ماذا لو عُزِلَ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من منصبه؟

أمير نبيل | 16 ديسمبر 2019

في حال مضى سيناريو عزل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى منتهاه، فإنها ستكون المرة الأولى في تاريخ الولايات المتحدة التي يُعزل فيها رئيس من منصبه، ورغم أن ترامب يعد الرئيس الرابع في التاريخ الأمريكي الذي يتعرض لمحاولة عزل من منصبه، بعد الرؤساء السابقين جونسون ونيكسون وكلينتون، إلا أنه وفقاً لهذا السيناريو سيكون أول رئيس يجري عزله فعلياً من منصبه. وخلال هذه العملية، لا شك أن الكونغرس سيحرص على الاستفادة من الخبرات التاريخية والسياسية في هذا المجال، ومع أن عزل ترامب سيكون أمراً بالغ الصعوبة، خصوصاً مع وجود أغلبية جمهورية في مجلس الشيوخ تدعم الرجل ولو نظرياً، إلا أن إمكانية تغيير كثير من أنصار ترامب لمواقفهم، وانقلابهم إلى معارضين له ستظل واردة، لاسيما إذا تبيَّن لهم من خلال جلسات الاستماع العلنية في مجلس النواب وشهادات الشهود حول الكثير مما كان يحدث في إدارة ترامب، أن المضي في إجراءات محاكمته وعزله بات ضرورياً، ويستوجب وضع المشرعين بالكونغرس بمجلسيه الأولوية للولاء للوطن والمسئولية أمام الشعب أكثر من الولاء الحزبي لشخصية الرئيس.

تبعاً لهذا، وإعمالاً للمادة الخامسة من الدستور الأمريكي، فإن حلول مايك بنس نائب الرئيس "المعزول" مكان سلفهِ كرئيسٍ مؤقتٍ للولايات المتحدة سيكون شبه مؤكدٍ بل ومُرجَّحاً بقوة، باعتباره رئيس مجلس الشيوخ والشخص الأول في خط خلافة الرئيس، ومن ثمَّ فهو من سيُكمِل مدته التي تستمر حتى 20 يناير من عام 2021، والتي تعد بمثابة الفترة الانتقالية قبل تولي الرئيس الجديد مهام منصبه.

ونظراً لتحقُّق هذا السيناريو قبل انطلاق سباق الانتخابات الرئاسية في 2020 والتي كان ترامب قد أعلن عزمه خوضها، فإن تطوراً خطيراً كهذا سيكون بمثابة "زلزال سياسي" يُغيِّر كل شيء في مسار السياسات الأمريكية داخلياً وخارجياً، وسيتحمَّل الكونغرس في أثناء ذلك الكثير من أعباء إدارة المرحلة المقبلة من تاريخ البلاد إلى حين إجراء الانتخابات الرئاسية، ووصول رئيس جديد إلى البيت الأبيض.

تداعيات عَزْل ترامب

1) على مستوى بُنية النظام السياسي، وتوازن السلطات القائم في الولايات المتحدة: لأنها المرة الأولى في تاريخ الولايات المتحدة التي يتم فيها فعلياً عزل رئيس الدولة من منصبه، وهو رئيس السلطة التنفيذية، فقد عزز ذلك من صلاحيات السلطة التشريعية، ممثلة في الكونغرس بمجلسيه، على تنفيذ هذا العزل غير المسبوق، باستخدام الدور الرقابي المنوط به. كما أنه بات على الرئيس المُقبِل إعادة النظر في علاقته بالكونغرس، وفي تداعيات أي قرارات أو مواقف يتخذها في المستقبل على علاقته بالأغلبية البرلمانية فيه، سواء كانت لحزبه أو للحزب المنافس.

وبالفعل ستؤثر عملية العزل على التوازن بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، فخلال العامين الأولين من فترة حكم ترامب كان حزبه الجمهوري الحاكم يتمتع بالأغلبية في مجلس النواب، لكنه خسرها في انتخابات التجديد النصفي عام 2018، وصارت لديه أغلبية في مجلس الشيوخ. وترسخت لدى ترامب قناعة بأنه ما زال لديه مفاتيح اللعبة السياسية باعتبار أن القوانين التي يناقشها مجلس النواب، ينبغي أن تمر على مجلس الشيوخ للمصادقة عليها. ومن ثم يجب أن تكون هناك مواءمات بين ما يسعى الرئيس، رأس السلطة التنفيذية، إلى تمريره من مشروعات قوانين مقترحة تحظى بتأييد ترامب وحزبه الجمهوري في مجلس النواب، وبين ما تتطلع إليه الأغلبية الديمقراطية بمجلس النواب، أحد ركني السلطة التشريعية، للموافقة عليه في مجلس الشيوخ، من مشروعات قوانين أخرى. وما كان يدور بخلد ترامب، أن ينشق عنه عدد كبير من أعضاء من الأغلبية الجمهورية في مجلس الشيوخ، مما يجعل فكرة استمرار مناصرة الأغلبية البرلمانية الموالية للرئيس على الدوام مشكوكاً فيها.

