الانتخابات الإقليمية وحدود التغيير في الخريطة السياسية الفرنسية

بهاء محمود | 07 يوليو 2021

أقيمت في فرنسا الانتخابات الإقليمية يومي 20 و27 يونيو 2021، وتنافست فيها الأحزاب على 13 مجلس إقليمي. وهذه الانتخابات تعد الأولى التي ينافس عليها الحزب الحاكم (الجمهورية إلى الأمام) الذي تأسس عام 2016. وشهدت النتائج المعلنة خسارة حزبي "الجمهورية إلى الأمام" و"التجمع الوطني"، مُمثل اليمين المتطرف بزعامة ماريان لوبان مُرشَّحة الرئاسة السابقة، فيما احتفظ الجمهوريين من يمين الوسط والاشتراكيين بمجالسهم.

نتائج الانتخابات، ودلالات انخفاض نسبة المشاركة

تنقسم فرنسا إدارياً 18 إقليماً[1]، منها 13 في البر الرئيسي، وأربعة في ما وراء البحار (غويانا الفرنسية في أمريكا الجنوبية، مارتينيك، غواديلوب، لا ريونيون)، بالإضافة إلى جزيرة كورسيكا. ويقضي النظام الانتخابي الفرنسي بوجود عتبة الـ 10% كشرط لدخول قوائم الأحزاب الجولة الثانية من الانتخابات، والتي تمنح أيضاً إمكانية اندماج أحزاب مختلفة في قائمة واحدة. وتقام الانتخابات الإقليمية كل ست سنوات، وليس للأقاليم صلاحيات تشريعية كبيرة، لكنها تدير شؤون النقل والتعليم والأموال المخصصة من الاتحاد الاوروبي.

وأسفرت نتائج جولتي الانتخابات الإقليمية لعام 2021، عن الآتي:

  • حصل حزب الجمهوريين "المحافظ" على 7 أقاليم، وكان أبرز الفائزين ثلاثة وزراء سابقين في حكومة الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي، وهم فاليري بيكريس التي ترأست "إيل دو فرانس"، وكزافييه برتران الذي ترأس منطقة "أوت دو فرانس"، والثالث لوران فوكييز، الذي ترأس منطقة "أوفيرنى-رون ألب".
  • رشَّح حزب "الجمهورية إلى الأمام" 15 وزيراً حالياً على قوائم الحزب، منهم وزير الداخلية جيرالد دارمانان في إقليم "أوت دو فرانس"، وهو الإقليم الذي تمكَّن من رئاسته الوزير السابق برتران. ولم يحصل الحزب الحاكم على رئاسة أي مجلس، مما يعد خسارة كبيرة توضح عدم وجود ثقل له في الأقاليم الفرنسية على عكس الأغلبية المطلقة في مجلس النواب.
  • حزب التجمع الوطني اليميني المتطرف بزعامة مارين لوبان خسر أيضاً، ولم ينل رئاسة أي إقليم رغم تمتعه في استطلاعات الرأي بشعبية في جنوب فرنسا.
  • حافظ الحزب الاشتراكي على رئاسة خمسة أقاليم منها "أوكسيتاني"، و"بريتانى"، في حين لم تستطع أحزاب اليسار والشيوعين والخضر تحقيق مكاسب إقليمية في البر الرئيسي، باستثناء فوز هوغيت بيلو مرشح حزب فرنسا المتمردة في "لا ريونيون".

ولم تتخط نسبة المشاركة في الانتخابات الإقليمية يومي 20 و27 يونيو حاجز الـ 35%، وهي النسبة الأقل منذ الفترة الثانية للرئيس الأسبق جاك شيراك عام 2004، إذ بلغت نسبة المشاركة آنذاك في الجولة الأولى للانتخابات الإقليمية 60.8%، وفي الجولة الثانية 65.7%. ومنذ عام 2017 وحتى الآن أجرت فرنسا أربعة استحقاقات انتخابية يمكن مقارنة نسب المشاركة بينها على النحو الآتي:

ومن الجدول السابق يتضح أن الانتخابات الرئاسية هي الاستحقاق الأكثر أهمية لدى المواطنين في فرنسا، فيما تأتي الانتخابات الإقليمية في الترتيب الأخير. وقد أقيمت الانتخابات الإقليمية الأخيرة بعد عام ونصف من انتشار وباء كورونا الذي قيد الحركة وأعاق الحريات، وهو ما جعل الإقبال ضعيفاً على المشاركة، مع الأخذ في الحسبان أن الانتخابات الإقليمية تتراجع المشاركة فيها منذ 2004 وبانتظام، ربما بفعل الصلاحيات البسيطة للمجلس الإقليمي، وهو ما يتضح من الشكل البياني الآتي[2]:

