آفاق خارطة الطريق في ليبيا: السيناريوهات المحتملة

بلال عبد الله | 13 أبريل 2021

على الرغم من قدرة حكومة عبد الحميد الدبيبة على نيل ثقة البرلمان الليبي، في جلسة موحدة غير مسبوقة خلال الأسبوع الثاني من مارس الماضي، إلا أن تنصيب القيادات الجديدة المنتخبة عبر ملتقى الحوار لا يمثل ضمانة كافية لاستكمال تنفيذ خارطة الطريق المعلن عنها، في ضوء وجود عراقيل أخرى تحوُل دون الالتزام بالجدول الزمني، والذي يقضي بتنظيم انتخابات رئاسية وبرلمانية في 24 ديسمبر 2021.

تسعى هذه الورقة إلى مقاربة الفشل المحتمل للالتزام بتنفيذ خارطة الطريق في ليبيا، في حال عدم إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في موعدها المقرر نهاية العام الجاري، وانفتاح هذا السيناريو على مسارات عدة، سواء في حالة استمرار وقف إطلاق النار أو في حالة تجدُّد النزاع المسلح مرة أخرى.

عوامل وأبعاد الفشل

تتعدد المؤشرات والأبعاد الخاصة بالفشل المحتمل لاستكمال خارطة الطريق؛ وهو ما يمكن إجماله في النقاط الآتية:

1. اتساع المهام والتمثيل: تتبنى حكومة الدبيبة خطاباً يعكس عزمها على الاضطلاع بمهام واسعة، تتجاوز الأهداف المحدودة الخاصة بتهيئة البيئة السياسية لإجراء انتخابات نهاية العام، حيث تركز الحكومة الجديدة على الجانب الخدمي لزيادة شعبيتها، مثل مشكلة الكهرباء وإدارة أزمة كورونا ومحاربة الفساد، وإجراء إعادة هيكلة جزئية لعمل بعض المؤسسات الحكومية (بعيداً عن مسألة توحيد المؤسسات المنقسمة)، وهو الأمر الذي يوحي برغبة الحكومة في بناء شرعية تمكنها من البقاء والاستمرار في السلطة لفترة أطول.

كما أن كبر حجم الحكومة وحرصها على ضمان تمثيل مختلف الفئات السياسية والاجتماعية الفاعلة، وفي المقابل إقدام مختلف الأطراف والقبائل على ضمان مشاركتها في الحكومة؛ كل ذلك يعكس نظرة هذه الأطراف إلى أن حكومة الدبيبة ليست مجرد حكومة مؤقتة ستنفض بنهاية العام، لاسيما وأن هذا التكالب لا يتسق مع الشرط القاضي بعدم مشاركة أعضاء الحكومة الجديدة في الانتخابات التي من المفترض أن تجرى في ديسمبر المقبل، وهو الشرط الذي يبدو أن أغلب الأطراف لا تأخذه بجدية، أو على الأقل تعي الصعوبات الجمة التي تعوق الالتزام به.

وكمحصلة لهذين العاملين، أتت حكومة الدبيبة متضخِّمةً من حيث عدد الوزراء ووزراء الدولة، فقد بلغ أعضاء الحكومة على هذا النحو خمسة وثلاثين عضواً، بالإضافة إلى مناصب وكلاء الوزارات، التي كانت بدورها مجال تنافس ومحاصصة بين أطراف الصراع. وتجدر الإشارة أيضاً إلى عدم تقيّد الحكومة الجديدة بالصفة المؤقتة في اختيار التسمية، فعلى الرغم من اعتماد مسمى "الحكومة المؤقتة" في البيان الصادر عن مجلس الأمن في 12 مارس الماضي عقب التصديق عليها[1]، إلا أن حكومة الدبيبة تتمسك بمسمى حكومة "الوحدة الوطنية"، في محاولة لتعزيز وإبراز مصدر شرعية يتجاوز الظرف الانتقالي المؤقت.

