سورية وخطر تحوّل تقسيم الأمر الواقع إلى وضع دائم

مركز الإمارات للسياسات | 01 يوليو 2021

تتجه الجهاتُ المسيطرة على المناطق الخارجة عن سلطة النظام السوري إلى تكريس وجودها، في محاولة لصناعة سلطة بديلة في تلك المناطق، مُستفيدةً من الحماية الخارجية التي توفرها الأطراف، الإقليمية والدولية، ومن وضعية تجميد الصراع الحاصلة في سورية، بالإضافة إلى امتلاكها الموارد التي تستطيع من خلالها تقديم الخدمات في مناطق سيطرتها، ما يجعلها سلطةَ أمر واقع في ظل غياب أي أفق للتسوية السياسية في سورية. غير أن هذا الواقع المستمر منذ سنوات عديدة أفرز واقعاً تقسيمياً في سورية، يبدو مرشحاً للتحول إلى شكل نهائي يصعب تغييره، ما دام هذا التغيير لا يتوافق مع الحسابات السياسية والأمنية للفاعلين الإقليميين والدوليين في ظل توازن القوى الحاصل وخضوعهم لمعادلات الصراع وقواعد الاشتباك الراهنة.

تُسلِّط هذه الورقة الضوء على خريطة التقسيم "الفعلية" الحالية في سورية، وقراءة العوامل الدافعة لها، واستشراف مآلاتها.

الحرب وصناعة التقسيم

تغيّرت خارطة السيطرة في سورية مرات عديدة، تبعاً لموازين القوى والتفاهمات الضمنية والصريحة الحاصلة بين الأطراف المنخرطة في الصراع، وفي بداية الأزمة كان هناك احتمال حصول تقسيم على أسس عرقية وطائفية؛ أي دولة كردية في مناطق شرق الفرات، ودولة علَوية في غرب سورية، ودولة سنية في الوسط، وقد ساهمت الديناميات المدنية والعسكرية في ترسيم حدود أولية لتلك الدول[1]. غير أن الدخول الروسي المباشر على خط الصراع عام 2015، ألغى هذا الاحتمال عبر مساعدة النظام السوري في السيطرة على ما يسمى "سورية المفيدة" التي تمتد من حلب إلى درعا، ودخولها مع تركيا في تفاهمات أستانة التي أنتجت مناطق خفض التصعيد، ومن ضمنها المنطقة الرابعة التي تشمل إدلب، والتي حصل بشأنها جملة من التفاهمات والتوافقات بين روسيا وتركيا جعلت من استمرار بقائها خارج سلطة دمشق أمراً واقعاً، في الوقت نفسه لم يكن ممكناً تغيير الوضع في مناطق شرق سورية التي تظللها الحماية الأمريكية، والتي ذهبت باتجاه تنظيم نفسها من خلال ما يسمى "الإدارة الذاتية" التي يسيطر عليها الأكراد.

سلطات أمر واقع

استطاعت قوات سورية الديمقراطية "قسد" في شرق سورية، وهيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقاً) وبعض الفصائل العسكرية في إدلب، السيطرة على مساحات من الجغرافية السورية وإقامة هياكل إدارية وسلطوية تتناسب مع تصوراتهما، وقد تحقّق الأمر لهذه الأطراف بفعل القوة التي تمتلكها، وليس بفعل تمثيلهما للبيئات التي يسيطرون عليها، بالإضافة إلى الاستفادة من التحالفات الخارجية لهذه القوى والتي ساهمت بدرجة كبيرة في ترسيخها وتحويلها إلى أمر واقع.

