سيناريوهات الانتخابات العامة في العراق

مركز الإمارات للسياسات | 20 يونيو 2021

التوتر المستمر بين الحكومة العراقية و"الحشد الشعبي" بسبب عمليات الاختطاف والاغتيال الممنهجة التي تمارسها ميليشيات الحشد الموالية لإيران، دفع الأوساط الشعبية إلى رفع شعار مقاطعة الانتخابات كما حصل قبيل الانتخابات الاخيرة عام 2018، فيما أخذت كافة الأطراف السياسية المشتركة في الحكومة والبرلمان تُحذِّر من مغبة تأجيل الانتخابات.

تُحاول هذه الورقة توقع مآلات الانتخابات العراقية في ظل المعطيات المتوفرة حالياً.

السيناريو الأول: تأجيل الانتخابات إلى شهر أبريل 2022

أي إلغاء فكرة الانتخابات المبكرة التي طالب بها الاحتجاجات الشعبية ودعمها المرجع الشيعي الأعلى علي السيستاني، وعليه ستقام الانتخابات في موعدها الدستوري لأسباب كثيرة قد يتم الإعلان عنها خلال الشهور المقبلة، ومنها فشل البرلمان في حل نفسه وفق المادة 64 من الدستور كونها الطريقة الدستورية الوحيدة لإقامة انتخابات مبكرة في العراق، وذلك يعني أن الكُتل السياسية اتفقت على تأجيل الانتخابات لتحقيق أهدافها السياسية والاقتصادية، وأبرزها:

  1. رغم قناعة الكتل، لاسيما الشيعية، أن شهر أكتوبر هو الوقت المناسب للانتخابات، لكن خلافاتها الداخلية، وخصوصاً في كتلة "الفتح" حول تقاسم الدوائر الانتخابية، قد تكون السبب الرئيس وراء طلب تأجيل الانتخابات أو الموافقة عليه حينما يتم طرحه من قبل الكتل الأخرى؛ فقانون الانتخابات الأخير الذي أقر الدوائر المتعددة فرض على كل تحالف انتخابي تقاسم تلك الدوائر، ومنح كل مكون داخل التحالف مجموعة دوائر يعتقد أنها تضم جمهوره دون أن ينافسه فيها طرف آخر من نفس التحالف حتى لا تتشتت الأصوات، غير أن خلافات كبيرة حول دوائر بغداد وديالى مدن الجنوب في تحالف "الفتح" قد تُمهِّد لتأجيل الانتخابات.
  2. لا تريد الكتل الموجود في البرلمان الحالي خسارة 7 شهور (من شهر أكتوبر المقبل إلى شهر أبريل من العام المقبل) من الامتيازات البرلمان والموارد المالية التي توفرها الوزارات والدوائر التي تديرها، وخصوصاً أن بعض الكتل الصغير والمتوسطة لا تضمن الفوز والعودة إلى البرلمان مرة أخرى، وستلعب الدور الأكبر في عملية تأجيل الانتخابات.
  3. حتى لا تكون الانتخابات المبكرة سابقة يجري الحديث بشأنها مع كل أزمة سياسية في المستقبل، ذلك أن الكتل الشيعية والسنية والكردية الكبيرة تعتقد أنها المسؤولة عن شكل وطبيعية النظام السياسي في العراق، ولا تريد تغييره خدمة لمصالحها، وترى أن الانتخابات المبكرة تعد نجاحاً جزئياً للاحتجاجات الشعبية لا تتمنى تحقيقه.
  4. تجعل بعض الكتل السنية، مثل "جبهة الانقاذ والتنمية" بزعامة أسامة النجيفي من أزمة النزوح وإعمار المدن المحررة سبباً للمطالبة بتأجيل الانتخابات، أو بحسب تعبيرها "توفير الأجواء المناسبة في المدن المحررة قبل الانتخابات". وهذا المطلب قد تؤيده الأطراف الأخرى التي تعتقد أن شعبية رئيس البرلمان وزعيم حزب "تقدم" في ذروتها الآن، مثل تحالف "عزم" بزعامة خميس الخنجر، لذا سيكون في التأجيل فرصة لتغيير قواعد المنافسة، من قبيل تغيير قانون الانتخابات أو فتح ملفات فساد عن هذا الطرف أو ذاك وتهم تؤدي إلى انسحاب بعض المرشحين الأقوياء.

