­­تحوُّل جماعة الإخوان الليبية إلى جمعية: الدوافع والمسارات المستقبلية

أحمد نظيف | 23 مايو 2021

أعلن فرع جماعة الإخوان المسلمين في ليبيا، مطلع شهر مايو الجاري، انتقاله التنظيمي إلى جمعية أهلية تحت مسمى "الإحياء والتجديد"[1]، في تحوُّل جذري، بعد حوالي سبعة عقود من تأسيسه (1948)، بوصفه امتداداً تابعاً للجماعة الأم في القاهرة. وجاء هذا الإعلان في سياق تحولات جذرية أكبر تعيشها ليبيا والمنطقة العربية.

تُحلل هذه الورقة طبيعة هذا التحول التنظيمي من خلال رصد دوافع الجماعة والسياقات المحلية والإقليمية التي تم فيها التحول، وحَصْر المسارات المستقبلية لتطور سلوك الجماعة وتأثيرات هذا الإعلان فيه.

السياقات والدوافع

جاء إعلان الفرع الليبي لجماعة الإخوان المسلمين عن تحوّلها نحو النشاط تحت يافطة جمعية أهلية في سياق محلي وإقليمي متحول هو الآخر، حيث تشهد كل من ليبيا والمنطقة العربية ترتيبات سياسية جديدة توحي بأننا على أبواب مرحلة جديدة من شكل العلاقات تقطع مع المرحلة التي عاشتها المنطقة منذ العام 2011 (تاريخ اندلاع الثورات العربية). ويبدو ذلك من خلال:

  • تشكُّل سياق وطني ليبي جديد بعد تسلُّم حكومة الوحدة الوطنية لمهامها في 16 مارس 2021، والتي ستتولى وفقاً للاتفاق السياسي بين جميع الفرقاء الليبيين، توحيد مؤسسات الدولة والإشراف على المرحلة الانتقالية حتى موعد انتخابات 24 ديسمبر 2021.[2]
  • سياق إقليمي يتَّسم بتقارب غير مسبوق بين مصر وتركيا[3]؛ فأنقرة الحليف التاريخي لجماعة الإخوان المسلمين في العالم، وخاصة في ليبيا، حيث أرسلت وحدات قتالية إلى طرابلس الغرب لتثبيت الحكومة القريبة من الإسلاميين العام الماضي، بدأت في مدّ جسور العلاقات مع القاهرة بعد قطيعة طويلة، فيما لا تزال مصر تحافظ على الموقف نفسه من الجماعة باعتبارها "منظمة إرهابية".[4]
  • سياق إخواني داخلي مضطرب، حيث تعيش جماعة الإخوان المسلمين وتنظيمها الدولي منذ سنوات حالةً من السيولة التنظيمية والفكرية، برزت من خلال الأزمات الداخلية التي طفت على السطح وحالة التفكك التي تشهدها الفروع القُطْرية في علاقتها بالتنظيم المركزي، حيث شهدنا العديد من حالة الإعلان عن فك الارتباط بالتنظيم الدولي في تونس واليمن وأوروبا[5]، ولئن كانت هذه الحالات تأتي في إطار تبادل الأدوار التنظيمية بين الفروع والجماعة الأم إلا أنها تُعبِّر عن أزمة تنظيمية جذرية تعيشها الجماعة منذ سقوط نظامها السياسي في مصر عام 2013.

هذه السياقات المتحولة دفعت الفرع الليبي للإخوان المسلمين إلى سلوك مسار مغاير نحو تنظيم أهلي يقطع مع "عالمية الإخوان"، وفي الوقت نفسه يقطع مع مبدأ "تسيس الإسلام"، وهي الفكرة المركزية التي تقوم عليها إيديولوجيا الجماعة، إذا سلَّمنا تجاوزاً بأن هذا الإعلان، وهذه القطيعة، تصدران عن قناعة فكرية وليستا مجرد مناورة سياسية. وإلى جانب السياقات الموضوعية، تبرز جملة من الدوافع الموضوعية وضعت الفرع الليبي أمام حتمية التحوُّل، لعل أبرزها:

