مستقبل المرحلة الانتقالية في تشاد

مركز الإمارات للسياسات | 26 يوليو 2021

بعد مرور ثلاثة أشهر على موت الرئيس التشادي السابق إدريس ديبي في جبهة الحرب ضد بعض فصائل المعارضة العسكرية، يبدو أن المرحلة الانتقالية التي يديرها ابنه الجنرال محمد إدريس ديبي تواجه مصاعب داخلية ودبلوماسية خارجية معقدة.

تُسلِّط هذه الورقة الضوء على الوضع السياسي التشادي الحالي، وتُحاول استشراف آفاقه المستقبلية.

تحوُّلات الوضع السياسي في تشاد

عند موت الرئيس ديبي المفاجئ، برز موقف إقليمي ودولي واسع داعم للصيغة الانتقالية التي تَوَلَّى فيها مجلس عسكري انتقالي يرأسه نجل الرئيس الجنرال محمد إدريس دبي مهام الحكم في أفق تنظيم انتخابات رئاسية جديدة في مدة لا تزيد على ثمانية عشر شهراً. وقد اضطلعت فرنسا ومنظمة الاتحاد الأفريقي بالدور الاساسي في هذه الترتيبات الانتقالية التي تصطدم بقوانين المنظمة الإفريقية المعاقبة لعملية التغيير غبر السلمي للسلطة ولسياسة فرنسا المعلنة في افريقيا. إلا أن الحكومة الفرنسية التي مثَّلها رئيس الجمهورية إيمانويل ماكرون في تشييع الرئيس القتيل (23 أبريل 2021) دافعت عن الصيغة الانتقالية في تشاد، كما تبنَّاها مجلس السلم والأمن الإفريقي باعتبار خصوصيات الوضع التشادي التي تتمثل في مميزات ثلاث كبرى هي:

  1. عدم حدوث انقلاب عسكري على النظام الحاكم، ومن ثم لا يمكن النظر إلى المجلس العسكري الجديد على أنه هيئة غير شرعية مسؤولة عن تغيير غير دستوري على غرار الانقلابات العسكرية على الحكومات الديمقراطية المنتخبة كما حصل مؤخراً في دولة مالي.
  2. المصاعب العملية التي سُجِّلت بخصوص تفعيل المادة الدستورية التي تُسنِد لرئيس البرلمان مهمة إدارة المرحلة الانتقالية، إذ رفض رئيس البرلمان الحالي القيام بهذه المهمة، ما خلَّف فراغاً دستورياً لا حل له بالطرق القانونية المألوفة.
  3. مخاطر دخول البلاد في نفق الحروب الأهلية والاقتتال الداخلي، وهو ما فرض منح المؤسسة العسكرية الدور الأساسي في إدارة المرحلة الانتقالية في غياب توافق سياسي وطني جامع.

إلا أن قبول الصيغة الانتقالية الحالية تم وفق ثلاث شروط أساسية هي:

  1. تعيين حكومة وحدة وطنية برئاسة شخصية لها ثقة التشكيلات المعارضة، وقادرة على الإشراف على حوار سياسي داخلي شامل، من أجل تنظيم انتخابات شفافة ونزيهة تفضي لحل جذري للمأزق السياسي التشادي.
  2. التزام أعضاء المجلس العسكري الانتقالي وبصفة خاصة رئيسه محمد إدريس ديبي عدم الترشح لأي مسؤولية انتخابية في الاستحقاقات المقبلة.
  3. تقليص المرحلة الانتقالية إلى 18 شهراً كأقصى تقدير.

ومع أن المجلس الانتقالي قبل هذه الشروط، بما مكَّنه من الاحتفاظ بتمثيل تشاد في المؤسسات الأفريقية والدولية، ومن الحصول على الدعم الاقتصادي والعسكري الفرنسي، إلا أن العديد من المصاعب الحقيقية بدأت تُواجِه القيادة العسكرية الحاكمة في تشاد، وأبرزها:

  • فشل الحكومة التي يديرها البير باهامي باداكي، الذي كان آخر رئيس وزراء في عهد إدريس ديبي (ما بين 2016 و2018)، في الشروع الجدي في الحوار الوطني الجامع، برغم ترحيب بعض القادة التقليديين للمعارضة بتعيينه. فمع أن باداكي عيَّن في حكومته بعض الشخصيات القريبة من المعارضة وخصَّص حقيبة وزارية سيادية للمصالحة الوطنية، كما أن مرسوم إنشاء اللجنة التنظيمية للحوار الوطني صدر في 2 يوليو 2021 وقد تقرَّر أن تضم 70 عضواً يمثلون كل ألوان الطيف السياسي، إلا أن تكتُّل القوى المعارضة المعروف بـ "وقيت تاما" (أي الوقت تم باللغة العربية) قاطَعَ مشروع الحوار الوطني، رافضاً بشدة صيغة الانتقال عن طريق المجلس العسكري. ويضم هذا التحالف أهم القوى الحزبية والنقابية والمدنية التي كانت تعارض الرئيس ديبي، وقد تبنَّت مؤخراً خيار النزول للشارع من أجل الوقوف ضد استراتيجية الحوار الوطني التي بلورها المجلس العسكري الحاكم. ومن أهم مكونات هذا التكتل حزب "دعاة التغيير " بزعامة سيكسي مسرا، والاتحاد الوطني للتنمية والتجديد بزعامة صالح كبزابو، وحزب الحريات والتنمية بزعامة محمد أحمد الحابو، والرابطة التشادية لحقوق الإنسان واتحاد النقابات التشادية. كما أن المجلس العسكري رفض كلياً الحوار مع المعارضة العسكرية التي تتمحور حول فصيلي "جبهة التناوب والانسجام" المتهمة بقتل الرئيس ديبي، و"اتحاد قوى المقاومة" الذي يقوده بعض أقارب الرئيس ديبي من محيطه العائلي المباشر ومن أفراد قبيلته الزغاوة. وسيكون لفشل استراتيجية الحوار الوطني الشامل أسوأ الأثر على الوضعية الانتقالية في تشاد.
  • مع أن رئيس المجلس العسكري الحاكم محمد إدريس ديبي أكد مراراً حرص القيادة الحاكمة احترام مدة المرحلة الانتقالية، إلا أن العديد من المؤشرات تدل بوضوح على أن الاستحقاقات الانتخابية ستؤجل لأسباب تنظيمية ومالية. فبغض النظر عن مصاعب ومعوقات الحوار الوطني الممهد للانتخابات، فإن التحضيرات العملية للمنافسات الانتخابية المقبلة لا تزال محدودة، ولا يمكن أن تحترم المعايير الزمنية المحددة. وألمح عدد من المسؤولين الحكوميين إلى هذه المعطيات، واعتبروا أن المدة المقررة لإجراء الانتخابات غير واقعية ولا عملية، مُستشهدين بأن تأجيل مواعد الانتخابات مألوف في تشاد وتتفهمه القوى السياسية. إلا أن منظمة الاتحاد الأفريقي أعلنت بصراحة وتصميم رفضها الصارم لأي تأجيل للانتخابات، مُهدِّدة بفرض عقوبات قاسية على السلطات التشادية في حال عدم احترام شرط المدة الانتقالية. ووصل الخلاف بين الاتحاد الأفريقي الذي يتولى أمانته العامة رئيس الوزراء ووزير الخارجية التشادي الأسبق موسى فقي والحكومة التشادية الجديدة إلى العلن إثر رفض سلطات نجامينا استقبال مبعوث الاتحاد الأفريقي وزير الخارجية السنغالي الأسبق ابراهيما فال.
  • مع أن الرئيس الحالي المؤقت محمد إدريس ديبي أكد مرارا عدم نيته الترشح للرئاسة في الانتخابات القادمة، إلا أن العديد من المعطيات تفيد أنه قد يتقدم للسباق الرئاسي المقبل مدعوماً من وسطه الأسري والقبَلي، ومن المؤسسة العسكرية. ففي إحدى مقابلاته الصحافية الأخيرة (جون أفريك، 27 يونيو 2021) ترك الباب مفتوحاً لمراجعة موقفه الملتزم بعدم الترشح، فمع أنه أنكر نيته الترشح إلا أنه أضاف أنه مؤمن بالقدر ولا يعرف ماذا سيحدث في المستقبل، ما فُهِم أنه تلويح بإمكانية التخلي عن التزامه السابق بعدم الاستمرار في السلطة.

