مُبادرة الضباط المتقاعدين والأزمة السياسية في تونس

مركز الإمارات للسياسات | 13 يونيو 2021

كثُر اللغط حول رسالة وجهها بعض الضباط المتقاعدين التونسيين إلى الرئيس التونسي قيّس سعيد في 28 مايو الماضي، بين مَن اعتبرها مظهراً لرغبة المؤسسة العسكرية في التدخل في الأزمة السياسية الخانقة التي تعيشها البلاد، ومَن اعتبرها من تكتيكات حركة النهضة في إطار إدارتها لأزمة علاقتها برئيس الجمهورية وقطيعتها مع القوى السياسية والمدنية النشطة.

تُحلِّل هذه الورقة خلفية هذه الرسالة ودلالاتها وأثرها على طبيعة الأزمة السياسية التونسية الراهنة.

سياق رسالة الضباط المتقاعدين

صدرت الرسالة الموجهة إلى رئيس الجمهورية بتوقيع ستة ضباط بارزين من القيادات العسكرية السابقة في الجيش التونسي، من أبرزهم: اللواء متقاعد محمد المؤدب نائب رئيس جمعية قدماء العسكريين، والعميد مُتقاعد مختار بن نصر الرئيس السابق للجنة الوطنية لمكافحة الإرهاب، والعميد مُتقاعد سهيل الشمنقي المسؤول السابق عن العمليات بجيش البر، والعقيد مُتقاعد علي السلامي مساعد رئيس أركان جيش البر سابقاً.

وتمحورت الرسالة حول الأوضاع السياسية في البلاد، وقدمت مقترحات اعتبرتها "الأمل الأخير" لتجاوز المأزق الداخلي، من بينها:

  • الدعوة إلى الحوار والتوافق بين مختلف القوى السياسية دون إقصاء أو عزل.
  • التوافق بين الرؤساء الثلاثة من أجل إخراج البلاد من أزمتها السياسية الداخلية.
  • النأي عن الخوض في المسائل السياسية الخلافية إلى أن يتم التغلب على الأزمة الصحية الحالية، والسيطرة على المصاعب الاقتصادية القائمة.
  • الدعوة إلى عقد مجلس الأمن القومي بحضور الرؤساء الثلاثة ومسؤولي المنظمات الوطنية من أجل إنقاذ البلاد من مخاطر الوباء والإفلاس الاقتصادي.

ومع أن الرسالة خلت من تهديد صريح بتدخل المؤسسة العسكرية في الصراع السياسي القائم، كما أن الموقّعين عليها هم مِن الضباط المتقاعدين الذين لم تعد لديهم صلة نشطة بقواعد الجيش، إلا أن ثمة ما يدُلُّ على أن المبادرة تعكس بعض المؤشرات على نمط من استدعاء القيادات العسكرية في التجاذب السياسي المحتدم في تونس. ومن بين هذه المؤشرات:

  • تصريحات الرئيس قيس سعيّد المتكررة خلال زياراته للثكنات والمراكز العسكرية حول دور الجيش في حماية الشرعية، ومواجهة من ينتهكها أو يتجاوزها. وقد انفجر نقاشٌ دستوري حاد بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة هشام المشيشي حول تأويل المواد الدستورية التي اعتبر الرئيس قيس سعيّد أنها تمنحه القيادة العليا للقوات العسكرية والمدنية، في حين اعتبر رئيس الحكومة أنه المسؤول عن الوحدات الأمنية. وفي غياب المحكمة الدستورية المخولة بتأويل النصوص الدستورية تحوّل موضوع التحكم في الأجهزة العسكرية والأمنية إلى بند من بنود الصراع السياسي القائم، وظهر من الواضح أن الرئيس قيس سعيّد يوظف موقعه في قيادة الجيش في ضبط التوازنات السياسية.
  • بروز مطامح سياسية لدى بعض القيادات العسكرية المتقاعدة، من بينها: الأميرال كمال العكروت القائد السابق للقوات البحرية التونسية والمستشار الأول للأمن القومي في عهد الرئيس الراحل الباجي قايد السبسي، الذي وجه رسالة إلى الرأي العام التونسي انتقد فيها بحدة الوضع السياسي وحالة النظام الديمقراطي، ووجّه نقداً مبطناً لحركة النهضة التي اتهمها بالاستحواذ على الحياة السياسية ومراكز القرار، بما يتطلب التدخل العاجل للإصلاح "قبل فوات الأوان".
  • كَثُر الحديث في السنوات الأخيرة عن اختراق حركة النهضة المتزايد للجيش، واعتبر بعض الأوساط أن الرسالة الأخيرة للضباط المتقاعدين تدخُّلٌ في هذا السياق، باعتبار قُرْب الضباط الموقعين من حركة النهضة، ومن بينهم مَن استفاد من دعم الحركة بعد تقاعده. ويتضح من فحوى الرسالة أنها تُحمِّل رئيس الجمهورية مسؤوليةَ الاحتقان السياسي، وتدعوه بلغة التهديد إلى القيام بمبادرات سريعة للتفاهم مع خصومه السياسيين.

