أزمة تمديد ولاية الرئيس الصومالي ومساراتها المحتملة

صهيب عبد الرحمن | 27 أبريل 2021

دخلت أزمة الانتخابات الصومالية مرحلة جديدة من التأزّم بعد تصديق مجلس النواب على مشروع تمديد ولاية الرئيس محمد عبد الله محمد، المعروف باسم فرماجو، لمدة عامين في جلسة عُقِدت على عجل في 12 أبريل الجاري، وسط رفض كبير من المعارضة والشارع الصومالي، والشركاء الدوليين الذين أصدروا بيانات متتالية تُدين الخطوة.

وفي ظل رفض فرماجو حتى الآن هذه الدعوات، وازدياد التجاذبات بين القوى السياسية وعجزها عن التوصل إلى حل، من المتوقع أن تشهد الصومال موجة عنف جديدة تُهدد بنسف المكاسب التي أحرزتها البلاد في العقد الأخير.[1]

تزايُد الاحتقان السياسي والأمني بعد قرار التمديد

في جلسة حضرها 153 نائباً من أصل 275 عضواً، صوّت البرلمان الصومالي، على مسودة مشروع قانون لإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية مباشرة في غضون عامين. ويُلغي القانون، الذي وقَّع عليه الرئيس فرماجو في 14 أبريل الجاري، اتفاقية 17 سبتمبر 2020 التي توصلت إليها المعارضة الصومالية مع فرماجو بعد شهور من الاحتقان السياسي، وتنص على إجراء انتخابات غير مباشرة قبل انتهاء ولايته.[2] كما يتجاهل القانون تحذيرات المجتمع الدولي لفرماجو، ومطالبة المعارضة بإجراء انتخابات توافقية، فضلاً عن أنه يهدد بدخول البلاد في نفق مظلم.

ومنذ انتهاء ولاية فرماجو في 8 فبراير الماضي، طالبت المعارضة بتسليم السلطة إلى حكومة تصريف أعمال برئاسة رئيس الوزراء، وقوبلت هذه المطالب بالرفض من قبل الرئيس، كما واجهت الأجهزة الأمنية مظاهرات سلمية تنادي بتسليم السلطة بالقوة المميتة، متسببة في مقتل ثمانية من المتظاهرين.[3] وفي بداية مارس الماضي، انخرطت الأطراف في محادثات بضغط من الشركاء الدوليين، لكنهم اختلفوا حول مكان الاجتماع وجدول الأعمال والترتيبات الأمنية، واجتمعوا أخيراً في 3 أبريل في مطار مقديشو الدولي، الذي تحرسه قوات من الاتحاد الأفريقي، إلا أن المفاوضات انهارت بعد أربعة أيام من انطلاقتها، وتبادلت الحكومة وأطرف المعارضة الاتهامات بإفشال المحادثات.[4]

وفي ضوء ذلك ارتفعت التوترات السياسية في البلاد إلى مستويات غير مسبوقة، مع تزايد احتمالات تحولها إلى أعمال عنف، إذ أدى قرار التمديد إلى زعزعة مستويات الثقة بين اللاعبين السياسيين المتنافسين على السلطة، حيث احتشد معارضو فرماجو المنضوين في مجلس اتحاد مرشحي الرئاسة (وهو تحالف يضم رئيسين سابقين ورئيس وزراء سابق، ويمثلون المجموعات العشائرية التي تهمين على العاصمة)، مع رؤساء ولايات بونتلاند وجوبالاند، بالإضافة إلى مجلس الشيوخ، وشكلوا "منتدى الإنقاذ الوطني"، برئاسة زعيم مجلس الشيوخ عبدي حاشي، وشجبوا بشدة تمديد ولاية فرماجو، وتعهَّدوا باتخاذ إجراءات تصعيدية من قبيل عقد انتخابات موازية.