مستقبل الوضع السياسي في تشاد

لا يزال الوضع السياسي في تشاد عصياً على الاستشراف والتوقع نتيجة تعقُّد موازين الصراع السياسي وتضارب مؤشرات التغير والتحول في المدى المنظور، إلا أن المعطيات القائمة تسمح بتوقُّع ثلاثة سيناريوهات أساسية:

  1. تأجيل الانتخابات وتمديد المرحلة الانتقالية، مع ترشُّح محمد إدريس ديبي أو ترشُّح أخيه عبد الكريم (المدير المساعد للديوان المدني لرئيس الجمهورية) للرئاسيات المقبلة. ومع أن لهذا السيناريو تكلفته الباهظة داخلياً ودبلوماسياً، إلا أنه يبدو المشهد الأرجح بالنظر لارتباط مصالح شبكات السلطة القائمة بالوسط الأسري المباشر للرئيس الراحل إدريس ديبي، وولاء القيادات العسكرية المباشر له. ومن المتوقع أن تقبل فرنسا وحلفاؤها الأفارقة هذا السيناريو برغم لهجة الإدانة المعلنة؛ لكونه الأكثر ضماناً لمصالحها العسكرية والأمنية في منطقة الساحل ووسط أفريقيا.
  2. تنظيم الانتخابات في وقتها، مع احتمال مقاطعة عدد من أهم مكونات المعارضة لها. وفي هذه الحالة من المرجَّح أن يفوز مرشح المؤسسة العسكرية، دون أن يتم احتواء المأزق السياسي الداخلي المتفاقم في تشاد.
  3. الانفجار بخروج الصراع السياسي عن نطاق التحكُّم، واستفحال خطر المعارضة العسكرية التي استطاعت في الماضي مداهمة العاصمة تشاد مرتين، بما يُؤذن بدخول تشاد مسار التفكُّك والتناحر الداخلي على غرار سيناريو الصومال أو وسط أفريقيا.

خلاصة واستنتاجات

  • بعد أشهر من مقتل الرئيس التشادي إدريس ديبي، تُواجِه المرحلة الانتقالية في تشاد التي يديرها ابنه الجنرال محمد، مصاعب داخلية ودبلوماسية خارجية معقدة. وحتى الآن، لم تنجح الحكومة التي يديرها البير باهامي باداكي، الذي كان آخر رئيس وزراء في عهد إدريس ديبي، في الشروع الجدي في الحوار الوطني الجامع.
  • ومع أن رئيس المجلس العسكري الحاكم محمد إدريس ديبي أكَّد مراراً حرص القيادة الحاكمة احترام مدة المرحلة الانتقالية، وأكد مراراً أيضاً عدم نيته الترشُّح للرئاسة في الانتخابات المقبلة، إلا أن العديد من المؤشرات تدل بوضوح على أن الاستحقاقات الانتخابية سوف تُؤجَّل لأسباب تنظيمية ومالية، وأنه شخصياً قد يتقدَّم للسباق الرئاسي المقبل مدعوماً من وسطه الأسري والقبَلي، ومن المؤسسة العسكرية.
  • وبالتالي، يمكن توقُّع ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الوضع السياسي التشادي؛ أوَّلها وهو الأرجح تأجيل الانتخابات وتمديد المرحلة الانتقالية، مع ترشُّح محمد إدريس ديبي أو ترشُّح أخيه عبد الكريم للرئاسيات المقبلة؛ وثانيها تنظيم الانتخابات في وقتها ولكن مع احتمال مقاطعة عدد من أهم مكونات المعارضة لها؛ وثالثها خروج الصراع السياسي عن نطاق التحكُّم واستفحال خطر المعارضة العسكرية، بما يُؤذن بدخول تشاد مسار التفكُّك والتناحر الداخلي.

_____

تنويه: جميع حقوق نشر هذه المقالة محفوظة لـ"مركز الإمارات للسياسات"، ويُمنَع إعادة نشرها أو الاقتباس منها، جزئياً أو كلياً، دون أخذ إذن مُباشِر ومُسبَق من المركز، ويستثنى من ذلك الاقتباسات المحدودة المراعية لأصول البحث العلمي، لهدف تعليمي أو بحثي مُحدَّد، مع ضرورة الإشارة إلى المركز بوصفه الناشر الأصلي. 

سيناريوهات