حوار وزير الخارجية الإيراني المُسرَّب: التداعيات وحسابات الأطراف الداخلية

مركز الإمارات للسياسات | 05 مايو 2021

أثار الشريط الصوتي المُسرَّب لوزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف ضجّة في الساحة السياسية الداخلية الإيرانية، وأصبح حديث الساعة، وأدّى إلى تغيير معالم المجال السياسي الإيراني على أعتاب الاستحقاق الرئاسي، وذلك في خضم المفاوضات مع أطراف الاتفاق النووي في فيينا.

ما الذي ورد في الحوار؟

جاء الحوار في أكثر من 3 ساعات نشرته قناة "إيران إنترناشونال" الإيرانية التي تنطلق من لندن، في 25 أبريل الماضي، وتحدّث فيه وزير الخارجية الإيراني إلى الصحافي والخبير الاقتصادي سعيد ليلاز المعروف بقربه إلى الحكومة، وإلى الرئيس الإيراني حسن روحاني، وتضمن الحوار عدة محاور كان من أكثرها إثارة للجدل المحاور التالية:

  • توقَّف وزير الخارجية الإيراني خلال الحوار طويلاً عند تطورات الاتفاق النووي، مُشيراً في جزء مهم منه إلى موقف الروس الرافض للاتفاق النووي، ومؤكداً أن الجانب الروسي الذي لا يُحبِّذ تحسُّن العلاقات الإيرانية مع الغرب، عمل ما في وسعه للحؤول دون بلوغ الاتفاق النووي مرحلة التوقيع. وأكّد أن امتعاض الروس من الاتفاق النووي كان واضحاً من خلال غياب وزير خارجيتهم في اجتماع توقيع الاتفاق، مُبيِّناً أنهم قدموا مقترحات عديدة خلال جولات المفاوضات وصفها بمقترحات كارثية، من ضمنها مقترح يتضمن إحالة الاتفاق النووي إلى مجلس الأمن كل ستة أشهر.
  • أشار الوزير الإيراني إلى محاولات الروس إثارة موجات تصعيد إيرانية، من ضمنها محاولات للتأثير على الجنرال الإيراني قاسم سليماني الذي كان محوراً ثانياً توقف عنده ظريف خلال لقائه. ورغم أن ظريف أشار خلال اللقاء إلى علاقات احترام بينه وبين الجنرال سليماني، إلا أن معظم حديثه عنه حمل نبرة انتقادية، أكّد خلالها ظريف أن سليماني كان يطالبه بعمل أشياء لخدمة المشروع التوسعي الإيراني، وكان لا يعترف كثيراً بدور الخارجية الإيرانية، مُبيّناً أنه في عدّة مواقف طلب ظريف من سليماني التوقف عن القيام بأعمال تضرّ مصالح إيران وعلاقاتها الخارجية، من ضمنها التوقف عن استخدام طائرات شركات الطيران الوطنية لنقل الجنود والمعدات إلى سوريا درءاً لوقوع الشركة تحت بند العقوبات، لكن سليماني كان يرفض ذلك. وفي نفس السياق أشار ظريف (وخلافاً لما يتم الترويج عنه داخل إيران حول دور الجنرال سليماني في إقناع الرئيس الروسي بوتين بدخول الحرب في سوريا) إلى أن الجانب الروسي كان قد حسم قراره بدخول المعركة في سوريا، وأن موسكو هي التي دعت سليماني للقاء الرئيس الروسي الذي كان قد حسم قراره سابقاً، وأن الجانب الإيراني صار في خدمة الجانب الروسي.
  • كانت الطائرة الأوكرانية المنكوبة محوراً آخر من المحاور المثيرة للجدل في الحوار؛ إذ أشار ظريف إلى أن الحرس كان يعلم تماماً بضرب الطائرة منذ صباح الخميس، أو حتى منذ مساء الأربعاء الذي تم فيه إسقاط الطائرة (وهنا تدخَّل المُحاوِر ليشير إلى أن الحرس كان يعلم منذ صباح الأربعاء أساساً) لكنه تكتّم على الموضوع. كما قال ظريف إنه طلب من الحرس خلال اجتماع حضره بالنيابة عن الحكومة مساء يوم الخميس في مقر المجلس الأعلى للأمن القومي أن يقول له الحقيقة ليستطيع "معالجة الوضع"، و"تدبُّر الأمر دولياً" لكن الحرس واجهه بشدة، وحاول إخفاء الأمر عنه رافضاً قضية إسقاط الطائرة بالصواريخ، حسب ظريف الذي قال إن الحرس طلب منه أن يُغرّد على حسابه بالموضوع.
  • ثنائية "الميدان والدبلوماسية" كانت المحور الآخر الذي أشار إليه ظريف أكثر من مرة خلال الحوار؛ مؤكداً أن الحرس الثوري الذي كان يخوض معارك إقليمية، كان يطبق استراتيجيات ميدانية مختلفة تماماً عن الاستراتيجيات الدبلوماسية للخارجية الإيرانية. وفي حين أن المتداول عالمياً حسب ظريف أن تخدم الاستراتيجيات الميدانية الاستراتيجية الدبلوماسية العامة لكل بلد، أكّد خلال الحوار أن الأمر كان عكس ذلك تماماً في إيران؛ إذْ كانت الاستراتيجيات الميدانية (والتوسع الإقليمي) هي المسيطرة، وكان الحرس الثوري يفرض إرادته على الدبلوماسية العامة، مُشيراً إلى أن الدبلوماسية ضحت بالكثير من أجل الميدان (الاستراتيجيات الميدانية العسكرية)، بينما لم يُقدِّم الميدان أي خطوة تخدم الدبلوماسية الإيرانية، بل لم يقدم أية معلومات ميدانية واضحة للفريق الدبلوماسي الذي كان يعرف بعض التطورات الميدانية من دبلوماسيين أجانب خلال اجتماعاته مع الأطراف الدولية، وفي نموذج مثير للجدل أشار ظريف إلى أن وزير الخارجية الأمريكي، هو الذي قال له إن إسرائيل قامت بأكثر من 200 هجوم على مقرات إيرانية في سوريا؛ ليشير في أكثر من نقطة إلى سيطرة الحرس الثوري على مقاليد الأمور ضمن الساحة الدبلوماسية، وضمن الساحات الأخرى، مُبيناً أن وزارة الخارجية التي لم يكن لها حول ولا قوة لمواجهة استراتيجيات الحرس الميدانية عملت بجهد كبير في صفوف رجالها لتسيير الشؤون الدبلوماسية، وإبقاء الباب مفتوحاً مع العالم رغم الضغوط القصوى التي تحملتها.