وفضلاً عن ذلك، تُشكل الأزمة الحالية تحدياً حقيقياً لتماسك الجيش والشرطة الصوماليين الهشين، فقبل ساعات من انعقاد البرلمان للتصويت على التمديد، ظهر قائد شرطة مقديشو صادق "جون" عمر في بث مسجل، وندد بما وصفه "اغتصاب للسلطة"، وأمر رجاله بإغلاق مدخل مبنى البرلمان، بحجة انتهاء مدته القانونية.[5] لكنه سُرعان ما أقيل من منصبه، وأرسلت الحكومة قوات خاصة لتأمين المكان، كما حاولت إلقاء القبض على الجنرال المقال، الذي يتمركز في حي هودن؛ معقل عشيرته (هبرغدر). وقد خلق هذا التوتر اصطفافات عشائرية في داخل الجيش، ما يعيد البلاد إلى أجواء الحروب العشائرية إبان بداية التسعينيات.[6] وفي السياق نفسه، انشقّ منذ إعلان التمديد عددٌ من وحدات من القوات الموالية لفرماجو، وتمركزت في معاقل عشائرها. كما أخبرت مصادر أمنية مطلعة مجموعة الأزمات الدولية أن أي محاولة من جانب السلطات لنزع سلاحها سيؤدي إلى اندلاع قتال مسلّح،[7] وبالتالي فمن الوراد أن يزداد خطر تفاقم هذه الانقسامات في حال طال أمد الأزمة، وتعزيز المخاوف من إمكانية عودة شبح الحرب الأهلية.

المواقف الدولية

 في 11 أبريل الجاري، أصدرت القوى الدولية المؤثرة في الصومال مثل الأمم المتحدة، والهيئة الحكومية للتنمية "إيغاد"، والاتحادان الأفريقي والأوروبي، إضافة إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وبريطانيا، وكندا و10 دول أوروبية و3 أفريقية بياناً مشتركاً يرفض قرار التمديد، ويطالب بالعودة إلى طاولة المفاوضات بشكل فوري.[8] ولاحقاً، عقد مجلس الأمن الدولي جلسة غير رسمية في 21 أبريل لبحث تطورات الوضع في الصومال، وناشد عدد من الدول الأعضاء القيادة الصومالية بالعودة إلى اجتماع مجمع حلني بمقديشو للتوصل إلى اتفاق بشأن عقد الانتخابات الرئاسية والبرلمانية بناء على اتفاق 17 سبتمبر 2020.

وأبدى مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي التزامه باتفاق 17 سبتمبر، الذي يحظى بتأييد واسع من الطيف السياسي، ورأى أن قرار تمديد ولاية الرئيس فرماجو يرقى إلى مستوى تغيير غير دستوري وفقاً للقانون التأسيسي للاتحاد الأفريقي والأحكام ذات الصلة من الميثاق الأفريقي للديمقراطية والانتخابات والحكم. وكان فرماجو يعول على إيجاد دعم من الاتحاد، ولذلك قام بزيارة عاجلة إلى كينشاسا عاصمة جمهورية الكونغو الديمقراطية قبل يوم من الاجتماع الافتراضي للاتحاد، والتقى بنظيره فيليكس تشيسكيدي، الذي يتولى رئاسة الاتحاد الأفريقي لهذه الدورة.[9]

وأحجم الشركاء الدوليون للصومال في الشهور الماضية عن التدخل وكسر الجمود الانتخابي، لأسباب ليس أقلها إصرار الحكومة على أنها تستطيع التوصل إلى حلٍّ من خلال المحادثات التي تقودها. ومن الواضح الآن، أن هذا الادعاء لم يعد قائماً؛ فالأزمة الحالية والمتصاعدة تُهدد بإلغاء كل التقدم المحرز في مسار تحقيق الاستقرار السياسي في الصومال على مدى العقدين الماضيين. علاوة على أن الجمود السياسي والتجاذبات بين القوى الأمنية الموالية للأطراف المتنافسة أتاحا فرصة جديدة لمقاتلي حركة الشباب المجاهدين، لتصعيد تحركاتهم وهجماتهم الإرهابية، مستغلين عوامل متعددة أخرى من بينها الانسحاب الجزئي للقوات الإثيوبية والأمريكية من الصومال في نهاية عام 2020.