خطة الانقلاب العسكري: الحقيقة والتحقيق

نشر موقع "ميدل إيست آي" وثيقةً سرية زعم أنها مُسرَّبة من مكتب مديرة الديوان الرئاسي نادية عكاشة مؤرخة في 13 مايو 2021. ووفق الوثيقة، سيُنسِّق الرئيس قيس سعيد مع الجيش في فرض نوع من "الديكتاتورية الدستورية" تمنحه كل السلطات التنفيذية في إطار إجراءات إعلان الطوارئ، في الوقت الذي سيُخضع رئيس الحكومة ورئيس البرلمان للإقامة الجبرية داخل القصر الرئاسي في عزلة كاملة عن الخارج، بالإضافة إلى التحفُّظ على قادة حركة النهضة وداعميها السياسيين في البرلمان والحكومة. ووفق الوثيقة أيضاً سيُعهَد إلى الجيش الانتشار في الشوارع والإمساك بزمام الأمور، وستُتخذ قرارات شعبية لتمرير الانقلاب، مثل تخفيض أسعار المواد الأساسية، وتعليق دفع فواتير الكهرباء والماء والهاتف، والضرائب والقروض المصرفية مؤقتاً. كما أن الرئيس سيقوم بتعديل وزاري شامل مع الإبقاء على رئيس الحكومة المشيشي وإغرائه بالانحياز للانقلاب الدستوري.

وقد ترددت معلومات أن الخطة وضعتها شخصيات مقربة من الرئيس قيس سعيّد، من أبرزها خالد اليحياوي مدير الأمن الرئاسي، وإنْ لم يتسلمها الرئيس بصفة مباشرة. وقد طالب رئيس الجمهورية قيس سعيّد النيابةَ العامة بالتحقيق الفوري في الخطة المزعومة لانقلاب عسكري في تونس، وعيَّن الوكيل العام لدى محكمة الاستئناف في تونس قاضياً لهذا الغرض بالاستناد إلى الفصل 31 من مدونة الإجراءات الجزائية.

ومع أن الموضوع لا يزال مطروحاً للتحقيق، إلا أن كل المؤشرات تدل على أن الوثيقة لا تصل إلى مستوى خطة انقلابية عسكرية، وإنما تعكس بعض الأفكار والمطالب المطروحة من بعض القوى السياسية بالاستناد إلى الأحكام الدستورية، ومن بينها بعض قيادات الجبهة الشعبية اليسارية، والتيار الديمقراطي المعارض.

وقد صدر تكذيب رسمي من ديوان رئيس الجمهورية ونقابة موظفي رئاسة الجمهورية لهذه الوثيقة التي وصفتها الأطراف المناوئة للرئيس قيس سعيد بأنها تدخلٌ في منطق التجاذبات السياسية الحادة التي تعرفها تونس، في إشارة ضمنية إلى علاقة حركة النهضة بها.

ومن هنا يمكن أن نستنتج أن الخطة المسربة ليست مشروعا انقلابياً جدياً، ولكنها تَطرح بقوة بالإضافة إلى رسالة الضباط المتقاعدين سؤالَ الورقة العسكرية في الصراع السياسي القائم في تونس.

مستقبل دور المؤسسة العسكرية التونسية في الصراع السياسي

تكاد تكون تونس الاستثناء الوحيد في الجمهوريات العربية من حيث هامشية دور المؤسسة العسكرية في الساحة السياسية. فبعد المحاولة الانقلابية التي نظَّمها خصوم الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة من التيار اليوسفي والحركة القومية عام 1962، لم تبرز محاولة جدية لتدخل الجيش في المعترك السياسي. وفي 4 يناير 1984 كلّف الرئيس بورقيبة الجيشَ بالتدخل للسيطرة على الموقف الأمني المنهار إثر الأحداث الاحتجاجية التي عُرفت بثورة الخبز، إلا أن هذه الحادثة لم تتكرر من بعد في الساحة التونسية.

