علاقات الصين مع إيران بعد انتخاب إبراهيم رئيسي

مركز الإمارات للسياسات | 08 يوليو 2021

أُعلن في يونيو 2021 عن فوز رئيس السلطة القضائية إبراهيم رئيسي في الانتخابات الرئاسية الإيرانية. ويتوقع أن يستمر رئيسي على نهج الرئيس المنتهية ولايته حسن روحاني فيما يتعلق بالمفاوضات الجارية لإيحاء الاتفاق النووي. لكن على مستوى السياسة الخارجية، يُشكل هذا الحدث توحُّداً في قيادة المتشددين وصعوداً أكبر لنفوذ الحرس الثوري استعداداً لانتقال السلطة على مستوى منصب المرشد الأعلى. وتنظر الصين باهتمام لتأثير هذه التغيرات على مصالحها المتنامية في إيران.

تحاول هذه الورقة بحث الاستراتيجية الصينية تجاه السياسة الداخلية الإيرانية، ونظرة المعسكرات السياسية المختلفة في إيران للنفوذ الصيني، إلى جانب تأثير ذلك على التنافس الصيني مع الولايات المتحدة، لاسيما في الخليج.

استراتيجية الصين تجاه السياسة الداخلية في إيران

ازدادت أهمية إيران الاستراتيجية بالنسبة للصين منذ صعود شي جينبنغ لأعلى هرم السلطة في عامي 2012 و2013. واتسقت هذه المركزية الإيرانية مع ثلاثة محاور أساسية في رؤية شي لنفوذ الصين في منطقة الشرق الأوسط، هي: مبادرة الحزام والطريق، وتبني شي فلسفة "صعود الشرق وتراجع الغرب" الأكثر تشدداً تجاه الولايات المتحدة، وسياسة التحوط والتوازن بين إيران وخصومها الإقليميين.

وضمن هذه الرؤية، تنظر الصين إلى إيران باعتبارها دولة محورية من الناحية الاستراتيجية. فإيران مصدر أساسي للطاقة بالنسبة لبيجين، ودولة كبيرة من حيث المساحة وعدد السكان، وقريبة من مضيق هرمز وبحر قزوين. وفوق ذلك، تمثل إيران حجر الزاوية في ممر جنوب-غرب آسيا الاقتصادي، أحد أهم روافد مبادرة الحزام والطريق للربط بين الصين والشرق الأوسط.[1] لذلك يُنظر إلى مشاركة إيران في مشاريع المبادرة باعتبارها حاسمة لإنجاحها. وترى الصين إيران أيضاً باعتبارها ثقلاً استراتيجياً موازياً للولايات المتحدة في منطقة الخليج. لكن، في نفس الوقت، لا ترغب الصين للوصول إلى مرحلة يكون عليها فيها الاختيار بين علاقاتها مع طهران وواشنطن، لأنها ستكون مضطرة لاختيار واشنطن.[2]

ولطالما شكَّل المتشددون في إيران عنصراً مهماً في نظرة الصين المعقدة لعلاقاتها مع إيران ضمن سياق تنافسها مع الولايات المتحدة. فاللهجة التصعيدية التي يتبناها المسؤولون المنتمون لهذا الفريق وضعت الصين في مناسبات سابقة في موقف صعب. فعلى سبيل المثال، بالتزامن مع بدء انطلاق مفاوضات مجموعة 5+1 في عهد الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد فيما يخص البرنامج النووي، تسبَّبت سياسات طهران المتعنتة ورفضها تقديم تنازلات في اضطرار الصين للتصويت بالموافقة على جميع قرارات مجلس الأمن القاضية بفرض عقوبات على طهران. ورغم رفضها للعقوبات الأحادية اللاحقة من قبل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، أظهرت الشركات والمصارف الحكومية الصينية التزاماً ضمنياً بها.

وحافظت الصين على مسافة من السياسة الداخلية الإيرانية، ولم تُظهر دعماً صريحاً لأيٍّ من الأطراف المتنافسة، اتساقاً مع مبدأ "عدم التدخل" في الشؤون الداخلية للدول. وبالإضافة إلى ذلك، عكست تصرفات الصين حرصاً تجاه الانحياز لطرف سياسي على حساب الآخر خشية تبدُّل موازين القوى الداخلية. لكن بالنظر بشكل أعمق لتصرفات الصين تجاه إيران، خصوصاً منذ عام 2013، يمكن استنتاج الآتي:

  1. أن الصين، تحت قيادة شي، ترى أن نظام حكم إيرانياً أكثر مركزية تحت سيطرة المرشد الأعلى علي خامنئي قريب لنظام الحزب الشيوعي الصيني.
  2. أن سياسة المتشددين في محيط خامنئي وبين صفوف الحرس الثوري، المعتمدة على التصعيد الخطابي والأمني تجاه الولايات المتحدة دون الوصول لمرحلة الحرب الشاملة، مفيدة لاستراتيجية الصين الأشمل تجاه الولايات المتحدة.
  3. أن الدفع بـ "رئيسي" ليكون رئيساً جديداً لإيران خطوة مهمة نحو توحيد القيادة بيد المتشددين في مرحلة حاسمة متمثلة بقرب عودة الولايات المتحدة للاتفاق النووي وتحسين علاقاتها مع طهران، واقتراب موعد انتقال السلطة على مستوى منصب المرشد الأعلى.
  4. أن تأييد رئيسي لمفاوضات الملف النووي أمر إيجابي للحفاظ على الاستقرار في المنطقة، ومنع دخولها في سباق تسلح، ورفع العقوبات، ومن ثمَّ الحفاظ على مصالح الصين الاقتصادية في إيران.

رؤية المعسكرات السياسية الإيرانية لتنامي نفوذ الصين

 يمثل صعود رئيسي لأعلى هرم السلطة التنفيذية الإيرانية تجسيداً للتنازع السياسي الداخلي حول نفوذ الصين المتنامي في إيران. وقد دعا رئيسي عدة مرات خلال حملته الانتخابية إلى "التوجه شرقاً" تجاه الصين لإعادة إنعاش الاقتصاد.

وتنبع نظرية "الاتجاه شرقاً" من عدم ثقة المعسكر المناصر لرئيسي في الولايات المتحدة وأوروبا. وينطلق المتشددون، في رؤيتهم للصين، على أساس التضامن "الحضاري" وتصورهم لبيجين على أنها "شريك استراتيجي طبيعي"،[3] باعتبارها نظاماً مركزياً ديكتاتورياً متسقاً مع ثقافة الحكم في إيران. ويعتقد المعسكر المتشدد أن الصين هي القوة الاقتصادية غير الغربية الوحيدة القادرة على تقديم بديل اقتصادي فعال ومستدام بالنسبة لإيران. وإلى جانب ذلك، يقدر هذا المعسكر وقوف الصين مع إيران خلال مفاوضات الاتفاق النووي، رغم موافقة بيجين على معظم العقوبات الصادرة في مجلس الأمن، وامتثال الشركات الصينية في أغلب الأحيان للعقوبات الأمريكية.

لكن، على الجانب الآخر، يتعامل المعتدلون والإصلاحيون مع الصين من منطلق مقاربة براغماتية للغاية، وينظرون إلى علاقات بلادهم مع بيجين بوصفها مكملاً لروابط واسعة مع العالم خارج إطار عزلة إيران الدولية، وضمن الحاجة إلى تنويع شراكات إيران بين الشرق (الصين وروسيا) والغرب (الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي).[4]

وفوق ذلك، ينظر الإصلاحيون بريبة إلى زيادة اعتماد إيران على الصين، المتمثلة في نظرية "التوجه شرقاً" التي دعا إليها رئيسي، من منطلق معارضة الصين لأي تحول ديمقراطي في إيران، ودعم النظام الثيوقراطي الحاكم. فعلى سبيل المثال، خلال مظاهرات الحركة الخضراء عام 2009، قابل المتظاهرون المعترضون على نتائج الانتخابات هتافات المتشددين "الموت لأمريكا" بهتافات مقابلة "الموت للصين" التي اتهموها بتزويد النظام بأدوات قمع التظاهرات والتجسس على المعارضين.[5] وكشفت هذه التظاهرات وقتها عن مدى توغل المشاعر المعارضة للصين بين سكان المدن والشباب والنشطاء المؤيدين للديمقراطية، الذين شكلوا قاعدة شعبية داعمة للرئيس حسن روحاني. وتقول دراسات أجريت مؤخراً إن هذه الطبقات باتت تشكل الأغلبية الحالية في إيران، في تحول جذري عن الخريطة السياسية المحلية التي سادت المشهد الإيراني خلال حقبة آية الله الخميني.

لكن مشاعر المعارضة لتعاظم نفوذ الصين امتدت أيضاً إلى المعسكر الداعم لرئيسي من خلال قضيتين: سياسات الصين في قمع مسلمي الإيغور في إقليم شينجيانغ، واتفاق الشراكة الاستراتيجية الشاملة على مدى 25 عاماً الموقع أخيراً.