2. محدودية المدى الزمني: بخلاف رغبة الأطراف المستفيدة من استمرار الحكومة الجديدة إلى ما بعد 24 ديسمبر المقبل، فإن ثمة معوقات دستورية وفنية ولوجيستية تحوُل دون إجراء الانتخابات في موعدها المقرر. فوفق تصريحات متعددة لعماد السائح، رئيس مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، فإن مسار إجراء الاستفتاء على الدستور قبل إجراء الانتخابات سيجعل من المستحيل الالتزام بالجدول الزمني لخارطة الطريق، حيث لن يمكن إجراء الانتخابات في هذه الحالة قبل نهاية 2022، أي بعد عام كامل في أحسن الأحوال.

وفي سياق الاقرار بهذه الصعوبات، تم التوافق بين أعضاء اللجنة الدستورية من مجلسي النواب والدولة، على إرجاء الاستفتاء على الدستور إلى ما بعد إجراء الانتخابات، والأخذ بمقترح اعتماد قاعدة دستورية لإجراء تلك الانتخابات، وهو ما تم التوافق عليه في 12 فبراير الماضي، خلال اجتماع الغردقة بشأن المسار الدستوري.

وعلى الرغم من تمكُّن اللجنة الدستورية من الانعقاد لاحقاً، خلال الفترة 7-9 أبريل في تونس، والخروج بمقترح أولي للقاعدة الدستورية، إلا أن ثمة قضايا خلافية لم يجرِ حسمها، من قبيل انتخاب رئيس الدولة؛ فبعد أن كان هناك رأي في السابق يدفع بأن تكون الانتخابات المقبلة تشريعية فقط، ويتم إرجاء الانتخابات الرئاسية، الأمر الذي لاقى معارضة من عدة جهات، فإن ثمة مقترحاً أثار الخلاف خلال الاجتماع، بشأن انتخاب رئيس الدولة من قبل البرلمان وليس من طرف الشعب.

ومن المرجح أن يأتي التعطيل خلال الفترة المقبلة من قبل مجلس النواب؛ فمن ناحية أولى، كان البرلمان هو المسؤول عن صعوبة إجراء الاستفتاء على الدستور، بسبب عدم إحالة قانون الاستفتاء إلى مفوضية الانتخابات، وفق تصريح عماد السائح؛ ومن ناحية ثانية، فإن مقترح انتخاب الرئيس بشكل غير مباشر، يتعارض مع ما أقره المجلس في السابق من ضرورة انتخاب الرئيس من الشعب بالاقتراع السري المباشر؛ وأخيراً، فإن نمط تعاطي مجلس النواب يتسم بالتباطؤ والمماطلة خلال المرحلة الراهنة، وفق ما يظهر في عد إحالة قانون الاستفتاء للمفوضية وعدم إقرار الميزانية الجديدة. وعلى الأغلب ستستمر هذه المماطلة في مسألة إقرار القاعدة الدستورية للانتخابات وتضمينها في الإعلان الدستوري. 

3. ضعف التأثير الفعلي: من بين نقاط القوة الرئيسة التي كانت أحد أسباب فوز قائمة المنفي-الدبيبة خلال الانتخابات، أن هذه القائمة تضم وجوهاً جديدة نسبياً على المشهد السياسي، مما يجعلها متحررة من وطأة العداءات التي ترسخت خلال السنوات القليلة الماضية، لاسيما المرتبطة بالمواجهات العسكرية المتعددة، وهو ما يجعل تلك القيادات تتمتع بقدر من المقبولية المبدئية من قبل الأطراف المتخاصمة.

في المقابل، فإن نقطة القوة هذه تُعد أيضاً مكمن الضعف الرئيس، في ضوء افتقاد القيادات الجديدة لظهير عسكري وشعبي داعم لهم، مما يحد من قدرة تلك القيادات على فرض إرادتها بالقوة على الأرض، ويجعلها رهينة للإرادات الخارجية من جهة، وللاعبين المحليين الذين يمتلكون مفاتيح التأثير بحكم حيازة السلاح والسيطرة على المرافق الحيوية من جهة أخرى. ويمكن القول إن سلطة المنفي-الدبيبة تعكس حالة توازنية شديدة الهشاشة بين أطراف متعددة، ومن ثمّ لا توجد ضمانة لترجمة هذه السلطة إلى قدرات فعلية على الأرض تمتثل لإرادة القيادات الجديدة، لاسيما في ظل استمرار التناقضات في المصالح والتطلعات بين المكونات السياسية والاجتماعية والعسكرية الداعمة للسلطة الجديدة. 