وإلى جانب هذه المحاور التي شغلت بال الشارع الإيراني، وأصبحت حديث الساعة، تضمن الحوار محاور أخرى لا تقل أهمية من ذلك لو أخذ بالحسبان بعض الاعتبارات الظرفية والغايات التي تم تسجيل الحوار من أجلها:

  • الحوار تضمّن بشكل مطول علاقات المرشد الإيراني بوزير الخارجية ظريف، والذي أفرط كثيراً في الثناء على علي خامنئي. وأشار ظريف إلى أن المرشد الإيراني كان على معرفة شخصية به منذ 1988 مُبيناً أنه نال إعجاب خامنئي في أكثر من موقف، وكانت خطواته بالتنسيق التام مع خامنئي. وفي حين أن ظريف في حواره تطرَّق إلى الرئيس روحاني بنبرة يشوبها النقد أحياناً، إلّا أن حديثه عن خامنئي كان ودوداً للغاية.
  • تضمّن الحوار وقفة مطولة عند احتمالات ترشيح ظريف للاستحقاق الرئاسي الذي بات على الأبواب. ورغم أن ظريف أكّد أنه لم يتوصل إلى حجة شرعية تدفعه للترشح إلّا أن المحاور توقف معه بشكل مفصل عند إنجازاته، وعند خبرته بالمجال الدولي (إذْ اعتبر ليلاز أن ظريف لا يضاهيه أحد في إيران في معرفة الشأن الأمريكي الداخلي بوصفها القضية التي تتمحور حولها السياسات الإيرانية)، وتحدث مطولاً عن شعبيته التي تفوق شعبية الرئيس روحاني، ليؤكد ظريف أنه يعرف أن لديه شعبية واسعة، ولكن الشعبية ليست المعيار الوحيد له، موضحاً أن القرار مُبكّر بهذا الشأن، وأن التفاحة لم تسقط بعد من الشجرة في إشارة إلى أن القرار النهائي لم يحن وقته.