وقاد رجال دين نافذون موجة انتقاد الصين للتعامل مع أقلية الإيغور في السابق، منهم آية الله يوسف صانعي، الزعيم الروحي للحركة الإصلاحية وأحد أشد المعارضين السابقين للرئيس محمود أحمد نجاد. لكن أيضاً هذا الانتقاد شمل آية الله مكرم شيرازي وآية الله نوري هميداني، وهما من أشد رجال الدين الداعمين للنظام.[6] وقد شدَّد المسؤولون الإيرانيون على أن هذه الانتقادات لا تمثل النظام، في سعي لتجنُّب إغضاب بيجين.

وقاد محمود أحمدي نجاد معارضة اتفاق الشراكة الاستراتيجية بين الصين وإيران، رغم عدم احتوائه على أي تعهدات ملموسة وواضحة. ومثلت هذه المعارضة توافقاً نادراً بين المتشددين والإصلاحيين حول تنامي الريبة بخصوص "ارتهان" إيران المتزايد للصين.

وتشكل هذه المشاعر ضغطاً على المرشد الأعلى علي خامنئي ورئيسي، رغم توافق رؤاهما في العلن مع القيادة الصينية. وكما تعوِّل الصين على رئاسة رئيسي في مرحلة تتصاعد فيها حدة المواجهة الصينية مع الولايات المتحدة، تلاحظ إيران استعداداً صينياً متزايداً لتحدي العقوبات الأمريكية المفروضة عليها، متمثلاً في شراء كميات كبيرة من النفط الإيراني منذ منتصف العام الماضي.[7] 

الصين-الولايات المتحدة في ظل حكم رئيسي

من الناحية الاقتصادية، كان اتفاق الشراكة الاستراتيجية الشاملة تجسيداً لأهمية موقف إيران ضمن مبادرة الحزام والطريق. ومن الناحية السياسية، مثَّل الاتفاق، وزيادة واردات الصين من النفط الإيراني، دليلاً على قدرة الصين على الضغط على الولايات المتحدة في المنطقة وتسجيل نقاط استراتيجية لحسابها.

وفوق ذلك، سعت الصين، من خلال توقيت الإعلان عن هذا الاتفاق، إلى تحسين موقع إيران التفاوضي حول الملف النووي. لكن، في الوقت نفسه، جعلت بيجين رغبة واضحة لإيران (وللغرب أيضاً) بأنها تريد إعادة إحياء هذا الاتفاق. ومن ثمّ، فبينما اعتمد موقف إيران التفاوضي على هذا الاتفاق، يعتمد تنفيذ بنود الاتفاق على نجاح العملية التفاوضية، من خلال رفع العقوبات وجعل تنفيذها ممكناً. ويقول محللون في بيجين إن هذا الاتفاق قد يشكل حافزاً أيضاً في المستقبل للضغط على إيران للالتزام ببنود أي اتفاق نووي جديد.

في مقابل الزيادة المتوقعة في اعتماد إيران على الصين سياسياً واقتصادياً في المستقبل، يرتكز الدور الصيني في مفاوضات الملف النووي على قناعة الصين بضرورة تجميد البرنامج النووي مقابل رفع العقوبات وإعادة تنشيط الاقتصاد الإيراني. ويعني ذلك، في سياق التنافس الصيني-الأمريكي، موافقة صينية ضمنية على امتلاك إيران القدرات للعب دور إقليمي "مستقل" عن المنظومة الأمريكية، ودفع واشنطن لتقديم تنازلات متمثلة في التخلي عن جزء من نفوذها الكبير في منطقة الخليج.[8] ويشكل تقاسم محتمل للنفوذ بين واشنطن وطهران في المستقبل السيناريو الأمثل بالنسبة للصين في المنطقة.

