تزايد التوترات في معسكر غرب ليبيا وآفاق التسوية

مركز الإمارات للسياسات | 01 فبراير 2021

تراكمت، على مدار الأسابيع الأخيرة من عام 2020 وبدايات العام الجديد، العديدُ من المؤشرات على حدوث تشققات وإعادة اصطفاف بين أطراف المعسكر المحسوب على حكومة الوفاق؛ ويمكن القول بأن هذه التوترات تدور حول التنافس بشأن إعادة تشكيل السلطة، على وقع مباحثات التسوية، وما يرتبط بذلك من إعادة رسم خريطة النفوذ الأمني والعسكري بين أطراف هذا المعسكر.

ويدور التنافس بشكل أساسي بين كل من فايز السراج رئيس حكومة الوفاق الوطني، الراغب في الاحتفاظ بمنصبه، ومن ثم استمرار الوضع القائم، وهيمنة المليشيات الطرابلسية على العاصمة، وبين فتحي باشاغا وزير الداخلية في حكومة الوفاق، المرشح الأبرز لخلافته في رئاسة الحكومة، ضمن صفقة محتملة[i]، يتم الحديث عنها بكثرة من طرف سياسيين ليبيين، يكون طرفها الآخر هو المستشار عقيلة صالح، المرشح لشغل رئاسة المجلس الرئاسي[ii].

هذه الصفقة، التي يشاع أنها حظيت بدعم رئيسة البعثة الأممية بالإنابة ستيفاني ويليامز، أطلقت مجموعة من التفاعلات بين الأطراف المستفيدة والمتضررة، بشكل أدى إلى سيادة حالة من عدم التماسك بين أطراف المعسكر؛ وعلى الرغم من أن هذه التوترات الداخلية لا تزال في طور النمو، ولم تتطور بعد إلى درجة حدوث صدامات عسكرية، إلا إن المؤشرات المتاحة تشير إلى إمكانية أن تفضي الأوضاع الحالية إلى حدوث اضطرابات أمنية، سواء في صورة اشتباكات مسلحة، أو عبر تكرار سيناريو احتجاجات سبتمبر الماضي، التي كانت ستاراً لصراع مماثل بين ذات الأطراف داخل هذا المعسكر.

وعلى الرغم من قيام مجلس الأمن، في منتصف يناير 2021، بتعيين الدبلوماسي السلوفاكي يان كوبيتش مبعوثاً أممياً جديداً، إلا أنه ليس من المتوقع أن يُفضي ذلك إلى الإطاحة بالترتيبات التي عملت عليها ويليامز خلال الشهور الماضية، لاسيما أنها كانت تحظى بدعم دولي في التحضير لمسار الانتخابات نهاية العام، وتشكيل سلطة موحدة لتنظيم إجراء الانتخابات، وعلى الأرجح سيعمل كوبيتش على البناء على التراكم والتقدم الذي تم إحرازه من قبل البعثة، أو على الأقل فيما يتعلق بالخطوط العريضة والمسار العام للتسوية، حيث يعد تشكيل سلطة موحدة جديدة ركناً رئيساً في هذا الصدد.

أبعاد التوترات الراهنة

يمكن ربط التوتر بين السراج وباشاغا بمجريات انعقاد منتدى الحوار الليبي، وتزايد احتمالات حدوث توافق على تشكيل سلطة جديدة وفق الصفقة المشار إليها، وهو ما دفع إلى إعادة اصطفاف سياسي أمني داخل هذا المعسكر؛ ففي أعقاب التعطيل الذي حدث خلال المنتدى بخصوص آليات اختيار شاغلي المناصب في السلطة الجديدة، قام السراج، خلال الأسبوع الثالث من ديسمبر، بإصدار قرار يقضي بفصل تبعية "قوة الردع الخاصة"، المليشيا الأقوى في العاصمة، والمسيطرة على مطار وسجن معيتيقة، عن وزارة الداخلية، وإلْحاقها مباشرة بالمجلس الرئاسي، مع تخويل المليشيا تأسيس أفرع جديدة وصلاحيات إضافية في المدن الخاضعة لسلطة الوفاق، وتمتعها بذمة مالية مستقلة.