وإذا وضعنا هذه الأحاديث في سياق عام، حيث كان موقع ظريف قبل تسريب هذا اللقاء ممتازاً في سجالات الانتخابات الرئاسية؛ إذ كان يجري الحديث عن إجماع التيارات الإصلاحية والمعتدلة على ترشيح محمد جواد ظريف لخوض المعركة الرئاسية، بينما أشارت مصادر مقربة من الحكومة إلى أن اللجنة التي شكلتها الحكومة لمناقشة المرشح للاستحقاق الرئاسي كانت قد حصرت خياراتها في مرشحين أحدهما ظريف، فسنكون أمام محاولة دعاية للوزير من خلال هذا الحوار الذي تمّ نشره في غير محله. وتشير مصادر إلى أن الحوار كان جزءاً من برنامج حملة دعائية يعدها محمد جواد ظريف، ووفق هذه الشائعات فقد كان مُنسَّقاً أن يتم استخدام مقاطع من هذا الفيديو بعد تعديلها في ذلك البرنامج.

ردود فعل الأطراف المختلفة

أظهرت الأيام اللاحقة لتسريب الحوار المسجل كيفية توظيف التيارات السياسية في إيران للتسريب، والتداعيات التي ترتبت عليه، وتوقيته، وتأثيره على مكانة ظريف، وعلى التجاذبات السياسية على أعتاب الانتخابات، وفي خضم المفاوضات النووية:

فعلى صعيد المواقف السياسية، هاجمت التيارات المحافظة بشكل واسع وزير الخارجية الإيراني، وأكد رئيس البرلمان الإيراني زيف الازدواجية التي تحدّث عنها ظريف بين الميدان والدبلوماسية، فيما قال وزير الخارجية الإيراني الأسبق منوشهر متكي إن ما أورده ظريف كان خليطاً من الكذب والتدليس، وأن أفضل رد عليه في اللحظة الراهنة هو إقالته من منصبه. وفيما بدأ البرلمان الإيراني الذي استدعى ظريف إلى جلسة استماع بعد عودته من جولته الشرق أوسطية استعداداته لحجب الثقة عن ظريف بحسب المدير السابق لوكالة فارس للأنباء المقربة من الحرس، وأحد أعضاء البرلمان الحالي سيد نظام الدين موسوي، أجمعت الصحافة المحافظة على انتقاد ظريف استناداً إلى موقفه من قوة القدس، وسياسات إيران للتوسع الإقليمي، واصفة إياه بأنه ليس رجل "الميدان"، وإنما رجل الأجندة الأجنبية.

وعلى صعيد الحكومة؛ كانت المواقف خجولة جداً، إذ اكتفى حسام الدين آشنا، مستشار رئيس الجمهورية ورئيس مركز الدراسات الاستراتيجية التابع لرئاسة الجمهورية، وهو المركز الذي أجري الحوار ضمن إطار نشاطاته، بتغريدة مبهمة تشير إلى أن الموضوع مكيدة، قبل أن يُعلِن استقالته من منصبه، بينما أكد المتحدث باسم الحكومة أن ظريف قد يحمل في جعبته رداً على كل تلك الاستفسارات. وأشار رئيس الجمهورية إلى أن تسريب الشريط في الظروف الحالية يعد سرقة يجب على المؤسسات الأمنية متابعتها، وأن التسريب جاء في وقت حرج جداً، وفي خضم معركة يخوضها الفريق الدبلوماسي الإيراني في فيينا لغاية التأثير السلبي على مجريات المفاوضات النووية، مُشيراً إلى أن التسريب يخدم أجندة من يعارضون المفاوضات النووية، ولا يريدون لها أن تصل إلى نتيجة، و"متحفظاً" في الحين نفسه على مواقف ظريف الذي قال إنها لا تمثل مواقف الحكومة، وأنه يختلف معه بشأن بعضها، ومن ضمنه ذلك الذي يتعلق بازدواجية الميدان والدبلوماسية.

