مستقبل الحزب الجمهوري الأمريكي بعد ترمب

مركز الإمارات للسياسات | 25 يناير 2021

شاهد العالمُ اقتحام مبنى الكونجرس الأمريكي في 6 يناير 2021 بنوع من الذهول وعدم التصديق، وشعورٍ بالقلق إزاء هشاشة الديمقراطية الأمريكية. وبدت المشاهد التي تم بثها حول العالم وكأنها في دولة فاشلة وليست في أقوى "جمهورية ديمقراطية" في العالم. ومن المؤكد أن انعكاسات ما جرى ذلك اليوم ستكون خطيرة على مستقبل السياسة الأمريكية، وأكثر خطورة على مستقبل الحزب الجمهوري، وهو ما تتناوله هذه الورقة.

جذور الاستقطاب والشعبوية

يرى كثيرٌ من المحللين في الولايات المتحدة أن "اقتحام" مبنى الكونجرس في 6 يناير 2021 بتحريض من ترمب يرقى إلى حد الكارثة بالنسبة للحزب الجمهوري. ويتوقع الكثيرون الآن تشظي الحركة المحافظة الأمريكية في ظل إرث ترمب. ولعل حقيقة أن الزعيم الذي تسبب باستقطاب عميق في الولايات المتحدة خلال السنوات الأربع الماضية يُفكر حالياً بترشيح نفسه لخوض انتخابات الرئاسة عام 2024 لا تبشر بخير بالنسبة لوحدة الحزب الجمهوري. لكنَّ اللوم لا يقع على ترمب لوحده لما آلت إليه الأمور.

ففي الوقت الذي اتسمت فيه رئاسة ترمب بالاستقطاب الداخلي، إلا أن ديناميات هيكلية أعمق عملت على إحداث تغيير جذري في السياسة الأمريكية خلال العقد الماضي، إذ يظهر انهيارٌ محتمل للوسط في السياسة الأمريكية ليس بسبب الشعبوية المتطرفة على اليمين فحسب، بل أيضاً بسبب بروز شعبوية على اليسار. وفي الوقت الذي يتم فيه التركيز على "الترمبية" يتعين عدم إغفال حركة مشابهة يسارية شعبوية مناهضة للمؤسسة داخل الحزب الديمقراطي، ومع أن الشعبوية اليسارية في الحزب الديمقراطي لا تنطوي على ما يشبه الجنون التآمري لحركة ترمب إلا أنها تمتلك غضباً مماثلاً تجاه النظام. ولْنتذكر هنا أن عضو مجلس الشيوخ بيرني ساندرز -الذي يَعتبر نفسه اشتراكياً- قد اقترب من الفوز بترشيح الحزب الديمقراطي لخوض انتخابات الرئاسة الأمريكية عام 2020.

يُعَدُّ تصاعد الشعبوية في الولايات المتحدة جزءاً من ظاهرة عالمية متجذرة في المشاكل الاقتصادية التي تتغذى على التباين المتزايد في الدخل، والاستقطاب السياسي، والتضليل. وما زالت الأنظمة السياسية في معظم الدول الغربية تعاني من آثار الانهيار المالي عام 2008. وقد ظهرت الأحزاب الشعبوية في أرجاء أوروبا كافة، وخاصة "بوديموس" و"فوكس" في إسبانيا، و"فايف ستار" في إيطاليا، و"البديل من أجل ألمانيا" في ألمانيا. كما سيطر حزب "سيريزيا" اليساري الشعبوي على اليونان، في حين يحكم حزب "فيدس" اليميني الشعبوي هنجاريا. كما حققت الأحزاب الشعبوية نجاحاً في كلٍّ من تركيا والمكسيك والبرازيل والأرجنتين والهند.

وتجنبت الولايات المتحدة بشكل جزئي التصاعد الشعبوي بفضل قدرة باراك أوباما على امتصاص صدمة عام 2008. ويمتلك أوباما شخصية فكرية قوية مَكّنته من فهم الحرمان، والأهم من ذلك التواصل مع الطبقة العاملة، والرغبة في إحداث تغيير نظامي. كما أثبت أوباما بأنه يؤمن بالتدرج، فكان يطمح إلى العمل من داخل النظام بدلاً من تغييره بشكل جذري. وبالرغم من عمليات الاحتيال الضخمة التي تسببت بالأزمة المالية عام 2008، وفقدان الملايين منازلهم ووظائفهم، فإن وزارة العدل الأمريكية في عهد أوباما لم تحاكم أحداً، وحصل التعافي الاقتصادي الأكثر بطئاً في التاريخ الأمريكي الحديث، وحقق متوسط الدخل نمواً بنسبة 3% فقط خلال الفترة 2009-2017.

