هل ينجح مجلس الأمن في التمديد لتفويض المعابر الإنسانية في سورية؟

مركز الإمارات للسياسات | 06 يوليو 2021

تُشكل قضيةُ المعابر الإنسانية في سورية محورَ صراع دبلوماسي بين روسيا والغرب، ويُتوقع أن تكون هذه القضية اختباراً للعلاقات بين الطرفين في المرحلة المقبلة، ومؤشراً على توجهات الفاعلين الدوليين بخصوص الأزمة السورية. وتنطوي القضية على بُعد سياسي واضح، كما تتداخل فيها مصالح الأطراف وتفضيلاتهم في الملف السوري، الأمر الذي يرجح احتمالية حصول مفاوضات شاقة في الفترة السابقة لاجتماع مجلس الأمن بشأن اتخاذ قرار بهذا الخصوص في 10 يوليو 2021.

تُسلِّط هذه الورقة الضوء على قضية المعابر الإنسانية في سورية، ومواقف الأطراف فيها، والمخارج المحتملة لها.

قضية المعابر الإنسانية

تعود قضية المعابر الإنسانية في سورية إلى العام 2014، حين وافق مجلس الأمن بالإجماع على خطة لإرسال مساعدات إنسانية إلى السوريين عبر أربعة معابر، مع تركيا والعراق والأردن (انظر الخريطة أدناه). وتم العمل وفق هذه الخطة حتى عام 2020، حين اعترضت روسيا والصين على هذه الآلية، انطلاقاً مما تَعتبرانه تغيّراً في المعطيات بعد استعادة النظام السوري السيطرة على مساحات واسعة واستقرار الأوضاع في سورية، مما يحتّم عبور المساعدات عبر قناة النظام السوري وإشرافه على توزيعها.1

وكان الدافع الروسي-الصيني وراء موقفهما ذاك هو الضغط على بؤر التمرد، وعدم تحويلها إلى بدائل للنظام السوري واعتمادها من الدول الغربية بوصفها كيانات مستقلة، وتكريس شرعية النظام بوصفه ممثلاً للشعب السوري، وبناءً على ذلك عملت روسيا والصين على تقويض الآلية القديمة لتوزيع المساعدات عبر استخدامهما حق النقض (الفيتو)، ووافقتا بعد مداولات دبلوماسية شاقة على إبقاء مَعبر "باب الهوى" الحدودي مع تركيا فقط ولمدة ستة شهور، تنتهي في 10 يوليو 2021.

وقد أعدت إيرلندا والنرويج، العضوان غير الدائمين في مجلس الأمن، والدولتان الراعيتان لنصوص مجلس الأمن المتعلقة بالوضع الإنساني في سورية، مشروعَ قرار يجري التفاوض حوله في مجلس الأمن، بهدف تجديد وتوسيع آلية إيصال المساعدات الإنسانية استجابةً للاحتياجات الإنسانية الملحة للمناطق الخارجة عن سيطرة النظام السوري في شمال غربي البلاد وشمال شرقيها، إذ يُطالب مشروع القرار بالتمديد لعام واحد في تفويض إيصال المساعدات عبر معبر باب الهوى لمنطقة إدلب التي تسيطر عليها فصائل معارضة، وكذلك إعادة تفويض معبر اليعربية لإيصال المساعدات إلى شمال شرقي سورية عبر العراق.2

وتُحذّر منظمات دولية عديدة من عدم القدرة على التمديد للآلية الحالية لما قد يسببه ذلك من انعكاسات سلبية على السوريين في مناطق شمال غربي سورية، التي تُؤوي أكثر من أربع ملايين نسمة، وجزء كبير منهم من النازحين. وتشكّل المساعدات الدولية عبر آلية التفويض 60 بالمئة من مقومات الحياة للمدنيين في تلك المنطقة، ويمر عبر مَعبر باب الهوى أكثر من 85 بالمئة من تلك المساعدات، بمعدل عبور ألف شاحنة مساعدات شهرياً.3 ويخضع المعبر في الوقت الراهن لإدارة مَدنية تتبع لحكومة الإنقاذ السورية في إدلب، التي تُوصف بأنها الواجهة السياسية لـ"هيئة تحرير الشام" التي تضعها أطراف عديدة ضمن قوائم الإرهاب.4