وبطبيعة الحال، سيكون لهذا السيناريو تداعيات كثيرة يمكن إجمالها على النحو الآتي:

  • تصاعُد السخط الشعبي تجاه الطبقة السياسية الحاكمة، وربما عودة التظاهرات في مناطق الوسط والجنوب بمطالب كبيرة قد تتعلق بتغيير مفوضية الانتخابات المتحزبة، وإبعاد الأحزاب التي تمتلك السلاح من السباق الانتخابي.
  • قد تستغل الأطراف السياسية المتضررة من قانون الانتخابات الحالي الوقت الذي وفَّره تأجيل الانتخابات، لتشريع قانون انتخابي جديد يلائم مقاساتها ومصالحها الحزبية.
  • مع سقوط شرط "الانتخابات المبكرة" الذي اشترطته الأحزاب الشيعية على رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي دون أن يكون هو السبب وراء التأجيل، سيسقط الشرط الثاني بالضرورة، وهو منع القوائم القريبة من الكاظمي من المشاركة في الانتخابات؛ فلم تعد صفقة تولي رئاسة الوزراء من قبل الكاظمي نافذة وقد خالفتها الأطراف الموقعة عليها.
  • في حال تصاعد دعوات مقاطعة الانتخابات بسبب عدم توفر الأجواء الأمنية والسياسية المناسبة في ربيع العام المقبل قد تنسحب القوائم التي تمثل احتجاجات "تشرين"، والعكس إذا استطاعت الحكومة تهيئة الأجواء وإقناع الجميع بالمشاركة؛ فمن الممكن أن يزداد عدد القوائم الجديدة والشخصيات المستقلة في الانتخابات.
  • ستجد الكتل الشيعية نفسها مرة أخرى في مواجهة غير مباشرة مع المرجع علي السيستاني، وسيمثل موقفها المتمثِّل في إرجاء موعد الانتخابات تجاهلاً لدعوات المرجع، وهو ما يزيد الفجوة بين الأحزاب السياسية الحوزة الدينية في النجف.

السيناريو الثاني: تعطيل الدستور وإلغاء الانتخابات وإعلان حالة الطوارئ

وهو المشهد الذي سيتحقق حينما تعجز الحكومة عن توفير الأجواء الامنية المناسبة بعد تأجيل الانتخابات إلى العام المقبل، للأسباب الآتية:

  1. استمرار عمليات الخطف والاغتيال التي تمارسها الميليشيات التابعة للأحزاب الشيعية المشاركة في الانتخابات، بحق الناشطين والمرشحين وعجز القوات الأمنية عن تأمين حياة الناخبين والمرشحين.
  2. استمرار قصف المصالح الأجنبية في العراق من قبل الميليشيات، واحتمال الرد عليها ومواجهتها، ودخول الولايات المتحدة والتحالف الدولي في تلك المواجهة.
  3. رفض الأحزاب التخلي عن أجنحتها المسلحة والتصريح العلني بامتلاك ما تسميه "سلاح المقاومة"، ومواصلة تحدي القانون والحكومة التي تعمل على حصر السلاح بيد الدولة ومكافحة الفساد المنظم الذي تقوده الأحزاب والجماعات المسلحة التابعة لها.
  4. عودة الاحتجاجات الشعبية بقوة ورفضها إقامة الانتخابات بسبب تردي الأوضاع المعيشية والأمنية، ووصول الجماهير المنتفضة إلى قناعة تامة بأن الانتخابات تطيل عمر النظام الحالي فقط، ولن تؤدي إلى أي تغيير سياسي ملموس.
  5. من الممكن أن يتدخل مجلس الأمن الدولي لفرض إشراف الامم المتحدة على الانتخابات العراقية، وحينها قد يؤدي رفض الأحزاب والكتل الشيعية لهذا الدور الأممي إلى إلغاء الانتخابات ودخول البلاد في الفراغ الدستوري، أو أن الاشراف الدولي وشروط المنظمة الدولية قد يمنعان الأحزاب المسلحة من المشاركة، ما سيؤدي أيضاً إلى نزولها إلى الشارع وتعطيل الانتخابات.

