الأزمة الدبلوماسية بين الصومال وكينيا: دوافعها ومساراتها المحتملة

مركز الإمارات للسياسات | 22 ديسمبر 2020

تدهورت العلاقات الصومالية-الكينية مرة أخرى بعد إعلان الحكومة الفيدرالية الصومالية، في منتصف ديسمبر الجاري، قطْع علاقاتها الدبلوماسية مع كينيا، على خلفية ما وصفته بـ"الانتهاكات الكينية لسيادة الصومال، وتدخلها المكشوف في شؤونها الداخلية". وعقب ذلك، أمرت الصومال جميع دبلوماسييها في كينيا بالعودة إلى البلاد، وطلبت من الدبلوماسيين الكينيين مغادرة أراضيها في غضون سبعة أيام.

وعلى الرغم من أجواء التفاؤل التي أحاطت لقاء الرئيسين، الكيني أوهورو كينياتا، والصومالي محمد عبد الله فرماجو، في مُفتتح أعمال القمة الاستثنائية الأخيرة لدول الهيئة الحكومية للتنمية الأفريقية "إيغاد" (IGAD) في العاصمة الجيبوتية، إلا أن الأزمة تبدو مرشحة للاستمرار بين الجانبين حتى موعد إجراء الانتخابات الصومالية المقبلة.

خلفيات الأزمة

بدأ التصعيد الأخير للتوتر بين الصومال وكينيا في أواخر نوفمبر 2020، عندما اتهمت وزارة الخارجية الصومالية نيروبي بالتدخل في الانتخابات الصومالية المقبلة، واستدعت سفيرها في كينيا وأمرت بأن يتقدم حاملو جوازات السفر الكينية للحصول على تأشيرات مقدماً بدلاً من الحصول عليها عند الوصول في المطار. وفي خطوة تصعيدية أخرى، قامت الصومال بحظر استيراد القات الكيني (ميرا) بدواعي تفشي فيروس كوفيد-19. وكان الصومال يستحوذ على حوالي 50 طناً من القات يومياً، بقيمة تزيد على 100 مليون شيلن (مليون دولار) وفقاً لمكتب الإحصاء الوطني الكيني، في الوقت الذي تستمر صادرات إثيوبيا من القات بالمجيء إلى الصومال، وهي الجارة المنافسة لكينيا في هذا السوق.[1]

وعلاوة على ذلك، يدور نزاع حدودي بحري بين الصومال وكينيا، وقد انخرط البلدانِ في عمليات تحكيم دولي منذ أربع سنوات، حيث تنظر المحكمة الدولية في وضع المنطقة البحرية المُتنازع عليها الغنيَّة بالنفط،[2] والتي اجتذبت اهتمام عدد من القوى الدولية مثل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا وإيطاليا والنرويج، التي أبدت حرصها على المشاركة في استغلال الموارد النفطية في هذه المنطقة.

وتجددت التوترات في علاقة البلدين بالتزامن مع التطورات الإقليمية التي شهدتها منطقة القرن الإفريقي منذ منتصف 2018، حيث تقارب الرئيس محمد عبدالله فرماجو بشكل ملحوظ من رئيس الوزراء الأثيوبي آبي أحمد والرئيس الإريتري أسياس أفورقي. وفي 27 يناير 2020، عقد الزعماء الثلاثة اجتماعهم الثالث، وأعلنوا تشكيل كتلة إقليمية جديدة تُعرَف باسم "مجلس تعاون القرن الأفريقي". ويُنظر إلى هذا التكتل بوصفه محوراً مضاداً لمحور آخر في القرن الأفريقي يتشكّل أساساً من جيبوتي وكينيا والسودان،[3] إضافة إلى صوماليلاند، التي تسعى إلى فك الارتباط الكامل مع الصومال.

دوافع الحكومة الصومالية وهواجسها

مع اقتراب موعد الانتخابات الصومالية، تُبدي حكومة الرئيس محمد عبد الله فرماجو تخوّفات من دعم كينيا للمعارضة. وفي نفس الوقت تتهم الحكومة الصومالية الطرف الكيني بدعم إقليم جوبالاند؛ وكان هذا واضحاً في الانتخابات الأخيرة التي شهدها الإقليم في أغسطس الماضي، حيث سعت الحكومة المركزية وقتئذٍ إلى الإطاحة بزعيم الإقليم أحمد مدوبي، وتنصيب موالٍ لها، وهو سيناريو تكرّر في أكثر من ولاية فيدرالية أثناء فترة الرئيس فرماجو. وقد اتهمت مقديشو نيروبي بدعم الشيخ مدوبي في الانتخابات، لكن وزارة الخارجية الكينية وصفت هذه الاتهامات بأنها "باطلة" و "مؤسفة"[4].

