مستقبل الدور التركي في أفغانستان بعد الانسحاب الأمريكي: الفرص والمخاطر والسيناريوهات

أحمد دياب | 27 يونيو 2021

​خلال اجتماع لحلف شمال الأطلسي (الناتو) في مايو 2021، قدَّمت تركيا عرضاً لحراسة وإدارة مطار حامد كرزاي في كابل بعد انسحاب الولايات المتحدة وقوات الناتو الأخرى من أفغانستان بحلول سبتمبر 2021، حيث تتولى تركيا تشغيل المطار منذ 6 سنوات في إطار بعثة الحلف.

وفي 14 يونيو 2021، قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، عقب لقائه الرئيس الأمريكي جو بايدن، خلال قمة الناتو، إنه عرض تحمُّل قوات بلاده مسؤولية حماية مطار كابول، مُشيراً إلى أن تركيا ستقوم بهذه المهمة إذا حصلت على الدعم اللوجستي والتمويل اللازم من الولايات المتحدة، واعتبر أن تركيا هي "البلد الوحيد الموثوق به الذي يحتفظ بقوات في أفغانستان".

وفي حين قالت الولايات المتحدة إنها لا تزال تدرس العرض التركي، رحّبت به ألمانيا، لافتة إلى أن تركيا لن تستطيع القيام بمهمة حماية المطار وحدها، وستحتاج إلى دعم من حلف الناتو. وفي المقابل، عبّرت روسيا عن رفضها للعرض التركي بشأن حماية مطار كابول، وقال زامير كابولوف، المبعوث الخاص للرئيس الروسي إلى أفغانستان، إن خطط تركيا لضمان أمن المطار بعد انسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان، تنتهك الاتفاقات المبرمة مع حركة "طالبان".

الفُرص والأهداف

تُسوِّق تركيا نفسها باعتبارها قوة دافعة للسلام والاستقرار في أفغانستان، وذلك انطلاقاً من عدة اعتبارات مهمة:

1. العلاقات التاريخية بين تركيا وأفغانستان: على الرغم من أنّه ليس هناك حدوداً جغرافية مشتركة بين تركيا وأفغانستان، إلا أنّ بينهما تاريخاً مشتركاً يمتد لأكثر من قرن. واعتمدت تركيا على صداقتها وتقارُبها الديني مع أفغانستان، حيث تمتعت أنقرة بنفوذ سياسي واجتماعي بين الأفغان، إذ تتحدث الأقليات الأوزبكية والتركمان اللغات التركية، وتشترك في الهوية العرقية مع تركيا. 

2. مشاركة تركيا ضمن قوات "إيساف" منذ إسقاط حكم طالبان عام 2001: شاركت أنقرة منذ البداية في العمليات التي يخوضها حلف الناتو في أفغانستان بعد هجمات 11 سبتمبر 2001. وتولى جنرال تركي، ولمرتين، قيادة قوة المساعدة الأمنية الدولية (إيساف)، مع مدربين عسكريين أتراك يعملون مع القوات المسلحة الأفغانية والشرطة. وفي نهاية عام 2020، صوَّت البرلمان التركي على تمديد مهمّة قوّاته في أفغانستان لمدة 18 شهراً أخرى. وتسلمت تركيا، في يناير 2021، رئاسة قوة المهام المشتركة عالية الجاهزية، التابعة لناتو، لمدة عام كامل. وتعد قوة المهام المشتركة، أحد فروع قوة الرد لـ"الناتو"، حيث تضم قيادة لواء المشاة 66 التابع لها نحو 4200 جندي.

3. أهمية الدور التركي في حماية مطار كابول: يُعد تهديد تركيا بمغادرة موقع المطار (في 8 مايو 2021) من بين التحديات اللوجستية التي تواجه خطة واشنطن لمواصلة دعم المسؤولين والقوات الأفغانية بعد مغادرة جميع قوات التحالف. فمطار حامد كرازي يقع على علو شاهق في جبال "هندو كوش"، وأفغانستان دولة حبيسة، وذات مساحة شاسعة، والطرق البرية إليها خطيرة، مما يجعل المطار نقطة وصول مهمة للموظفين الدوليين وكذلك لملايين الأفغان.