يمثل اللون الأزرق معدل الامتناع عن المشاركة في الجولة الأولى من كل انتخابات إقليمية أجريت في الأعوام المدرجة في الشكل أعلاه، فيما يعكس اللون الأحمر نسبة الامتناع عن المشاركة في الجولة الثانية  من  الانتخابات الإقليمية لهذه الأعوام. ويتضح من ذلك أن نسبة الامتناع عن المشاركة في الانتخابات الإقليمية تزيد عادة في الجولة الثانية، فيما تسير وفق منحنى مرتفع على مدار الأعوام 2004، و2010، و2015، و2021، وهي فترات رئاسة جاك شيراك الثانية، ونيكولا ساركوزي، فرانسوا هولاند، وأخيراً إيمانويل ماكرون. ومع اختلاف الأيديولوجيات السياسية من اليمين المحافظ والاشتراكي، إلى يمين الوسط لم تقل نسب الامتناع عن المشاركة، ما يعنى أن عدم الاقبال ليس أمراً متعلقاً بهوية من يتولى السلطة.

أسباب خسارة حزبي ماكرون ولوبان

بناء على معطيات ترتيب الأحزاب الفرنسية في البرلمان الأوروبي، والتي تقاربت فيها نتائج الحزب الحاكم (الجمهورية إلى الأمام) مع حزب "التجمع الوطني"، واستطلاعات الرأي التي توقعت انحصار المنافسة الرئاسية عام 2022 بين ماكرون ولوبان، كان من المحتمل أن يتصدر حزبا ماكرون ولوبان الانتخابات الإقليمية، لكن خسائرهما تدفع للبحث في منطقية ومصداقية استطلاعات الرأي، وفي الأسباب التي تفسر نتائجهما، ومنها ما يلي:

  • بالنسبة لـ "الجمهورية إلى الأمام": عند انتخاب الرئيس الفرنسي ماكرون كان الخطاب الرئيسي يتمحور حول "التغيير" والخروج من عباءة الانقسام التقليدي بين اليسار واليمين اللذين حكما فرنسا منذ الجمهورية الخامسة، وساعد هذا الخطاب في التفاف بعض المستائين من الثنائية الحزبية، لينضموا إلى حزب حمل في طياته مختلف الطوائف من اليمين واليسار والوجوه الجديدة من المجتمع المدني غير المنتمي للأحزاب التقليدية. وبالتالي، كان طبيعياً أن يحصد حزب ماكرون الأغلبية المطلقة التي تمكنه من تنفيذ رؤيته، التي سرعان ما اصطدمت باحتجاجات ما يسمى "السترات الصفراء "، التي نظرت إلى ماكرون بوصفه رئيساً يمينياً موالياً لطبقة الأثرياء، بعد إلغائه ضريبة الثروة. ومن ثمّ أخذت مظاهر العزلة تحيط بالحزب الحاكم وتم ترجمتها بداية في عدم تفوقه على اليمين المتطرف في انتخابات البرلمان الأوروبي عام 2019، ثم في الانتخابات الإقليمية 2021 التي خسرها أيضاً. وبمقارنة بسيطة عند ترشح ثلاثة من الجمهوريين، والتجمع الوطني، والجمهورية إلى الأمام، وجميعهم تولى وزرات سابقة، اختار الناخب الفرنسي مرشح الجمهوريين المحافظ الذي يعرفه، وهو ما يؤيد أن حزب الجمهورية إلى الأمام لا يزال يعتمد بشكل رئيس على شخص الرئيس الفرنسي، وليس على موضع قدم قوى في الأقاليم[3].
  • بالنسبة لـ "التجمع الوطني": تبدو أسباب هزيمته ذات صلة ببعدين أساسيين، أولهما داخلي يتعلق بتركيز خطاب حملة مرشحي الحزب على موضوعات "الهجرة، وانعدام الأمن، والإسلام"، وهي القضايا التي تتصدر أجندة الشعبويين عامة، واليمين المتطرف خاصة، وبالتالي تم إهمال القضايا المحلية الأهم مثل التعليم والصحة والنقل والمواصلات وغيرها من الشواغل اليومية الرئيسة التي يفكر بها المواطن الفرنسي في الأقاليم. والبعد الثاني، خارجي يتعلق بما يُسمى "الجبهة الجمهورية"[4]، ذلك التحالف الذي تشكَّل لمنع مرشح التجمع الوطني تييري ماريانى من الفوز في منطقة "بروفانس آلب كوت دازور"، ومكَّن المرشح المحافظ "رينو موسيلير" من ترأس المنطقة، عقب انسحاب مرشحي اليسار والجمهورية إلى الأمام من المنافسة، ودعوة أنصارهما لمساندة المرشح المحافظ.

