغانستان عبر تعزيز قواتها في قيرغيزستان أيضاً، وتعمل المنطقة العسكرية المركزية في روسيا على دراسة آليات التحرك السريع إذا دعت الضرورة، فضلاً عن التنسيق الروسي الجاري مع القوات المسلحة والبنية التحتية في كازاخستان.
  • على الصعيد الدبلوماسي، تحاول موسكو المحافظة على اتفاقيات التعاون الموقعة مع الحكومة الأفغانية الحالية. وبين التوجهات المتوقعة للتحرك الروسي توسيع الاتصالات مع إسلام أباد. وبطبيعة الحال، فإن الملف الافغاني سيكون له أولوية في التنسيق مع الصين التي هي طرف أساسي في مجموعة شانغهاي، والتي تربطها أيضاً علاقات جيدة مع باكستان. والتعاون أو على الأقل الإبقاء على بعض قنوات التنسيق مع الولايات المتحدة بعد انسحاب القوات الأمريكية لا يمكن أن ينتهي. ولا يُستبعد أيضاً أن تُوسِّع موسكو من اتصالاتها مع أنقرة في الشأن الأفغاني.

_____

تنويه: جميع حقوق نشر هذه المقالة محفوظة لـ"مركز الإمارات للسياسات"، ويُمنَع إعادة نشرها أو الاقتباس منها، جزئياً أو كلياً، دون أخذ إذن مُباشِر ومُسبَق من المركز، ويستثنى من ذلك الاقتباسات المحدودة المراعية لأصول البحث العلمي، لهدف تعليمي أو بحثي مُحدَّد، مع ضرورة الإشارة إلى المركز بوصفه الناشر الأصلي. 

سيناريوهات

­­أفغانستان والتحديات أمام حُكم "طالبان"

مركز الإمارات للسياسات | 18 أكتوبر 2021