وتُصنف الأمم المتحدة السوريين الموجودين في إدلب بأنهم الفئة الأكثر ضعفاً وحاجة بين السوريين، لاسيما مليونين وسبعمئة ألف من الرجال والنساء والأطفال النازحين داخلياً، والذين يعيشون في أكثر من ألف مخيم على الحدود السورية-التركية.5

الموقف الروسي

تَبني روسيا موقفها القائم على ضرورة وقف العمل بالآلية الحالية لإيصال المساعدات الإنسانية عبر الحدود، على ثلاث ركائز:

  1. تغيّر الوضع الميداني لصالح النظام في سورية، الذي بات يسيطر على الجزء الأكبر من البلاد، ما يجعله صاحب السيادة فيما يخص الأراضي السورية، وأي قرار يخص سورية يجب أن يكون بموافقته، وعدم حصول ذلك يمثل خرقاً لسيادة الدولة السورية ومخالفةً صريحة لقواعد القانون الدولي.6
  2. تَرى روسيا أن مناطق شمال غربي سورية هي بؤر للإرهابيين، ولا يجوز لهؤلاء الحصول على دعم دولي.7
  3. ترى روسيا أن توزيع المساعدات الأممية غير عادل، وأنَّ مناطق النظام مهمشة ولا تصلها المساعدات الغربية، وتُطالب بأن توزّع المساعدات بآلية مراقبة متفق عليها بين الأمم المتحدة والنظام السوري، لمنع التلاعب أو إساءة توزيع المساعدات.8

وتسعى روسيا من وراء إصرارها على تغيير الآلية المتبعة في إيصال وتوزيع المساعدات وحصرها بأيدي النظام السوري إلى تحقيق جملة من الأهداف:

  1. تمكين النظام السوري من التحكّم بالمساعدات حتى يكسب حاضنةً شعبية أكبر، وبخاصة في صفوف المُوالين له سيما في ظلِّ الظروف الاقتصادية الصعبة التي تشهدها مناطق النظام. 
  2. إخضاع المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، والتي يعتمد سكانها بدرجة كبيرة على المساعدات الدولية، كما تستطيع روسيا والنظام من خلال قوائم التوزيع تشكيل بنك معلومات عن المعارضة في تلك المناطق وتسهيل عملية اختراق المجتمعات في تلك المناطق، بالإضافة إلى أن جعل بقية المناطق تحت رحمة النظام سيكون ورقة ضغط قوية خلال أي مفاوضات سياسية مقبلة سواء مع المعارضة أم "قسد".9
  3. تصوير الأسد باعتباره المنتصر في الحرب والحاكم الشرعي لسورية، ومن ثمّ تعميق النفوذ الإقليمي لروسيا حليفة الأسد، في أي محاولة لإعادة إعمار سورية.

وتملك روسيا أوراق ضغط قوية في مواجهة خصومها في جولة الصراع الدبلوماسي الحالي، إذ تستطيع خلط الأوراق من خلال التصعيد العسكري، الجاري حالياً، والذي بدأت تَنتج عنه مقدمات حملة نزوح جديدة من مناطق جبل الزاوية بإدلب.10 وتتعامل روسيا مع موضوع المساعدات كسلاح حرب، حيث تخضع المخاوف الإنسانية لأهدافها السياسية المتمثلة بتأمين نفوذها في سورية من خلال النظام.11

وتسعى روسيا تفاوضياً مقابل تمرير قرار التمديد في مجلس الأمن،  إلى تحقيق صفقة مع الأمريكيين والأتراك تتضمن زيادة كميات النفط والقمح التي يحصل عليها النظام من منطقة شرق الفرات الواقعة تحت نفوذ القوات الأمريكية و"قسد"، وفتح المعابر الداخلية من مناطق المعارضة؛ أي معبرَي سراقب وميزناز في ريف إدلب الشرقي، ومعبر أبو الزندين في ريف حلب الشمالي، بهدف تنشيط الحركة التجارية واستفادة النظام من النقد الأجنبي، وسبق أن اقترحت روسيا على تركيا في مارس الماضي، بعد جولة تصعيد عسكرية، فتح المعابر الداخلية، لكن تركيا رفضت المقترح.12

