فُرَص نجاح اتفاق "أوبك بلس" الأخير في ضبط الأسعار

شريف أبو الفضل | 29 ديسمبر 2020

بعد محادثات استمرت عدة أيام بين الأعضاء، اتفقت منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) بقيادة المملكة العربية السعودية، والدول المتحالفة معها من خارج المنظمة بقيادة روسيا، فيما يُعرف بتحالف (أوبك+)، في 3 ديسمبر 2020، على رفع إمدادات الخام للدول الـ 23 المشاركة في التحالف بمقدار نصف مليون برميل يومياً بدءاً من يناير المقبل، عوضاً عما كان مقرراً في الاتفاق الذي توافقت عليه أطراف التحالف في 12 أبريل الماضي بزيادة الإنتاج بمقدار حوالي مليوني برميل يومياً منذ بداية العام 2021، ليصبح إجمالي حجم الخفض في الإنتاج النفطي 7.5 مليون برميل يومياً نزولاً من 7.7 مليون برميل يومياً، بموجب اتفاق أبريل الماضي.

ورغم أن الخطوة مثَّلت دعماً إيجابياً لأسواق النفط، إذ شهدت الأيام التالية للاتفاق ارتفاع سعر الخام بمستوى أكثر من خمسين دولاراً للبرميل، ونسبة زيادة تقدر بـ2%، إلا أن هذا التفاؤل ظلَّ محفوفاً بالحذر نتيجة لما تشهده الأسواق من هشاشة بسبب ضبابية التوقعات حول مستقبل عودة النشاط الاقتصادي، وهو الأمر الذي له بالغ الأثر على الطلب العالمي على النفط، بالإضافة لمخاوف من زيادة المعروض النفطي سواء من قبل الدول المستثناة من تخفيض الإنتاج مثل إيران وفنزويلا بسبب العقوبات، أو ليبيا بسبب الاضطرابات التي تعاني منها، أو زيادة الإنتاج من قبل مُنتجي النفط الصخري في الولايات المتحدة الأمريكية، بشكل يشكل تحدياً أمام استقرار الأسعار ويجعل قرارات الدول المصدر للنفط تتوقف دائماً على أوضاع السوق وتخضع للتقييمات والمراجعات المستمرة.

أبعاد الاتفاق

يأتي الاتفاق الأخير الذي عقد في بداية ديسمبر الجاري ضمن محاولات الدول المصدرة للنفط سواء من داخل منظمة أوبك أو من خارجها لإحداث توازن السوق وضبط الأسعار، في ظل العجز الهيكلي الذي أصاب الطلب على النفط نتيجة للإغلاقات الجزئية والكلية للاقتصادات على مستوى العالم بسبب تفشي فيروس كورونا، وعرقلة حركة الطيران والنقل والتجارة، الأمر الذي دفع بمستويات الطلب العالمي إلى حوالي 90 مليون برميل نزولاً من مستوى 100 مليون برميل أواخر عام 2019، وهي المحاولات التي بدأت مع الاتفاق الذي عقد بين أوبك والمستقلين من خارجها بقيادة روسيا في 12 أبريل الماضي، بعد تعثُّر الاتفاق على خفوضات جديدة في 6 مارس الماضي نتيجة خلافات فنية وسياسية، وهو ما تبعه قيام كبار المنتجين بإغراق الأسواق بالخام في إطار ما عُرِفَ بحرب "الحصص السوقية"، والتي أدت إلى تدهور حاد في أسعار النفط وفقدان خام برنت أكثر من ثلث قيمته ليصل لمستوى أقل من 30 دولاراً للبرميل، في استدعاء لسيناريو تدهور الأسعار في نهاية 2015، والذي أفضى إلى تشكيل تحالف أوبك + لإحداث توازن السوق وضبط الأسعار.