وباستثناء إصلاح نظام الرعاية الصحية بشكل جزئي، فإن أوباما لم يفعل أي شيء جوهري لمعالجة المشاكل الهيكلية المتعلقة بعدم المساواة العرقية والتباين في الدخل، أو مواجهة الصين، أو الانخراط في عملية إعادة تقييم للتدخلات الأمريكية الخارجية. وفي نهاية المطاف أدى إخفاق أوباما في إدراك الشعبوية المتصاعدة والتعامل معها إلى تشظي الحزب الديمقراطي، وإلى وضع ترمب على طريق الوصول إلى البيت الأبيض أيضاً.

وفي الوقت الذي انهمك فيه أوباما في استرضاء النظام، لم يكن من قبيل المصادفة أن الحركة الشعبوية، التي بدأت على شكل "حزب الشاي" بعد وقت قصير من الأزمة المالية 2007-2008، تحولت وتحورت إلى "الترمبية" التي هيمنت حتى وقت قريب على الحزب الجمهوري، وقد تنطوي على أثر كبير على السياسة الأمريكية لسنوات قادمة. ويعود السبب الرئيس في لفت "حزب الشاي" الأنظار في عهد إدارة أوباما إلى مناهضة الحزب للمؤسسة، والخروج عن الأعراف. وتَمَثَّلَ الإنجاز الرئيس للحزب في سن قانون السيطرة على الموازنة لعام 2011، الذي نص على وضع سقف للإنفاق، وخفْض النفقات، وإغلاق الحكومة عام 2013.

وقادت هذه الشعبوية السلبية إلى تشكيل ما يُعْرَفُ بـ "تجمع الحرية" House Freedom Caucus في مجلس النواب الأمريكي عام 2015، الذي يُعَدُّ حليفاً قوياً لترمب. وتميز هذا التجمع بتصميمه على تدمير التعاون بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي، وحرمان أوباما من أي إنجازات تشريعية أو شرعية حقيقية.

حركة ترمب الجديدة على غرار "حزب الشاي"

تقودنا الطريقةُ التي عمل فيه "حزب الشاي" على تأجيج ردة الفعل تجاه رئاسة أوباما، إلى فهم الطريقة التي ستصطدم فيها "الترمبية" مع رئاسة جو بايدن. فقد استغل "حزبُ الشاي" المخاوفَ لدى الوسط في الحزب الجمهوري، حيث عمل على دفع الجمهوريين نحو اليمين. وأدرك المسؤولون المنتخبون في الحزب بأنهم لا يملكون أي فرصة في الانتخابات التمهيدية دون استرضاء العناصر المتشددة في الحزب. وعملت هذه الديناميات على جذب المسؤولين الجمهوريين المنتخبين نحو اليمين، على أمل إثارة زوبعة من الغضب في وسائل الإعلام المحافظة للفوز في هذه الانتخابات. وستكون هذه أسلحة ترمب أيضاً.

إن أحد عناصر القوّة التي سيحتفظ بها ترمب بلا شك بعد رئاسته هي قدرته على جذب انتباه وسائل الإعلام المُحافظة، وهو أمر سيحتاج إليه وسيسعى إليه الآن بعد أن فقد حسابه على "تويتر" الذي كان بمنزلة سلاحه الكبير. وسيؤدّي حظر وسائل التواصل الاجتماعي على الرئيس أيضاً إلى دفع حركة ترمب نحو اليمين. وقد شلّ الحظر الذي فرضه تطبيقا "تويتر" و"فيسبوك" على ترمب قدرتَه على التواصل مباشرة ليس فقط مع قاعدة أنصاره، بل أيضاً مع الناخبين المُتأرجحين المُحتملين الذين قد يحتاجهم للفوز.

والسبب الآخر وراء احتمالية أن يتسبّب ترمب بحدوث انقسام في الحزب الجمهوري هو أنه فَقَد في السياق السياسي الذي جرى بعد الانتخابات الرئاسية في السادس من يناير، الدعمَ المُتبّقي الذي كان يتمتّع به في المؤسسة الجمهورية. وثمة الآن دلائل على أنه لم يفقد الدعم في المؤسسة الجمهورية فحسب، بل نجد أيضاً أن الشركات الكُبرى تنقلب ضده في الوقت الحالي؛ فقد قال جاي تيمونز، رئيس الرابطة الوطنية للمُصنّعين، وهي مجموعة تجارية نافذة، عقب أحدات الكونغرس: "هذه فتنة ويجب التعامل معها على هذا الأساس". وأضاف قائلاً: "إن الرئيس المُنتهية ولايته حرّض على العنف في محاولة للاحتفاظ بالسلطة، وإن أي زعيم مُنتخب يدافع عنه يحنث بقسمه على الدستور، ويرفض الديمقراطية لصالح الفوضى". وعبّر رؤساء عدة بنوك في شارع "وول ستريت" عن الآراء نفسها. ويجب ألا يغيب عن البال أيضاً أعضاء الكونغرس الجمهوريين الذين انفصلوا عن ترمب منذ فترة طويلة، والذي هاجموا الرئيس بعد اقتحام مبنى الكونغرس. وقالت صحيفة "ناشيونال جورنال" المحافظة إنه "يجب على ترمب أن يدفع الثمن".