الموقف الأمريكي والغربي

تسعى الولايات المتحدة إلى الإبقاء على آلية المساعدات الإنسانية عبر الحدود، بل توسيعها من خلال جعْلها ثلاثة معابر بدلاً من معبر واحد، بحيث يُضاف إلى معبر باب الهوى، مَعبرا "اليعربية" من جهة العراق، ومعبر "باب السلام" من جهة ريف حلب الشمالي، ويقف خلفها في ذلك موقف غربي مؤيد. لذا انتقدت الولايات المتحدة مشروع القرار الذي تقدمت به النرويج وإيرلندا، وقالت سفيرة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة ليندا توماس غرينفيلد في بيان لاذع: "أستمر بالدعوة إلى إعادة تفويض معبر باب الهوى واعتماد مجدداً معبري باب السلام (شمال غرب) واليعبرية للمساعدات الإنسانية".13

وترفض الولايات المتحدة، والدول الغربية عموماً، حصر إيصال المساعدات عن طريق قناة النظام السوري، الذي تعتقد بأنه يحاول وضع إطار سياسي وقانوني يسمح له باستغلال المساعدات الإنسانية وتمويل إعادة الإعمار لخدمة مصالحه، ومعاقبة مَن ينظر إليهم على أنهم معارضون، وإفادة الموالين له.

وكانت منظمة "هيومان رايتس ووتش" قد أكدت في تقرير سابق تلاعب النظام السوري بتوزيع المساعدات الإنسانية بطريقة تصبّ في مصلحته مباشرة، وليس إيصالها إلى السوريين المحتاجين، وأنّ تأثير المنظمات الإنسانية محدود في التفاوض مع النظام، وبحسب التقرير فإن النظام قام بحرمان المناطق التي سيطر عليها بعد عام 2018 من المساعدات، مثل درعا والقنيطرة وريف دمشق وحمص، فضلاً عن عدم وصول أي من هذه المساعدات إلى المناطق الخارجة عن سيطرة النظام في شمال البلاد وشرقها.14

وتتخوف الولايات المتحدة والدول الأوروبية من أن يؤدي تسليم ملف المساعدات للنظام السوري إلى تردي الأوضاع الاقتصادية، إذ تعتمد غالبية المنظمات الإنسانية هناك على الدعم المقدم من الأمم المتحدة لتمويل مشاريع كبيرة توفر العمل للآلاف، وقد يحرم النظام هذه المنظمات من الدعم الذي كانت تتلقاه؛ ما سيرفع نسب البطالة، ومن ثم سيؤدي إلى حركة نزوح كبيرة خارج الحدود، باتجاه تركيا ومنها إلى أوروبا.15

وتقود إدارة بايدن، التي يبدو أنها حصرت اهتمامها بسورية في الوضع الإنساني، جهوداً دبلوماسية مكثفة تسعى من خلالها للتوصل إلى اتفاق حول تجديد الآلية الدولية الخاصة بإدخال المساعدات الإنسانية عبر الحدود، والعودة إلى أن تشمل الآلية الدولية ثلاثة معابر إنسانية، وتهدف من ذلك إلى ما يأتي:

  1. المحافظة على التوازن في إدخال المساعدات إلى مناطق إدلب وريف حلب الشمالي، وألا تبقى المساعدات في مناطق سيطرة المعارضة محصورةً بقناة واحدة تتحكم بها "هيئة تحرير الشام" المصنفة إرهابية في واشنطن، إذ يخدم معبر "باب السلام" مناطق أعزاز وتل رفعت وعفرين ومنبج، وهي مناطق سيطرة مختلطة بين "قسد" والفصائل الموالية لتركيا.
  2. فتح منفذ حدودي لشركائها المحليين في شرق الفرات، وكفّ يد النظام عن التحكم بالمساعدات الإنسانية في مناطق سيطرة الإدارة الذاتية، حيث يتحكم النظام بتوزيع المساعدات منذ إغلاق مَعبر اليعربية، ويقوم بفرض شركائه المحليين ومن يتعامل معه بذلك.16