ولعل نقطة الضعف هذه تتحول بدورها إلى عنصر إضافي لصالح بقاء تلك السلطة لفترة أطول، بالمعنى المشار إليه في المحور السابق، والخاص بعدم كفاية الفترة المتبقية للوفاء بمتطلبات تنظيم انتخابات. وبتعبير آخر، فإن التعطيل المتكرر من طرف اللاعبين الأكثر تأثيراً سيؤدي إلى إطالة الفترة اللازمة لتهيئة البيئة السياسية والأمنية لإجراء الانتخابات.

المواقف الداخلية والخارجية

في مقابل الاعتبارات والأبعاد المشار إليها بشأن الفشل المحتمل لخارطة الطريق، ثمة تحركات ومواقف معلنة على الصعيد الداخلي تهدف إلى ضمان الالتزام بموعد الانتخابات؛ ويمكن الإشارة هنا إلى انبثاق حراك شعبي جديد تحت مسمى "حراك الانتخابات الرئاسية"، حيث طالبَ في بيانه رقم 1 بتضمين مخرجات الحوار السياسي (تونس-جنيف) في الإعلان الدستوري، بما يضمن الالتزام بموعد 24 ديسمبر لإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، من دون أية مماطلة أو تسويف. ونفس الموقف أيضاً تبناه التكتل الاتحادي الفيدرالي؛ ومن المتوقع تزايد الأطراف السياسية والشعبية التي تدفع في هذا الاتجاه خلال الفترة القادمة.

على الصعيد الخارجي، تتراوح المواقف الرسمية بين إصدار تصريحات "متوقعة" تشدد على ضرورة الالتزام باستكمال خارطة الطريق نهاية العام، كما هو الحال بالنسبة لمواقف الدول الغربية الكبرى[2]، فضلاً عن موقف البعثة الأممية، وبين التعامل البرجماتي الهادف إلى استكشاف توجهات القيادات الجديدة، ومحاولة الاستفادة من مناخ الاستقرار الذي تبشر به المرحلة الجديدة، كما هو الحال بالنسبة للموقف التونسي، حيث كان الرئيس قيس سعيّد هو أول رئيس يزور العاصمة طرابلس، وأيضاً الموقف المصري، حيث جرى توقيع اتفاق لتسهيل عودة العمالة المصرية إلى ليبيا. وتجدر الإشارة كذلك إلى توالي الإعلان من قبل عدة دول عن عودة عمل سفاراتها من قلب العاصمة طرابلس، مثل مصر وفرنسا واليونان ومالطة.

في المقابل، أتى الموقف الروسي ليعكس حالة من الترقب وعدم الاندفاع وراء دعم الأوضاع الجديدة؛ ويمكن الإشارة على وجه التحديد إلى تصريحات الناطقة باسم الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، خلال الأسبوع الثالث من مارس الماضي، عن أن الحوار في ليبيا يجب أن يشمل جميع القوى الرئيسة المؤثرة من كافة مناطق البلاد؛ وهو التصريح الذي تكرر على لسان وزير الخارجية سيرجي لافروف خلال الأسبوع الأول من أبريل الجاري، الذي أكد على ضرورة عد إقصاء أنصار النظام السابق وقوات حفتر من أي تسوية.

ويمكن القول إن هذه التصريحات تأتي امتداداً للموقف الروسي المتحفظ تجاه الحوار المدعوم أمريكياً خلال الشهور الماضية، والذي ترى فيه موسكو تهميشاً لحلفائها التقليديين من أنصار النظام السابق، فضلاً عن التحيز الأمريكي ضد حفتر المدعوم روسياً. ورغم هذا التحفظ الروسي المبطن، إلا أن زاخاروفا أعلنت كذلك عن إمكانية عودة سفارة بلادها للعمل من قلب العاصمة طرابلس في القريب[3].

