العلاقات الأوروبية-الأمريكية في ظل رئاسة جو بايدن

بهاء محمود | 20 يناير 2021

على مدار أربع سنوات تولى فيها دونالد ترامب مقاليد الحكم في الولايات المتحدة الأمريكية، تدهورت العلاقات مع الحليف الأهم تاريخياً وهو الاتحاد الأوروبي. إذ أخلَّ الرئيس الأمريكي بالاتفاقيات المشتركة بين الجانبين، ولم يكن هناك أي مراعاة لمصالح الأوروبيين في عدة ملفات، من بينها الاتفاق النووي، واتفاقية باريس للمناخ، والأزمة الليبية، وقبل ذلك مسألة أمن أوروبا ومقايضتها بزيادة الإنفاق العسكري الأوروبي أو التهديد بسحب القوات الأمريكية من القواعد الأوروبية.

وعقب فوز الديمقراطي جو بايدن بالانتخابات الأمريكية بدأت أوروبا تُعِدّ نفسها لمرحلة جديدة من العلاقات مع الولايات المتحدة، يُفترَض أنها ستكون أفضل من فترة ترامب، مع الأخذ في الحسبان تغيُّر الأوضاع على مستوى العالم خلال السنوات القليلة الأخيرة.

قضايا أساسية في العلاقات الأمريكية-الأوروبية

1. حلف الناتو وأمن أوروبا: مثلت فترة ترامب فرصة ذهبية للأوروبيين حتى يتحدوا حول آلية للدفاع عن أوروبا خارج مظلة الناتو والقواعد العسكرية الأمريكية، والتي يوجد أهمها في اليونان والبرتغال واسبانيا وبلغاريا وألمانيا وهولندا وبريطانيا وإيطاليا[1]، لكن الانقسام حال دون ذلك. ورغم هجوم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على حلف الناتو ووصفه بالميت، وتهديد ترامب بالخروج من الحلف وسحب القوات الأمريكية أو بعضها من ألمانيا، بذريعة عدم التزام الأخيرة بزيادة الإنفاق العسكري بنسبة 2% من الناتج القومي الإجمالي، إلا أن هناك رغبة في دول شروق أوروبا بالاكتفاء بحلف الناتو، ونفس الأمر ينطبق على ألمانيا التي لا تريد أي آلية عسكرية خارج نطاق مهمات الأمم المتحدة وحلف الناتو خوفاً من استحضار مشهد ألمانيا النازية مرة أخرى.

ويبدو أن هناك الآن تعويل على إمكانية إعادة بناء تحالف الأطلسي بين أوروبا والولايات المتحدة عقب انتخاب بايدن ذو الأصول الإيرلندية والفرنسية. وقد نشر الرئيس الأمريكي المنتخب مقالة في فورين أفريز[2] توضح نهجه تجاه الأطلسي، إذ أكَّد أن "التزام الولايات المتحدة مُقدَّس، ويقع حلف الناتو في قلب الأمن القومي للولايات المتحدة"، واصفاً إياه بـ "تحالف القيم". وأشار بايدن في عبارة أخرى إلى أهمية "أن يقوم حلفاؤك بنصيبهم العادل"، ومما سبق نستنتج أولاً أهمية حلف الناتو لأمريكا، وعدم تبني إدارة بايدن وجهة نظر ترامب في الخروج منه، لاسيما أن بايدن نفسه أحد الذين تبنُّوا إرسال قوات أمريكية إلى منطقة الشرق الأوسط. وثانياً، أن بايدن يرى نفس وجهة نظر ترامب في مطالبة الأوروبيين في زيادة إنفاقهم العسكري، ولكن أسلوب بايدن في الضغط على الأوروبيين في هذه المسألة سوف يختلف، إذ من المحتمل أن يتم ذلك في إطار مقايضة على ملفات مثل الاتفاق النووي المهم لمصالح أوروبا، أو على حساب اتفاقيات التجارة ورفع مبدأ الحمائية، لكن بايدن في كل الأحوال يُدرك أهمية بقاء القوات الأمريكية في أوروبا تحقيقاً لأهداف الولايات المتحدة الاستراتيجية.

2. التجارة الحرة والحمائية: في عام 1997 بلغ العجز التجاري الأمريكي مع الاتحاد الأوروبي في تجارة السلع 16.964 مليار دولار، ومنذ ذلك التاريخ لم تستطع الولايات المتحدة تخطي العجز التجاري، والذي بلغ أقصاه في نهاية 2019 (178.482 مليار دولار). كما أن البيانات المتاحة حتى أكتوبر الماضي أشارت إلى عجز تجاري في السلع مقداره 144.704 مليار دولار، وتظل هذه الأرقام قابلة للزيادة[3].

