مستقبل قطاعي السياحة والطيران في ظل تداعيات جائحة كورونا

مركز الإمارات للسياسات | 28 يناير 2021

كان السفر من أولى القطاعات وأكثرها تضرراً جراء جائحة "كوفيد-19"، ونظراً لأن عمليات الإغلاق التي شهدتها دول العالم أدت إلى وقف حركة السفر سواء للأعمال أو الترفيه، فإن القطاع يمكن أن يخضع لتغييرات دائمة إذ إن الكثيرين أخذوا يُعيدون النظر في الجوانب الخاصة بالأمان في الرحلات الجوية، وجدوى السفر بغرض العمل، ووجهات العطلات التي يختارونها.

ولما كان قطاع الطيران والسفر من القطاعات المهمة بالنسبة للنشاط الاقتصادي والتجاري العالمي، فإن هذه الورقة سترصد الأضرار التي لحقت القطاع نتيجة جائحة كورونا، والتداعيات الناجمة عن هذه الأضرار، ومستقبل القطاع في ضوء التطورات الحالية للجائحة.

تداعيات جائحة كورونا على قطاعي السفر والطيران

تسبَّبت الموجة الثانية من تفشي فيروس كورونا، وفرض العديد من الدول لإجراءات الإغلاق مرة أخرى في استمرار تراكم خسائر قطاع الطيران حول العالم، خاصةً مع حظر حركة الطيران بين بعض الدول لمنع انتشار الفيروس عبر المسافرين، إذ أظهرت التحليلات الأخيرة للاتحاد الدولي للنقل الجوي استمرار تراجع حركة المسافرين عالمياً، لتهبط بنسبة 67% خلال عام 2020 فيما سجلت خسائر شركات الطيران حوالي 118.5 مليار دولار خلال عام 2020، وفي حال عادت الدول بفتح حدودها بحلول منتصف عام 2021 على أقرب تقدير، سيخسر القطاع 38.7 مليار دولار في عام 2021.[i]

وتوقَّع التقرير الصادر عن "فروست آند سوليفان"، وهي مؤسسة أمريكية مُختصة في الدراسات والاستشارات، أن يتكبَّد قطاع السفر والسياحة بدول الخليج خسائر في حدود 60 مليار دولار بسبب تداعيات جائحة كورونا، بينما سيُراكِم قطاع الفنادق خسائر تصل إلى 15 مليار دولار، وذكر التقرير أن نمو قطاع السياحة والسفر في منطقة الخليج بلغ 10% خلال السنوات الخمس الماضية، مُشيراً إلى أنه بناء على هذا النمو كان من المتوقع أن يصل إجمالي الانفاق على القطاع إلى 110 مليارات دولار في عام 2020، إلا أن تفشي كورونا أحبط هذه التوقعات بشكل عميق.[ii]

وعلى سبيل المثال، فقد سلبت جائحة كورونا نحو 70% من إيرادات مصر السياحية خلال 2020، بعد تراجع أعداد السائحين إلى 3.5 مليون سائح على مدى عام 2020، فيما أكد وزير السياحة والآثار المصري أن إيرادات السياحة المصرية تراجعت إلى نحو 4 مليارات دولار أمريكي في 2020، مقارنة بـ 13 ملياراً في عام 2019، كما أن نسب إشغال السياحة الخارجية بالفنادق حالياً تبلغ في المتوسط بين 10 و15 % مقارنة بأعداد 2019، وقلَّص قطاع السياحة من معدل نمو الاقتصاد المصري خلال الربع الأول من العام المالي 2020/2021، إلى نحو 0.7%، بينما كان يمكنه تحقيق نمو بنسبة 2.7% في حال نما قطاع السياحة.[iii] وفي الأردن تراجع الدخل السياحي بنسبة 70% في الأشهر الثمانية الأولى من عام 2020، ليُسجِّل 839 مليون دينار أردني، مقارنة مع نفس الفترة من عام 2019، في حين وصل إجمالي الدخل السياحي في عام 2019 الى 4.1 مليار دينار أردني.

