النزاع السوداني-الإثيوبي حول أراضي الفشقة ومآلاتِه المُحتملة

سمير رمزي | 03 يناير 2021

تصاعدت مؤخراً وتيرة النزاع بين السودان وإثيوبيا حول منطقة الفشقة الحدودية، وهو خلاف قديم بدأ منذ القرن الماضي. وتُحاول هذه الورقة تحليل واستشراف مآلات التصاعُد في النزاع الحدودي بين البلدين الأفريقيين الجارين، في ضوء الآليات التي اعتمدها الطرفان لإدارة النزاع بينهما خلال عام 2020.

تطوُّر النزاع السوداني-الإثيوبي حول منطقة الفشقة

تكررت الاضطرابات العسكرية بين السودان وإثيوبيا بمناطق الفشقة الحدودية في ظل عدم ترسيم الحدود بين البلدين بشكل كامل. وعلى مدار سنوات، استثمر مواطنون إثيوبيون هذه الوضعية السائلة في زراعة مساحات واسعة من أراضي الفشقة دون موافقة الجانب السوداني[1]. ولم تتوقف الاضطرابات رغم اعتراف رئيس الوزراء الإثيوبي الحالي آبي أحمد بمخرجات اتفاق 1972 بين حكومتي البلدين الذي يقضي بتبعية المنطقة للسودان[2]. ويتهم السودان الجيش الإثيوبي بدعم جماعات مُسلحة إثيوبية تُدعى "الشفتا" في القيام بأعمال خطف ونهب لمُزارعين سودانيين، بغرض إبعادهم عن المنطقة لصالح عناصر قبائل الأمهرا الإثيوبية.

وشهد شهر ديسمبر الجاري تصاعُداً خطيراً في الاضطرابات العسكرية بين الدولتين بعد قيام الجيش السوداني بتعزيز وجوده العسكري في أجزاء من منطقة الفشقة الصغرى، بذريعة تأمين الحدود من تبعات العملية العسكرية التي شنتها الحكومة الإثيوبية ضد قوات إقليم التيجراي؛ ما قاد إلى تكرار الاحتكاكات العسكرية بين الجيش السوداني وجماعات "الشفتا". وقام الأول باتهام نظيره الإثيوبي بدعم "الشفتا" في شنّ عملية عسكرية ضده أدت إلى مقتل أربعة أفراد من الجيش السوداني، وأعقب ذلك قيام قوات سودانية بالتوغُّل داخل أراضي الفشقة الصغرى، و"استعادة" 80% من الأراضي محل النزاع بحسب تصريحات الفريق خالد عابدين الشامي، نائب رئيس هيئة الأركان-عمليات في الجيش السوداني.

الآليات التي اعتمدها السودان في إدارة النزاع

لجأ الجانب السوداني مؤخراً إلى استخدام آليات عدة في إدارة نزاعه الحدودي مع إثيوبيا، بهدف دفع أديس أبابا نحو تفعيل ترسيم الحدود وإبعاد ميليشيات الشفتا من منطقة الفشقة، وأهم هذه الآليات:

  • تعزيز الوجود العسكري في الفشقة: تصاعدت المطالب السودانية رسمياً وشعبياً "باسترداد" مناطق الفشقة بعد سقوط نظام البشير، وتَخلَّى الجيش عن صمته تجاه هذا النزاع، مُعلِناً في مارس 2020 عن تعزيز وجوده العسكري في منطقة شرق نهر عطبرة بقوة "محدودة العدد"، بغرض تأمين الحدود، بعد مقتل اثنين من جنوده خلال "محاولة للتصدي لعصابات الشفتا"[3]. ورَدَّت قوات إثيوبية على هذه الخطوة بتعزيز وجودها في المنطقة، والتعرُّض للجيش السوداني. ولجأ الطرفان إلى التفاوض على الانسحاب من نقاط التماس بهدف احتواء الموقف[4]. ووقع التمدُّد العسكري السوداني الأكبر خلال ديسمبر 2020 كما سبق الإشارة[5]، في عملية سَبقها قيام الجيش السوداني بتفعيل نشاط "المنطقة العسكرية الشرقية" بولاية القضارف القريبة من أراضي الفشقة. وتزامنت هذه الخطوة مع تأكيد مجلس السيادة السوداني أن "الحوار" هو السبيل الوحيد لعلاج النزاع.
  • الاستعانة بالأدوات السياسية: حاول مجلس الوزراء السوداني على نحو غير مُثمِر؛ تفعيل الآليات السياسية لعلاج المشكلة الحدودية. واستضافت أديس أبابا اجتماعات اللجنة السياسية العُليا لترسيم الحدود في 18مايو 2020، برئاسة نائب رئيس الوزراء الإثيوبي ديميكي ميكونين ووزير مجلس الوزراء السوداني عُمر مانيس، واتفق الجانبان على عقد اجتماع آخر بالخرطوم في يونيو 2020، وبدء عملية وضع العلامات المُحددة على الحدود في أكتوبر 2020 وحتى مارس 2021. غير أن كلا الخطوتين لم يتم تنفيذهما. وانعقدت اللجنة مرة جديدة في ديسمبر 2020 بالخرطوم، بعد زيارة رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك لإثيوبيا بغرض مَنْع تصعيد النزاع، وأفضت اجتماعات اللجنة إلى الاتفاق على تحديد موعد لاحق لاستئناف المُباحثات في أديس أبابا، وذلك بعد قيام نائب رئيس الوزراء الإثيوبي بإدانة "قيام السودان بنهب المزارعين الإثيوبيين وقتل عدد منهم"، داعياً لإيجاد "حلٍّ ودِّي" للمستوطنات والمزارع الإثيوبية[6].
  • التلويح بدعم قبائل التيجراي: على عكس دولة إريتريا التي انحازت للحكومة الإثيوبية، أعلن الجيش السوداني "حياده" تجاه الاشتباكات العسكرية بين قيادات إقليم التيجراي والحكومة الإثيوبية في نوفمبر 2020[7]، ورَفَضت الحكومة السودانية تسليم نظيرتها الإثيوبية بعض العناصُر الإثيوبية المُسلحة التي تنشط في الفشقة الكبرى والمطلوبة لدى الحكومتين[8]، في وقت لم تنجح الحكومة الإثيوبية في ضبط قادة إقليم التيجراي رغم فرض سيطرتها العسكرية على الإقليم، بما في ذلك قائد قوات التيجراي دبرصيون جبرميكائيل[9]. واستقبل السودان أكثر من 50 ألف لاجئ من إقليم التيجراي خلال الأزمة.
  • التقارُب مع مصر: عمد السودان إلى تعميق تعاونه العسكري مع مصر، ونَفَّذ البلدان تدريبات عسكرية مُشتركة قبل أسابيع من التوغُّل السوداني في الفشقة، وتكلل هذا التعاون بإعلان وزارة الخارجية المصرية تضامُنها مع "حق السودان في ممارسة سيادته على أراضيه"، بالتزامُن مع تصاعد النزاع بمنطقة الفشقة في ديسمبر 2020[10].

الآليات التي اعتمدتها إثيوبيا في إدارة النزاع

في المقابل، اعتمدت الحكومة الإثيوبية على الآليات التالية:

  • الصمت عن نشاط الشفتا: في ظل سعيها للحفاظ على دعم قبائل الأمهرا ضمن سياق نزاعها مع متمردي إقليم التيجراي، لم تتخذ الحكومة الإثيوبية أي ردة فعل تجاه جماعات الشفتا رغم قيام الأخيرة بالاشتباك مع الجيش السوداني في أكثر من مناسبة، وقام الأخير باتهام الجيش الإثيوبي بدعم "ميليشيات إثيوبية" لأول مرة في 28 مايو 2020، وقتل أحد عناصره بمنطقة قريبة من الفشقة، وذلك بعد رفض الجيش السوداني مطالب الشفتا بسحب مياه من نهر عطبرة[11]. ويُلاحظ بصفة عامة وقوع اشتباكات عسكرية بين الجانبين في أعقاب انعقاد اجتماعيَّ لجنة ترسيم الحدود في مايو وديسمبر 2020.
  • توظيف الأدوات الاقتصادية: حاولت الحكومة الإثيوبية استمالة السودان عبر اقتراح حزمة من المشاريع الاقتصادية، ومنها مشاريع تُمر بمناطق النزاع مثل مشروع الربط بين البلدين عن طريق السكك الحديدية، والتي حاولت وزيرة النقل الإثيوبي تفعيل أولى خطواته أثناء زيارتها للخرطوم بالتزامُن مع انعقاد لجنة ترسيم الحدود في ديسمبر. كما أعلنت إثيوبيا عن زيادة الربط الكهربائي مع السودان بالتزامُن مع الاضطرابات الحدودية التي وقعت في مايو 2020.
  • الحفاظ على علاقات جيدة بمجلس الوزراء السوداني: تُحافِظ الحكومة الإثيوبية على علاقات جيدة بمجلس الوزراء السوداني بعد مُشاركتها الاتحاد الأفريقي في جهود الوساطة التي قادت لتشكيل مجلس الوزراء الحالي، واستضافت في سبتمبر 2020 مباحثات بين رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك وعبد العزيز الحلو رئيس الحركة الشعبية لتحرير السودان، والتي أسفرت عن الاتفاق على مبدأ فصل الدين عن الدولة، ولاقى هذا الاتفاق رفض قيادات عسكرية سودانية.
  • الترويج لتورُّط جهات خارجية في النزاع: بالتوازي مع تأكيد رغبته في وضع حل سلمي للنزاع؛ يرتكز الخطاب الإعلامي لرئيس الحكومة الإثيوبية على تأكيد ضلوع جهات خارجية في توتير علاقة بلاده بالسودان، وألمح القنصل الإثيوبي بالقضارف إلى لعب القاهرة دوراً في هذ السياق[12]. بينما رَوَّجت تقارير إعلامية سودانية في ديسمبر 2020 لاتجاه الجيش الإريتري نحو دعم إثيوبيا في حال تصاعُد الاشتباكات العسكرية[13]. ويتخوَّف السودان من تَدخُّل إريتريا بسبب تمتعها بحدود مشتركة مع ولاية كسلا السودانية، والتي تشهد بدورها نزاعاً على السُلطة أحد أطرافه قبائل الهدندوة القريبة من إريتريا.

المآلات المُحتملة للنزاع

في ضوء ما سبق، من المتوقع أن ينحو النزاع الحدودي بين السودان وإثيوبيا مستقبلاً باتجاه أحد المسارات المحتملة الآتية:

1. التوصُّل إلى حلٍّ نهائي للنزاع: قد يقبل الجانب الإثيوبي بإجراء ترسيم نهائي للحدود في حال ضمانه الحفاظ على مصالح قبائل الأمهرا، ويرتهن ذلك باتفاقه مع السودان على تقنين أوضاع مُزارعي القبيلة، بالتوازي مع تعزيز التعاون الاقتصادي والأمني بين البلدين بهدف تيسير وتأمين حركة انتقال الأفراد عبر الحدود.

2. التهدئة المؤقتة: من المُحتمل أن يتجه البلدان إلى تجميد النزاع عند الوضع الراهن، والاتفاق على إطلاق عملية طويلة الأمد لترسيم الحدود، والاتفاق على تشكيل قوات أمنية مشتركة لضبط الأمن على الحدود؛ وبذلك يحفظ الجيش السوداني مكتسباته الميدانية الأخيرة بشكل يدعم شعبيته محلياً، وتتحاشى الحكومة الإثيوبية احتمال الإضرار بمصالح الأمهرا. بيد أن هذا المسار قد يقود إلى تصعيد النزاع مجدداً في حال تجدَّدت الاحتكاكات العسكرية.

3. المواجهة العسكرية: ربما ينزلق جيشا البلدين إلى مواجهة عسكرية مفتوحة نتيجة لتكرار الاشتباكات العسكرية، ولا يرغب الطرفان في هذا المسار بسبب تداعياته الخطرة على الاستقرار المحلي والإقليمي.