هذا القرار الخاص بقوة الردع حظي بمباركة "قوة حماية طرابلس"، التي تمثل تحالفاً فضفاضاً بين مليشيات العاصمة، ولا يجمعها مصلحة مشتركة إلا الحفاظ على احتكارها للسيطرة على العاصمة في مواجهة المليشيات التابعة لمدن أخرى في المنطقة الغربية. وخلال نفس الأسبوع عاد قائد "كتيبة ثوار طرابلس" إلى العاصمة بعد غياب امتد لأشهر، وقام بشن هجوم إعلامي ضد وزير الداخلية (الذي سبق وأصدرت وزارته قراراً بتوقيف التاجوري)، مؤكداً على الترحيب بدخول أي قوات إلى العاصمة إذا كانت تابعة لـ "وزارة الدفاع أو رئاسة الأركان"[iii]، من دون الإشارة لوزارة الداخلية، وربما رغبة منه في تحييد القوات التي يعمل باشاغا على استقطابها لتعزيز حضوره في العاصمة.

إضافة لذلك، أعلن مجموعة أعضاء "منشقون" في مجلس النواب بطرابلس ورؤساء بلديات ونشطاء سياسيين، في 9 يناير 2021 عبر بيان مصور بالفيديو، معارضتهم لأي صفقة تهدف للإطاحة بالمجلس الرئاسي الحالي، كما شمل البيان مهاجمة حزب العدالة والبناء (الإخوان المسلمين)، بوصفهم داعمين لباشاغا، وهو الدعم الذي كان قائماً في الجولة السابقة من الصراع على السلطة خلف ستار احتجاجات أغسطس وسبتمبر 2020؛ وقد قابل حزب العدالة كل ذلك بهجوم إعلامي مضاد على حكومة السراج، الأمر الذي عزز ملامح الانقسام السياسي القائم في العاصمة، ما بين السراج ومليشيات طرابلس من جهة، وباشاغا وحزب العدالة والبناء ومعهم مليشيات مصراتة بالأساس من جهة أخرى.

من جانبه، أعلن باشاغا في 10 يناير 2021 عن قُرْب شن عملية "صيد الأفاعي"، للقضاء على تنظيمات الجريمة المنظمة والخارجين عن القانون، بالتعاون مع المنطقة العسكرية الغربية والمنطقة العسكرية طرابلس، وبدعم تركي. وبعد هذا الإعلان بساعات، أصدرت وزارة الدفاع والمنطقة العسكرية الغربية والمنطقة العسكرية طرابلس، بياناً يؤكد على عدم إحاطتهم علماً بالعملية المشار إليها، ومن ثم عدم مشاركتهم في أي تخطيط للعملية المزمعة.

على صعيد آخَر، لكنه ليس بعيد بتجاذبات تشكيل سلطة جديدة، برز الخلاف حول عائدات تصدير النفط، وهو الخلاف الذي يدور بين طرفين تابعين لسلطة طرابلس، الأول هو رئيس المؤسسة الوطنية للنفط مصطفى صنع الله، والطرف الثاني هو رئيس المصرف المركزي الصديق الكبير؛ فقد شهد شهر ديسمبر الفائت تراشقاً بين الطرفين، وذلك على خلفية احتجاز مؤسسة النفط الإيرادات في حسابها بالمصرف الليبي الخارجي، وعدم تحويل الإيرادات إلى المصرف المركزي.

يسعى صنع الله، وفق تصريحاته في هذا الخصوص، إلى حماية إيرادات النفط، وتحييدها عن الصراع بين المعسكرين، إلى حين تشكيل حكومة موحدة، وذلك تجنباً لقيام المعسكر الداعم لحفتر بغلق المنشآت النفطية مرة أخرى، اعتراضاً على توظيف إيرادات النفط في تمويل عمل المليشيات، وتمويل التدخل التركي في ليبيا. في حين يمثل حجب عائدات النفط خنقاً مالياً لحكومة طرابلس، ومن ثم إضراراً مباشراً بمصالح الأطراف المستفيدة منها داخلياً وخارجياً.

على هذا النحو فإن موقف صنع الله يصب في اتجاه دعم التوجه الخاص بتشكيل سلطة موحدة، بينما يبدو موقف الكبير أكثر التصاقاً بمصالح حكومة السراج. ولا يبتعد هذا الاصطفاف عن مسار آخر للصراع داخل هذا المعسكر، بين فتحي باشاغا والصديق الكبير، حيث سبق أن أصدر باشاغا، في 10 ديسمبر الماضي، قراراً بمنع الكبير من السفر، وهو ما رد عليه الكبير بتجميد أصول وزارة الداخلية لدى البنك المركزي.