وعلى الرغم أن تنحية الرئيس بورقيبة في 7 نوفمبر 1987 كانت بقيادة ضابط هو الرئيس السابق زين العابدين بن علي، إلا أنها تمت وفق موازين الشرعية الدستورية، وكان دور المؤسسة الأمنية هو الحاسم فيها وليس القيادات العسكرية. ولم يكن للجيش أي تدخل فاعل في أحداث يناير 2011 التي أدت إلى سقوط الرئيس السابق بن علي، وإنْ كانت قيادة الحرس الرئاسي ساعدت في تسهيل عملية الانتقال السياسي.

نصَّت المادة 18 في دستور 2014 على الطابع الجمهوري للجيش، وحياده الكامل في الصراع السياسي، بالقول: "الجيش الوطني جيش جمهوري وهو قوة عسكرية مسلحة قائمة على الانضباط، مؤلفة ومنظمة هيكلياً طبق القانون، ويضطلع بواجب الدفاع عن الوطن واستقلاله ووحدة ترابه، وهو ملزم بالحياد التام. ويدعم الجيش الوطني السلطات المدنية وفق ما يضبطه القانون." وينص الفصل 77 من الدستور على أن رئيس الجمهورية يتولى "القيادة العليا للقوات المسلحة"، وينص الفصل 78 على حقه في تعيين وإعفاء القيادات العسكرية. ومن هنا ندرك أن المجال العسكري من الاختصاصات القليلة لرئيس الجمهورية في الدستور التونسي، بما يُفسِّر ميل الرئيس الحالي إلى الحرص على استثمار الورقة العسكرية في صراع النفوذ على التحكم في دوائر القرار.

ومن الواضح أن القوى السياسية مُجمِعةٌ على رفض أي دور سياسي للمؤسسة العسكرية على غرار التجارب العربية الأخرى، ومن هنا نفهم ردود الفعل المحتجة على رسالة الضباط الستة. إلا أن طبيعة الأزمة السياسية المتفاقمة قد تُفضي إلى التنازع على استخدام الورقة العسكرية في الصراع السياسي في اتجاهين مُتمايزين:

  1. استخدام الرئيس هذه الورقة في إطار الصلاحيات الممنوحة له في حفظ الأمن وحماية حدود الوطن واستقراره، ولو اقتضى الحال إعلان حالة الطوارئ. وقد هدَّد الرئيس قيس سعيّد عدة مرات باللجوء إلى المادة 80 من الدستور التي تنص على الإجراءات التالية: "لرئيس الجمهورية في حالة خطر داهم مُهدد لكيان الوطن وأمن البلاد واستقلالها، يتعذر معه السير العادي لدواليب الدولة، أن يتخذ التدابير التي تحتمها تلك الحالة الاستثنائية، وذلك بعد استشارة رئيس الحكومة ورئيس مجلس نواب الشعب وإعلام رئيس المحكمة الدستورية، ويُعلِنُ عن التدابير في بيان إلى الشعب." ومع أن شروط اتخاذ هذه الإجراءات صعبة التحقق وتتطلب الرجوع (ولو بصفة استشارية) إلى رئيس الحكومة ورئيس البرلمان، إلا أنها تظل ورقة حاسمة ومؤثرة في طبيعة الصراع السياسي وقد يستخدمها رئيس الجمهورية عند الضرورة.
  2. استخدام حركة النهضة الورقة العسكرية، في إطار سياساتها لبناء جهاز أمني مسلح مُوازٍ، من بين قياداته ضباط متقاعدون لا يزال لهم التأثير والحضور في المراكز القيادية العليا في الجيش. وقد تسرَّب من بعض المصادر أن زعامة حركة النهضة اعتبرت في ضوء التجربة المصرية أنه لابد من بناء جناح عسكري قوي من داخل الجيش لحماية موقع الحركة في الساحة السياسية والحفاظ على مكتسباتها في الانتخابات والحكم التنفيذي.

الاستنتاجات

في ضوء المعطيات والحقائق القائمة حالياً، لا تزال احتمالات تدخُّل الجيش التونسي في الصراع السياسي (لقلب نظام الحكم، أو فرض إعادة بناء المعادلة السياسية لصالح رئيس الجمهورية، أو حركة النهضة) ضعيفة. ومن هنا يمكن الوصول إلى نتيجة مفادها أن مبادرات القيادات العسكرية المتصاعدة تعكس حدة الصراع السياسي وتفاقمه، أكثر مما تُعبِّر عن تحول نوعي في دور وتأثير المؤسسة العسكرية التونسية في الموازين السياسية.

سيناريوهات