وفي الإجمال، يؤشر هذا الزخم الدولي الداعم للسلطة الجديدة إلى رغبة مختلف هذه الدول في دعم حالة الاستقرار "السياسي" الجديدة على المدى القريب، وعدم رغبة أي طرف في تحمل مسؤولية إثارة الفوضى والإطاحة بما تم إنجازه، لكن من دون أن يعني ذلك بالضرورة وجود توافق نهائي على باقي ترتيبات خارطة الطريق. وبتعبير آخر، فإن ترتيبات الوضع النهائي في ليبيا ستظل متروكة لتطورات ومساومات الشهور المقبلة، وهو ما يعني عدم وجود إجماع دولي حقيقي حتى الآن بخصوص استكمال خارطة الطريق.

السيناريوهات المحتملة

تتوقف السيناريوهات المستقبلية الخاصة بفرص استكمال تنفيذ خارطة الطريق على تأثير عدد من العوامل، وذلك على النحو الآتي:

  • كيفية إدارة الصراع الأمريكي الروسي في ليبيا.
  • درجة توظيف أداة العقوبات ضد الأطراف المعطِلة لتنفيذ خارطة الطريق.
  • مستوى الضغوط الشعبية الواقعة على الأطراف المحلية للصراع.
  • قدرة الأطراف المشاركة في السلطة على استمرار تعطيل الانتخابات.
  • مصير مباحثات لجنة 5 + 5 بشأن المسار العسكري.

وفي ضوء هذه العوامل، يمكن الإشارة إلى عدد من السيناريوهات المحتمل حدوثها بحلول الموعد المفترض للانتخابات نهاية العام:

السيناريو الأول: إجراء الانتخابات. في هذا السيناريو يتم إجراء الانتخابات في الموعد المقرر، بعد التوافق على قاعدة دستورية، على أن يتم إرجاء أمر الدستور نفسه إلى ما بعد انتخاب رئيس وبرلمان جديدين. وقد يلقى هذا السيناريو حظوظاً وفيرة في حالة عجز السلطة الحالية عن تقديم ما يثبت قدرتها على التعامل مع الملفات الأكثر إشكالية، لاسيما ملف تفكيك المليشيات وتوحيد المؤسسة العسكرية وإبعاد المقاتلين الأجانب وأخيراً الحرب على الإرهاب؛ وبخصوص النقطة الأخيرة تجدر الإشارة إلى أن عبد الحميد الدبيبة يلقى دعم الجماعة الليبية المقاتلة وما يعرف بتيار المفتي، وهما فصيلان يعدان الأكثر تشدداً من بين الأطراف السياسية في ليبيا، ما قد لا يجعله الشريك الأمثل في الحرب على الإرهاب.

إضافة إلى ما سبق، فإن الإصرار الأمريكي على استكمال تنفيذ خارطة الطريق سيكون في بعده الرئيس يعكس رغبة إدارة بايدن في "تنظيف" المشهد الليبي من الطبقة السياسية المهيمنة منذ سنوات، والتي كانت لديها مصلحة رئيسة في استمرار التأزيم، بما يضمن حماية مصالحهم الشخصية، بشكل كان يدفع بعض هذه الشخصيات إلى إبداء مرونة زائدة في تحالفاتها الخارجية، مما تسبب في زيادة نفوذ موسكو في ليبيا، فضلاً عن إثارة الكثير من الفوضى في المشهد السياسي والعسكري. وهذا الطابع الانتفاعي كان هو المسيطر على نظرة البعثة الأممية وكثير من المسؤولين الدوليين لأطراف الصراع المحلي خلال السنوات الماضية؛ ويتطلب تحرير العملية السياسية من هذه الشخصيات التمسك بإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية، تضمن إبعاد قطاع كبير منهم، لاسيما في ضوء تراجع شعبية أغلبها على وقع الأزمات المعيشية وتفاقم الفساد وتدهور الوضع الأمني خلال السنوات الماضية.