المسارات المحتملة للأزمة

بالنظر إلى ردود الفعل المحلية والدولية القوية على قرار التمديد، وما تلاه من تطورات سياسية وأمنية في الصومال، يمكن توقُّع ثلاثة مسارات مستقبلية محتملة للأزمة الحالية:

1. تراجُع الرئيس فرماجو عن التمديد تحت الضغط الدولي

في ظل الرفض الدولي الواسع لقرار التمديد، من الممكن أن يتراجع الرئيس فرماجو عنه في نهاية المطاف. فقد أبدت الولايات المتحدة استعدادها لاتخاذ إجراءات عقابية، وحثَّت الجهات الفاعلة الرئيسة على تغيير المسار استجابة للتطورات الأخيرة. كما وعد الاتحاد الأوروبي باتخاذ "إجراءات ملموسة" إذا لم تقم السلطات الصومالية بإلغاء قانون التمديد. ومن الممكن أن يترجح هذا المسار/السيناريو في حال شروع الولايات المتحدة عملياً بفرض حظر التأشيرات وتجميد الأصول على أعضاء حكومة مقديشو، وهذه خطوة تتخوف منها الحكومة، لذا استأجر الرئيس فرماجو شركة علاقات عامة للتواصل مع بعض أعضاء الكونغرس الأمريكي.[10]

ومن الوراد أن يتعزز هذا الخيار في حال طرح الشركاء الدوليون مبادرة عبر الاتحاد الأفريقي للتوسُّط بين الحكومة وأطراف المعارضة، بهدف العودة إلى اتفاقية 17 سبتمبر، مع تحديد إطار زمني جديد للانتخابات في غضون أسابيع وليس أشهر، خاصة وأن الانتخابات غير المباشرة تبدو الطريقة الوحيدة الممكنة لإجراء تصويت في الظروف الأمنية الحالية، إذ تسيطر حركة الشباب على مساحات كبيرة من الأراضي في جنوب البلاد. ويتوقف هذا الخيار على مدى العقوبات التي قد تُفرَض على الحكومة، والتي قد يكون من بينها اللجوء إلى خفْض التمثيل الدبلوماسي.

2. تمسُّك الرئيس الصومالي بقانون التمديد

في هذا المسار، سيمضي الرئيس فرماجو في محاولته الترويج لاستخدام مبدأ "شخص واحد وصوت واحد" كذريعة لتأجيل الانتخابات،[11] بالتوازي مع استمراره رفض الدعوات الدولية للتخلي عن قانون التمديد، ووصفها بأنها تدخل في شؤون بلاده، وهو ما قد يجد له بعض الصدى شعبياً بالنظر إلى تاريخ التدخلات الأجنبية السلبية والطويلة الأمد في الشأن الصومالي. كما يسند قرار التمديد تأويل دستوري يعطي مجلس النواب صلاحية العمل لحين اختيار برلمان بديل، وفي ظل تصديق أحد غرف البرلمان على قرار التمديد، فإن هذا سيدفع فرماجو إلى التمسك بموقفه. ومن ناحية أخرى، يراهن فرماجو على دعم ثلاث دول أحجمت على توقيع البيان الدولي المشترك المعارض لقانون التمديد لولايته الرئاسية، وهي تركيا، وقطر، وإثيوبيا.

3. حرب أهلية جديدة

أمام الانسداد الحالي، وفي ظل رفض الحكومة لكل الدعوات الدولية، قد تتجه الصومال إلى حرب أهلية جديدة، لاسيما في ظل الاشتباكات المسلحة التي دارت في العاصمة الصومالية مقديشو أخيراً. وتجعل الانشقاقات البارزة في الجيش على أسس عشائرية مسألة نشوب مثل هذه الحرب مسألة وقت، خصوصاً أن الجنرال صادق جون، مدير شرطة العاصمة السابقة الذي أعلنت الحكومة الصومالية إقالته من منصبه وتجريده من رتبته العسكرية، بدأ بالتمركز في منطقة “شيركولي” في مقديشو؛ معقل عشيرته. ومنذ تمرده كان هناك زيادة في النشاط العسكري في المدينة. ففي استجابة تصعيدية؛ قام الرؤساء السابقون شريف شيخ أحمد وحسن شيخ محمود بتحركات عسكرية في أحياء المدينة، حيث تمركز الأول في منزل في مديرية عبد العزيز ليس بعيداً عن منزل آخر انتقل إليه قبل أيام الرئيس السابق حسن شيخ محمود. ويؤكد كل هذا إلى خطورة الوضع الجديد الذي تتجه إليه الأمور، وهي العودة إلى مربع الحرب العشائرية التي اندلعت في تسعينيات القرن الماضي.