ورغم أن العجز التجاري بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في تجارة السلع ثابت في كل الإدارات الأمريكية، إلا أن ترامب فقط قرر تبنِّي أسلوب الحرب التجارية ضد الاتحاد الأوروبي وفي مقدمة دوله ألمانيا، وبدأ في تطبيق رسوم جمركية على الحديد والصلب القادِم من أوروبا وكذلك السيارات، فضلاً عن رفضه تطبيق فرنسا تحديداً ضرائب رقمية على الشركات الرقمية العملاقة (أغلبها أمريكية) مثل فيسبوك وأمازون، وزاد من حدة التوتر فرض ضرائب على النبيذ الفرنسي وغيره من السلع الأوروبية بصفة عامة.

ويأمل الاتحاد الأوروبي إنهاء الحرب التجارية مع الولايات المتحدة، لاسيما أن هناك مباحثات في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة عضوان فيها) حول الضرائب الرقمية يفترض أن تنتهي في منتصف 2021. ومن جهته، يُحبِّذ بايدن أن يكون هناك حد أدنى للضرائب الرقمية تُطبَّق في العالم. وتأكيداً على موقف الرئيس الأمريكي بايدن، صرح وزير خارجيته، أنتونى بلينكين، أن "الاتحاد الأوروبي هو أكبر سوق في العالم، ونحن بحاجة إلى تحسين علاقاتنا الاقتصادية، وإنهاء الحرب التجارية المصطنعة التي بدأتها إدارة ترامب، والتي كانت تُسمِّم العلاقات الاقتصادية"[4]. ومع أن تصريحات بلينكين تبدو إيجابية، لكن من غير المؤكد أن تعقد إدارة بايدن اتفاقية تجارة حرة مع الاتحاد الأوروبي، لاسيما وأنه طوال فترتي أوباما لم تنجح المفاوضات، والوضع الآن أسوأ مما كان عليه سابقاً، لكن من المتوقع أن يتم وقف الحرب التجارية بين الطرفين، على أقل تقدير.

3. الشعبوية الأوروبية: خلال السنوات الأربع الماضية دعم ترامب الأحزاب والحكومات الشعبوية، وكل ما هو ضد الاتحاد الأوروبي، من دعم بريكست دون اتفاق، مروراً بدعم زعيم المجر فيكتور أوربان واستضافته في البيت الأبيض، وصولاً إلى الإعلان عن سحب 12 ألف جندي أمريكي من ألمانيا، بحيث يذهب بعضهم إلى بولندا. وعقب إعلان فوز بايدن بالرئاسة الأمريكية ظهرت تساؤلات حول مستقبل الشعبوية الأوروبية، في ظل تراجع مكانة الأحزاب الشعبوية في أوروبا عموماً، نتيجة استمرار تداعيات جائحة كورونا، وكذلك آفاق العلاقات الأمريكية مع دول تحكمها أحزاب اليمين مثل المجر وبولندا، لاسيما أن الدولتين في حالة عدم وفاق مع الاتحاد الأوروبي، كما أن الموقع الجغرافي لدولة مثل بولندا، يجعل من مصلحتها التعامل مع إدارة بايدن، الذي ربما تشهد ولايته تقارباً ألمانياً مع بولندا.

4. تركيا: يكمُن مأزق بايدن عقب توليه السلطة الأمريكية في 20 يناير الجاري في تناقض الخيارات المتاحة أمامه حيال تركيا في ملفي الغاز وليبيا تحديداً وهما الملفين الذين باتا يُعكِّران علاقة تركيا بالقوى الأوروبية، كون ملف الغاز يعني توقف تركيا عن التنقيب مع الموافقة على إجراء مفاوضات لترسيم الحدود مع اليونان في المناطق المتنازع عليها، وهو ما لم تعلن تركيا عن نيتها القيام بذلك. أما الملف الليبي، فأمام بايدن خياران، الأول، دعم تركيا من أجل وقف روسيا، وبالتالي التحالف مع جماعة الإخوان المسلمين وكذلك الجانب الايطالي المتوافق معهم. أو محاولة تأمين وضع دولة كفرنسا ومصالحها في ليبيا دون تقوية موقف روسيا في ليبيا. وبالتالي، سيكون على بايدن العمل وفق سيناريو توافقي في ظل وجود رأي في الإدارة الأمريكية الجديدة يشدد على أهمية إبقاء علاقات قوية مع تركيا، في ظل الخلاف الأوروبي حول التعامل مع تركيا نتيجة تباين المصالح داخل الاتحاد الأوروبي نفسه، باعتبار أن دولاً ألمانيا واسبانيا والبرتغال لا تتأثر مصالحها كثيراً، كما علاقتها مع تركيا، بما يجري في ليبيا أو شرق المتوسط، فضلاً عن توافق إيطاليا مع تركيا في تصوراتهما للأزمة الليبية وسُبُل حلّها.