وسيؤدي هذا السيناريو إلى حصول تغييرات دراماتيكية في البلاد، من بينها:

  • فرض حالة الطوارئ من قبل الحكومة وتشكيل لجان مختصة لإعادة كتابة الدستوري العراقي.
  • دخول القوات الأمنية في مواجهة مسلحة مع ميليشيات "الحشد الشعبي" الموالية لطهران، وقد يتحول المشهد إلى أشبه بالحرب الأهلية إذا طالت فترة المواجهة.
  • ستحاول إيران بكل الطرق إعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه في العراق قبل تعطيل الدستور، وستعمل على تزويد حلفائها في العراق بالمال والإمدادات العسكرية واللوجستية.
  • في حال نجحت الحكومة في قمع وتحجيم الميليشيات بسرعة فإن المرحلة الانتقالية ستكون قصيرة، خصوصاً إذا اقتنعت الأطراف الموالية لإيران بأن المشاركة في عملية كتابة الدستور وإعداد قوانين جديدة للانتخابات سيُجنِّبها الخسائر المادية والبشرية، ويضمن لها دوراً "سياسياً" حقيقياً بعد الانتخابات.

السيناريو الثالث: إقامة الانتخابات في موعدها المحدد (في العاشر من أكتوبر المقبل)

وذلك وفق القانون الانتخابات الجديد الذي زاد عدد الدوائر الانتخابية، وسمح بالانتخاب الفردي المباشر. وحتى الآن، يبدو أن هذا هو السيناريو المرجَّح للأسباب الآتية:

  1. بحسب خطابها الرسمي المعلن، تخشى الكتل الشيعية من احتمال تأجيل الانتخابات وتُحذِّر من التلاعب بموعدها المحدد، لأنها تعتقد أن في تأخُّر الانتخابات مصلحة لرئيس الوزراء الحالي مصطفى الكاظمي من أجل البقاء أطول فترة ممكنة في السلطة، وإجراء تغييرات مهمة في هيكلة الدولة والأجهزة الأمنية، ومواصلة خطط تحجيم نفوذ الميليشيات الموالية لطهران وعمليات ملاحقة رموز الفساد التي تقوم بها "لجنة مكافحة الفساد" برئاسة الفريق أحمد أبو رغيف؛ كل ذلك يعني حرمانها من جزء مهم من الموارد الاقتصادية التي تحصل عليها من عمليات الفساد الممنهجة التي تقوم بها معظم الكتل والأطراف السياسية والميليشياوية.
  2. تعتقد الكتل والميليشيات الشيعية أن شهر أكتوبر المقبل هو أنسب وقت للانتخابات، لأنها ستتزامن مع شهر "محرم" والشعائر الشيعية المتعلقة بمقتل الإمام الحسين بن علي، وتعوِّل على استثارة عواطف الشيعة ومظلومية الطائفة خلال هذا الشهر لتحقيق كسب سياسي ودعائي قد يُسهِم في كسب أصوات الشرائح الاجتماعية غير المستقرة في رأيها وتوجهها السياسي، أو تلك التي تُغيّر قناعتها باستمرار. كما أنها تخشى من أن تؤدي مواصلة الكاظمي سياسات محاربة الفساد والجماعات المسلحة إلى زيادة شعبيته وشعبية الأطراف السياسية المساندة له، وبالتالي تراجع حظوظها في الفوز بمقاعد برلمانية كثيرة.
  3. ترى الأحزاب والميليشيات المتطرفة أنها تسيطر الآن بالسلاح والمال على دوائر انتخابية كثيرة، وأي تأجيل قد يرافقه تغيير في الوضع الأمني هو في غير صالحها، كما أنها تخشى من تغيير القانون الانتخابي بالشكل الذي يمنعها من التأثير في الدوائر الصغيرة.
  4. إنجاز المفوضية العليا للانتخابات الجزء الأكبر من الاستعدادات الفنية واللوجستية الخاصة بالانتخابات، وتخصيصها المبالغ المالية اللازمة لها، ومن ثمَّ فلا يوجد عذر من ناحية الاستعداد لتأجيل الانتخابات.