وفي إطار الخارجية الإيرانية التي كانت قبل تسريب الشريط بساعات قد أصدرت بياناً موسعاً انتقدت فيه بلغة لاذعة من يحاولون إجهاض الجهود الدبلوماسية لإحياء الاتفاق النووي من خلال ضرب رجال الخارجية الإيرانية، فإن المتحدث باسمها قال عقب تسريب الحوار إنه جزءٌ تم تقطيعه من حوار أوسع بنحو 7 ساعات، وأنه لا يمثل الحقيقة كلها، مؤكداً أن ظريف تناول ضمن النسخة الأصلية بإسهاب دور سليماني البنَّاء، مُشيراً إلى أنه لا أحد يستطيع التشكيك في العلاقات الودية التي كانت تجمع الرجلين، واحترام ظريف للجنرال سليماني. أما ظريف نفسه فقد اكتفى بنص على حسابه على الإنستغرام، أكد فيه أنه لن يتنازل عن قول الحق فيما يتعلق بالمصالح الوطنية، داعياً الجميع إلى العمل من أجل الله والشعب لا من أجل التاريخ.

وعلى مستوى التيار الإصلاحي، والتيارات السياسية المعتدلة؛ فإن الحوار كان فرصة للتركيز على ثنائية "الميدان والدبلوماسية"، والتأكيد على ازدواجية نظام الحكم بين الحرس الذي يمثل التيار المتشدد، والحكومة التي تمثل التيار المعتدل المنفتح على العالم؛ لتشكل بذلك الثنائية التي طرحها ظريف خلال حواره نقطه أساسية ضمن السجالات السياسية على أعتاب الاستحقاق الرئاسي.

وقد أحدث الحوار جدلاً في الساحة السياسية الأمريكية؛ إذ تطرق إلى محاولة جون كيري وزير خارجية إدارة أوباما إخبار نظيره الإيراني ببعض المعلومات الميدانية. وبينما اكتفت وزارة الخارجية الأمريكية بالتأكيد على أنه لا يمكن التأكد من صحة ما قاله الوزير الإيراني، فإن وزير الخارجية أنتوني بلينكن قال إن ادّعاء تمرير أخبار لظريف على يد جون كيري مهزلة لا تستحق التوقف عندها، وأشار كيري نفسه إلى أن ما ورد في حوار ظريف لا يمت إلى الحقيقة بصلة. أما على الجانب الجمهوري؛ اتهم وزير خارجية إدارة ترمب جون كيري بالعمالة لإيران من خلال تقديم استشارات لفريقها الدبلوماسي، وأكدت أطرافٌ جمهورية مساعيها لإقالة جون كيري، الذي يتولى حالياً مهمة المبعوث الخاص للرئيس لشؤون المناخ، على خلفية ما جاء في حوار ظريف.

من قامَ بالتسريب؟

في حين أن الرئيس روحاني طالب الأجهزة الأمنية بمتابعة موضوع تسريب الحوار، مؤكداً ضرورة الرد بحزم على تلك الجهات التي تقف خلف التسريب، فإن السؤال الأساسي يبقى عمَّن يقف خلف التسريب، وأسبابه:

الاحتمال الأول؛ يفترض أن تقف جهاتٍ من المتشددين (ومن ضمنها استخبارات الحرس الثوري) بتسريب الحوار إلى مصادر صحافية خارجية؛ حيث تناولت مصادر أن مقربين من أحمدي نجاد هم الذين حصلوا على الشريط قبل أيام من بثه في الصحافة، مبينة احتمال تورط هؤلاء في تسريبه. وهذا الاحتمال ينطلق من واقع أن تسريب الحوار كان خطوة كبيرة للحرس في إقصاء واحد من أهم منافسيه المحتملين من دائرة التنافس، والتمهيد لمرشح المحافظين لخوض معركة سهلة.