ومما لا شك فيه أن أمن المطار قضية بالغة الأهمية للوجود الدبلوماسي الأمريكي والغربي في أفغانستان، لأن استيلاء "طالبان" على المطار قد يجعل من المستحيل على الأمريكيين وحلفائهم إخلاء البلاد بأمان وضمان استمرار عمل البعثات الدبلوماسية والمؤسسات الدولية والإغاثية. ومن دون مطار آمِن، سيتعين إغلاق مجمع السفارة الأمريكية في كابل وإخراج جميع الأفراد من البلاد.

4. رغبة تركيا في تحسين علاقاتها مع الغرب: تسعى تركيا إلى استغلال عرضها حماية وتأمين مطار كابول في تحسين العلاقات مع القوى الغربية، والتي توترت بشدة بسبب ملفات كثيرة، من بينها النزاع مع الأوروبيين بشأن حقوق التنقيب في شرق البحر المتوسط، والهجرة، إلى جانب مساومة واشنطن بهذا الملف على موضوع اقتنائها منظومة الدفاع الجوي الروسية "إس 400" التي تثير التوتر في العلاقات معها، لاسيما في ظل مخاوف من عقوبات تعزز عزلتها بينما تكابد في مواجهة الركود الاقتصادي والأضرار الناجمة عن تفشي فيروس كورونا وتراجُع إيرادات معظم قطاعاتها الحيوية.  

5. رغبة الغرب في توظيف تركيا في جهود احتواء روسيا والصين: تُقدِّر الولايات المتحدة أن تركيا عضو مؤثر في منظمة التعاون الإسلامي، وتتمتع بصلات تاريخية مع أفغانستان، ولها صورة إيجابية بين الأفغان. وبالنسبة إلى الاتحاد الأوروبي أيضاً، فإن تركيا تصبح شريكاً رئيساً إذا أراد حلف الناتو توحيد جهوده في البحر الأسود ومحاصرة روسيا في ساحته الخلفية. ولقد وضعت تركيا نفسها بالفعل كمزوِّد للأمن للنظام المناهض لروسيا في أوكرانيا.

وبشكل عام، يتم "تحفيز" تركيا للعودة إلى الحظيرة الغربية، ولعب دورها كقوة تابعة للناتو على تخوم روسيا والصين. وربما تكون تركيا الحليف الوحيد على الصعيدين الإقليمي والدولي الذي يمكن لواشنطن الاعتماد عليه لجذب باكستان بعيداً عن فلك النفوذ الصيني والروسي، مما يجعل تركيا شريكاً لا غنى عنه للولايات المتحدة والناتو في أفغانستان التي تحكمها طالبان.

المخاطر والتحديات

قد يتحوَّل عَرْض أردوغان الطموحة لإبقاء القوات التركية في أفغانستان لتأمين مطار كابول إلى مهمة محفوفة بالمخاطر والشكوك على المدى الطويل، وقد يؤثر ذلك على تركيا وعلى علاقاتها الودية مع أفغانستان ومع اللاعبين الإقليميين الآخرين.

1. رفْض حركة طالبان بقاء القوات التركية: في حين رحَّبت الحكومة الأفغانية برئاسة الرئيس أشرف غني بالعرض التركي، لافتة، على لسان وزير خارجيتها محمد حنيف أتمر، في 20 يونيو 2021، إلى ضرورة ذلك من أجل استمرارية الوجود الدبلوماسي الدولي في أفغانستان ونيل الأخيرة ثقة المجتمع الدولي، رفضت حركة "طالبان" العرض التركي وحذَّرت من بقاء قوات تابعة لأي دولة في أفغانستان لتأمين مطار كابول. وأكدت أن وجود أي قوات أجنبية بعد الموعد المتفق عليه للانسحاب "غير مقبول"، مؤكدة أن أمن المطارات يؤمِّنه الأفغان وليس غيرهم، مُشيرة إلى أنه "إذا ارتكب البعض مثل هذا الخطأ، سيعتبرهم الشعب الأفغاني والحركة محتلين، وسيتصرفان كما فعلا في الماضي مع الغزاة".