في إدلب ومناطق الشمال التي سيطرت عليها تركيا، أنشأت المجتمعات في بداية الأزمة مجالسَ إدارية محلية، بالتنسيق مع المعارضة السياسية والفصائل المسلحة الناشئة في ذلك الوقت، وبعد سيطرة هيئة تحرير الشام في إدلب، واحتلال تركيا مناطق الباب وعفرين وتل أبيض، تَشكّل نوعان من الإدارة: الأول عبارة عن هياكل إدارية محلية تعمل تحت إشراف السلطات التركية، والثاني في إدلب عبر ما يسمى "حكومة الإنقاذ" التابعة لهيئة تحرير الشام، مع وجود أقل تأثيراً للحكومة السورية المؤقتة، التابعة للائتلاف الوطني لقوى المعارضة[2].

استطاعت هيئة تحرير الشام تأمين الموارد اللازمة لتشكيل سلطة بديلة عن المؤسسات الرسمية وتقديم الخدمات التي تجعل منها سلطة أمر واقع، وذلك من خلال سيطرتها الواسعة على شبكات تهريب الأشخاص إلى تركيا، وفرض الرسوم على الأعمال التجارية، بالإضافة الى عمليات التهريب مع مناطق سيطرة النظام، واحتكارها تجارة بعض المواد، مثل المحروقات، عبر شركات تعود ملْكيتها إلى متنفذين كبار في الهيئة[3].

وبالرغم من عدم استفادة الحكومة التابعة للهيئة من المساعدات الخارجية بشكل مباشر، لأن غالبية هذه المساعدات تُدار من قبل مجموعات المجتمع المدني المرتبطة بهيئات الإغاثة الدولية، إلا أن ما توفره هذه المساعدات ساهم في تحقيق نوع من الاستقرار في مناطق سيطرة الهيئة، ودعم وجودها كسلطة أمر واقع.

وقد ساهمت هذه المعطيات في تمكين سلطة "هيئة تحرير الشام" وتعزيز بناء هياكل حكم تكرس واقع انفصال إدلب عن الدولة، وهو ما بدا أن الهيئة تعمل على تسريعه، وهو ما أوضحه قائدها أبو محمد الجولاني في لقائه مؤخراً بفعاليات عشائرية في إدلب، من خلال تأكيد أن الهيئة تعمل على بناء مؤسسات استعداداً للمرحلة المقبلة، بالتوازي مع ما تقوم به الهيئة من محاولات لتلميع صورتها في الخارج بوصفها قوّة معتدلة تحارب الإرهاب في منطقتها. ولعل أحدث هذه المؤسسات تشكيل شُعب تجنيد في إدلب وما حولها لتجنيد الشبان الراغبين في الانضمام إلى الهيئة، وتشبه هذه المؤسسة شُعب التجنيد التابعة للدولة السورية، لكن الفارق أن التجنيد اختيارياً وطوعياً وليس إجبارياً[4].

وفي مناطق الشمال الشرقي من سورية تأسست "الإدارة الذاتية" اعتباراً من عام 2012، في محافظة الحسكة، وتوسعت بعد طرد تنظيم "داعش" لتشمل مناطق الرقة ودير الزور ومنبج. وسمحت الموارد الكبيرة التي تقع تحت سلطة الإدارة الذاتية في بناء بنية مؤسساتية ضخمة، وتوفير العديد من الخدمات للمناطق الواقعة تحت سيطرتها.

وشكّلت الإدارة الذاتية ما يسمى المجلس التنفيذي الذي يضم مجموعةً من اللجان التنفيذية على غرار الوزارات، والتي تُدير شؤون النقل والصحة والاتصالات والجمارك والدفاع والتعليم والخارجية وسواها، وتقوم الإدارة الذاتية بإدارة هذه الشؤون بالتنسيق أحياناً مع مؤسسات الحكومة السورية التي ما زالت تعمل ضمن نطاق ضيق، وأحياناً بالتنافس معها؛ فمثلاً توجد هيئتان لتحصيل الضرائب في مناطق شرق سورية، كما تفرض الإدارة الذاتية أسعار السلع والخدمات بشكل منفرد[5].