وعلى الرغم من تزامن حدوث هذه التوترات مع تغيرات تطال البيئة الإقليمية للصراع، إلا أن الصراع الراهن يظل أكثر ارتهاناً للعوامل الأكثر محلية، والتنافس بين الأطراف المنضوية تحت مظلة حكومة الوفاق. ويمكن القول بأن العوامل الخارجية في هذا السياق تعمل كمحفز للأطراف المحلية، من زاوية ما تخلقه من بيئة مغايرة تحمل مجموعة من الفرص بالنسبة لكل طرف في الداخل الليبي.

حدود التأثير الإقليمي

تشهد البيئة الخارجية للصراع عدداً من التغيرات خلال المرحلة الراهنة، أبرزها التغير الخاص بالإدارة الأمريكية، والمصالحة بين دول المقاطعة الأربع وقطر. وهذا التغيُّر، في ضوء ارتباطه بأطراف فاعلة في الصراع الليبي، من الطبيعي أن ينعكس على حسابات أطراف الصراع.

عند النظر في تحركات الأطراف الخارجية على الساحة الليبية، والمتزامنة مع ما يجري من توترات بين الأجنحة السياسية والأمنية التابعة للوفاق، تبرز على وجه الخصوص أهمية الدورين التركي والمصري؛ تركيا بوصفها الطرف الخارجي الأبرز حضوراً في العاصمة؛ ومصر بحكم التحرك الجديد الذي اتخذته بهدف التقارب مع سلطة طرابلس؛ الأمر الذي يثير التساؤل حول حدود التأثير الذي تحمله تلك التحركات الخارجية على التوترات التي تشهدها طرابلس.

فعلى صعيد الموقف التركي، يمكن القول بأن تجربة عام من الاحتكاك المباشر مع الأوضاع السياسية والعسكرية في المنطقة الغربية، لاسيما عقب انتهاء حرب طرابلس، أتاحت لأنقرة المجال الكافي لاستكشاف حجم التعقيدات المرتبطة بصراع النفوذ الداخلي وطبيعة التنافس بين مختلف القوى المحلية.

وبالنظر إلى خريطة الاتصالات التي تجريها أنقرة بالأطراف السياسية والأمنية الفاعلة في غرب ليبيا، بما في ذلك اللقاءات المباشرة، يمكن القول بأن أنقرة حريصة على الإبقاء على علاقاتها بمختلف الأطراف، وعدم الانحياز صراحةً لطرف بعينه؛ غير أن ذلك لا ينفي إمكانية وجود ميل تركي نحو باشاغا، الذي عمل على مدار الشهور الماضية، وعبر زيارات واتصالات مكثفة مع أطراف خارجية داعمة لطرفيّ الصراع، على طرح نفسه كطرف قادر على إقامة نقطة توازن بين مصالح الأطراف الإقليمية والدولية المتنافسة في ليبيا، في حالة وجود قرار دولي بإنهاء الانقسام. كما أن سيطرة باشاغا على العاصمة قد تمثل سيناريو مفضلاً من زاوية أن مليشيات مصراتة هي الأكثر ولاءً للحليف التركي، وذلك قياساً بمليشيات طرابلس، التي يعكس وجودها استمرار النفوذ الإيطالي في المقام الأول.

لكن في المقابل، فإن سعي مصراتة إلى إحكام سيطرتها على العاصمة طرابلس يحمل مخاطر مؤكدة من زاوية المصالح التركية؛ وذلك لسببين رئيسيَن: الأول هو أن الدعم التركي لهذا التوجه من شأنه التأثير في ولاء بقية المدن ذات الثقل العسكري في المنطقة الغربية، وعلى رأسها كل من الزاوية والزنتان؛ والثاني هو أن ثمة مصلحة تركية في الإبقاء على الثقل الرئيس لقوات مصراتة في حالة جاهزية دائمة على الجبهة الشرقية للمدينة، وعدم إنهاكها في مواجهات مسلحة داخل العاصمة، حيث إن حدوث مواجهات مسلحة على خط التماس بين سرت والجفرة يعد هو الأكثر احتمالاً في المدى القريب قياساً بحدوث مواجهات عسكرية جديدة في محيط العاصمة ضد خصوم تركيا.