وقد بدأت الولايات المتحدة حملةً مبكرة بهذا الصدد، حيث ترأس وزير الخارجية أنتوني بلينكن اجتماعاً لمجلس الأمن مُخصصاً لبحث موضوع المساعدات الإنسانية في شهر مارس الماضي، لإعطاء زخم لهذا الملف، ثم قامت السفيرة الأمريكية غرينفيلد بزيارة إلى تركيا، وأدْلت بتصريحات من مَعبر باب الهوى، تضمنت إصرار الإدارة الأمريكية وعزمها على تجديد آلية إيصال المساعدات الأممية إلى سورية. وطرح الرئيس الأمريكي جو بايدن هذا الملف لدى لقائه نظيره الروسي فلاديمير بوتين في جنيف، منتصف شهر يونيو الحالي، لكن الأمريكيين لم يتلقّوا رداً واضحاً من روسيا خلال هذه القمة.17

غير أن الولايات المتحدة لا تملك أوراقَ ضغط حقيقية على روسيا في سورية، ولذلك سعت إدارة بايدن إلى تقديم بعض المحفزات لروسيا من أجل تشجيعها على تمرير القرار، حيث لم تفرض إدارة بايدن أي عقوبات على سورية بموجب "قانون قيصر"، كما سمحت باستثناءات طبية وغذائية وإنسانية، كما تراهن إدارة بايدن على أن روسيا المتلهفة لفتح حوار مع معها في ملفات عديدة ستتنبه إلى أن الملف الإنساني السوري سيكون بمنزلة اختبار لها وبوابة لفتح هذه الملفات.18

وتُعطي الولايات المتحدة أهميةً خاصة لهذا الملف، إذ سيؤشر النجاح أو الفشل فيه إلى مدى تأثيرها على المسرح الدولي، وقدرتها على تنسيق السياسات الدولية، بعد فترة الانعزال وعدم التأثير التي سادت في مرحلة إدارة دونالد ترمب، وهو ما دفع فريق بايدن في قمة جنيف إلى التأكيد على أن ملف المساعدات الإنسانية يحظى بأهمية كبيرة بالنسبة لهم، وربطوا أي تعاون مستقبلي بشأن سورية بتمرير قرار مجلس الأمن الخاص بالمعابر.19

إلا أن مطامح بوتين في هذا الشأن كانت كبيرة، وتوقع حصوله على صفقة تضمن إعادة تأهيل الأسد، في حين أن بايدن اعتبر أن ما فعله الأسد أفقده ثقة العالم، وأن التعامل معه لم يعد جائزاً أخلاقياً، ولا مكان في هذا العالم لزعماء من هذا النوع.20

البدائل

تطرح حالةُ عدم اليقين بالتوصل إلى توافق حول إيصال المساعدات الإنسانية الى سورية، واحتمال استخدام روسيا والصين الفيتو لمنع صدور قرار مجلس الأمن بالتمديد للتفويض الحالي، السؤالَ عن البدائل الممكنة للولايات المتحدة والغرب، ومدى واقعية هذه البدائل.

وتتمثل أكثر البدائل احتمالية بالآتي:

  1. توجُّه الولايات المتحدة إلى خلق تحالف دولي إنساني، وتأسيس آلية لإيصال المساعدات الإنسانية خارج إطار الأمم المتحدة، تقودها واشنطن وتعتمد على تركيا بشكل رئيس في تنفيذها، ويساهم بها الاتحاد الأوروبي، وعلى رأسه ألمانيا، والدول العربية، وفي مقدمتها السعودية.
  2. عودة المنظمات الإنسانية العاملة في المنطقة إلى ما قبل القرار الدولي الخاص بالمعابر، والعمل خارج نطاق آلية التفويض الحالية، مع إمكانية تحويل التمويل الخاص بوكالات الأمم المتحدة إلى منظمات دولية غير حكومية توزع الدعم المقدم إلى الجهات المحلية.21
  3. لجوء المانحين الدوليين إلى المنظمات الدولية، وتمرير المساعدات عبر منظمات محلية، وإدخال المساعدات عبر أحد المعابر (باب السلامة أو باب الهوى أو رأس العين)، وهو الخيار اﻷسوأ لما يعنيه من تقليل حجم المساعدات.
  4. بإمكان أي دولة عضو في مجلس الأمن الدعوة إلى اجتماع استثنائي للجمعية العامة للأمم المتحدة والتصويت على القرار الدولي لإدخال المساعدات الإنسانية عبر الحدود، وذلك خارج نطاق مجلس الأمن، وبذلك يتم ضمان عدم استخدام حق النقض من قبل روسيا.22