وتُعتبر مؤسسات لجان العلاقات الخارجية والدفاع والأمن والتعليم، أكثرَ المؤسسات التي تدعم واقع الانفصال عن سورية، وتشكيل هياكل بديلة تعكس توجهات الإدارة الذاتية الكردية السياسية في إدامة وتكريس واقع الانفصال وتحويله إلى أمر واقع نهائي، على أن يتم ذلك بالتدريج وعبر قضم المزيد من سلطات الحكومة السورية وتهميش وجودها في مناطق شرق سورية، دون الحاجة إلى الدخول في حروب طاحنة مع الحكومة وداعميها الروس والإيرانيين.

وفي مناطق الشريط الحدودي مع تركيا، والخاضعة للسيطرة التركية المباشرة، تفرض تركيا نموذجاً من التقسيم، يُشبه نموذج قبرص التركية، حيث فَرضت بشكل تدريجي اللغة التركية على المؤسسات التعليمية، وافتتحت الجامعات والمدارس التركية، مع خدمات البريد والاتصالات. ومؤخراً، طلبت السلطات التركية من حلفائها في إدلب، إحداث أمانة عامة للسجل المدني في المحافظة تتبع لها مباشرة، وتشكيل مجالس محلية في المدن والبلدات والقرى التي تقع تحت سيطرة فصائل المعارضة[6].

الاقتصاد قاطرة التقسيم

ساهمت سنوات الحرب في دفع سلطات الأمر الواقع إلى وضع ترتيبات اقتصادية، كان الهدف منها في البداية تسيير شؤون المجتمعات على الأراضي التي تسيطر عليها هذه السلطات، لكنها تحوّلت بفعل الزمن إلى أحد أهم الأدوات التشغيلية لسلطات الأمر الواقع في مواجهة إعادة الاندماج مع الكيان السوري، ما يدفع السوريين في تلك المناطق إلى التكيف مع الحقائق الجديدة، في ظل ظهور أنماط جديدة من النزوح والتجارة.

ففي مناطق الإدارة الذاتية، تم تأسيس شبكات اقتصادية مُكونة من قيادين في هياكل الإدارة الذاتية وحزب العمال الكردستاني (PKK)، إلى جانب تجار ووسطاء محليين، وتحتكر هذه الشبكات القطاعات الاقتصادية الحيوية الريعية كالنفط والغاز[7].

بيد أن المتغير الأهم في هذا السياق تمثّل بالتحول إلى التعامل بالدولار بدل الليرة السورية، وباتت جميع المعاملات الاقتصادية الكبرى في مناطق الإدارة الذاتية تتم تقريباً بالدولار أو تتم فهرستها وفقاً لأسعار الصرف الحالية. وساهم اعتماد مناطق الإدارة الذاتية على النفط والقمح، المرتبطين بالدولار بشكل كبير، والوجود القوي للجهات الفاعلة الدولية في مجل المساعدات، في تدعيم هذا التوجّه[8].

وفي إدلب، أسست فصائل المعارضة مكاتبَ اقتصادية خاصة بها، مسؤولة عن إدارة الموارد المالية في مناطق سيطرتها، وإدارة الأعمال التجارية والمعابر الداخلية، وتوسعت شبكات اقتصاد الفصائل في الاقتصاديات المحلية واهتمامها بالقطاعات الريعية كالعقارات.

وفي مناطق الشريط الحدودي، عفرين وجرابلس وتل أبيض، تم إحلال الليرة التركية محل الليرة السورية بدرجة كبيرة، حيث يتم دفع رواتب العديد من المقاتلين المسلحين والموظفين الإداريين وعمال الإغاثة في المناطق الخاضعة للإدارة التركية بالليرة التركية عبر التحويلات التي تتم عبر مكتب البريد الوطني التركي(PTT) . وفي مرحلة لاحقة اعتمدت حكومة الإنقاذ هذا النهج في إدلب، وبدأت أيضاً في دفع العديد من الرواتب بالليرة التركية، التي تحولت إلى مؤشر للسلع الاستهلاكية المهمة والرواتب، ما انعكس بدرجة كبيرة على مجموعة واسعة من الأمور المتعلقة بالتجارة والإدارة المحلية[9].