2) على مستوى سياسات الإدارة الجديدة في البيت الأبيض: من المتوقع أن ينظر العالم إلى مرحلة ما بعد ترامب في داخل الولايات المتحدة، القوة العظمى الأبرز على الصعيد الدولي، بعين الترقُّب، انتظاراً لما قد تسفر عنه من اختيارات سياسية وتوجهات بالنسبة لمختلف القضايا العالمية والإقليمية. وبحكم كونها فترة انتقالية، فغالباً ما يتجه الرئيس الانتقالي، وهو في الحالة الراهنة مايك بنس، إلى الإبقاء على معظم ما كان قائماً قبل عزل الرئيس من منصبه، انتظاراً للإدارة الجديدة وما يمكن أن تتبناه من سياسات وتوجهات وما تتخذه من قرارات.

ورغم اختلاف بنس في بعض وجهات النظر عن ترامب، إلا أنه قد يرى أن عليه الإبقاء على العديد من سياسات سلفِهِ دون تغيير انتظاراً لنتيجة الانتخابات الجديدة وتولي رئيس جديد مهام منصبه.

سيناريوهات ما بعد ترامب

بعد أن يتولى مايك بنس الفترة الانتقالية وصولاً إلى نهاية فترة حكم الرئيس المعزول دونالد ترامب، من الممكن أن يتحقق أحد السيناريوهات التالية:

  • أن يخوض بنس الانتخابات الرئاسية بعد ترشيح الحزب الجمهوري له، باعتباره الصوت العاقل والنائب الرصين في البيت الأبيض وبوصفه مسؤولاً كبيراً بالحزب، مما يفتح المجال واسعاً أمام احتمالات فوز الجمهوريين بفترة رئاسية ثانية بزعامة بنس، والذي يمكن أن ينجح، وسيواصل بعد توليه منصبه في البيت الأبيض المُضي في بعض سياسات ترامب، لكنه قد يختلف في الكثير منها وسيسعى إلى تحسين الصورة التي تم تشويهها من جراء سلبيات حكم سلفه.
  • ومن بين السيناريوهات المطروحة أيضاً أن يحقق الديمقراطي جو بايدن الفوز في الانتخابات الرئاسية المقبلة، وقد خبرهُ الشعب الأمريكي كنائب لأوباما واتسم خلال عمله بالاتزان والرصانة ومحاولة التقارب مع الجماهير، وهو يختلف في الكثير من توجهاته عن ترامب، وسيسعى إلى تعديل العديد من سياساته وقراراته الأكثر إثارة للجدل، ولكن دون أن يتخذ في ذلك مساراً راديكالياً قد يؤثر سلباً في مؤسسات البلاد واقتصادها، وفي المجتمع الأمريكي ككل.
  • أيضاً، من الممكن أن يفوز الملياردير الديمقراطي مايكل بلومبرغ، مالك المؤسسات المالية والإعلامية الشهيرة، على خلفية تكثيفه لحملته وإمكانية حصوله على ترشيح الحزب الديمقراطي بدلاً من بايدن، وفي هذه الحالة سيتولى رجل أعمال ثان، بعد ترامب، لكنه من الديمقراطيين هذه المرَّة، حُكْم الولايات المتحدة، لكنه خلافاً لترامب، قد يكون أفضل حالاً وأكثر هدوءاً في صُنع سياساته وإدارة توجهاته الداخلية والخارجية، نظراً لخبرته المتراكمة نتيجة توليه عمدة مدينة نيويورك ثلاث مرات متتالية.
  • وربما في اللحظة الأخيرة قد تتجه هيلاري كلينتون للترشح مجدداً للانتخابات الرئاسية بالاستفادة من خبرتها السابقة، لاسيما وأن ثمة تقارير تتحدث عن دراستها إمكانية خوض المنافسة على ترشيح الحزب الديمقراطي، بسبب ضعف المرشحين الديمقراطيين الحاليين بمن فيهم بايدن. وفي هذه الحالة، فإن معظم أفكارها يعرفها الشعب الأمريكي منذ مشاركتها في الانتخابات الرئاسية السابقة في 2016 والتي خسرت فيها أمام ترامب، والتي تُظِهر تبايناً واختلافاً مع هذا الأخير في الكثير من قضايا السياسة الخارجية والداخلية.

التَّباين والتَّشابُه في رؤيتي بنس وبايدن

على رغم توقُّع ألا يُغيِّر بنس في الفترة الانتقالية كثيراً من سياسات وقرارات سلفهِ ترامب، لكن حساباته السياسية حين يخوض الانتخابات الرئاسية أمام أقرب مُنافسيه احتمالاً وهو الديمقراطي جو بايدن، قد تختلف، إذ سيعمل في فترة السباق الانتخابي على تقديم برنامجه السياسي الخاص، مع التركيز على إظهار تمايزٍ قد يكون جذرياً في بعض سياساته عن سياسات ترامب وأفكاره.