وفي ظل المشهد السياسي الراهن في العراق، وانسحاب أبرز القوائم الانتخابية الجديدة والشخصيات المستقلة مثل "تيار المرحلة" و"الازدهار" والنائب المعارض فائق الشيخ علي، واستمرار السخط الشعبي على الطبقة السياسية الحالية المسيطرة على الدوائر الانتخابية ومفوضية الانتخابات، وعدم وجود منافس قوي حقيقي، فإن تداعيات هذا السيناريو ستكون كآلاتي:

  • حصول كتلة "سائرون" بزعامة مقتدى الصدر على أكثر من 40 مقعداً في البرلمان الجديد، ومثلها أو أكثر منها لكتلة "الفتح" بزعامة هادي العامري، وأعداد أقل للكتل الشيعية المعتدلة الأخرى (أقل من 20 مقعداً) مثل "تيار الحكمة" بزعامة عمار الحكيم و"النصر" بزعامة حيدر العبادي، في مشهد يُكرر ما حصل عام 2018.
  • سيستمر الصراع على وصف "الكتلة البرلمانية الأكبر" المكلفة بتسمية رئيس الوزراء بين كتلتي الصدر والعامري، لفترة طويلة قد تتجاوز المحددة في الدستور وهي 30 يوماً كما حصل في الانتخابات السابقة حينما حاول كل طرف جذب الكتل السنية والكردية الأخرى لتشكيل تلك الكتلة.
  • وعلى ما يبدو فإن تحالف "عزم" بزعامة خميس الخنجر هو الأقرب إلى تحالف "الفتح"، فيما يتقارب "تقدم" بزعامة الحلبوسي مع الصدر الذي يحاول منذ أسابيع بناء تحالف استراتيجي مع زعيم "الحزب الديمقراطي الكردستاني" مسعود بارزاني.
  • هذه المعادلة قد تسمح للصدر بتسمية رئيس الوزراء من خلال النهج التوافقي بين "فتح" و"سائرون"، واختيار رئيس وزراء يضمن تقاسم المناصب بحسب حجم كل طرف داخل البرلمان، وهو ما يعني استمرار الأوضاع السياسية على ما هي عليه دون تغيير حقيقي وعودة الاحتجاجات الشعبية إلى ذروتها فور تشكيل الحكومة المقبلة.
  • توتر العلاقة بين بغداد وواشنطن بسبب عجز رئيس الوزراء المتحزب والخاضع للكتل الطائفية عن منع الهجمات الصاروخية على المصالح والقواعد الأمريكية، وربما إيقاف الانفتاح العراقي على المحيط العربي.

وضمن هذا السيناريو، قد تحدُث مفاجأة في نتائج الانتخابات حينها، وربما تكون تداعيات إقامة الانتخابات في موعدها مختلفة، وذلك على النحو الآتي:

  • تراجُع نتائج القوائم الشيعية والسنية الموالية لطهران والدوحة (أي أنها لن تتجاوز بمجموعها حاجز الـ50 مقعداً)، مقابل حصول القوائم التي توصف بالمعتدلة على عدد كبير من المقاعد وفي مقدمتها "سائرون" و"الحكمة" والنصر"، إلى جانب القوائم التي أفرزتها الاحتجاجات الشعبية لتشكيل الكتلة البرلمانية الأكبر بعيداً عن كتلة "الفتح".
  • تسمية رئيس وزراء مستقل أو غير متحزب يحظى بقبول حركة الاحتجاج الشعبي والدول العربية والغربية.
  • استمرار التوتر بين الحكومة الجديدة وميليشيات "الحشد الشعبي" كما هو الحال بين حكومة رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي والميليشيات الشيعية الموالية لطهران.

سيناريوهات