الصراع بين قيس سعيّد وحركة النهضة في تونس: الدوافع والمسارات المحتملة

أحمد نظيف | 30 أبريل 2021

تصاعدت الخلافات، التي بدأت بين الرئيس التونسي قيس سعيّد وحركة النهضة الإسلامية - صاحبة الأغلبية البرلمانية - منذ أكثر من عام، لتتحول إلى صراع معلن بين الطرفين وتراشق إعلامي بالبيانات والتصريحات، في ظل أزمة متعددة الأبعاد تعيشها البلاد على كافة الأصعدة السياسية والاقتصادية، عمَّقتها الموجة الثالثة القوية من جائحة كورونا.

تسعى هذه الورقة إلى تحليل طبيعة هذا الصراع بين الطرفين من خلال رصد مؤشراته، والكشف عن دوافعه وجذوره، ومحاولة توقُّع المسارات المحتملة لتطوره مستقبلاً.

مؤشرات الصراع

في خلال الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية التونسية، خريف العام 2019، دعمت حركة النهضة بقوة المرشح للدور الثاني قيس سعيّد في مواجهة حليفها الحالي، رجل الأعمال المتهم بالفساد، نبيل القروي. لكن الصورة انقلبت جذرياً بعد صعود الرئيس سعيّد إلى قصر قرطاج، ومنذ أيامه الأولى في السلطة بدأت مؤشرات الخلاف بين الطرفين في البروز إلى السطح لتأخذ منعرجاً صدامياً منذ أشهر، ويمكن حصر هذه المؤشرات في الآتي:

  • منذ بداية العام الماضي 2020 نشب نزاع بين الرئيس سعيّد ورئيس حركة النهضة راشد الغنوشي حول صلاحيات الغنوشي بوصفه رئيساً للبرلمان، إذ أصدر الغنوشي بيانات تتعلق بمواقف تونس من القضايا الخارجية، وهي مِنْ صُلْب مهام رئيس الجمهورية وفقاً للدستور التونسي، وخاصة المواقف التي أطلقها الغنوشي فيما يتعلق بالصراع في ليبيا حينذاك، محاولاً استعمال موقعه في البرلمان لدعم الإسلاميين في طرابلس الغرب، وقد حسم سعيّد النزاع بأن أعلن في خطاب رسمي له بأن "تونس لديها رئيس واحد في الداخل والخارج"[1].
  • في 4 أبريل 2021 ردّ الرئيس التونسي قانون المحكمة الدستورية إلى مجلس النواب بعد أيام من تعديلات أجراها البرلمان على القانون، تشمل تخفيض الغالبية المطلوبة لانتخاب أعضائها من 145 إلى 131 نائباً، وهي تعديلات جاءت في صالح حركة النهضة والائتلاف البرلماني الحاكم، حيث استشعر سعيد أن الغرض من الإسراع في تركيز المحكمة الدستورية هو محاولة تنحيته عن منصبه، باعتبار أن المحكمة الدستورية هي الجهة القضائية الوحيدة القادرة على فصْل النزاعات بين السلطات، ولديها السلطة الحصرية لعزل الرئيس عن منصبه وفقاً للفصل 88 من الدستور التونسي.[2]
  • في 9 أبريل 2021 توجَّه الرئيس التونسي إلى مصر في زيارة رسمية دامت ثلاثة أيام، أثارت جدلاً واسعاً في الداخل التونسي وواجهتها حركة النهضة من خلال شبكتها الإعلامية بسيل من الهجمات والشَّجْب، لجهة العداء التاريخي بين النظام السياسي المصري وجماعة الإخوان المسلمين، التي تمثل حركة النهضة أحد امتداداتها الخارجية.
  • في 12 أبريل 2021، وعشية شهر رمضان، اختار الرئيس التونسي جامع الزيتونة، بما يحمله من رمزية دينية وتاريخية، ليشنَّ هجوماً عنيفاً ضد تيار الإسلام السياسي، وقال في خطاب من باحة الجامع: "الله توجَّه إلى المسلمين والمؤمنين وليس إلى الإسلاميين، والنبي إبراهيم كان مسلماً ولم يكن إسلامياً. نحن مسلمون والحمد لله على نعمة الإسلام ولسنا إسلاميين، هذا الفرق وهذه المناورة الكبرى التي يقصد منها تفريق المجتمع. لم تكن القضية قضية إسلام وغير إسلام".[3]
  • في 18 أبريل 2021 أعلن الرئيس التونسي، في خطاب بمناسبة ذكرى تأسيس قوات الأمن الداخلي حضره رئيس البرلمان ورئيس حركة النهضة راشد الغنوشي، أن صلاحياته كقائد أعلى للقوات المسلحة تشمل أيضاً قوات الأمن الداخلي وليس الجيش فقط، وانتقد سعيّد ضمنياً تراكم قضايا الفساد التي تشمل قيادات سياسية في المحاكم دون أن تصدر فيها أحكام، ودعا إلى تطبيق القانون على الجميع دون استثناء، لا بالمال ولا بالعلاقات مع الخارج ولا بالمصاهرة ولا بالنسب، في إشارة واضحة لقضية الفساد التي يُلاحَق فيها صهر الغنوشي، وزير الخارجية السابق رفيق عبد السلام، منذ العام 2012 دون حسم.[4]
  •   في 20 أبريل 2021 أصدرت حركة النهضة بياناً اتهمت فيه الرئيس قيس سعيّد "بتهديد الديموقراطية وبالنزعة التسلطية"، ودعته إلى أن "يتوقّف عن كل مسعى لتعطيل دواليب الدولة وتفكيكها". كما اعتبرت إعلانه قيادة قوات الأمن الداخلي "دوساً على الدستور وقوانين البلاد، وتعدياً على النظام السياسي، وعلى صلاحيات رئيس الحكومة"[5].