5. الاتفاق النووي الإيراني: يعد الاتفاق النووي مع إيران من أهم الملفات التي تَضرَّر منها الاتحاد الأوروبي في عهد ترامب عقب انسحابه من الاتفاق في مايو 2018، وتوقيع عقوبات على إيران والمتعاملين معها. وقد أجبرت تلك العقوبات شركات كبرى مثل توتال الفرنسية وغيرها على الانسحاب من السوق الإيراني، فضلاً عن منع إيران تصدير النفط، ومحاصرتها اقتصادياً وتكبيدها خسائر كبرى. في المقابل، مضت إيران في تعزيز برنامجها النووي والتحلل من التزاماتها بموجب الاتفاق، رغم إعلان بايدن أن إدارته سوف تنضم مجدداً للاتفاق النووي مع إيران طالما التزمت الأخيرة بوقف أنشطتها النووية. وينطوي المشهد الآن على عدة تحديات ربما تُسهِم في تعميق الخلاف حول الاتفاق النووي، من بينها:

أ. اتفاقات السلام الأخيرة مع إسرائيل: نجحت إدارة ترمب في رعاية اتفاقيات سلام بين إسرائيل وعدد من الدول العربية (الإمارات، والبحرين، والسودان، والمغرب)، وقد يعزز هذا التطور جهود مواجهة نزعة إيران التوسعية وطموحاتها النووية من جانب، ويزيد الضغط على إدارة بايدن حتى تستمر في نهج سابقتها في الضغط على إيران، من جانب آخر.

ب. الانتخابات الإيرانية: ثمة انتخابات رئاسية مقبلة في إيران في منتصف 2021 من شأنها، بحسب العديد من التوقعات، أن تعزز قبضة الاتجاه المتشدد في إيران وفوز المرشح المدعوم من الحرس الثوري، الذي يعارض وجود مفاوضات جديدة حول الاتفاق النووي.

ج. خيار توسيع الاتفاق: ثمة توافق أوروبي حالياً على مسألة إدراج برنامج الصواريخ الباليستية ضمن المفاوضات حول الاتفاق النووي، مع الأخذ في الحسبان الضغوط العربية في مسألة سلوك إيران الخارجي تجاه دول مثل لبنان والعراق وسوريا واليمن، وهي مناطق نفوذ إيرانية لا يبدو أن إيران في وارِد التخلي عنها. وفي المجمل، ترفض إيران إدراج مثل هذه المسائل في أي اتفاق حول برنامجها النووي، وترى ضرورة رفع العقوبات الأمريكية عليها أولاً، باعتبار أن من انسحب من الاتفاق هو الولايات المتحدة وليس العكس.

التوقعات

ثمة سيناريوهات محتملة لشكل العلاقات الأوروبية-الأمريكية وطبيعة إدارتهما للملفات العالقة، يمكن حصرها في الآتي:

  1. أن يحدث توافق أوروبي-أمريكي في مجمل الملفات العالقة مثل الاتفاق النووي، والأزمة الليبية، والحرب التجارية، واتفاقية المناخ التي أعلن بايدن عن عزمه الرجوع إليها، علاوة على العودة إلى منظمة الصحة العالمية.
  2. حدوث توافق جزئي بين الطرفين في بعض القضايا والملفات فقط، وأهمها الاتفاق النووي الإيراني، لاسيما أن المتغيرات الحالية تُصعِّب من الموقف الأمريكي تجاه هذا الملف؛ إذ إن رفع العقوبات عن إيران لن يكون أمراً سهلاً، كما لا توجد ضمان على قبول إيران إجراء تعديلات في الاتفاق النووي وفق شروط جديدة، فضلاً عن إمكانية إدراج دول عربية في الاتفاق من عدمه، مع العلم أن الجانب الأوروبي لا يُحبِّذ وجود إسرائيل أو الدول العربية في الاتفاق. ونفس المعضلة تبرز في ملف التعامل مع الصين نظراً لعدم وجود رؤية موحدة بين الأوروبيين والأمريكين في آلية التعامل مع الصين، والتي تعد شريك تجاري مهم لكلا الطرفين.

الهوامش

[1] حسن رفاعي، "ما هي أهم القواعد الأمريكية في أوروبا التي يمكن أن تكون هدفاً للغضب الإيراني؟"، تقرير متاح على موقع يورو نيوز عربي على الرابط: https://arabic.euronews.com/2020/01/06/can-us-bases-in-europe-be-the-target-of-iran-wrath

[2] هندريك دبليو أونسيرجه، "جو بايدن ومستقبل علاقات الأطلسي"، على الرابط: https://cutt.us/tJJPP

[3] بيانات التجارة بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة منذ عام 1997 وحتى أكتوبر 2020، متاحة على الرابط: https://www.census.gov/foreign-trade/balance/c0003.html

[4] المرجع السابق.

 

سيناريوهات