عودة اليمين المتطرف للوراء

من بين مخرجات الانتخابات الإقليمية نقض الخطاب القائل بأن اليمين المتطرف في صعود مستمر ولا يمكن إيقافه؛ فحزب التجمع الوطني لم يُنافِس بقوة سوى في إقليم واحد، رغم أنه موجود في الحياة السياسية الفرنسية منذ عام 1972 على عكس "الجمهورية إلى الأمام" الذي تشكل في أغسطس 2016. وبالتالي، فإن نتائج الانتخابات الإقليمية تُعطي دفعة ولو ضئيلة لإحياء الأحزاب التقليدية، وهو ما اتضح بداية من احتمالية ترشُّح ثلاثة من رؤساء الأقاليم (من الحزب الجمهوري)، وهم وزراء سابقين في حكومات شيراك وساركوزي، خاصة وأن موقفهم يختلف عن مُرشحي الرئاسة في 2017، نيكولا ساركوزي وفرنسوا فيون، اللذين خرجا من السباق الرئاسي على خلفية تهم فساد. ومن ثمَّ، هناك فرصة لكلٍّ من فاليري بيكريس، وكزافييه برتران، ولوران فوكييز لكي يصعد أحدهم مُمثلاً عن الحزب الجمهوري في الانتخابات الرئاسية المقبلة (2022).

في المقابل، جاء الحزب الاشتراكي في المرتبة الثانية كثاني الأحزاب المستفيدة من الانتخابات الإقليمية، لاسيما أن هناك تياراً من داعمي اليسار الذين صوتوا لماكرون في 2017، عقب الأزمات التي تعرَّض لها الحزب الاشتراكي، من المتوقع عودتهم مرة أخرى لدعم الحزب أو اليسار عموماً، إدراكاً منهم بأن ماكرون أصبح أقرب لليمين منه إلى الوسط أو اليسار. ولعل مرشح حزب الاشتراكي المقبل عليه مسؤولية توحيد قوى اليسار عموماً، وليس فقط الحزب؛ فتاريخياً لم يصل للحكم في فرنسا من الاشتراكيين إلا ميتران عام 1981، وهولاند عام 2012، وكان ذلك في الأساس بفضل قدرتهما على توحيد التيارات والأحزاب اليسارية والشيوعية. وحتى الآن لم يعلن الحزب عن مرشحه، وإن كانت هناك دعوات لترشُّح عمدة باريس "آن هيدالغو" المغربية الأصل. وفي المقابل، تمكن اليساري "جان لوك ميلونشون"، زعيم حركة "فرنسا المتمردة" من الحصول على التفويض الشعبي اللازم لخوض الانتخابات الرئاسية المقبلة، ويعنى وجوده استمرار تقسيم أصوات اليسار على غرار ما حدث في 2017، وقبل ذلك حين حلّ مرشح اليمين المتطرف جان ماري لوبان بدلاً من الاشتراكي ليونيل جوسبان في جولة الإعادة مع الرئيس الراحل جاك شيراك عام 2002.

آفاق ما بعد الانتخابات

تدفع نتائج الانتخابات الإقليمية الأخيرة في فرنسا، واستطلاعات الرأي المعلنة من حين لآخر، الحياة السياسية ومستقبل الأحزاب ومرشحي الرئاسة لاتجاهين رئيسينِ، أولهما اعتبار أن نتائج الانتخابات الإقليمية غير مُعبِّرة عن الأوزان النسبية للقوى السياسية، وأن فرنسا العام المقبل سوف تشهد سيناريو مُكرر لجولة الإعادة بين ماكرون وماريان لوبان. والاتجاه الثاني، أن حراكاً سياسياً قد بدأ ربما يُغير المشهد العام المقبل؛ أما بتولي رئيس آخر بخلاف ماكرون أو منافسة مغايرة. ويمكن مناقشة هذا الاتجاه بصورة تفصيلية وفق الاحتمالات الممكنة كما يلي:

1. صدق استطلاعات الرأي: يمنح بعض استطلاعات الرأي ماكرون الصدارة بـ 26%، يليه ماريان لوبان بـ 25%، ثم فيالري بيكرس عند 12%[5]، فيما تظهر وجوه جديدة مثل عمدة باريس "آن هيدالغو" ولوران فوكييز الذي تصنّفه بعض استطلاعات الرأي بالتساوي مع ماريان لوبان. بينما يمنح استطلاع رأي لموقع "بوليتيكو"[6] الصدارة لماكرون وماريان لوبان بـ 25%، يليهما براترن عند 17% في المرتبة الثالثة، ثم ميلانشون في الترتيب الرابع، وذلك في الجولة الأولى. ويتوقع "بوليتيكو" فوز ماكرون في الإعادة بـ 56%. وبفرض صدق استطلاعات الرأي هذه فإن ماكرون سيحظى بفترة رئاسية أخرى.