غير أن جميع هذه البدائل تواجه مشاكل وعقبات فنية وإدارية تجعل تطبيقها ليس سهلاً ولا ميسراً، ذلك أنها ستستهلك مدة زمنية طويلة قد تستغرق من ستة أشهر إلى سنة، وبالتالي حرمان مئات آلاف المدنيين من المساعدات الغذائية، وتفشي أكبر لفيروس "كورونا. إلى جانب مخاوف متعلقة برفض المانحين الدوليين تحويل الأموال المخصصة للمساعدات الإنسانية خارج نطاق وكالات الأمم المتحدة إلى جهات أخرى، وبالتالي نقص التخصيص في كمية المساعدات. بالإضافة إلى احتمالية قيام روسيا ونظام الأسد باستهداف القوافل الإنسانية الداخلة إلى سورية، بعد انسحاب روسيا من آلية تحييد المنشآت والقوافل الإنسانية، وبخاصة في حال تم رفع يد الأمم المتحدة عن العملية الإنسانية.23

وإدراكاً لصعوبة استمرار العملية من دون تفويض من مجلس الأمن، أكد القائم بأعمال وكيل الأمين العام للشؤون الإنسانية ومنسق المعونة الطارئة راميش راجاسينغهام، أن المنظمات غير الحكومية لن تكون قادرة على تلبية الحاجات الهائلة للسوريين، مُشيراً إلى عدم وجود بديل للعملية عبر الحدود.24 كما أكدت السفيرة الأمريكية في الأمم المتحدة أنه لا بديل عن الآلية الحالية، وأن الولايات المتحدة ستمارس الضغط من أجل تمرير القرار الدولي الخاص بالمعابر.25

الاحتمالات

تُشكّل مسألة تمديد العمل بالقرار الدولي الخاص بمعابر المساعدات الإنسانية إلى سورية، اختباراً للعلاقات بين الفاعلين الدوليين في المرحلة المقبلة، إذ يَعتبر كل طرف نجاحه في فرض موقفه مقياساً لحجم تأثيره في الساحة الدولية.

وفي الشكل، يأخذ الصراع خلافاً بين رؤيتين وخطتين: الخطة الروسية بدعم صيني وإيراني علني، تقوم على أساس توزيع المساعدات "عبر خطوط النزاع"، والتي تقضي باعتماد النظام السوري كقناة أساسية لاستلام المعونات وتوزيعها، وعلى الأمم المتحدة الاتفاق مع النظام لإجراء الترتيبات المناسبة لهذا الأمر. وفي الجانب الآخر تقف الولايات المتحدة وأوروبا، بالإضافة إلى الأمم المتحدة ومنظمات دولية، وتقوم خطتها على تقديم المساعدات عبر "المعابر الدولية"، على اعتبار أن البيروقراطية والتحديات لتوصيل المساعدات عبر نقاط التماس والأراضي التي يسيطر عليها النظام تشكل عائقاً حقيقياً لوصول المساعدات الكافية.26

ورغم أن مواقف الطرفين يجري تخريجها بصيغ دبلوماسية وقانونية، إلا أنها تنطوي على أبعاد سياسية واضحة، حيث تسعى روسيا إلى استثمار العملية من أجل تحقيق تنازلات من الغرب لصالح نظام الأسد ووجودها في سورية، في حين تُصر دول الغرب تحقيق أهدافها مع تجميد أي تحرك في الملف السوري، على الأقل في الوقت الراهن.

والمتوقع أن تشهد المرحلة التي تسبق صدور القرار تجاذبات ومساومات بين الطرفين، وربما تطرح روسيا مشروعَ قرار بديلاً، كما من المتوقع أن ترفض روسيا الصيغة الحالية لمسودة القرار الإيرلندي-النرويجي التي تطالب بفتح مَعبري باب الهوى واليعربية، وتطالب بإدخال تعديلات عديدة على المسودّة قد ترفضها الأطراف الأخرى.