ويُعد التوسع في استخدام العملات الأجنبية أحد عوامل انفصال هذه المناطق عن الحكم المركزي لسورية، عبر جعل اقتصاد وإدارة هذه المناطق منسجمة مع الأطراف الخارجية المسيطرة في مرحلة أولى، ثم تكريس هذا الواقع الذي ستصبح معه إعادة الدمج ضمن الدولة السورية أمراً صعباً للغاية.

انعكاس التقسيم على الواقع الاجتماعي

أخطر ما في التقسيم الجغرافي والسياسي الحاصل في سورية، هو انعكاسه بشكل مؤثر على الوضع الاجتماعي السوري الذي بات من الواضح تأثره بالقوى المحلية والدولية المسيطرة على كل منطقة، الأمر الذي نتج عنه بنىً اجتماعية متباينة في أهدافها، كالبنى الخاضعة لسيطرة النظام، وتلك الموجودة في مناطق السيطرة التركية، وأخرى في الجنوب السوري في درعا والسويداء، ومناطق سيطرة قوات الحماية الكردية، ومناطق سيطرة هيئة تحرير الشام، فضلاً عن السوريين في مخيمات اللجوء المحاذية للحدود التركية[10].

وبرأي الكثير من المراقبين، فإن نسبة غالبة من السكان قد تطبعت بما يلائم السلطة الحاكمة في مناطقها، ما يعني أن الانقسام السوري فعليٌ وحقيقيٌ، دون الجرأة على إعلان ذلك، ويظهر ذلك بشكل جلي من خلال تفضيلات السكان للسلطات التي يخضعون لها، وطبيعة الوعي والتفكير الناشئ عن حالة الانقسام، بالإضافة إلى تفضيلهم العيش ضمن الكتلة السكانية التي ينخرطون في العيش معها بنفس المنطقة، فيما بات يسمى "الانسجام الديمغرافي" الذي سبق أن عبّر عنه رئيس النظام السوري بشار الأسد في أحد خطاباته بتأكيده أن سورية وإنْ خسرت الكثير من شبابها إلا أنها كسبت مجتمعاً متجانساً، في إشارة إلى التغيير الديمغرافي الذي حصل في سورية نتيجة الهجرة واللجوء[11].

وحتى لدى العلويين، الذين كانوا أكثر المكونات السورية التي دفعت أثماناً باهظة للحفاظ على الوضع الراهن، لم تعد فكرة البقاء ضمن سورية الكبرى مُغرية إلا لجهة أن الكثير من قياداتهم العسكرية تعتقد بإمكانية الحصول على فرص اقتصادية في هذه الظروف. وهذا المزاج العلوي مرهون باستمرار الوضع الحالي، وإذا تغير فسيُقبل العلويون على تفكيك سورية والمطالبة بإقليم أصبح جاهزاً بعد تهجير العدد الأكبر من السكان السُّنة في بانياس واللاذقية والحفة، رغم أن السنة لا زالوا يشكلون حوالي نصف سكان الساحل السوري وفق بعض التقديرات[12].

العوامل المحفّزة للتقسيم

1. السياسات الروسية المتبعة في سورية

تتبنى روسيا في ساحات الصراع التي تنخرط بها سياسةَ تجميد الصراع، وذلك بهدف الحفاظ على المكاسب الإقليمية المتحقّقة، بانتظار حصول متغيرات قد تأتي لصالحها في هذه الساحات، وباتت روسيا تتبع هذه السياسة بشكل واضح في المجال السوري[13]، إذ توقفت العمليات النشطة منذ ما يزيد عن عام، لدرجة أن روسيا بدأت تفكر في تثبيت هذا الواقع من خلال طرحها على تركيا فتح معابر بين مناطق سيطرة الطرفين، لتخفيف الأزمة الاقتصادية التي يمر بها النظام السوري[14].