سيترافق على الأرجح مع تنفيذ هذا السيناريو تحقق شرط رئيس، وهو قيام الولايات المتحدة بفرض عقوبات حازمة على الأطراف المعطِّلة للعملية السياسية، فضلاً عن تقديم دعم مخابراتي يهدف إلى تأليب قبائل شرق ليبيا ضد المشير حفتر، واستثمار حالة الاحتقان الموجودة لدى بعض القطاعات على خلفية بعض الممارسات الأمنية المثيرة للجدل، التي تقوم بها قوات موالية له وتثير بدورها غضباً شعبياً، ويجرى تسليط الضوء عليها إعلامياً وسياسياً بشكل متنامي منذ فترة.

السيناريو الثاني: استمرار الحكومة. خلال هذا السيناريو تتمكن حكومة الدبيبة من البقاء في السلطة لفترة أبعد من الأشهر التسعة المتبقية لها حتى نهاية العام، فيما يعد استنساخاً لتجربة حكومة السراج، من زاوية الاستثمار في الأزمات السياسية لإطالة الفترة الانتقالية وتصعيب عملية إجراء انتخابات جديدة.

يتوقف حدوث هذا السيناريو على قدرة مجلسيّ النواب والدولة على عرقلة التوصل إلى قاعدة دستورية لإجراء الانتخابات؛ واستمرار الصراع الأمريكي الروسي، ولكن وفق مستوى منخفض الحدة، بحيث تكون هناك مصلحة مشتركة في الإبقاء على السلطة القائمة، من دون إمكانية ترتيب الأوضاع لضمان التوصل لأوضاع دستورية جديدة ومستقرة تكفل تقاسم المصالح بين الطرفين بشكل نهائي في ليبيا. كما يعد من الشروط الرئيسة لتحقق هذا السيناريو عدم حدوث تقدم جوهري في عمل لجنة 5 + 5 الخاصة بالمسار العسكري، وتحديداً فيما يتعلق بتوحيد المؤسسة العسكرية، أو إبعاد المرتزقة الأجانب إلى خارج ليبيا، وهو الملف الذي توليه الولايات المتحدة أهمية قصوى؛ ففي حالة الإخفاق في المباحثات العسكرية يصعب التوصل إلى ترتيبات نهائية تضمن تحقيق الاستقرار السياسي والأمني في ضوء عدم وجود مؤسسة عسكرية موحدة تخضع لقيادة الرئيس المنتخب.

وتتزايد فرص حدوث هذا السيناريو في ضوء اتساع طائفة الأطراف المستفيدة من هذا الوضع، لاسيما مجلسيّ النواب والدولة، وهما الطرفان المعنيان بالاتفاق على قاعدة دستورية لإجراء الانتخابات وبإمكانهما إثارة المزيد من العقبات في هذا الخصوص؛ وكذلك الأطراف المشاركة حالياً في الحكومة، والتي يحظر عليها المشاركة في الانتخابات المقبلة. وأخيراً الأطراف العسكرية المستهدفة أمريكياً، أي المشير حفتر والمرتزقة الموالين لموسكو.

السيناريو الثالث: عودة الانقسام. يتمثل السيناريو في حلول موعد 24 ديسمبر 2021، وتعذر إجراء الانتخابات في هذا الموعد، سواء لاعتبارات دستورية أو سياسية أو أمنية، فيتم التعامل مع انقضاء العمر المقرر للحكومة كذريعة لعودة الانقسام، عبر الإعلان عن حكومة موازية في شرق ليبيا مجدداً، لاسيما في ضوء وجود خبرة مؤسساتية متراكمة لدى شرق البلاد في هذا الخصوص. وتجدر الإشارة إلى أنه سبق وأن تبنت القيادة العامة موقفاً مماثلاً في ديسمبر 2017، حين أعلنت انتهاء صلاحية اتفاق الصخيرات ومن ثم ولاية حكومة الوفاق، التي كانت مقررة لمدة عام قابلة للتجديد مرة واحدة. كما يمكن الإشارة إلى أن المستشار عقيلة صالح كان قد أشار أثناء جلسة منح الثقة إلى أن حكومة الدبيبة سيتم التعامل معها بعد تاريخ 24 ديسمبر على أنها حكومة تسيير أعمال، وأن الثقة الممنوحة لها مقتصرة على فترة ما قبل هذا الموعد فقط.