ومن جانبها، ستركز حملة بايدن على فشل سياسات الإدارة الجمهورية السابقة برمَّتها في التعاطي مع الكثير من الملفات الداخلية والخارجية. ونُلقي فيما يأتي نظرة سريعة على المسارات المتوقعة لأهم توجهات الرجلين السياسية، داخلياً وخارجياً.

على المستوى الداخلي:

  • قضية الهجرة: سيتجه بنس إلى الإبقاء على الجدار الذي تم بناء معظم أجزائه على الحدود الجنوبية الأمريكية مع المكسيك، بهدف منع تسلل المهاجرين غير القانونيين القادمين للولايات المتحدة من دول أمريكا اللاتينية، نظراً لحجم التكلفة التي تم تخصيصها من وزارة الدفاع، والبالغة أكثر من ملياري دولار، من أموال دافعي الضرائب.

وبالنسبة لبايدن، فرغم رفض الديمقراطيين لسياسات وتوجهات ترامب الشعبوية بشأن المهاجرين واللاجئين، وإعلانهم أن على الولايات المتحدة كقوة عظمى، مسئوليات سياسية وإنسانية تجاه هؤلاء، إلا أنه من المرجح أن يتجه بايدن في برنامجه الانتخابي نحو طرح مسألة تقنين دخول المهاجرين، مع عدم تبنِّي سياسات صادمة في هذه القضية.

  • الاقتصاد: سيعمد كل من بنس وبايدن إلى تهدئة الحروب التجارية التي نشأت بين الولايات المتحدة وبعض الدول في عهد ترامب، ولاسيما مع الصين، والتي كان لها أثر واضح في الاقتصاد المحلي، كما سيعملان على زيادة عدد الوظائف للمواطنين الأمريكيين.
  • العلاقة مع الإعلام: بعد أن تعرضت العلاقة بين ترامب ووسائل الإعلام، لاسيما بعض الصحف اليومية الشهيرة كالواشنطن بوست والنيويورك تايمز والقنوات الإخبارية الواسعة الانتشار كالسي إن إن وغيرها، لحالة طويلة من التوتر والعداء، سيسعى بنس إلى تبنِّي توجه أكثر هدوء مع ممثلي الصحافة والإعلام، وكذلك الحال مع بايدن الذي سيسعى إلى إعادة العلاقات الطيبة بين الجانبين استناداً إلى الخبرة السياسية لكلٍّ منهما.

السياسة الخارجية:

في إدارة سياسة إدارته الخارجية سيتحاشى الرئيس الأمريكي المُقبِل أياً كانت هويته، الأخطاء التي وقع فيها ترامب، خصوصاً في مواسم الانتخابات، سواء في إدارة علاقاته بروسيا في انتخابات 2016 أو بأوكرانيا في انتخابات 2020، وقد تتشابه السياسات الخارجية بين بنس وبايدن حيال بعض القضايا وقد تختلف، وذلك على النحو الآتي:

  • إيران: يرى الديمقراطيين بالاتفاق مع إدارة ترامب وبنس، ضرورة الاستمرار في معاقبة إيران على دعمها للإرهاب ومواصلتها بناء وتشغيل برنامج نووي يخالف الاتفاقات التي تم التوصل إليها في هذا الشأن.
  • منطقة الخليج: يتفق الجمهوريون والديمقراطيون على ضرورة توثيق التعاون مع دول الخليج على المستويين السياسي والاقتصادي، نظراً للأهمية الاستراتيجية العالية لهذه المنطقة، سواء في ما يتعلق بحماية طرق التجارة العالمية، أو التنسيق بشأن مكافحة الإرهاب والتطرف، ومواجهة التحدي الإيراني وسياساتها الإقليمية العدائية، وإن كان الديمقراطيون يميلون أكثر إلى وقف دعم الولايات المتحدة تحالف استعادة الشرعية في اليمن.
  • سوريا: أظهر الديمقراطيون معارضتهم القوية لتوجُّه إدارة ترامب وبنس القاضي بسحب القوات الأمريكية من شمال سوريا، الأمر الذي ترك المجال فسيحاً أمام القوات التركية لسدّ الفراغ هناك، ومن ثمَّ فمن المتوقع أن يمضي بايدن، في حال فوزه، إلى تعزيز وجود بلاده العسكري في الشمال السوري، في مسعى جديد لإعادة التوازن هناك، لاسيما في ظل استمرار الوجود العسكري الروسي الكبير في ذلك البلد.
  • إسرائيل والقضية الفلسطينية: لن يختلف بنس عن بايدن كثيراً فيما يخص ضرورة الحفاظ على علاقات الولايات المتحدة القوية مع إسرائيل، ودعم وجهات نظرها بشأن التعاطي مع الفلسطينيين، مع الإبقاء على اعتراف واشنطن بالقدس "عاصمة أبديةً" لإسرائيل، وأن المستوطنات في مناطق الضفة الغربية لا تتعارض مع القانون الدولي.

 

* باحث مصري مُقيم في واشنطن.

 

سيناريوهات

توقعات المشهد الإيراني في عام 2020

مركز الإمارات للسياسات | 05 فبراير 2020