لكنْ بالإجمال يمكن وضع احتمالين قد تنتهي قضية المعابر إلى واحد منهما:

الاحتمال الأول، موافقة روسيا على تمديد التفويض الأممي لإيصال المساعدات إلى سورية وربما لستة أشهر فقط، في محاولة لجعل هذه الفترة بمنزلة اختبار لمواقف الأطراف الغربية من القضايا السورية الأخرى، كعملية إعادة الإعمار وتأهيل النظام السوري، مقابل الحصول على تنازلات تتمثل في فتح المعابر الداخلية بين مناطق المعارضة والنظام، ورفع الفيتو عن تزويد النظام بالنفط والقمح من مناطق شرق الفرات. وستجد روسيا نفسها مضطرة للموافقة على القرار للأسباب الآتية:

  1. لأن رفضها الموافقة سيدفع الأطراف الأخرى إلى البحث عن بدائل، وبالتالي ستجد روسيا نفسها خارج اللعبة، أو ستضطر إلى اتّباع أساليب خشنة وخطرة لمنع تطبيق البدائل، من نوع قصف قوافل المساعدات، ما يضعها على خط احتمالات التصادم العسكري مع القوات الأمريكية في سورية.
  2. استطاعت الولايات المتحدة تحشيد جزء كبير من دول العالم لدعم ملف المعابر، ويمكن القول إنها انتصرت على روسيا إعلامياً ودبلوماسياً بغض النظر عن النتيجة، عبر إظهار نفسها بمظهر المدافع عن القضايا الإنسانية بدون أي مصلحة مباشرة، وخاصة بعد الإعلان عن سحب شركة النفط الأمريكية من شرق سورية، وزيادة دعم اللاجئين بمبلغ 250 مليون دولار إضافي. وتقف خلف الولايات المتحدة ودول أوروبا، الأمم المتحدة والمنظمات التابعة لها، ومنظمات دولية أخرى، مثل أطباء بلا حدود، والعفو الدولية، وهيومن رايتس ووتش، وبالتالي فإن روسيا لن تغامر في معاداة كل هؤلاء، وستجد نفسها مضطرة للرضوخ، وإن كان ذلك بصيغة لا تظهر من خلالها أنها طرف مهزوم.
  3. لا تريد روسيا تعميق العداء مع إدارة بايدن، التي ذهبت إلى اعتبار موقف روسيا من ملف المساعدات سيشكل مختبراً للعلاقات بين الطرفين، كما أن روسيا، التي بدأت تشعر بثقل تكاليف الملف السوري، تحتاج إلى رضا الغرب عنها لتحويل انتصاراتها العسكرية إلى فوائد اقتصادية. وتدرك روسيا أن مقابل رفضها التمديد ستعود عقوبات "قيصر" بقوّة، كما سيتم إغلاق نافذة العلاقات العربية مع سورية نهائياً.27

ويبدو هذا الاحتمال هو الأكثر ترجيحاً للاعتبارات السابقة.

الاحتمال الثاني، أن تُصر روسيا على موقفها في عدم منح الموافقة على قرار تمديد التفويض الأممي، وقد ألمح وزير الخارجية سيرغي لافروف في رسالته إلى الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، بأن روسيا ستمنع تجديد تفويض الأمم المتحدة للمعبر الحدودي الوحيد، أي "باب الهوى"، الذي ينتهي في 10 يوليو الجاري.28 وستقف خلف الإصرار الروسي على الرفض الأسباب الآتية:

  1. تأكد الرئيس بوتين أن الرئيس بايدن لن يغيّر موقفه من الأسد طوال فترة وجوده في البيت الأبيض، بعد وضعه للعلاقة مع الأسد في إطار موقف أخلاقي، وفي ظل تأكيد الإدارة الأمريكية الجديدة على حقوق الإنسان والديمقراطية في توجهاتها للسياسة الخارجية.
  2. تعقّد الخلافات بين روسيا وأوروبا، وخاصة بعد رفض الاتحاد الأوروبي مبادرة عقد قمة مع روسيا، وكذلك الخلاف الروسي مع تركيا في أكثر من ملف، وبالتالي ذهاب روسيا إلى تدفيعهما أثمان مرتفعة وإجبارهما على التفاوض وفق شروطها، من خلال التضييق على سكان إدلب ودفعهم إلى اللجوء إلى تركيا وأوروبا اللتين تواجهان أزمات سياسية داخلية بسبب قضية اللجوء.
  3. حلول الصين مكان الدول الغربية في مشروع إعمار سورية، وتبدو الصين، من خلال تأكيدات مسؤوليها، مُصرّةً على معارضة الموقف الغربي من سورية، كما أنها ومنذ توقيع مذكّرة التفاهم الاستراتيجي مع إيران أصبحت مهتمة بإقامة مشاريع استثمارية في المنطقة التي تشكّل حلقةً مهمة في إطار مشروعها "الحزام والطريق".

الخلاصة

  • قدَّمت النرويج وإيرلندا مشروع قانون ينص على التمديد لعام واحد في تفويض إيصال المساعدات الإنسانية إلى شمال شرقي سورية عبر معبر باب الهوى، وأيضاً توسيع التفويض من خلال فتح معبر اليعربية لإيصال المساعدات إلى شمال شرقي سورية، وسيُصوت مجلس الأمن على القرار في 10 يوليو 2021.
  • تدعم الولايات المتحدة زيادة عدد المعابر الإنسانية إلى ثلاثة بدلاً من معبر واحد، بحيث يضاف إلى معبر باب الهوى، معبرا "اليعربية" من جهة العراق، ومعبر " باب السلام" من جهة ريف حلب الشمالي. وتعتبر إدارة بايدن أن موقف روسيا من هذه القضية سيشكل مُختبراً للعلاقات بين الطرفين.
  • في حال رفعت روسيا الفيتو ضد القرار في مجلس الأمن يوجد بديلين لكنهما غير عمليين، وهما: أن تقوم الولايات المتحدة بإنشاء تحالف دولي إنساني لإيصال المساعدات الإنسانية خارج إطار الأمم المتحدة، أو أن يلجأ المانحون الدوليون إلى المنظمات الدولية وتمرير المساعدات عبر منظمات محلية، وهو الخيار اﻷسوأ لما يعنيه من تقليل حجم المساعدات.
  • الاحتمال المرجح هو موافقة روسيا على تمديد التفويض الأممي ربما لستة أشهر فقط، في محاولة لجعل هذه الفترة اختباراً لمواقف الأطراف الغربية من القضايا السورية الأخرى، مثل عملية إعادة الإعمار وتأهيل النظام السوري، مقابل الحصول على تنازلات تتمثل في فتح المعابر الداخلية بين مناطق المعارضة والنظام، ورفع الفيتو عن تزويد النظام بالنفط والقمح من مناطق شرق الفرات.