ويتوقف تحقق هذا السيناريو على قدرة موسكو على إعادة التماسك إلى تحالفاتها الإقليمية على الساحة الليبية، وتراجع قدرة الولايات المتحدة على احتواء التناقضات بين الأطراف الإقليمية الشريكة لها في ليبيا، وتحديداً مصر وتركيا. كما سيزيد من فرص تحقق السيناريو شمول أطراف معسكر شرق ليبيا بالعقوبات الأمريكية على حد سواء، وتحديداً المشير حفتر والمستشار صالح، بما يعيد خلق أرضية مشتركة بينهما لإفشال التحركات الأمريكية.

ومما يزيد من فرص هذا السيناريو أيضاً بُطء وتيرة توحيد مؤسسات شرق وغرب ليبيا، بما يجعل نواة الانقسام قائمة حتى نهاية العام. ومن هذا المنظور، يمكن اعتبار خطوة منح الثقة من قبل مجلس النواب للحكومة باعتبارها تهدف إلى قطع الطريق على إمكانية تجاوز المجلس، والذهاب إلى ملتقى الحوار لمنح الثقة للحكومة؛ ومن ثم فإن الهدف هو تعزيز شرعية مجلس النواب والحفاظ عليها في المقام الأول.

كما أن ثمة ملفات يصعب بناء التوافق حولها، ومناصب أخرى لا تزال محل تجاذبات، وهنا يمكن الإشارة إلى عودة منصب القائد الأعلى للقوات المسلحة إلى المجلس الرئاسي، والخلافات حول منصب وزير الدفاع، وأزمة رئاسة المصرف المركزي والخلافات بشأن إزاحة الصديق الكبير من المنصب. وأخيراً تجدر الإشارة إلى قيام المستشار صالح بإصدار قرار في 21 مارس الفائت، يقضي بتشكيل لجنة لاختيار من يشغل "احدى المناصب القيادية للوظائف السيادية"، الأمر الذي من المتوقع أن يزيد من درجة التضارب في الصلاحيات بين مجلس النواب وبين السلطة التنفيذية الجديدة، مما يزيد من تعقيدات إنهاء الانقسام خلال الأشهر المتبقية. وثمة مقولات يجري الترويج لها من قبل نشطاء وسياسيين ليبيين في وسائل التواصل الاجتماعي، تفيد بأن صالح سيرهن التصديق على الميزانية المقدمة من الحكومة بالانتهاء من ملف شغل المناصب السيادية، وبالأخص منصب رئيس المصرف المركزي.

السيناريو الرابع: انفلات الأوضاع. يتمثل هذا السيناريو في انفلات الأوضاع الأمنية، وانهيار وقف إطلاق النار، وتجدد المواجهات المسلحة مرة أخرى. ويتوقف حدوث ذلك على التطور المتسارع في مجريات الصراع الروسي الأمريكي، ورغبة الإدارة الأمريكية في تشديد الخناق على موسكو في مناطق الصراع بينهما حول العالم، ومن بينها ليبيا. ويعد هذا السيناريو بمثابة هروب إلى الأمام بالنسبة للأطراف المحلية المتضررة، وعلى رأسهم المشير حفتر، في ظل تقلص نفوذه في ظل الترتيبات الجديدة، وتنامي التحركات الشعبية والقانونية المضادة له، والضغوط الأمريكية التي من المرجح أن تتزايد ضده خلال المرحلة المقبلة. وتلتقي مصالح المشير حفتر على هذا النحو مع المصالح الروسية في ترسيخ نفوذها العسكري في ليبيا، عبر الحفاظ على مناطق حضورها الحالي في وسط وجنوب ليبيا أولاً، ثم معاودة محاولات التمدد غرباً في مرحلة متقدمة من المواجهات المسلحة.