الاحتمال الثاني؛ يفترض أن الخارجية الإيرانية وجهاتٍ مقربة من محمد جواد ظريف هي التي سربت الحوار بداعي إعادة الرجل إلى مكانة البطل/الضحية، ومن ثم استخدام هذه المكانة من أجل خوض المعترك الرئاسي الذي لم يتم إلى الآن إقصاء الرجل منه. ويفترض هذا الاحتمال حسب مصادر أن الحوار كان قد تم إعداده لصالح الحملة الانتخابية لظريف التي تم تشكيلها بالفعل قبل أشهر، ويأتي تسريب الحوار بوصفه خطوة من ضمن الخطوات المنسق لها. لكن هذا الاحتمال يبقى ضعيفاً، أو أنه فشل على أقل تقدير، إذا أخذنا بالحسبان ردود فعل المحافظين؛ مما يزيد احتمال رفض أهلية ظريف، ويرجح إقصاءه من التنافس من خلال مجلس صيانة الدستور.

الاحتمال الثالث؛ يشير إلى تورط الحكومة أو جهاتٍ داخلها في تسريب الشريط الصوتي. الاحتمال الذي تؤكده أنباء عن تداول الشريط بين بعض الإصلاحيين (ومن ضمنهم نجل المعارض الإصلاحي مهدي كروبي الذي قال إنه حصل على أجزاء من الحوار قبل أيام من تسريبه إلى الصحافة)، وأنباء أخرى عن تسريبه إلى قناة وموقع "إيران إنترناشونال" عبر أحد الإصلاحيين الموجودين ضمن إدارتها يفترض أن جهات داخل الحكومة هي التي سربت الحوار في غير موعده لصالح مرشحين آخرين يرون في ظريف تحدياً يجب إقصاؤه، كما يفترض أن الحكومة ستجني فوائد لافتة من تسريبه لإبراز ثنائي المتشددين/المعتدلين ودفع الجهات الغربية نحو تقديم تنازلات سريعة بغية إنجاح الاتفاق في الفرصة المتبقية ليجعل ذلك الحكومة المستفيدة من تداعيات أي اتفاق مع أطراف الاتفاق النووي على حساب ظريف الذي تحول من بطل مفترض لأي تقدم على الصعيد النووي إلى ضحية لذلك. أما على الصعيد الداخلي، فإن هذا الاحتمال يفترض أن الحكومة تستفيد كثيراً من ثنائية المتشددين/المعتدلين لصالح حشد الشارع، ودعم موقفها في الاستحقاق الرئاسي والتملص من مسؤولية الانهيار الاقتصادي وإحالة المسؤولية على عاتق المتشددين المتحكمين بالميدان.

التداعيات المحتملة

من المرجح أن يكون لحوار ظريف تداعيات مهمة على الصعيد الداخلي، وعلى الصعيد الدولي، بوصفه حواراً يتطرق إلى قضايا تشغل بال الشارع الإيراني، ويتطرق إلى أسئلة انشغل بها المجال السياسي الإيراني خلال الأعوام الماضية، وبوصفه حواراً جاء في لحظة مهمة على أعتاب الانتخابات الرئاسية، وأثناء مفاوضات نووية، بحيث:

  • قد يحمل حوار ظريف المسرب إلى الصحافة تداعيات سلبية على المفاوضات النووية، وخصوصاً على موقف روسيا من إيران، بالنظر إلى تأكيد ظريف أن روسيا لم تكن من الأساس تفضل إنجاز الاتفاق النووي وانفتاح إيران على الغرب وعلى الولايات المتحدة. وفي حين شهدت الفترة المنصرمة انخفاضاً في مواقف روسيا حيال العودة إلى الاتفاق النووي، وإنهاء العقوبات، فإن المعطيات من فيينا أشارت بعد تسريب الحوار إلى محاولات إيران للتأكيد على أن تناسقاً تامّاً بين المواقف الإيرانية والروسية قائم حيال الملفات المطروحة؛ ما يدل بحد ذاته على القلق من تأثير الحوار على الموقف الروسي. لكن الحوار قد يحمل تداعيات إيجابية على تسريع المفاوضات النووية حسب تخطيط الحكومة الإيرانية على الأقل، والتي تحاول توظيف ثنائية المتشددين/المعتدلين التي ركز عليها ظريف في الحوار ساعية إلى إخافة الجانب الغربي من عواقب الأمور لو انتهى الأمر بيد المتشددين الذين يعطون الأولوية للاستراتيجيات الميدانية على حساب الدبلوماسية، ملوحة إلى أن نافذة الدبلوماسية ستغلق مع نهاية حكومة روحاني من أجل دفع الجانب الغربي والأمريكي نحو تقديم تنازلات سريعة لإنجاح الاتفاق النووي.
  • في حين أن التيار الإصلاحي والتيار المعتدل المقربينِ من الحكومة كانا في موقف ضعف جماهيري بسبب عزوف الشارع عن التصويت، وبسبب الأداء الاقتصادي الضعيف للحكومة، فإن ثنائية "الميدان/الدبلوماسية"، والتي يمكن أن تتم ترجمتها إلى ثنائية "المتشددين/الإصلاحيين"، قد تمنح هذين التيارين زخماً خلال الانتخابات المقبلة، خصوصاً أنها تقدم لهم مبررات للقصور الاقتصادي؛ إذ ترمي بالكرة في ملعب المتشددين المسيطرين على الساحة السياسية، والذين يقفون دون فتح المجال أمام العالم، وتأثير ذلك على تحسن الوضع الاقتصادي. وتشير المعطيات خلال الأسبوع الذي مر على التسريب إلى أن التيار الإصلاحي حاول التركيز خلال هذه الفترة على ثنائية "المتشددين/ الإصلاحيين" بوصفها بؤرة خطابه السياسي على أعتاب الاستحقاق الرئاسي.
  • ومن المفترض أن تكون النتيجة الصريحة للحوار المسرب إبعاد ظريف من دائرة الترشيحات بعد أن كانت المعطيات تشير إلى صعود نجمه داخل الأروقة الإصلاحية والمعتدلة بوصفه المرشح بالإجماع مقابل المحافظين، وتشير مصادر إلى أن الحوار أجري بالأساس ليتم استخدامه في حملة دعائية للرجل. ورغم أن الحديث ظل جارياً عن ترشيحه حتى بعد تسريب الحوار، إلا أنه انخفض وأصبح خجولاً جداً، كما أن الهجوم الواسع الذي تبع الحوار المسرب يرجح إلى حد كبير إبعاده من المنافسة على يد مراكز التزكية إذا كان لا يزال ينوي الترشح أساساً. وبهذا الصدد يمكن القول إن جهات مختلفة، وليس التيار المحافظ وحده، ستنتفع من تسبُّب الحوار المُسرَّب في إقصاء ظريف، ومنها الحكومة. وقد حاول المحافظون الذين يتبعون استراتيجية "صفر منافسين" قبل بدء المعركة الانتخابية (إذ في إطار هذه الاستراتيجية تم إقصاء حسن الخميني على يد خامنئي نفسه بعد أن جرت أحاديث عن إجماع الإصلاحيين على ترشيحه) استخدام الموقف لرفع كفة احتمال إقصاء ظريف الذي كان يشكل خطراً لمرشحهم لما لديه من شعبية في الشارع، وإجماع داخل خط التيارات الإصلاحية. لكن تيارات في الحكومة تستفيد من الموضوع لإقصاء ظريف الذي يمثل رقماً صعباً من دائرة التنافس الداخلي على الترشيح على حساب مرشحين آخرين؛ من ضمنهم محسن هاشمي نجل الرئيس أكبر هاشمي رفسنجاني. ويخدم تسريب الحوار إلى حد بعيد مصالح الحكومة (والتيار الإصلاحي كذلك) حين يبرز ثنائية المتشددين/المعتدلين من جديد لتستفيد منها الحكومة على الصعيد الدولي، وتستفيد منها التيارات الإصلاحية والمعتدلة على الصعيد الداخلي.
  • هذا إلى جانب تداعيات ضمنية أخرى، من ضمنها التركيز على الضعف الاستخباراتي الذي أدى إلى تسريب شريط حوار أعدته مؤسسة حكومية مُؤكدةً أنه ليس للنشر.

سيناريوهات