المصادر

  1. "بوتين: يجب تقديم المساعدات الإنسانية لكل سكان سوريا عبر حكومة البلاد"، روسيا اليوم، 14 يونيو 2021.
  2. "قلق غربي من "فيتو" روسي على تمديد قرار المساعدات إلى سورية"، جريدة الشرق الأوسط، 25 يونيو 2021.
  3. "تحذير أممي من "عواقب وخيمة" لإغلاق "باب الهوى" أمام المساعدات الإنسانية"، موقع بلدي نيوز، 24 يونيو 2021.
  4. "هل تنجح مساعي روسيا في إغلاق معبر باب الهوى بين سورية وتركيا"، ترك برس، 10 يونيو 2021.
  5. "الأمم المتحدة: 2.7 مليون نازح يعيشون ظروفاً مأساوية بسورية"، الاتحاد، 8 يونيو 2021.
  6. "بوتين: يجب تقديم المساعدات الإنسانية لكل سكان سوريا عبر حكومة البلاد"، مصدر سابق.
  7. ماريانا بيلينكايا، "المساعدات الإنسانية إلى سورية على الطريقة الروسية"، كوميرسانت، ترجمة للعربية، روسيا اليوم، 15 يوليو 2020.
  8. "بوتين: يجب تقديم المساعدات الإنسانية لكل سكان سوريا عبر حكومة البلاد"، مصدر سابق.
  9. أمين العاصي، "المعابر الإنسانية في سورية: ورقة بيد الروس لمساعدة الأسد"، العربي الجديد، 12 أبريل 2021.
  10. أمين العاصي، وجابر عمر، "تصعيد روسي في إدلب: ضغوط قبيل الاستحقاقات السياسية"، العربي الجديد، 11 يونيو.
  11. Amberin Zaman, Biden administration not trading Syrian oil for aid corridors with Moscow, AL-MONITOR, 21 JUNE 2021: https://www.al-monitor.com/originals/2021/06/biden-administration-not-trading-syrian-oil-aid-corridors-moscow
  12. إبراهيم حميدي، "احتدام الصراع على "معابر" سورية.. وممراتها"، الشرق الأوسط، 13 يونيو 2021.
  13. "سوريا.. خلافات في مجلس الأمن بشأن معابر المساعدات"، دويتشه فيله، 26 يونيو 2021.
  14. "نظام مغشوش.. سياسات الحكومة السورية لاستغلال المساعدات الإنسانية وتمويل الإعمار"، منظمة "هيومن رايتس ووتش"، 28 يونيو 2019.
  15. "معركة "المساعدات الإنسانية" وإدخالها إلى سوريا.. تأييد النظام أو الجوع للسوريين"، ساسة بوست، 9 يونيو 2021.
  16. منهل باريش، "التصعيد في إدلب: انعكاس الخلافات الخارجية يتعاظم"، القدس العربي، 12 يونيو 2021.
  17.  "روسيا لم تلتزم تسهيل فتح المعابر في سورية خلال قمة بايدن-بوتين"، العربي الجديد، 17 يونيو 2021.
  18. إبراهيم حميدي، "سوريا و"الاختبار الأميركي" لروسيا"، الشرق الأوسط، 22 يونيو 2021.
  19. "واشنطن: توسيع الممر الإنساني عبر الحدود شرط لأي تعاون مستقبلي مع روسيا في سورية"، روسيا اليوم، 17 يونيو 2021.
  20. حسين عبد الحسين، "اعتبر أن التعامل معه "لم يعد جائزاً أخلاقياً"، بايدن يرفض عرض بوتين "فوائد" مصالحة الأسد"، جريدة الرأي الكويتية، 17 يونيو 2021.
  21. منهل باريش، "التصعيد في إدلب: انعكاس الخلافات الخارجية يتعاظم"، مصدر سابق.
  22. "ما الخيارات البديلة للشمال السوري في حال نجحت روسيا في إغلاق معبر باب الهوى"، ترك برس، 15 يونيو 2021.
  23. "في اليوم العالمي للاجئين.. تحذيرات من "كارثة" إغلاق "شريان الحياة" لشمال غرب سورية"، السورية نت، 2 يونيو 2021.
  24. "قلق غربي من "فيتو" روسي على تمديد قرار المساعدات إلى سورية"، مصدر سابق.
  25. "واشنطن: لا توجد خطة بديلة لآلية إيصال المساعدات إلى سورية"، تلفزيون سوريا، 24 يونيو 2021.
  26. "تحركات دولية لإبقاء باب الهوى مفتوحاً أمام المساعدات إلى إدلب"، إنديبندنت عربية، 24 يونيو 2021.
  27. Josh Rogin, The Biden-Putin summit is a key moment for Syria, The Washington Post, 16 June 2021. https://www.washingtonpost.com/opinions/2021/06/10/biden-putin-syria-conflict/

28. "سوريا.. خلافات في مجلس الأمن بشأن معابر المساعدات"، دويتشه فيله، 26 يونيو 2021.

_____

تنويه: جميع حقوق نشر هذه المقالة محفوظة لـ"مركز الإمارات للسياسات"، ويُمنَع إعادة نشرها أو الاقتباس منها، جزئياً أو كلياً، دون أخذ إذن مُباشِر ومُسبَق من المركز، ويستثنى من ذلك الاقتباسات المحدودة المراعية لأصول البحث العلمي، لهدف تعليمي أو بحثي مُحدَّد، مع ضرورة الإشارة إلى المركز بوصفه الناشر الأصلي. 

سيناريوهات