وقد يكون صعود رئيسي إلى موقع الرئاسة الإيراني مثالياً من حيث التوقيت نحو تحقيق هذا الهدف. فالإعلان عن نتائج الانتخابات تزامن مع الكشف عن سحب البنتاغون ما يقرب من ثماني بطاريات باتريوت مضادة للصواريخ من دول في المنطقة منها العراق والكويت والأردن والسعودية، وما ينتج عن ذلك من تخفيف عدد القوات المكلفة بتشغيل وحماية هذه المعدات الاستراتيجية.[9]

ومن وجهة نظر الباحثين والدبلوماسيين الصينيين، قد ينتج تقليص عدد القوات الأمريكية في المنطقة ورفع العقوبات الاقتصادية بعد التوصل إلى اتفاق في فيينا إلى تعزيز النفوذ الإيراني في الإقليم في ظل رئاسة رئيسي، الذي يرفض التعاطي مع الغرب، ويكرر رفضه لقاء الرئيس الأمريكي جو بايدن.[10]

الخلاصة

ترى الصين في انتخاب رئيسي خطوة إيجابية لحماية مصالحها تحت قيادة مركزية للمتشددين تشبه مركزية الحكم في الصين تحت قيادة شي جينبنغ. وإلى جانب ذلك، تشترك بيجين مع رؤية رئيسي في معاداة الغرب، وزيادة اعتماد إيران على الصين اقتصادياً وسياسياً تحت قيادته.

وتشكل هذه المعادلة ضغطاً داخلياً في إيران، بالنظر إلى الريبة التي يرى من خلالها الإصلاحيون النفوذ الصيني المتزايد في بلادهم، إذ يشكل هذا النفوذ الصيني عقبة أمام أي إمكانية للتحوُّل الديمقراطي داخلياً، ويُعرقل سياسة الإصلاحيين لتنويع علاقات طهران بين الغرب والشرق.

وتُعوِّل بيجين على إعادة إحياء الاتفاق النووي لزيادة نفوذ طهران الإقليمي وتنازل واشنطن عن بعض من هيمنتها في الخليج. وسيتطلب ذلك من دول مجلس التعاون التسريع من خطوات التقارب مع الصين، إما بشكل جماعي أو منفرد.

الهوامش

[1] Office of the Leading Group for Promoting the Belt and Road Initiative, The Belt and Road Initiative: Progress, Contributions and Prospects. Beijing: Foreign Languages Press, 2019.

[2] Shen, D., Iran’s nuclear ambitions test China’s wisdom. Washington Quarterly 29 (2):55–66.Shirk SL (2007) China: Fragile Superpower. Oxford: Oxford University Press, 2006.

[3] Garlick J, Havlová R., China’s “Belt and Road” Economic Diplomacy in the Persian Gulf: Strategic Hedging amidst Saudi–Iranian Regional Rivalry. Journal of Current Chinese Affairs; 49(1), 2020, pp.82-105.

[4] Ibid.

[5] Chick, Kristen, “'Death to China' Heard at Rafsanjani Sermon. Why?” The Christian Science Monitor, The Christian Science Monitor, 17 July 2009. www.csmonitor.com/World/Global-News/2009/0717/death-to-china-heard-at-rafsanjani-sermon-why

[6] Worth, Robert F. “Clerics Fault a Mute Iran as Muslims Die in China.” The New York Times, The New York Times, 14 July 2009. www.nytimes.com/2009/07/14/world/middleeast/14iran.html

[7] Albert, Eleanor. “China Is Buying Record Amounts of Iranian Oil.” The Diplomat, For The Diplomat, 10 Mar. 2021. thediplomat.com/2021/03/china-is-buying-record-amounts-of-iranian-oil/

[8] Harold, S., & Nader, A., China and Iran: Economic, Political, and Military Relations. Santa Monica, CA; Arlington, VA; Pittsburgh, PA: RAND Corporation, 2012.

[9] Lubold, Gordon, et al. “WSJ News Exclusive | U.S. Military to Withdraw Hundreds of Troops, Aircraft, Antimissile Batteries From Middle East.” The Wall Street Journal, Dow Jones & Company, 18 June 2021. www.wsj.com/articles/u-s-military-to-withdraw-hundreds-of-troops-aircraft-antimissile-batteries-from-middle-east-11624045575

[10] Debre, Isabel. “Iran President-Elect Takes Hard Line, Refuses to Meet Biden.” AP NEWS, Associated Press, 21 June 2021. apnews.com/article/iran--president-elect-ebrahim-raisi-biden-63db1fbbdb1ff9fe40aca40f3f8046a2

_____

تنويه: جميع حقوق نشر هذه المقالة محفوظة لـ"مركز الإمارات للسياسات"، ويُمنَع إعادة نشرها أو الاقتباس منها، جزئياً أو كلياً، دون أخذ إذن مُباشِر ومُسبَق من المركز، ويستثنى من ذلك الاقتباسات المحدودة المراعية لأصول البحث العلمي، لهدف تعليمي أو بحثي مُحدَّد، مع ضرورة الإشارة إلى المركز بوصفه الناشر الأصلي. 

 

سيناريوهات