الدوافع

على الرغم من علاقة الود التي كانت تربط الرئيس قيس سعيّد بحركة النهضة قبل وصوله إلى السلطة، والدعم الانتخابي الذي أعلنت عنه النهضة لسعيّد خلال الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية إلا أن كل ذلك قد تحوَّل إلى الضد في أعقاب وصول سعيّد إلى السلطة. ويمكن حصر دوافع الصراع الحالي في ثلاثة أسباب رئيسة:

1. نزعة الهيمنة التي تتميز بها حركة النهضة، إذ لجأت الحركة منذ عودتها للعمل السياسي في العام 2011 إلى تكتيك عدم الحكم منفردة والسعي إلى عقد تحالفات مع الأحزاب والرؤساء، من أجل استعمالهم في توطيد دعائم حكمها، ويبدو أن قيس سعيّد قد استشعر منذ بداية عهده بالسلطة هذا التوجه من حركة النهضة للسيطرة على الدولة باعتماد نفس الآليات التي اشتغلت بها خلال العشر سنوات الماضية مع الرئيسين المنصف المرزوقي والباجي قائد السبسي، القائمة على التوافق والمساومة وتقاسم السلطة ومنافعها. وقد دأبت الحركة على استعمال أغلبيتها البرلمانية في الاستقواء على الرئاسة خلال السنوات الماضية، ولذا توجَّه الرئيس سعيّد نحو استعمال صلاحيته مُعتمداً على الدستور، وعلى قاعدة شعبية ما زالت قوية وفقاً لأغلب استطلاعات الرأي[6].

2. عدم تقدير حركة النهضة بشكل دقيق لتوجهات الرئيس سعيّد، إذ يبدو أن الرئيس من ذوي التوجهات المحافظة لذلك اعتقدت أنها ستكون في وضع أسهل مما كانت عليه خلال حكم الباجي قائد السبسي، إلا أن محافظة قيس سعيّد ليست لها امتدادات سياسية، وقد بدا واضحاً أن الرجل أبعد ما يكون عن تيار الإسلام السياسي، سواء في خطابه أو في سلوكه السياسي، وهذا الأمر بَعثَر الكثير من أوراق الحركة الإسلامية.