2. شروط تركيا لإدارة مطار كابول: في 7 يونيو 2021، قال وزير الدفاع التركي خلوصي أكار إن عرض أنقرة مرهون بدعم الحلفاء، سياسياً ومالياً ولوجستياً. وكان بعض المصادر قد أشار إلى أن الشروط التركية تتمثل في أن تتم تغطية تكاليف التشغيل السنوية لمطار كابل، والتي تتراوح بين 80 و130 مليون دولار أمريكي. كما طالبت تركيا بالإبقاء على بعض مرافق الجيش الأمريكي في مطار كابل، وأن تواصل القوات الأمريكية تقديم الدعم اللوجستي اللازم للقوات التركية أثناء مهمتها.

ورغم ترحيب المسئولين الأمريكيين بالاقتراح التركي مبدئياً، لكنهم يتحفظون علي مطالب أنقرة الكثيرة من "العناصر التمكينية" الأمريكية للمهمة، لافتين إلى بعض المخاوف الأمريكية بشأن مصداقية تركيا، في ضوء خلافاتهم الأخرى.

3. استمرار الخلافات التركية-الأمريكية: إذ لا تزال التناقضات مُستحكمةً في العلاقات الأمريكية-التركية، وتشمل هذه التناقضات تحالف الولايات المتحدة مع الأكراد في سوريا، ومعارضة الولايات المتحدة لتدخُّل تركيا في ليبيا، وسجل أردوغان السيئ في مجال حقوق الإنسان، والخلاف حول صفقة منظومة صواريخ إس-400 مع روسيا. وفي وقت سابق من هذا العام، اعترف بايدن بأن القتل الجماعي للأرمن على يد الأتراك العثمانيين منذ أكثر من قرن مضى يُمثِّل "إبادة جماعية"، وهي خطوة قالت تركيا إنها تهدد العلاقات بين البلدين.

4. خطورة استعداء تركيا لروسيا والصين والهند وإيران: إن دخول تركيا كصديق للولايات المتحدة في أفغانستان أمر مقلق بالفعل لدول المنطقة. ومن الواضح أن أي انفتاح أمريكي على تركيا ودورها المحتمل في أفغانستان ما بعد الانسحاب يمثل أحد نماذج استراتيجية الاحتواء المزدوجة لواشنطن تجاه روسيا والصين، وكلاهما له علاقات إشكالية مع أردوغان. وبالتالي، فإن تنامي الدور التركي في المشهد الأفغاني وفي آسيا الوسطى عموماً لا يمكن أن يريحهم.

فمن ناحية أولي، تراهن تركيا على زمام القيادة في العالم التركي الممتد من البحر الأسود إلى سهول آسيا الوسطى ومنطقة شينجيانغ الصينية. وقد غيّرت تركيا موقفها بشكل مفاجئ بشأن قضية الأويغور بعد سنوات من السلبية، وأخذت تتعامل مع هذه المسألة بوصفها قضية دبلوماسية بين أنقرة وبكين.

ومن ناحية ثانية، فإن دور تركيا في أفغانستان وآسيا الوسطى سوف يتحدى علاقتها مع روسيا، التي تتعرض بالفعل لضغوط في ليبيا وسوريا والقوقاز وربما في البحر الأسود والبلقان. وتاريخياً كانت روسيا وتركيا خصمين في أفغانستان.

ومن ناحية ثالثة، تأمُل الولايات المتحدة في إبقاء إيران غير متوازنة على المستوى الإقليمي من خلال تشجيع سياسة التوسع التركية. والتنافس التركي-الإيراني ملموس بالفعل في العراق وسوريا والقوقاز.  