  • الترهُّل التنظيمي الذي أصاب الجماعة في ليبيا في ظل صعود تنظيمات إسلاموية موازية تحمل نفس أيديولوجيا الجماعة وأكثر تنظيماً، كما تمتلك قدرات عسكرية ومالية أكبر من الإخوان، ولديها تحالفات مع حلفاء الإخوان كقطر وتركيا بشكل يوازي أو يفوق الجماعة الليبية، مثل "الجماعة المقاتلة" التي يتزعمها عبد الحكيم بلحاج والمجاميع الإسلاموية في مدينة مصراته. لذلك، ستحاول الجماعة سلوك أشكال تنظيمية جديدة لإعادة إحياء تنظيمها.
  • الانشقاقات التي ضربت الجماعة خلال السنوات الأخيرة، وأثرت كثيراً على تماسكها التنظيمي. ففي أغسطس 2020 أعلنت قيادات الجماعة في مدينة الزاوية استقالتها الجماعية وحلّ فرع التنظيم في المدينة[6]، وفي أكتوبر من العام نفسه أعلن فرع مصراتة حلّ نفسه وإقفال مكاتبه[7]، فيما اعتبر أكبر ضربة تتلقاها الجماعة الليبية لجهة الثقل التنظيمي والمالي والعسكري الذي تمثل مدينة مصراته. ويبدو أن التحول الجديد هو محاولة لإيقاف نزيف التفكك الداخلي.
  • الرفض المجتمعي الذي تواجهه الجماعة بتسميتها التقليدية، إذ ساهمت الحرب الطويلة التي شهدتها ليبيا في بروز رأي عام نافر من الميليشيات الإسلاموية المتطرفة، وقد ارتبطت هذه الميليشيات بمسمى عام تحت مظلة تيار الإخوان المسلمين. وهذا النفور ليس مقتصراً على المنطقة الشرقية، حيث مجال سيطرة الجيش الليبي، بل يظهر حتى في العاصمة طرابلس والمنطقة الغربية من خلال الاحتجاجات الشعبية ومواقف النخب، لذلك تحاول الجماعة البروز في ثوب تنظيمي جديد غير سياسي، وغير مرتبط بالخارج، من أجل ترميم صورتها داخلياً، وقبل أقل من عام عن الانتخابات لا تريد الجماعة التأثير على حظوظ ذراعها السياسي، حزب العدالة والبناء، في السباق الانتخابي بعد الفشل الذي منيت به في انتخابات 2014.
  • الخلافات على مستوى القيادة؛ ففي المؤتمر العاشر للجماعة الليبية الذي عقد في تركيا في العام 2015، قرر الأعضاء "اتخاذ جملة من القرارات التي تستهدف تطوير أداء الجماعة ومواكبتها للمتغيرات الدولية والمحلية"[8]، وكان من بينها فكّ الارتباط بالتنظيم الدولي، والفصل بين العملين السياسي والديني، لكن المراقب العام أحمد عبدالله السوقي والهيئة القيادية لم يضعوا هذه القرارات موضع التنفيذي ليبرز تُململ واضح داخل التنظيم انتهى انشقاقات جماعية وفردية، دفعت القيادة لإعلان هذا التحوُّل خشية أن ينفرط عقدها نهائياً.

المسارات المستقبلية

لئن كان التحول الإخواني الجديد في ليبيا غير واضح المعالم حتى اليوم، لجهة الضبابية التي تميز بها الإعلان عن التحول من "الجماعة" إلى الجمعية"، إلا أن هذه الخطوة، وفي ضوء التجارب المقارنة التي عاشتها فروع أخرى للجماعة، يمكن حَصْر مساراتها المستقبلية في ثلاثة سيناريوهات رئيسة:

السيناريو الأول: التحوُّل الحقيقي نحو العمل المدني الأهلي، الدعوي والخيري، والقطيعة مع العمل السياسي، وفك الارتباط بالتنظيم الدولي. ويبدو هذا السيناريو شبه مستحيل في المديين القريب والمتوسط، لأن الأيديولوجيا التي تقوم عليها جماعة الإخوان المسلمين تتعارض تماماً مع فكرة الفصل بين الديني والسياسي؛ فهي جماعة سياسية في المقام الأول، وهو ما تكشفه التجارب الإخوانية المقارنة، حيث أعلنت فروع الجماعة في تونس (النهضة)، واليمن (الإصلاح)، وأوروبا (اتحاد المنظمات الإسلامية) خلال السنوات الماضية عن فك الارتباط بالتنظيم الدولي، وعن الفصل بين السياسي والديني، إلا أن ذلك بقي مجرد إعلان للاستهلاك الإعلامي، وتكتيكاً هدفه الإفلات من العقوبات التي تفرضها بعض الدول على الجماعة[9].

السيناريو الثاني: التحوُّل التنظيمي دون التحوُّل السياسي، أي الانتقال للعمل ضمن جمعية أهلية والمحافظة على النشاط السياسي ضمن نفس الأطر التي تعمل من خلالها في الدعوة والعمل الاجتماعي، وهذا أمرٌ مستعبدٌ في ظل الظروف التي تعيشها ليبيا لخشية الجماعة من ضرب صورتها ومصداقيتها لدى الرأي العام، خاصة وأن البلد يتجه نحو استحقاقات انتخابية، تريد الجماعة من خلالها كسْب مواقع داخل مؤسسات الدولة.

السيناريو الثالث: التحوُّل من التنظيم الهرمي المركزي إلى التنظيم الأفقي العنقودي، وهي السمة التي أصبحت تميز نشاط جماعة الإخوان المسلمين في جميع أنحاء العالم[10]، حيث بدأ أغلب فروع الجماعة منذ العام 2014 في تنفيذ تغييرات تنظيمية تقطع مع فكرة التنظيم الهرمي المركزي الذي يضم النشاط السياسي والديني والخيري نحو نموذج تنظيمي أفقي يتم فيه الفصل بين الجناح السياسي في إطار حزب والجناح الدعوي في شكل جمعية، وبقية النشاطات الخيرية والاقتصادية والثقافية تُخصص لها جمعيات ومنظمات منفصلة تنظيمية لكنها مترابطة فكرياً وتعمل من أجل هدف واحد، وهو "التمكين". وهذا الشكل الجديد من التنظيم ولد في تركيا مع بدايات حزب العدالة والتنمية في مطلع القرن الحالي، وبرز بقوة في المغرب وتونس وفي فروع الجماعة الأوروبية خلال السنوات الأخيرة، والهدف منه أولاً حماية فروع الجماعة من الضربات الأمنية التي تشمل عادةً الأجنحة السياسية، ويضمن هذا الفصل بقاء بقية الأجنحة الاقتصادية والدينية في مأمن، ويضمن، ثانياً، الوصول إلى شرائح اجتماعية واسعة.

 ويبدو السيناريو الأخير الأقرب للحدوث في ليبيا، حيث نلاحظ تأثيراً كبيراً للتجربتين التونسية والتركية على الجماعة في ليبيا. وقد بدأت الجماعة منذ سنوات في سلوك هذا التحوّل، إذ خصصت العمل السياسي في حزب هو العدالة والبناء، واستطاعت من خلال مراكمة رساميل هائلة بعد سقوط نظام معمر القذافي والدعم الذي تتلقاه من أنقرة أن تبني شبكة واسعة من الجمعيات والمنظمات الحقوقية والخيرية والمؤسسات التجارية والإعلامية.