3. تعارُض المرجعيات السياسية، حيث يأتي سعيّد من مرجعية سياسية ترفض بشكل جذري الحياة السياسية القائمة على العمل الحزبي والديمقراطية التمثيلية غير المباشرة، ويسعى إلى تغيير نظام الحكم نحو ديمقراطية أفقية تقوم على التمثيل المحلي ثم الجهوي وصولاً إلى التمثيل البرلماني. كما يبدو أنه يريد تعزيز صلاحيات رئيس الجمهورية المحدودة وفقاً لدستور 2014. وفي المقابل تريد حركة النهضة المحافظة على شكل النظام الحالي، الذي وضعته بنفسها عندما كانت صاحبة الأغلبية في المجلس التأسيسي (2011-2014)، والذي يمنحها هامش مناورة سياسية واسعاً، ويُمكِّنها من البقاء في السلطة.

المسارات المحتملة

على الرغم من صعوبة توقع المسارات المحتملة لتطور الصراع بين حركة النهضة والرئيس قيس سعيّد، إلا أنه يمكن حصْر هذه المسارات في أربعة سيناريوهات رئيسة:

السيناريو الأول، إحياء مبادرة الحوار الوطني، التي طرحها الاتحاد العام التونسي للشغل في بداية العام الحالي، والتي قبلها الرئيس سعيّد وبقية الأحزاب السياسية لبحث عن حلول جذرية لنزاع الصلاحيات وللحسم في قضية رئاسة الحكومة، إذ لا يزال الرئيس يرفض إقرار التعديل الوزاري الذي أجراه هشام المشيشي بدعم من حركة النهضة في 16 يناير الماضي. وإذ يبدو هذا السيناريو بعيداً في سياق تصاعُد الصراع إلا أنه يبقى متوقعاً، خاصة وأن مثل هذه المبادرة هي التي حسمت الخلافات بين حركة النهضة والمعارضة في عام 2013، في أعقاب اغتيال النائب محمد البراهمي.

السيناريو الثاني، التوصُّل إلى تسوية ثنائية بين حركة النهضة والرئيس قيس سعيّد من خلال تخلي النهضة عن حكومة هشام المشيشي، وفي هذه سيكون للرئيس قيس سعيّد أحقية أن يختار من جديد الشخصية الأقدر لرئاسة الحكومة، وفق ما ينص عليه الفصل 98 من الدستور التونسي. ويبدو أن جناحاً داخل حركة النهضة يسعى إلى السير في هذا السيناريو، حيث كشف القيادي في الحركة العجمي الوريمي عن مشاورات تجريها الحركة مع أطراف سياسية أخرى من أجل تسوية سياسية لإنهاء الخلاف القائم، ودعا القيادي في النهضة، عماد الحمامي، إلى تقديم تنازلات وتحكيم لغة العقل والحوار، مشيراً إلى تأييده تخلي الحركة عن رئيس الحكومة هشام المشيشي[7].

السيناريو الثالث، توجُّه الطرفان نحو خطوات تصعيدية يمكن أن يستعمل فيها الرئيس صلاحياته الدستورية برفْض توقيع القوانين أو الإيعاز إلى القضاء العسكري بالتعهُّد بملفات قضائية حساسة تتعلق بحركة النهضة مثل قضية الجهاز السري، التي تُراوح مكانها في القضاء المدني منذ حوالي ثلاث سنوات، وقضية التمويل الأجنبي وتبييض الأموال التي رفعها ضد الحركة وزير مكافحة الفساد السابق محمد عبو في سبتمبر 2020. وفي المقابل، ما زالت حركة النهضة تملك أوراق قوة عديدة مثل الأغلبية البرلمانية، وسيطرتها على الحكومة، وحضور قوي في الشارع.

السيناريو الرابع، بقاء الوضع على ما هو عليه، ويبدو هذا السيناريو الأكثر كارثية على البلاد في ظل ما تعيشه من أزمة اقتصادية خانقة عمَّقت من آثارها الجائحة الصحية، وحِدّة الموجة الثالثة من الوباء.