من ناحية أخرى، انخفض طلب المسافرين على السفر الدولي لدى شركات الطيران الأوروبية خلال شهر أكتوبر 2020بنسبة 83% مقارنة بعام 2019، وتقلصت السعة التشغيلية بنسبة 70.4%، فيما انخفضت حركة المسافرين لشركات طيران آسيا والمحيط الهادئ في شهر أكتوبر 2020 بنسبة 95.6% مقارنة بالفترة نفسها من عام 2019، وواصلت المنطقة معاناتها من أكبر انخفاض في حركة المسافرين، إذ انخفضت السعة التشغيلية بنسبة 88.5%، وهو أدنى مستوى بين المناطق.[iv]

 كما تراجعت حركة السفر في أمريكا الشمالية بنسبة 88.2% في أكتوبر 2020، والذي يعد تحسناً طفيفاً من انخفاض بنسبة 91% في سبتمبر 2020، وانخفضت السعة التشغيلية بنسبة 73.1%، وشهدت شركات الطيران في أمريكا الجنوبية انخفاضاً على الطلب بنسبة 86% خلال أكتوبر 2020 مقارنة بالشهر نفسه من عام 2019، فيما شهدت شركات الطيران الإفريقية انخفاضاً على حركة السفر بنسبة 78.6% في أكتوبر 2020، والذي يعد تحسناً عن الانخفاض المسجل بنسبة 84.9% خلال سبتمبر 2020، وهو أفضل أداء بين المناطق.

وعلى مستوى الصين، انخفضت حركة السفر المحلية بنسبة 1.4% فقط في أكتوبر 2020 مقارنة بشهر أكتوبر من عام 2019، وتراجعت حركة السفر المحلية في روسيا مرة أخرى إلى المستويات السلبية خلال أكتوبر 2020 بانخفاض قدره 10% بعد شهرين من النمو، وأثرت أرقام الإصابات الجديدة على زعزعة ثقة المسافرين، على الرغم من وجود بعض القيود على رحلات السفر المحلي للتقليل من انتشار الفيروس.

وبينما خسرت كل دولة في القارة الأوروبية إيرادات كبيرة، فإن وقع الخسارة كان أكبر على الدول التي تعتمد بشكل كبير على الإيرادات الناتجة عن السياحة، وبالتالي كانت كرواتيا واليونان، وهما من أكثر الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي اعتماداً على السياح، الأكثر معاناة. ويحقق النشاط السياحي أكثر من خُمْس الناتج الاقتصادي لكلٍّ من الدولتين.[v]

وقد أكد الاتحاد الدولي للنقل الجوي أن ظهور الموجة الثانية من تفشي فيروس كورونا واستمرار الحكومات في فرضها الصارم لقوانين الحجر الصحي، أدت إلى انخفاض طلب المسافرين على النقل الجوي، كما أن الحالة العامة للسفر الدولي غير واضحة. وحتى مع تعافي السوق المحلي الصيني، إلا أن معظم الأسواق الأخرى لا تزال في حالة ركود شديد.

المتغيرات الجديدة في القطاعين

أدت جائحة كورونا لظهور عدد من المتغيرات الجديدة في قطاعي السياحة والسفر من أهمها الدور المستقبلي المتوقع لـ "جوازات السفر المناعية"، وهي شهادة تثبت تلقي اللقاح المضاد لفيروس "كوفيد-19". ويعمل الاتحاد الدولي للنقل الجوي حالياً على تقديم نوع مماثل لهذا المخطط، أطلق عليه اسم "مبادرة جواز السفر"، والذي سيمكن الحكومات من مشاركة المعلومات الخاصة بالاختبارات الخاصة بالكشف عن الفيروس والمعلومات حول التطعيم. كما سيُمكِّن للمسافرين من استخدام تطبيق للتحقق من اختباراتهم وتلقيهم التطعيم ضد الفيروس.