الخلاصة والاستنتاجات

  • جاء إعلان الفرع الليبي لجماعة الإخوان المسلمين عن تحولها نحو النشاط في ظل جمعية أهلية في سياق محلي وإقليمي متحول بدوره، حيث تسلمت حكومة الوحدة الوطنية لمهامها قبل أشهر من الانتخابات العامة في نهاية العام الحالي، وفي ظل تقارب غير مسبوق بين مصر وتركيا، الحليف الرئيس للجماعة في المنطقة، وفي سياق أزمة هيكلية وسياسية خانقة تعيشها جماعة الإخوان وتنظيمها الدولي.
  • هناك جملة من الدوافع الموضوعية وضعت الفرع الليبي أمام حتمية التحوُّل، لعل أبرزها: الترهُّل التنظيمي الذي أصاب الجماعة في ليبيا في ظل صعود تنظيمات إسلاموية موازية تحمل نفس الأيديولوجيا وأكثر تنظيماً، والانشقاقات التي ضربت الجماعة خلال السنوات الأخيرة وأثَّرت كثيراً على تماسكها التنظيمي، وكذلك الرفض المجتمعي الذي تواجهه الجماعة بتسميتها التقليدية، إذ ساهمت الحرب الطويلة التي شهدتها ليبيا في بروز رأي عام نافر من الإسلام السياسي.
  • التحوُّل من الجماعة إلى الجمعية يُمكن حصْر مساراته المستقبلية في ثلاث سيناريوهات رئيسة: إما صدقية التحول وفكّ الارتباط بالتنظيم الدولي، وهذا أمر يبدو مُستبعداً في المدى القريب، أو التحول الشكلي، وهو أيضاً مُستبعدٌ، لأنه يمكن أن يضع صورة الجماعة وحظوظها السياسية في خطر، وثالث السيناريوهات الممكنة التحوُّل من التنظيم الهرمي المركزي إلى التنظيم الأفقي العنقودي، وهي السمة التي أصبحت تُميِّز نشاط جماعة الإخوان المسلمين في جميع أنحاء العالم كما حدث في تونس والمغرب، أي إعادة بناء التنظيم بشكل أفقي والمحافظة على نفس المشروع الإيديولوجي، وهو "التمكين".

الهوامش

[1] Libyan Muslim Brotherhood converts into NGO, Anadolu Agency, 03/05/2021. https://www.aa.com.tr/en/middle-east/libyan-muslim-brotherhood-converts-into-ngo/2227616

[2] Libya’s GNA hands power to Government of National Unity, the Arab Weekly, 16/03/2021. https://thearabweekly.com/libyas-gna-hands-power-government-national-unity

[3] Vers une normalisation des relations entre l'Egypte et la Turquie, France info, 10/05/2021. https://www.francetvinfo.fr/monde/afrique/politique-africaine/vers-une-normalisation-des-relations-entre-l-egypte-et-la-turquie_4614861.html

[4] "الحكومة المصرية تصنف الإخوان المسلمين "جماعة إرهابية""، فرانس 24، 25/12/2013. https://bit.ly/3hyJs1y

[5] ""الإخوان المسلمون".. فطام شخصي للفروع هربا من مأزق الأم؟"، وكالة الأناضول، 15/05/2017. https://bit.ly/33WY5DW

[6] "تنظيم الإخوان يتآكل في ليبيا.. استقالة جماعية لقياداته بالزاوية"، العربية نت، 13 أغسطس 2020. https://bit.ly/3v05GNH

[7] ""الإخوان المسلمين - مصراتة" تحلّ نفسها"، النهار، 22/10/2020. https://www.annaharar.com/arabic/politics/arabi-world/almaghreb-alarabi/22102020090955292

[8] "إخوان ليبيا ينتخبون مراقبا عاما جديدا"، العرب الدولية، 7 أكتوبر 2015. https://bit.ly/3bFxr6y

[9] أحمد نظيف، "مراجعات النهضة التونسية: تحول مبدئي أم التفاف على مصاعب المرحلة؟"، الأوان، 24 نوفمبر 2018. https://bit.ly/3ftmTsp

[10] جورج عيسى، "من الأخطبوط إلى نجم البحر.. كيف يتلوّن الإخوان؟"، موقع 24، 11 مايو 2018. https://24.ae/article/440913/

 

سيناريوهات