وتساهم هذه السياسة في تكريس واقع الانقسام القائم في سورية، وتحوّله عبر الزمن إلى أمر واقع ونهائي، يستحيل تغييره إلا من خلال حرب كبرى لا يبدو أن روسيا مستعدة لها، وبخاصة بعد قيام كلٍّ من تركيا في مناطق شمال سورية، والولايات المتحدة الأمريكية في شرق سورية، بإجراء تحصينات وبناء أنساق دفاعية يصعب على قوات النظام السوري، وحتى بمساعدة روسيا، تجاوزها وتحرير المناطق الخارجة عن سيطرة النظام.

 وتُعتبر سياسةُ تجميد الصراع المرحلةَ النهائية في التكتيكات التي استخدمتها روسيا في إدارة الصراع في سورية، ومحاولاتها خلق توازنات بين الدورين الإيراني والتركي، من خلال اجتماعات أستانة وسوتشي التي انتهت بمناطق شبه مستقلة، مع توزيع النفوذ فوق الأراضي السورية[15].

وقد اندفعت روسيا في استخدام هذه التكتيكات لاعتقادها أن أي إجراءات ستتمخض عنها ستكون مؤقتة، بانتظار التفاهم مع الولايات المتحدة على الحل النهائي، وعلى أساس هذا الحل سيتم تفكيك كل ما تم بناؤه مع تركيا وإيران، ولكن إلى حين حصول التفاهم مع الأمريكيين يمكن لروسيا استثمار توافقاتها مع تركيا وإيران في تخفيض تكاليف وجودها في سورية وتكريس نفوذها.

2. سياسات اللاعبين الداخليين

  1. الإدارة الذاتية الكردية: شكلت الحرب على "داعش"، ومن ثم تجميع عوائل داعش في معسكر الهول، فرصةً ثمينة للأكراد لانفتاح الخارج عليهم، والحصول على اعترافات دولية وإن لم تكن معلنة، لكنها أصبحت واقعاً بحكم تعامل الكثير من الدول مع "الإدارة الذاتية الكردية" عبر قنواتها الرسمية، من أجل استرجاع مُواطنيها الذين كانوا منتمين لتنظيم داعش. وتحاول الإدارة الذاتية استثمار هذا المدخل لتكريس وجودها كسلطة قائمة بنفسها[16]. وقد وضعت الإدارة الذاتية جميع مواردها في سبيل تحقيق هذا الهدف، مُستفيدةً من تجربة كردستان العراق، ومن خبرة "حزب العمال الكردستاني" في المجال الدولي، بالإضافة إلى أن وجود قواعد للتحالف الدولي والولايات المتحدة منح الأكراد هامشاً من الأمان ساعدهم في تمكين وجودهم. وبعيداً عمّا يصدر عن الإدارة الذاتية من تأكيدات على أن الانفصال عن الدولة السورية ليس من ضمن أهدافهم التي تنحصر في حق الإدارة الذاتية وتطبيق النظام الفيدرالي، إلا أن ممارساتهم السياسية تهدف بالدرجة الأولى إلى تحقيق الانفصال دون التورط في مواجهات مع النظام السوري وحلفائه. ويتجلى ذلك عبر رفض الأكراد جميع الصيغ التي تطرحها حكومة النظام والوساطة الروسية.
  2. الإخوان المسلمون والقاعدة في إدلب: في إدلب يطمح الإخوان المسلمون و"هيئة تحرير الشام" في الحصول على كيان مستقل، يُشبه إلى حد بعيد نموذج قطاع غزة، وتتم الاستفادة من التفاهمات الروسية-التركية التي أوقفت الحرب في إدلب، ويستثمر الإخوان العلاقات الخارجية للائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية لتدعيم "الحكومة المؤقتة" التي تحاول الظهور بمظهر البديل القانوني والمنطقي لحكومة النظام السوري في المناطق الواقعة خارج سيطرة النظام[17]. وتسعى "هيئة تحرير الشام" إلى انتزاع اعتراف سياسي، وقد غيّر زعيمها أبو محمد الجولاني خطابه السياسي لخطب ود الولايات المتحدة والغرب. كما تسعى "الهيئة" إلى تمكين حكومتها (الإنقاذ) ومؤسساتها في منافسة مع "الحكومة الموقتة" التابعة لائتلاف المعارضة.
  3. النظام السوري: تساهم مقاربات النظام السوري الخاطئة في معالجة الأزمة في تكريس حالة الانقسام وتحويلها واقعاً نهائياً، ورغم عجزه عن إعادة توحيد سورية وإنهاء الانقسام بالقوّة، فإنه يفاقم الأمور عبر خطابه السياسي والإعلامي بوصفه خصومه في شرق سورية وشمالها الغربي بالخونة والعملاء والإرهابيين، وإصراره على الحل العسكري وإغلاق جميع أبواب الحلول السياسية، ما يدفع خصومه إلى التمسك بالانفصال لأن البدائل الأخرى تعني إفناءهم.