وعلى مستوى صناعة السياحة، وضعت الدول المختلفة اشتراطات جديدة للفنادق من أجل العمل في ظل الجائحة. ففي مصر على سبيل المثال، وصل عدد الفنادق التي حصلت على تراخيص للعمل وفقاً للضوابط الجديدة إلى نحو 700 فندق من إجمالي 1200 فندق.[vi] وفيما يتعلق بصناعة الطيران، فإن عدد كبير من شركات الطيران حول العالم تأثر بشكل سلبي بالوباء من خلال القيام بتسريح العاملين، أو طلب مساعدات لمواجهة المديونيات المتراكمة، أو طلب شراء الحكومات لأصول في هذه الشركات من أجل أن تواصل العمل.

من جهة أخرى، أصبح تفضيل الوجهات القريبة والمحلية هو الأمر السائد، فقد شهدت مواقع حجز العطلات في بريطانيا قفزة في عمليات البحث عن الوجهات المحلية، كما شهد مُزوِّدي خدمات الضيافة في أستراليا الكثير من الرواج لأعمالهم بعد أن اضطر المواطنون إلى إلغاء رحلاتهم الخارجية، كما يتجه البعض للرحلات المحلية والمشاركة مع المجتمعات المحلية في الولايات المتحدة. وبسبب الوباء اكتشف المتخصصون كم هو ملائم عقد المؤتمرات عبر الفيديو كونفراس بدلاً من السفر في رحلة طيران طويلة من أجل عقد اجتماعات العمل. وفي حين يزعم رؤساء شركات الطيران الكبرى على نحو متفائل أن حركة الطيران الدولي لأغراض الأعمال ستعود إلى طبيعتها، يقول آخرون مثل بيل جيتس إن ما يقرب من نصف حركة الطيران تلك ستكون شيء من الماضي.

وقد أكد خبراء صناعة الطيران والسفر إن ما بين 19% إلى 36% من الرحلات الجوية لن تعود مجدداً، وأن حركة السفر بغرض الأعمال لديها سجل تعافي أبطأ مقارنة بالسفر بغرض الترفيه بعد فترات التراجع الاقتصادي، كما أن أسعار رحلات الطيران الخاصة بالشركات تدعم السفر الترفيهي، لذا فإن التغيرات التي يشهده أحد القطاعات تؤثر على القطاع الآخر.[vii]

وفي الخليج، أكد تقرير "فروست آند سوليفان " أنه مع بدء تخفيف القيود المتعلقة بكورونا، وخروج الناس من مرحلة الحظر، سيبقى أغلبية سكان منطقة الخليج يفضلون رفاهية قضاء بضعة أيام في الفندق مع رغبتهم بالحد من تعرضهم للاختلاط مع آخرين للحد من انتشار الفيروس.

التحديات المستقبلية

يُعتبر عدم وجود حل نهائي لفيروس كورونا على المدى القريب، وربما المتوسط، من أهم التحديات التي تواجه قطاعي السياحة والطيران، ما يعني صعوبة العودة إلى وضع ما قبل الوباء بشكل سريع، حيث أن خطر الإغلاق الكامل المتكرر والدائم الذي تضطر الدول إلى الاعتماد عليه لمواجهة الطفرة في زيادة أعداد الإصابات لا يزال هو العائق الأكبر لإمكانية عودة رحلات الطيران المنتظمة بين الدول بشكل كامل.