في 14 يناير، صوّت مجلسُ النواب لصالح محاولة عزل ترمب، بفضل 10 أعضاء جمهوريين انضمّوا إلى المُعسكر الديمقراطي، ومنهم شخصيات جمهورية رفيعة المستوى مثل ليز تشيني. وفي أعقاب هذه المحاولة الثانية من قبل الكونغرس لعزل الرئيس، أبدا زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ، ميتش ماكونيل، استعدادَه للسماح لزملائه في مجلس الشيوخ بالتصويت وفقاً لضميرهم في حالة رغبتهم في إدانة ترمب. ويبقى أن ننتظر لنرى فيما إذا كان مجلس الشيوخ سيجد أغلبية الثلثين للإدانة. وهذا يعني أن 17 عضواً جمهورياً في مجلس الشيوخ يقفون إلى جانب الديمقراطيين، وقد يؤدّي التصويت أيضاً إلى اتخاذ قرار بعدم أهلية ترمب لتولّي أي منصب فيدرالي في المُستقبل.

يُمكن لمثل هذا السيناريو أن يؤدّي إلى نتائج عكسية لصالح حركة ترمب التي ستزدهر من خلال لعب دور الضحية، والتذرّع بالمظلومية، والترويج لتنامي ظُلم المؤسّسة الحاكمة في الولايات المتحدة. وحتى مع وجود حركته خارج الحزب الجمهوري ومنْعه من تولّي أي منصب فيدرالي، يُمكن لترمب أن يحظى بدعم كبير في الانتخابات التمهيدية للجمهوريين إذا ظلت شعبيته في قاعدة الحزب قوية. ويمنح النظامُ الأساسي للحزب الجمهوري دعماً مُبكراً للأقلية المُتشدّدة لامتلاك ميزة كبيرة. وسيكون ذلك مثالياً لحركة ترمب، لأنها ستستمر في جذب هؤلاء المُتشدّدين من خلال المنصات عبر الإنترنت مثل "بارلر" و"ربمبل". وحتى لو لم يتمكّن ترمب نفسه من الترشّح مرة ثانية، فإنه يمكن لأفراد الأسرة مثل ابنه دونالد جونيور، الترشح بدلاً من والده الذي سيظل القوة الرئيسة وراء الكواليس، وسيستخدم المرشحون الذين يدعمهم ترمب سرديةَ الضحية مع موجة فاعلة من الشعبوية الغاضبة.

الانعكاسات على الحزب الجمهوري

ثمة فرصة جيدة لأن يبدأ ترمب الحركة الخاصة به، ويحاول الحفاظ على نفوذه على الحزب الجمهوري. ولكن بالنظر إلى رد فعل المؤسسة الجمهورية، فمن المُحتمل أيضاً أن ينشقَّ ترمب عن الحزب ويُشكّل حزباً أو حركة ثالثة. وفي هذه الحالة، ينبغي على الجمهوريين أن يفهموا أن بطاقة وصولهم إلى السلطة هي التنافس على الجمهور نفسه الذي يسعى ترمب إلى استقطابه، وهي الطبقة العاملة المُعدمة. وكما ذكرنا أعلاه، وصل ترمب إلى السلطة بفضل وجود موجة من الاستياء الاقتصادي في البلاد، بل إنه تمكّن من جذب الناخبين الذكور من أصل لاتيني والأمريكيين الأفارقة. وهذا يعني أن على الجمهوريين أن يأخذوا مسألة التفاوت في الدخل على محمل الجد؛ فلم يعد بإمكان الحزب الجمهوري الاعتماد على خفض الضرائب فقط، والاعتماد على دعم شركات المال في "وول ستريت" أو شركات التكنولوجيا في "وادي السيليكون". ويتعيّن على الحزب الجمهوري في فترة ما بعد ترمب أن يضع برنامجاً لا يتضمّن تشكيل حكومة كبيرة بل يهدف إلى زيادة الإنفاق على الجماهير. ويجب أن يُصبح الحزب مؤيّداً للمُستهلك، ومؤيّداً للمنافسة ومُكافحاً للاحتكار، بدلاً من أن يكون مؤيِّداً للأعمال فقط.