وبالموازنة بين المسارات المطروحة، يعد مسار التهدئة المؤقتة هو الأكثر ترجيحاً لانخفاض المخاطر الناتجة عنه لكلا الجانبين مُقارنة ببقية المسارات، يليه مسار التوصُّل إلى حلٍّ نهائي للنزاع، بينما يعد مسار المواجهة العسكرية مُستبعداً نسبياً في المستقبل القريب.

خلاصة واستنتاجات

في ظل تركيز الحكومة الإثيوبية على عمليتها العسكرية ضد قبائل التيجراي الإثيوبية؛ عَمد السودان إلى تحسين موقفه التفاوضي على صعيد النزاع الحدودي مع إثيوبيا، وقام بتعميق وجوده العسكري في أراضي الفشقة المُتنازع عليها بين البلدين. وحاول الجانب الإثيوبي تقويض فُرَص نجاح التحركات السودانية حرصاً على مصالح قبائل الأمهرا. وقادت هذه التطورات إلى إعادة إلقاء الضوء على ملف ترسيم الحدود بين البلدين؛ بشكل قد يقود إلى وضع حل نهائي للنزاع، أو تعزيز الوجود العسكري السوداني بالمنطقة على أدنى تقدير.

الهوامش

[1] تبلغ مساحة الفشقة 251 كم2، وتنقسم إلى الفشقة الكبرى والفشقة الصغرى، وهذه المناطق خصبة زراعياً لوقوعها بجوار نهر عطبرة. وتتاخم الفشقة الصغرى إقليم الأمهرا الإثيوبي.

[2] "نزاع الحدود بين السودان وإثيوبيا"، 11/6/2020، متاح على الرابط: https://bit.ly/3mT3cMb

[3] "شهيدان من الجيش في اشتباكات على الحدود مع إثيوبيا"، 8/3/2020، متاح على الرابط: https://bit.ly/2WR8gX1  

[4] "قوة من الجيش الإثيوبي تتوغل داخل الأراضي السودانية"، 2/4/2020، مُتاح على الرابط: https://bit.ly/3ryYZRo

[5] شملت السيطرة على نقاط مثل جبل أبو طيور الذي يتمتع بأهمية استراتيجية لوقوعه في منتصف أراضي الفشقة الصغرى، كما وصلت القوات السودانية إلى نقاط قريبة من تجمعات سكانية لمزارعي الأمهرا بعد سيطرته على منطقتي خور قلع البان وخور الشد.

[6] "مناقشات لترسيم الحدود المتوترة بين السودان وإثيوبيا"، 22/12/2020، متاح على الرابط: https://bit.ly/34LC3ES

[7] "رئيس هيئة الأركان: لن نغلق حدودنا أمام أي جائع أو متضرر من الحرب"، 22/11/2020، مُتاح على الرابط: https://bit.ly/2WOghfr

[8] "توقيف (هلكا عصار) يُثير بوادر توتر بين السودان وإثيوبيا"، 1/12/2020، متاح على الرابط: https://bit.ly/34PMlUi

[9] "الصراع في تيغراي: السلطات الإثيوبية تعرض مكافأة مالية للقبض على قادة الإقليم المختبئين"، 18/12/2020، متاح على الرابط: https://bbc.in/3pveo3A

[10] "البرهان يتفقد الحدود بعد "كمين إثيوبي".. ومصر تدين وأبي أحمد ينتقد "مثيري الفتنة""، 17/12/2020، مُتاح على الرابط: https://cnn.it/3rzzVd0

[11] "السودان يتهم الجيش الإثيوبي بتكرار الاعتداء على أراضيه"، 28/5/2020، مُتاح على الرابط: https://bit.ly/36KEB5K

[12] "القنصل الإثيوبي بالقضارف: الأوضاع بحدود البلدين غير جيدة"، 9/8/2020. متاح على: https://bit.ly/3rBmtFG

[13] "الجيش يسيطر على 11 مستوطنة إثيوبية داخل السودان وقوات إريترية تتحرك قرب الحدود"، 26/12/2020، مُتاح على الرابط: https://bit.ly/38CJTlk

 

سيناريوهات

­­أفغانستان والتحديات أمام حُكم "طالبان"

مركز الإمارات للسياسات | 18 أكتوبر 2021