كما أن الحديث عن الإطار الصحي الذي يمكن تطبيقه مستقبلاً لمستخدمين الرحلات الجوية من الأمور التي تشهد جدلاً كبيراً، خاصةً مع الانتقادات الموجهة لفكرة أهمية حصول كل المسافرين على لقاحات كورونا المعتمدة؛ فالحصول على اللقاح ليس أمر متاح لكل دول العالم، كما أن إمكانية وضع بعض الدول لاشتراطات تتعلق بتلقي المسافرين للقاحات محددة (مثل لقاح فيزر) يعتبر من أكبر العقبات التي تواجه الإطار الخاص بالمسافرين خلال فترة الجائحة وما بعدها، بسبب صعوبة تطبيق هذا الأمر في الكثير من الدول النامية لاعتمادها على لقاحات قد لا تكون معتمدة من جانب الدول المتقدمة.[viii]

خلاصة وتوقُّعات

أثرت جائحة كورونا بشكل كبير على قطاعي الطيران والسياحة بما جعلهما أكبر القطاعات المتضررة خلال عام 2020 من بين كافة القطاعات الاقتصادية على مستوى العالم، ويبدو أن صناعة السفر والسياحة لن تعود لوضعها قبل الجائحة بشكل كامل قريباً، كما أن هناك بعض الممارسات التي ستظل دائمة بعد هذه الجائحة؛ فشركات حجز الفنادق ورحلات الطيران  تقوم حالياً بتهيئة أوضاعها بالفعل مع الواقع الجديد المتمثل في عدم الرغبة في قضاء العطلات في مناطق بعيدة من العالم وتفضيل الوجهات الأقرب، ومن المتوقع أن السياحة التقليدية عبر استخدام الطائرات كوسائل للنقل بين الدول ومشاهدة المعالم السياحية ستتوقف أو تتباطئ بصورة كبيرة بحسب المختصين أيضاً، وسيتجه المسافرون بشكل أكبر إلى قيادة سياراتهم والذهاب إلى أماكن يمكن الوصول إليها براً لا جواً.

ومن الواضح أن العودة إلى مرحلة ما قبل كورونا سيستغرق من 3 إلى 5 سنوات، لذا فمن المتوقع أن تلجأ شركات الطيران إلى عمليات الاندماج فيما بينها من أجل الصمود خلال هذه الفترة، كما سيرتفع الطلب على طائرات الجيل الجديد التي تتميز بتكاليف التشغيل المنخفضة مع التخلي جزئياً عن الطائرات العملاقة، وسيتم الاعتماد بشكل متزايد على تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، فيما سيشهد قطاع تأجير الطائرات نمواً قياسياً خلال الفترة المقبلة، إذ ستلجأ إليه شركات الطيران للتغلب على مشكلة التمويل.

الهوامش والمصادر

[i] The impact of COVID-19 on aviation, available at: https://airlines.iata.org/news/the-impact-of-covid-19-on-aviation, access on: 15-1-2021.

[ii] Available at: https://ww2.frost.com/, access on: 15-1-2021.

[iii] COVID-19 and the aviation industry: Impact and policy responses, available at: http://www.oecd.org/coronavirus/policy-responses/covid-19-and-the-aviation-industry-impact-and-policy-responses-26d521c1/, access on: 15-1-2021.

[iv] Economic Impacts of COVID-19 on Civil Aviation, available at: https://www.icao.int/sustainability/Pages/Economic-Impacts-of-COVID-19.aspx , access on: 15-1-2021.

[v] Covid-19’s impact on the aviation and travel industry, available at: https://www.thegappartnership.com/insights/covid-19-s-impact-on-the-aviation-and-travel-industry/ , access on: 15-1-2021.

[vi] The impact of Covid-19 on the tourism sector in MENA, available at: https://theforum.erf.org.eg/2020/10/19/impact-covid-19-tourism-sector-mena/ , access on: 15-1-2021.

[vii] How COVID-19 Impacted Travel & Tourism Industry Globally, available at: https://infomineo.com/covid-19-impacted-travel-tourism-industry/ , access on: 15-1-2021.

[viii] Covid-19 Impact On Global Tourism: Aviation Looks To Make A Return, available at: https://www.fitchsolutions.com/country-risk-sovereigns/economics/covid-19-impact-global-tourism-aviation-looks-make-return-09-07-2020 , access on: 15-1-2021.

 

سيناريوهات