ويستفيد هؤلاء الفاعلين المحليين من الدعم الذي تقدمه الأطراف الخارجية لمواقفهم، لتناسب أوضاع الانقسام الحالية مع مصالح الأطراف الداعمة، تركيا والولايات المتحدة الأمريكية، كما أن تصلب موقف النظام ليس سوى انعكاس للموقفين الروسي والإيراني.

الاستنتاجات

تنقسم سورية، واقعياً، إلى ثلاثة كيانات مختلفة من حيث طبيعة وشكل أنظمة الحكم ومؤسساتها، والأيديولوجيات والأفكار الحاكمة، والقوانين الناظمة. وقد ساهم توازن القوى الحاصل بين الداعمين للأطراف المحلية في تكريس واقع الانفصال، بالإضافة إلى سياسات التغيير الديمغرافي التي اتّبعتها الأطراف المتحاربة، بالتراكب مع أهداف هذه الأطراف والمصالح الدولية في تسريع مسار الانفصال. ويشكل الروس والأمريكيون الفاعلين الأساسيين في تحديد شكل الوضع السوري ومآلاته، ويستغل الأتراك والإيرانيون الخلافات الروسية والأمريكية لمدّ نفوذهما.

لقد بات التقسيم واقعاً مُجسَّداً، ويصعب إمكانية عودة سورية دولة موحّدة في المدى المنظور، في ظل انعدام أي مؤشرات للاتفاق على حل سياسي قريب. ومن الناحية العملية، يمكن القول ان مشهد التقسيم في سورية أكبر من الصورة الظاهرة، إذ إن المناطق الثلاث مرشحة لانقسامات أكثر، ففي إدلب هناك تقسيم حاصل بين "هيئة تحرير الشام" التي تملك سيطرة كبيرة في إدلب، وفصائل المعارضة المدعومة من تركيا التي تسيطر على جنوب وجنوب شرق إدلب (أريحا وبليون وتفتناز والمسطومة والنيرب)، فيما تسيطر فصائل متشدّدة (حراس الدين وأنصار الإسلام وأنصار الدين) على مناطق غرب إدلب (جسر الشغور)[18].

وفي مناطق سيطرة النظام، يسيطر الروس على منطقة تشمل اللاذقية وطرطوس وحمص، حيث تتركز القواعد الروسية وشبكة دفاعاتها الجوية، في حين تسيطر إيران على العاصمة دمشق والمناطق الممتدة حولها وصولاً إلى الحدود اللبنانية، بالإضافة إلى منطقة غربي الفرات وأجزاء واسعة من حلب.

ورغم أن مناطق الإدارة الذاتية تُظهر انسجاماً ظاهرياً، إلا أنها تنطوي على ديناميات قابلة للتفجر في المراحل المقبلة، من خلال الصراعات الكردية-الكردية، والكردية-العربية.