الجدير بالذكر أن عملية منح الثقة للحكومة الجديدة الموحدة لم يترافق معها أي مرونة عسكرية أو أمنية من قبل معسكر شرق ليبيا؛ فعقب انتهاء جلسة منح الثقة، سرعان ما عاودت قوات فاجنر الانتشار في مدينة سرت مرة أخرى؛ كما أنه لا توجد بعد أية مرونة من قبل شرق ليبيا في مسألة فتح الطريق الساحلي بين الشرق والغرب، في مقابل إعلان غرفة عمليات سرت/الجفرة التابعة لغرب البلاد، خلال الأسبوع الثالث من مارس، عن فتح الطريق الساحلي من جانب واحد؛ وأخيراً، يمكن الإشارة إلى الهجوم الذي تعرض له مقر البرلمان ببنغازي، قبل جلسة حلف اليمين الدستورية للحكومة الجديدة بأيام، مما أدى إلى نقل مقر جلسة حلف اليمين إلى مدينة طبرق.

وعلى الأرجح، فإن السيناريو الأكثر احتمالاً في التحقق هو استمرار حكومة الدبيبة في السلطة إلى ما بعد 24 ديسمبر المقبل، مع تزايد احتمالات تداخل هذا السيناريو مع مسار انفلات الأوضاع الأمنية ونشوب مواجهات مسلحة؛ وقد تكون مقدمة حدوث الانقسام أو انفلات الأوضاع عودة إقفال المنشآت النفطية مرة أخرى من قبل قوات حفتر، في ضوء عدم الاتفاق على إدارة عائدات النفط، والأزمة التي يثيرها استمرار الصديق الكبير في رئاسة المصرف المركزي. كما يمكن القول إنه من الصعب تصور أن تؤدي الأزمات السياسية والعسكرية إلى عودة الانقسام وتأسيس حكومة موازية من جديد في إقليم برقة، نظراً للقيود اللوجستية والمالية التي ستعوق عمل الحكومة، بينما سيكون من مصلحة القوى المسيطرة على المنطقة الشرقية الاستمرار "إسمياً" تحت مظلة الحكومة الموحدة، حتى لو لم يكن للأخيرة نفوذ فعلي وسيطرة أمنية شرق البلاد.

خلاصة واستنتاجات

  • تعكس مؤشرات الأوضاع السياسية والعسكرية في ليبيا عقب تشكيل الحكومة الجديدة أن استكمال تنفيذ خارطة الطريق، من خلال إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية نهاية العام قد يكون أمراً متعذر الحدوث، لاسيما في ضوء اتساع طائفة الأطراف المحلية المستفيدة من بقاء الوضع الحالي، وصعوبة استكمال الشروط الدستورية لإجراء الانتخابات، وامتلاك أطراف عدة الأدوات العسكرية والقانونية لتعطيل تنفيذ هذه الخارطة.
  • لا تتطابق تصريحات الأطراف الخارجية الداعمة لإجراء انتخابات في ليبيا مع حقيقة استمرار الانقسام في الموقف الدولي؛ لاسيما في ضوء تفاقم حدة الصراع الدولي بين واشنطن وموسكو في بؤر صراعية عدة، وهو ما لا يمكن معه استبعاد تحول ليبيا إلى أحد ساحات الصدام بين الطرفين خلال الأشهر المقبلة.
  • سيتراوح مسار الأوضاع في ليبيا بين استمرار السلطة القائمة فيما بعد 24 ديسمبر المقبل، في ضوء استحكام الخلاف بين موسكو وواشنطن، وتلاقي ذلك مع مصالح الأطراف المحلية المستفيدة من بقاء الوضع القائم، لكن من دون تحوُّل ليبيا إلى أولوية بالنسبة لقطبيّ الصراع الدولي؛ أو انفلات الأوضاع الأمنية وعدة الصراع المسلح، وهو ما يتوقف كذلك على مسار الصراع الأمريكي الروسي وتفاعلاته.

سيناريوهات