ومن ناحية رابعة، ثمة مخاوف تُبديها دول آسيا الوسطى من الدور التركي المحتمل في أفغانستان، إذ تعتقد أن تركيا تحاول مُمارسة الوصاية عليها باسم الأخ الكبير، خاصة في ظل حكم حزب العدالة والتنمية.

ومن ناحية خامسة، يُشكِّل وجود تركيا في أفغانستان تهديداً قوياً للأمن القومي الهندي، حيث أقامت أنقرة روابط عميقة مع الجماعات الإسلامية في الهند مثل الجبهة الشعبية للهند (PFI) والجماعة الإسلامية، وهي جماعة جهادية كشميرية.    

السيناريوهات المحتملة

السيناريو الأول، اكتفاء تركيا بلعب دور الوسيط في مفاوضات السلام الأفغانية، والاكتفاء بالقوة العسكرية التركية المحدودة لتأمين مطار كابول، والتي تقتصر على كتيبة من نحو 500 جندي تشارك في مهام غير قتالية. وفي وقت سابق تجاوز عددها 2000 جندي خلال فترات إشراف القوات التركية على تأمين البعثات الدولية في العقدين الماضيين. وتحدث وزير الخارجية التركية الأسبق حكمت تشيتين - الذي عمل أيضاً ممثلاً سابقاً للناتو في أفغانستان - لوسائل إعلام تركية عن صيغة أخرى لبقاء القوات التركية، موضحاً أنه يمكن الذهاب إلى أفغانستان باتفاق ثنائي، وبعيداً عن الهوية الدولية، بعد انسحاب جميع القوات الأجنبية.

السيناريو الثاني، زيادة تركيا لقواتها العسكرية بما يسمح لها بأداء دور فاعل بالتنسيق مع باكستان والولايات المتحدة ودول حلف الناتو. وفي هذا الإطار يقول المسؤولون الأتراك إن حماية المطار تحتاج إلى قوات إضافية، وإنه لا يمكن لبلد واحد القيام بهذه المهمة بمفرده، وأن تأمين المطار من قبل قوة دولية متعددة الجنسيات سيكون أفضل من ناحية الموافقة الدولية.

وكان أردوغان قد أعلن عقب قمة الناتو الأخيرة في بروكسيل أن بلاده تسعى إلى مشاركة باكستان والمجر في المهمة الجديدة بأفغانستان، بعد مغادرة قوات الحلف والولايات المتحدة. وحديث الرئيس أردوغان عن ضرورة إشراك باكستان والمجر في المهمة العسكرية التركية يهدف إلى كسب ود "طالبان" ذات الأصول الباشتونية، فيما يسعى من خلال الحديث عن الرئيس المجري أوروبان (الذي قال إنه من أصول عثمانية) لكسب ودّ الاتحاد الأوروبي ودعمه سياسياً ومالياً.

السيناريو الثالث، دعوة تركيا لإرسال قوات حفظ سلام إسلامية (من غير دول الجوار) إلى أفغانستان، وبقرارات من مجلس الأمن الدولي. وفي هذا السياق، قد يكون إرسال قوات من عدة دول عربية وإسلامية، لاسيما من تركيا ومصر والأردن والجزائر والمغرب وإندونيسيا، أمراً وارداً ومطروحاً للتعامل مع مسارات ومستجدات الازمة الأفغانية مستقبلاً.

الاستنتاجات

في ضوء الفُرص والمخاطر التي تكتنف عرض تركيا لتولي مسؤولية إدارة وتأمين مطار كابول الدولي خلال الفترة المقبلة، يمكن القول إن السيناريو الأول سيكون هو الأكثر احتمالاً خلال المستقبل المنظور، بالنظر إلى واقعية وإمكانية تنفيذه بسهولة، وقبول واشنطن للعرض من الناحية المبدئية، ومؤشرات استجابتها لمطالب انقرة لتنفيذ تلك المهمة الحيوية، بصرف النظر عن المساومات والمشاورات بين واشنطن وأنقرة خلال الأيام المقبلة.

سيناريوهات