2. فترة تعايش: يُصنَّف النظام الفرنسي بأنه شبه رئاسي، وتسمى الفترة التي يحصل فيها حزب الرئيس الفائز بالأغلبية في مجلس النواب بفترة الاندماج، حيث تصبح كل الصلاحيات في يد الرئيس الذي يشكل الحكومة. أما إذا أصبح الرئيس الفائز من حزب يختلف عن الحزب صاحب الأغلبية البرلمانية فهنا تمسي فترة التعايش، وبها تقيد صلاحيات الرئيس الفرنسي. وبفرض فوز ماكرون في الانتخابات الرئاسية العام المقبل مع تراجع حزب الجمهورية إلى الأمام، واستناداً لما حققه الجمهوريين في الانتخابات الإقليمية يمكن أن يصبح تشكيل الحكومة في يد الحزب الجمهوري، مما يعنى تقيد صلاحيات ماكرون.

3. فائز جديد: منذ حصول الرئيس الفرنسي جاك شيراك على فترتي رئاسة لم يستطع من بعده الفوز بدورتين متتاليتين، ففي عام 2012 خسر ساركوزي الانتخابات لصالح فرانسوا هولاند، الذي بدوره لم يترشح مرة أخرى عام 2017. والرهان هنا يتركز في اقتناع المواطن الفرنسي بما حققه ماكرون، والذي يعتبر أفضل حالاً من كلٍّ من ساركوزي وهولاند، وأقل قوة من جاك شيراك. وبالتالي، من الممكن ألا تنحصر الإعادة في الانتخابات المقبلة بين ماكرون وماريان لوبان، بل يُحتَمل أن تكون بين مرشح من الجمهوريين وماكرون، مع فرضية تفوق مرشح جمهوري من بين الثلاثة المحتملين (فاليري بيكريس، وكزافييه برتران، ولوران فوكييز).

خلاصة

يمكن القول إن الانتخابات الإقليمية الفرنسية الأخيرة أعطت مؤشرات مهمة على الحراك السياسي والحزبي في فرنسا، الأمر الذي يجعل فرص الأحزاب التقليدية للعودة للسيطرة على المشهد أما بفوز أحداها بالأغلبية في مجلس النواب الفرنسي المقبل، أو بفوز مرشح رئاسي جديد يُمثل اليمين المحافظ، مع وجود حظوظ للرئيس الفرنسي ماكرون بالبقاء دورة رئاسية أخرى.

الهوامش

[1] Joël Reland, The French regional elections, 24 Jun 2021. https://ukandeu.ac.uk/explainers/the-french-regional-elections/

[2] Bruno Cautrès, The undisputed winner of the French regional elections: abstention, The Conversation, June 29, 2021. https://theconversation.com/the-undisputed-winner-of-the-french-regional-elections-abstention-163545

[3] Lisa Louis, France's regional vote recasts 2022 election battle, DW News, 28.06.2021. https://www.dw.com/en/frances-regional-vote-recasts-2022-election-battle/a-58077092

[4] Ibid.

[5] Victor Mallet, French politics: Macron face test of character as Le pen popularity grows.  https://www.ft.com/content/32dbb571-c4b7-4a9b-8d92-e7b7c98b0571

[6] https://www.politico.eu/europe-poll-of-polls/france/

_____

تنويه: جميع حقوق نشر هذه المقالة محفوظة لـ"مركز الإمارات للسياسات"، ويُمنَع إعادة نشرها أو الاقتباس منها، جزئياً أو كلياً، دون أخذ إذن مُباشِر ومُسبَق من المركز، ويستثنى من ذلك الاقتباسات المحدودة المراعية لأصول البحث العلمي، لهدف تعليمي أو بحثي مُحدَّد، مع ضرورة الإشارة إلى المركز بوصفه الناشر الأصلي. 

 

سيناريوهات

­­أفغانستان والتحديات أمام حُكم "طالبان"

مركز الإمارات للسياسات | 18 أكتوبر 2021