خلاصة واستنتاجات

انعكست أزمة تمديد ولاية الرئيس الصومالي محمد عبدالله فرماجو بطرق سلبية على وضع البلاد الهش؛ فبالإضافة إلى شروع الجيش بالتفكك والانقسام، وضعت هذه الخطوة تحدياً غير مسبوق في علاقة الصومال مع شركائه الدوليين، خاصة الدول الأوروبية التي تدعم ميزانية الحكومة الصومالية منذ عقد من الزمن، إذ من المتوقع أن تتوقف المعونات المالية لمباشرة للحكومة المركزية ولمؤسسات الدولة، في حال استمرت الأزمة القائمة.

وبالنظر إلى إظهار المعارضة الصومالية تصميمها على مواجهة الرئيس فرماجو وتعبئة سكان المدينة ضده، فإن المأزق الراهن يمكن أن يتحول بسهولة إلى عنف واسع النطاق في أية لحظة، وهو ما يهدّد بخسارة المكاسب التي أحرزتها الصومال في السنوات الأخيرة. ويبقى التراجع عن قرار التمديد الخيار الوحيد المتبقي أمام فرماجو، خصوصاً أن معظم المواقف الدولية تُلِحّ على ذلك، إلا أن هذا يبقى مرهوناً بممارسة المجتمع الدولي مزيداً من الضغط على الرئاسة الصومالية ومسؤولي الحكومة المنتهية ولايتها.

الهوامش

[1] Declan Walsh, “Somalia’s President Extends Term by Two Years, Drawing Condemnation”. Available at: https://nyti.ms/3ne5kjE

[2] “SOMALI LAWMAKERS VOTE TO EXTEND PRESIDENTIAL TERM FOR UP TO TWO YEARS”. Available at: https://bit.ly/3tKnNGV

[3] “Gunfire at Mogadishu Protest Intensifies Somali Election Impasse”. Available at:  https://nyti.ms/3azvUi7

[4] “No progress in agenda setting as Somali leaders try to unlock Electoral impasse”. Available at: http://bit.ly/3sPLMTV

[5] "Benadir Police Chief Sadiq John Sacked After Calling PM Roble To Take Over Somalia Leadership”. Available at: https://bit.ly/2QWk62s

[6] تتزايد أهمية هذه النقطة بالنظر إلى أن الرئيس فرماجو والديكتاتور السابق سياد بري ينتمون إلى نفس العشيرة، وهما الرئيسان الوحيدان في تاريخ السياسي الصومال اللذان تمسكا بالحكم بصفة غير قانونية. وثمة عامل قد يؤدي إلى تفجر الوضع الحالي، وهو إيواء الحكومة للجنرال عبد الرشيد جنن، وهو وزير منشق من حكومة جوبلاند، وتتهمه منظمة العفو الدولية بارتكاب مجازر. وهو ينتمي أيضاً إلى نفس عشيرة الرئيس؛ وهذا من شأنه أن يغذي حالة الاستقطاب العشائري الحاد في البلاد.

[7] “Somalia: Averting a Descent into Political Violence”. Available at” https://bit.ly/3dQLVCm

[8] JOINT COMMUNIQUE ON THE SITUATION IN SOMALIA (AU, EU, IGAD and UN) 11/04/202, available at: https://bit.ly/3tZYEba

[9] “President Farmajo Visits in Democratic Republic of Congo”. Available at: https://bit.ly/3xi2izz

[10] "Embattled Somali president hires lobby shop for US visit," available at: https://bit.ly/32HkEM6

[11] US State Department Indicts Somalia’s Fascist President & His Quasi-Intelligence Service (NISA) of War Crimes, Corruption, and Clinging to Power, available at: https://bit.ly/3tI17qN

 

سيناريوهات