تم الاتفاق بين السعودية وروسيا، بعد تدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لتسوية الأزمة بين كبار مُنتجي النفط، وإحداث توازن في السوق النفطية وضبط الأسعار التي وصلت لمستويات متدنية تُهدد صناعة النفط الصخري الواعدة في الولايات المتحدة، ونتج عن ذلك اتفاق أبريل بين أعضاء تحالف أوبك + الذي أقر تخفيضات في إنتاج النفط بنحو 9.7 ملايين برميل يومياً في شهري مايو ويونيو 2020، وهو ما يعادل نحو ثلاثة أضعاف المستوى المقترح في 6 مارس الماضي عند 3.6 ملايين برميل يومياً. وبعد ذلك، ستتوخى (أوبك+) مع تحسُّن مستوى الطلب العالمي خفض الإنتاج تدريجياً بنحو مليوني برميل إلى 7.7 ملايين برميل يومياً حتى نهاية العام، ثم إلى 5.8 ملايين برميل يومياً من يناير 2021 إلى أبريل 2022.

ويمثل الاتفاق الأخير تعديلاً لما تم الاتفاق عليه في أبريل بين أعضاء تحالف أوبك +؛ فبدلاً من خفض الإنتاج لمستوى 5.8 مليون برميل يومياً، كما كان مفترضاً في اتفاق أبريل، تم الاتفاق على الخفض بمقدار 7.2 مليون برميل نزولاً من 7.5 مليون برميل يومياً، وهو الأمر الذي يُفسَّر بما تم على أرض الواقع من تراجع في مستويات الطلب وفقدان قدرة الاقتصادات على الانتعاش السريع نتيجة لاستمرار تفشي فيروس كورونا، ودخول بعض الدول في موجات متتالية من الجائحة، ما قيَّد من التفاؤل بشأن التحسُّن في أسعار النفط، واستقر بها عند مستويات من 40 - 50 دولاراً للبرميل.

كما اتفق أعضاء تحالف أوبك + على جعل اجتماع دول المجموعة لتقرير مستوى الإنتاج شهرياً، وأن تكون الزيادة أو الخفض في الإنتاج بناءً على ما يشهده السوق من تطورات في حدود 500 ألف برميل يومياً. ويرى محللو أسواق النفط أن ذلك يهدف إلى: أولاً؛ إضفاء المزيد من المرونة والاستجابة السريعة للتطورات، بحيث لا يتم انتظار الاجتماع نصف السنوي لأوبك +، وثانياً؛ اتباع النهج التدريجي في زيادة الإنتاج وخفضه بناء على تطورات السوق.

وقد مثَّل الاتفاق الأخير حلاً وسطاً لأطرافه، إذ اُعتبر مُرضياً للراغبين في عدم الإخلال بتوازن السوق والحفاظ على ما تم اكتسابه من تحسُّن في الأسعار، إذ استردّ الخام أكثر من 150% من قيمته عند مقارنة بسعره الحالي، وهو حوالي 50 دولاراً للبرميل، مع مستوى حوالي 20 دولاراً في أبريل الماضي. وفي الوقت ذاته، يمثل الاتفاق تلبية لرغبة بعض الأعضاء في زيادة الإنتاج للحفاظ على الحصة السوقية، والتي تمثل هاجساً لدى بعض منتجي النفط، لا سيما الكبار منهم، بشكل يوازي الحرص على تحسُّن الأسعار وربما أكثر. وستقوم المجموعة بعد ذلك بمراجعة شهرية، وإقرار ما إذا كانت ستستمر في الزيادة التدريجية في الإنتاج، أم ستتوقف عن ذلك، وهو أمر يفترض أن يُحدَّد وفقاً لظروف السوق السائدة.

المحفزات والتحديات التي تواجه الاتفاق

سيواجه الاتفاق الأخير لتحالف أوبك + عدداً من المحفزات والتحديات التي تشكل العوامل الحاكمة لحركة أسواق وأسعار النفط خلال الفترة المقبلة.