وبهذه الطريقة، يُمكن أن تتحوّل نهاية اللعبة العنيفة لرئاسة ترمب إلى فرصة للحزب الجمهوري إذا أراد تجنّب تدميره من قبل الحزب الثالث/لحركة الثالثة التي سيشرع ترمب في تشكيلها. ومع ذلك، وفي هذه المرحلة، ما يبدو حتمياً تقريباً هو رؤية المزيد من الانقسام داخل الحزب الجمهوري بين مُعسكرات قوية مُناهضة لترمب وقوى هامشية مُتطرّفة. 

لكن كيف يمكن الحزب الجمهوري أن ينقسم ويتهاوى على نحو أكبر؟ أولاً، يدفع الفصيل المُضاد لترمب في الحزب -الذي يجسّده أعضاء في مجلس الشيوخ مثل ميت رومني وليزا موركوفسكي، ومُختلف حكام الولايات الجمهوريين في الولايات التي تُمثّل معاقل للناخبين الديمقراطيين والمتأرجحين، ومُعظم المحافظين المُتبقين في المدن الممتدة على الممر بين مدينتي بوسطن وواشنطن العاصمة (ممر أسيلا)، من المحامين والقضاة إلى جماعات الضغط والموظفين- باتجاه التنصّل الكامل من ترمب وجميع أعماله، وبشكل يمتد إلى أكثر من مجرّد محاولة إدانة ترمب بل يشمل كذلك دعم حظر وسائل التواصل الاجتماعي على ترمب، ومراقبة مكتب التحقيقات الفيدرالي للجموع المؤيدة لترمب التي ترفع شعار "اجعل أمريكا عظيمة مرةً أخرى"، واتخاذ المزيد من الإجراءات. إلا أن هذه الإجراءات في الوقت نفسه تدفع عناصر من قاعدة الحزب نحو التطرّف، وتُقدّم دليلاً واضحاً على أن ترمب كان على حق، وأن النظام لا يقف ضدهم فحسب بل يضطهدهم بقوة. ومع هذا الإحساس بالاضطهاد وتموضع أفراد عائلة ترمب بصفتهم قادة للحزب، تُصبح أسطورة تزوير الانتخابات اختباراً حقيقياً في العديد من انتخابات الكونغرس، وتنتشر نظريات المؤامرة في حملات الانتخابات التمهيدية.

هذا السيناريو الذي وصفه العديد من المُحلّلين الذين يحاولون تقييم مُستقبل الحزب الجمهوري هو سيناريو استقطاب داخل الحزب يُمهّد الطريق للانشقاق الداخلي. فقد تتحوّل مؤسسة يمين الوسط إلى الطبقة الوسطى العليا في الضواحي، وتُصبح مناهضة لترمب، وتُصبح قاعدة ترمب مُرتابة مثل أتباع حركة "كيو آنون" الأمريكية التي تنشر نظريات المؤامرة. وفي ظل هذه الظروف يُمكن أن ينقسم هذا الحزب بشكل حقيقي.

وإذا بدأ "الترمبيون" الذين يتبنّون سردية المؤامرة ويلعبون دور الضحية بالفوز بترشيحات مجلس الشيوخ والكونغرس وحكّام الولايات في عام 2022، لكن انتُهي بهم الأمر بخسارة الانتخابات باستثناء المناطق التي تُمثّل معاقل تقليدية للجمهوريين، فسيكون ذلك إشعاراً باكتمال تفكّك الحزب. وسيكون هذا الأمر كارثياً لليمين المُحافظ ومُستقبل الجمهوريين في أمريكا، لأن مثل هذه الحركة الراديكالية المؤيّدة لترمب لن تُؤدي إلى تشظي الحزب فحسب، بل ستُقوّي الديمقراطيين أيضاً ويتحوّل ذلك إلى خسارة ثابتة في حوالي 20 ولاية تضم ناخبين "متأرجحين" وليس جمهوريين.

وفي حالة إعادة ترشيح ترمب أو ترشيح ابنه "دونالد ترمب جونيور" في عام 2024، فإن مجموعة من أعضاء مجلس الشيوخ، مثل ميت رومني وسوزان كولينز أو حكّام الولايات الجمهوريين مثل لاري هوجان من ولاية ماريلاند، سيسعون ببساطة إلى تشكيل حزب صغير مُستقل، تاركين وراءهم الحزب الجمهوري الذي يُهيمن عليه ترمب بنسبة 30%.

الخلاصة

لقد كان من المُمكن أن ينجو الحزب الجمهوري من حقبة ترمب، لكن بعد ما حدث في السادس من يناير الجاري من اقتحام للكونغرس، برز نموذج جديد في الولايات المتحدة، ولم تعد نبوءة انقسام الحزب أمراً افتراضياً فحسب، بل أصبح واقعياً وبشكل مُقلق بالنسبة لليمين الأمريكي.

سيناريوهات