ويبدو السيناريوهان الأول والثاني الأكثر واقعية وإمكانية للتحقق بالنظر إلى تعذُّر حسم الصراع لصالح أحد الطرفين؛ فلا حركة النهضة قادرة في الوقت الحالي على السيطرة الكلية على الدولة، ولا الرئيس قيس سعيّد قادر على ازاحة النهضة في ظل امتلاكها للأغلبية البرلمانية، ويبدو أن التوجُّه نحو تسوية عن طريق الحوار الوطني الجامع قد يُشكِّل خطوة ممكنة للخروج من حالة العطالة التي تشلّ البلاد، وعلى نحوٍ يحفظ ماء الوجه للطرفين، ويمكن أن تقود أيضاً - وهذا الأهم - إلى انتخابات تشريعية مبكرة تُغير المشهد السياسي القائم جذرياً، خاصة في ظل الصعود القوي للحزب الحرّ الدستوري بقيادة عبير موسي، ومحافظة الرئيس قيس سعيّد على شعبيته وفقاً لاستطلاعات الرأي في مقابل تراجُع واضح لحركة النهضة وحلفائها.

خلاصة

تصاعَد الصراع بين حركة النهضة الإسلامية والرئيس التونسي قيس سعيّد خلال الآونة الأخيرة بشكل غير مسبوق، حيث تعمَّقت نزاعات الصلاحيات بين الرئيس سعيّد ورئيس البرلمان راشد الغنوشي، كما رفض سعيّد التوقيع على قانون المحكمة الدستورية التي تحاول النهضة تكريسها كسلاح في مواجهة الرئيس أو حتى الذهاب في مسار عزله عن السلطة، ليأتي إعلان سعيّد نفسه قائداً للقوات المسلحة المدنية ليزيد من حدة الصراع بين الطرفين، إذ وصفت حركة النهضة هذه الخطوة بالتسلُّطية.

وتعود جذور الصراع إلى نزعة الهيمنة التي تدير بها حركة النهضة الشأن السياسي منذ أكثر من عشر سنوات، لكنها وجدت رئيساً من خارج الطبقة السياسية التقليدية لا يقبل المساواة أو الحلول التوافقية، ويسعى إلى تغيير نظام الحكم الذي كرَّسته وتريد له البقاء للمحافظة على مصالحها السياسية.

وعلى الرغم من صعوبة توقُّع المسارات المحتملة لتطور الصراع بين الطرفين، إلا أنه يمكن حصْر هذه المسارات في إمكانية التوصل إلى تسوية، سواء عن طريق آلية الحوار الوطني المدعوم من المركزية النقابية القوية أو من خلال تسوية ثنائية، أو التصعيد عبر استعمال كل طرفٍ لصلاحياته الدستورية، فيما يبدو خيار التسوية أو الذهاب نحو حوار وطني يُفضي إلى انتخابات مبكرة الأكثر واقعية في ظل ما تعيشه البلاد من أزمات اقتصادية وسياسية وصحية حادة.

الهوامش

[1] "قيس سعيد: لتونس رئيس واحد يمثلها في الداخل والخارج"، سكاي نيوز عربية، 24 مايو 2020. https://bit.ly/3aKLIxO

[2] ينص الفصل 88 من الدستور التونسي على أنه "يمكن لأغلبية أعضاء مجلس نواب الشعب، المبادرة بلائحة معللة لإعفاء الرئيس من أجل الخرق الجسيم للدستور، ويوافق عليها المجلس بأغلبية الثلثين من أعضائه، وتقع الإحالة للمحكمة الدستورية للبت في ذلك بأغلبية الثلثين من أعضائها".

[3] كلمة الرئيس التونسي قيس سعيّد من جامع الزيتونة، متاحة على الرابط: https://www.facebook.com/watch/?v=279481080514244 

[4] "الرئيس التونسي يواصل هجومه على الحكومة وحركة النهضة"، سكاي نيوز عربية، 20 أبريل 2021. https://bit.ly/3ve676N  

[5] "حركة النهضة تتهم الرئيس التونسي بالنزعة "التسلطية""، إرم نيوز، 20 أبريل 2021.https://www.eremnews.com/news/maghreb-news/2319043

[6] أحمد نظيف، "الأزمة السياسية في تونس وآفاقها المستقبلية"، مركز الإمارات للسياسات، 13 فبراير 2021. https://epc.ae/ar/topic/future-prospects-of-tunisias-political-crisis

[7] "حركة النهضة تخطط لمقايضة تلتفّ بها على جوهر الأزمة في تونس"، العرب الدولية، 23 أبريل 2021. https://bit.ly/3xgmC4a

 

سيناريوهات