أما على صعيد التحرك المصري، فإن تقرب القاهرة من حكومة طرابلس، وصدور تصريحات إيجابية عن وزير الخارجية التركي إزاء مصر، تمارس تأثيرها هي الأخرى كعامل محفز بشكل غير مباشر للأطراف المحلية، بما يدفعها نحو مزيد من التنافس الداخلي، لكن دون أن تدفع القاهرة بالضرورة إلى العمل مباشرة على تغليب طرف بعينه، وذلك لعدة أسباب: الأول هو أن منطق التحرك المصري نحو طرابلس هو إبداء الانطباع بالوقوف على مسافة واحدة من الأطراف الليبية، والابتعاد عن سياسة الانحياز الحاد لطرف بعينه، كما كان سائداً من قبل؛ والثاني هو أن مشروع باشاغا، في ضوء التحالفات الظاهرة يظل مرتبطاً بحزب العدالة والبناء، الذراع السياسية لجماعة الإخوان المسلمين في ليبيا؛ والثالث، هو أن الرهان على الإطاحة بالسراج يصطدم بالدعم الإيطالي القائم له، ومن الصعب أن تُقْدِم القاهرة على إضافة تعقيدات جديدة لعلاقتها مع إيطاليا لحساب علاقة القاهرة بأنقرة.

على هذا النحو، فإن التفاعلات الجارية في قلب طرابلس لا تعكس توافقاً إقليمياً جديداً، بقدر ما تعكس حالةً من التنافس بين الأطراف المحلية، للاستفادة من تغير البيئة الخارجية للصراع، وهي البيئة التي شهدت تغيرات عدة عززت حالة السيولة القائمة، والناتجة عن عدم اختمار التوازنات الجديدة التي أفرزتها حرب طرابلس، وانفتاح الأوضاع السياسية والعسكرية على عدد من السيناريوهات، التي يصعب استبعاد أي منها.

صراع الغرب الليبي وآفاق التسوية النهائية في ليبيا

شهدت مفاوضات الحل النهائي في ليبيا ثلاثة تطورات مهمة مؤخراً، هي:

  • اتفاق الأطراف الليبية المتفاوضة في الغردقة (اللجنة الدستورية) على إجراءات الاستفتاء على الدستور الليبي الجديد الذي تُعده هيئةً تأسيسية خاصة، وإجراءات تنظيم الانتخابات العامة المقررة في 24 ديسمبر 2021، على أن تُستكمل هذه المباحثات في اجتماع آخر بالغردقة في 9 فبراير 2021.
  • التوافق الصادر عن اللجنة الاستشارية الليبية المنعقدة في جنيف بخصوص آليات اختيار السلطة التنفيذية من المجلس الرئاسي برئيسه ونائبيه ورئيس الحكومة، مع الاتفاق المبدئي على أن يكون رئيس المجلس الرئاسي من الشرق الليبي ورئيس الحكومة من الغرب الليبي. وقد بدأ الصراع فعلاً يحتدم حول رئاسة الحكومة بين فتحي باشاغا وأحمد معيتيق نائب رئيس حكومة الوفاق الذي بنى مؤخراً علاقات قوية مع قيادة الجيش الوطني الليبي والحكومة المصرية.
  • اتفاق طرفي الحوار الليبي في اجتماعات بوزنيقة بالمغرب على معايير وآليات التعيين في المناصب السيادية الأساسية على أساس التوازنات الإقليمية: محافظ البنك المركزي ورئيس ديوان المحاسبة ورئيس الرقابة الإدارية ورئيس هيئة مكافحة الفساد ورئيس المفوضية العليا للانتخابات ورئيس المحكمة العليا والنائب العام.

ومع أن بعض المؤشرات الإيجابية تسير في اتجاه الحل السياسي في ليبيا، ومن أهمها بروز بوادر اتفاق إقليمي ودولي على محددات الحل التوافقي، إلا أن أهم عقبة تواجهه هي حسم المنافسة الحادة في غرب ليبيا التي تتمحور حول المليشيات العسكرية والمجموعات السياسية والقبَلية الطرابلسية الملتفة حول رئيس الحكومة فايز السراج، والقوى السياسية المسلحة في مصراتة وحلفائها من الإخوان المسلمين الداعمين لوزير الداخلية فتحي باشاغا. كما أن روسيا بدأت بوضوح تسوّق سيف الإسلام القذافي، نجل العقيد معمر القذافي، لدور سياسي محوري في الترتيبات المقبلة.

الهوامش

[i] ثمة العديد من المصادر، متباينة الانتماء والتوجه، تشير إلى هذه الصفقة، بوصفها تمثل الخيار الأكثر تفضيلاً وحيازة للدعم من قبل ستيفاني ويليامز، ولمزيد من التفاصيل يمكن مطالعة الروابط التالية: https://cutt.ly/EjUKAkdhttps://cutt.ly/pjUKX1Fhttps://cutt.ly/5jULqT3https://cutt.ly/QjULpWA

سيناريوهات