ومن غير المتوقع حصول تغييرات ميدانية كبيرة تؤثر في خارطة الانقسام القائمة بين الكيانات الثلاثة، رغم استمرار المناوشات في إدلب التي قد تُسفر عن تحريك بسيط للحدود لصالح روسيا والنظام السوري في المنطقة القريبة من طريق M4 الدولي الواصل بين حلب واللاذقية.

الهوامش

[1] هايكو ويمن، "مسيرة سورية من الانتفاضة المدنية إلى الحرب الأهلية"، مركز كارنيغي، 22 نوفمبر 2016.

[2] "واقع البنى المحلية والإدارية القائمة في محافظة إدلب خلال العام 2018"، مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، 31 ديسمبر 2018.

[3] "كيف تدير هيئة تحرير الشام معقلها في محافظة إدلب؟"، إذاعة مونت كارلو الدولية، 28 يونيو 2019.

[4] ""الجولاني" يستعجل الترتيبات.. باحثون يستعرضون أهدافاً "داخلية وخارجية""، السورية نت، 29 مايو 2021.

[5] "الإدارة الذاتية نواة الفيدرالية الديمقراطية"، ANF NEWS، 21 يناير 2017.

[6] "النظام التركي يواصل سياسة التتريك في المناطق التي يحتلها وإرهابيوه"، وكالة سانا للأنباء، 7 يونيو 2021.

[7] "شبكات اقتصاد الحرب في سورية.. آثارها وما المطلوب تجاهها"، مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، 10 مايو 2021.

[8] انظر: COAR, Cash crash: Syria’s economic collapse and the fragmentation of the state, July 2020. https://reliefweb.int/sites/reliefweb.int/files/resources/Cash-crash-Syria%E2%80%99s-economic-collapse-and-the-fragmentation-of-the-state.pdf

[9] المصدر السابق.

[10] عمار ديوب، "مستقبل سورية بين الانقسام والوحدة"، العربي الجديد، 14 مايو 2021.

[11] عمر قدور، "ماذا لو كان فوز بشار بالرئاسة حقيقياً؟"، موقع المدن الإلكتروني، 25 مايو 2021.

[12] "الدولة العلوية" تسيطر على "سوريا المفيدة" وتطرد مليون سني من الساحل"، زمان الوصل، 13 مارس 2016.

[13] "هل روسيا مستعدة لصراع مفتوح في سورية"، ترجمة عن معهد واشنطن، نداء بوست، 18 مايو 2021.

[14] جوان ديبو، "الانتخابات الرئاسية" الأسدية" تكريس لواقع التقسيم"، النهار العربي، 13 مايو 2021.

[15] غسان إبراهيم، "تقسيم سوريا ورقة ضغط تجاوزها الأمر الواقع"، جريدة العرب اللندنية، 10 ابريل 2021.

[16] إبراهيم حميدي، ""الحدود" ثابتة بين "الدويلات" السورية بانتظار "صفقة" أميركية-روسية"، الشرق الأوسط، 14 مايو 2021.

[17] عبدالله سليمان علي، "حملة "إخوان" سوريا على الانتخابات الرئاسية تمهيد للسير بمشروع التقسيم!"، النهار العربي، 1 يونيو 2021.

[18] براء الشامي، "خبراء عسكريون: إدلب شهدت تغيراً كبيراً في خارطة توزع السيطرة العسكرية"، نورث برس، 3 مايو 2021.

_____

تنويه: جميع حقوق نشر هذه المقالة محفوظة لـ"مركز الإمارات للسياسات"، ويُمنَع إعادة نشرها أو الاقتباس منها، جزئياً أو كلياً، دون أخذ إذن مُباشِر ومُسبَق من المركز، ويستثنى من ذلك الاقتباسات المحدودة المراعية لأصول البحث العلمي، لهدف تعليمي أو بحثي مُحدَّد، مع ضرورة الإشارة إلى المركز بوصفه الناشر الأصلي. 

 

سيناريوهات

­­أفغانستان والتحديات أمام حُكم "طالبان"

مركز الإمارات للسياسات | 18 أكتوبر 2021