ومن المحفِّزات التي قد تدفع في اتجاه توازن السوق وتحسُّن الأسعار:

  • تداول الأنباء بشأن توفُّر لقاحات لفيروس كورونا، وإعلان بعض الدول خططها لشراء اللقاح وبدء تداوله بين المواطنين، الأمر الذي يعني فك بعض القيود المفروضة على الأنشطة الاقتصادية، وتنشيط حركة الأسواق والتجارة والنقل، ومن ثمَّ معالجة الخلل الهيكلي الذي أصاب الطلب على النفط منذ بداية الجائحة.
  • في حين زادت الإغلاقات في الغرب، بسبب عودة انتشار فيروس كورونا، في إطار ما وُصِفَ بـ "موجة ثانية للجائحة"، فإن الوضع مختلف بالنسبة للدول الآسيوية (كثيفة الاستهلاك للطاقة)، فالطلب على النفط في هذه الدول يرتفع، إذ تشير وكالة "بلومبيرغ" إلى تعافي الصين اقتصادياً إلى حد كبير، وأن الأمر ينحو في ذات الاتجاه في دولٍ كالهند واليابان وكوريا الجنوبية، ودللت الوكالة الأمريكية على ذلك بالاحتفالات بعيد الأنوار في الهند، وارتفاع حركة السفر والتنقل في الصين في الأسبوع الذهبي لزيارة الأقارب عبر الدولة.
  • خُطط التحفيز الاقتصادي التي اتخذتها كبرى دول العالم، ففي قمة الاتحاد الأوروبي التي عُقدت يومي 10 و11 ديسمبر الجاري، تم الاتفاق على ما يسمى بصندوق التعافي الأوروبي. وتبلغ قيمة الصندوق 750 مليار يورو (نحو 900 مليار دولار)، سيتم توزيع 390 مليار يورو منها في شكل منح و360 مليار في شكل قروض. ومن المقدر أن تستفيد بلدان جنوب أوروبا كإيطاليا وإسبانيا واليونان أكثر من غيرها باعتبارها الأكثر تضرراً من الجائحة. ورفعت الحكومة اليابانية، من ناحيتها، توقعاتها للنمو الاقتصادي للعام المالي المقبل بفضل حزمة التحفيز الأخيرة التي تهدف إلى تسريع الانتعاش بعد الأضرار التي أحدثتها الجائحة. وأظهر أحدث تقدير صادر عن مكتب مجلس الوزراء، منتصف ديسمبر الجاري، أنه من المتوقع أن ينمو الاقتصاد بنسبة 4% بالقيمة الحقيقية المعدلة للأسعار في السنة المالية المقبلة التي تبدأ في أبريل 2021. وفي الولايات المتحدة أقرَّ الكونجرس، حزمة إغاثة مرتبطة بفيروس كورونا بقيمة 892 مليار دولار، وينصّ المشروع على دفع 600 دولار مباشرة لمعظم الأمريكيين وأطفالهم؛ ويستبعد من يزيد دخلهم على 100 ألف دولار، وكذلك المهاجرين غير الشرعيين.
  • وفقاً للعديد من التقديرات، فإن الطلب على البنزين والديزل قد تعافي بنسبة حوالي 90% مقارنة بمستويات ما قبل الوباء، ما يدلل على أن الطلب على القطاع النفطي قد يتسم بعدم المرونة بالنسبة لبعض أنواع الوقود.

وعلى الجانب الآخر، ثمة تحديات تعمل في اتجاه معاكس، وتدفع إلى ركود الأسواق وتراجُع الأسعار، الأمر الذي يسبب عجزاً في موازنات الدول المعتمدة على الصادرات النفطية، فضلاً عن كونه يمثل تهديداً لصناعة النفط ذاتها، ومن بين أبرز تلك العوامل:

  • عودة بعض الدول لاتخاذ إجراءات الإغلاق الاقتصادي، بسبب عودة وباء كورونا بشكل واسع، والحديث عن سلالة جديدة للفيروس في بريطانيا، ووقف حركة النقل والتجارة والسفر، بعد أن كانت شهدت بعض الانفراجة في الربعين الثالث والرابع من العام 2020، الأمر الذي سيكون له بالغ الأثر على الطلب على النفط على الأقل في الربع الأول من العام 2021. وترى "وكالة فيتش" للتنصيف الائتماني، أن الطلب سيظل ضعيفاً حتى النصف الثاني من العام المقبل على الأقل، في ظل الانتشار السريع للفيروس في موجته الثانية، فضلاً عن أن تداول اللقاح، لاسيما بالنسبة للدول النامية، لن يكون بالسرعة المطلوبة لتعافي الأسواق. وتشير توقعات الوكالة الدولية للطاقة إلى أن الطلب العالمي على النفط الخام سيبلغ نحو 97.1 مليون برميل يومياً في عام 2021، بزيادة تُقدَّر بـ5.8 مليون برميل يومياً مقارنة بعام 2020، ورغم هذا التحسُّن لكنه يبدو أقل من المستوى البالغ 100.1 مليون برميل يومياً في عام 2019. 
  • الهواجس المتصلة بإمكانية إقدام مُنتجي النفط الصخري في الولايات المتحدة على ضخ المزيد من النفط في الأسواق، الأمر الذي يمثل تحدياً أمام أي تطور في أسعار النفط، مهما بلغ حجم الامتثال للتخفيضات المقررة من أوبك وحلفائها، لاسيما في ظل الظروف الحالية، وضعف الطلب على النفط.
  • التخوُّف من تخارج بعض الدول من التخفضيات الطوعية لها بموجب اتفاق تحالف أوبك+ في أبريل الماضي، مثل النرويج التي تبلغ تخفيضاتها 300 ألف برميل، والعراق الذي يطالب برفع الإمدادات، وغيرهما من الدول التي قد تهدد بتفكك التحالف في حال استمر الطلب منخفضاً على النفط، وبالتالي عدم تحسُّن الأسعار، وهو ما قد يدفع باتجاه حرب الحصص السوقية التي اندلعت مع بداية انتشار الجائحة في مارس الماضي.
  • تحاول بعض الدول ذات الموقف الخاص من الخفوضات التي أقرها تحالف أوبك+، من العودة بقوة إلى أسواق النفط، مثل ليبيا، والتي تم التوصل فيها إلى اتفاق بين طرفي النزاع على فك القيود المفروضة على إنتاج النفط وتصديره، وتسعى للعودة إلى مستوى إنتاج ما قبل اندلاع الأزمة في 2011. فضلاً عن مطالبة نيجيريا لمنظمة أوبك بإعادة النظر في تحديد حصص النفط الخاصة بها، لأسباب تتعلق بحاجتها لضخ مزيد من النفط لدعم الاقتصاد وتشييد البنية التحتية.
  • تَرقُّب أسواق النفط لموقف الإدارة الأمريكية الجديدة (إدارة الرئيس المنتخب جو بايدن) من العودة للاتفاق النووي مع إيران، وهو ما يُفترض أن يستتبعه، تخفيف للعقوبات الصارمة المفروضة على إيران في قطاعها النفطي وإغراقها الأسواق بمليوني برميل نفط.

خلاصة وتوقعات

في ضوء التوقعات المتضاربة بشأن اتجاه أسواق وأسعار النفط خلال الفترة المقبلة، نتيجة استمرار حالة عدم اليقين التي يعيشها الاقتصاد العالمي حالياً، يمكن القول إن اتجاه الأسعار يتشكل بناء على المعطيات التي سيفرضها الواقع، وبناء على غلبة عوامل تنشيط الأسواق أو ركودها، أو التوازن فيما بين تلك العوامل.

ووفقاً للترجيحات، فعلى الرغم من زيادة الإنتاج في يناير المقبل بمقدار 500 ألف برميل يومياً، إلا أن الأسواق تستطيع الحفاظ على توازنها من خلال امتصاص فائض المعروض والحد من تراكم مخزونات الخام في الدول المستهلكة الرئيسة على نحو سوف يدعم أسعار الخام، وهو ما سيسمح بزيادة تدريجية في الأسعار خلال العام المقبل.

وإجمالاً، يُرجَّح امتثال أعضاء أوبك+ ببنود الاتفاق الجديد، والخفوضات المقررة، دون الإقدام على أي خطوات تُغرِق الأسواق وتؤدي إلى هبوط بالأسعار، في تكرار لحالات سابقة في العام الجاري أو أعوام سابقة؛ فالمصلحة تقتضي أن يلتزم الجميع بالرفع التدريجي للإنتاج، لضمان وجود توازن نسبي للأسعار، وتفادياً لحدوث تخمة في المعروض، وبما يحفظ الأسعار في حدودها المقبولة نسبياً عند 40 إلى 50 دولاراً للبرميل حتى نهاية الربع الأول من العام 2021 على الأقل.

سيناريوهات