لكن ما فَجَّر الأزمة الحالية بين الطرفين، هو استضافة كينيا رئيس صوماليلاند موسىى بيحي عبدي، فقد أعلنت الحكومة الصومالية قطع علاقاتها الدبلوماسية مع كينيا بعد يوم واحد من بدء زيارة كان يقوم بها بيحي إلى نيروبي. وواقع الحال أن الحكومة الصومالية تواجه استياءً كبيراً في الداخل، وتتواصل مظاهرات في مقديشو تُطالِب بتغيير لجنة الانتخابات الموالية للرئيس الحالي، ولذا ينظُر كثيرٌ من المراقبين إلى أن الرئيس فرماجو اختار افتعال مشكلة دبلوماسية مع كينيا، لصرف الأنظار عن التعقيدات التي تواجهه في الداخل.

ولذا، يمكن القول إن صوماليلاند تبدو الرابح الأبرز من الأزمة الجديدة بين كينيا والصومال، مع ملاحظة أن كينيا هي ثاني دولة تقطع الحكومة الصومالية علاقتها الدبلوماسية معها، إذ سبق أن قطعت علاقاتها مع غينيا بعد زيارة رئيس صوماليلاند لها في يوليو 2019،[5] لكن اللافت أن الصومال لم تتخذ رد الفعل نفسه تجاه زيارات مماثلة قام بها بيحي إلى جيبوتي وإثيوبيا ودول أخرى، مما يعزز الفرضية القائلة بأن الخطوة الأخيرة للحكومة الصومالية تتصل برغبة الرئيس فرماجو في الظهور بمظهر المدافع عن "سيادة الصومال" لغرض استثمارها في الانتخابات المقبلة.

ومنذ المفاوضات التي عُقدت في منتصف هذا العام في جيبوتي، كانت مسألة صوماليلاند تكتسب زخماً في المنطقة،[6] وتُعطي خطوة الحكومة الصومالية هذه مزيداً من الاهتمام الإقليمي لصوماليلاند. وفي زيارته الأخيرة إلى كينيا، أبرم رئيس صوماليلاند موسى بيحي مع الرئيس الكيني أوهورو كينياتا، عدّة اتفاقيات تهدف إلى تعزيز العلاقات الثنائية بينهما، وتشمل مجالات التجارة والتعاون الدبلوماسي. وبدء تسيير رحلات جوية مباشرة بين نيروبي وهرجيسا، كما تم الاتفاق أيضاً على فتح قنصلية كينية في هرجيسا في أواخر شهر مارس المقبل (2021)، ورفع تمثيل صوماليلاند في نيروبي.[7]

المسارات والتداعيات المحتملة للأزمة

يُعوِّل الرئيس فرماجو، إذن، على أن يطغى الشعور القومي لدى مواطنيه إزاء قطع علاقة حكومته مع كينيا. ويُرجَّح أن تكون الأزمة الجديدة جزءاً من حملته الانتخابية، باعتبار أن افتعال أزمة دبلوماسية قوية مع كينيا سيُلهي الرأي العام الصومالي عن قضية لجنة الانتخابات المثيرة للجدل، أو قد تصوّر فرماجو بطلاً قومياً، لذلك يميل هذا الأخير إلى تصوير أزمة حكومته مع الجارة الكينية على أنها تتمحور حول السيادة الوطنية، في حين تتمسك كينيا بدعم إقليم جوبالاند المُحاذي لشريطها الحدودي، وتنظر إليه باعتباره منطقة عازلة عن هجمات حركة الشباب المجاهدين.

أما بالنسبة إلى صوماليلاند، فتعتَبِر التوتر الصومالي-الكيني الراهن بمثابة فرصة لا بدّ من انتهازها لتحقيق بعض المكاسب السياسية والاقتصادية، وتحسين مكانتها الإقليمية، والتحشيد لدعم مطالبتها بالاعتراف الدولي.

وكانت قمة دول الهيئة الحكومية للتنمية الأفريقية "إيغاد"، التي انعقدت بشكل استثنائي في جيبوتي يومي 20 و21 ديسمبر الجاري، قد ناقشت التوترات الأخيرة بين كينيا والصومال.[8] لكن لم يخرج من هذه القمة أكثر من دعوات للتهدئة كما كان مُتوقعاً. وصرّح وزير الخارجية الصومالي في بيان صحفي أثناء عودته إلى مقديشو، أنه تم الاتفاق على تهدئة الأوضاع بين الدولتين، لكنه أضاف أن حكومته اشترطت لذلك تشكيل منظمة "إيغاد" لجنة لمتابعة الاتهامات التي وجهتها الصومال لكينيا، بما فيها تأسيس جبهة مسلحة على الحدود الكينية الصومالية لزعزعة استقرار الصومال.[9]

وعليه، فمن الوارد استمرار مظاهر الأزمة بين الجانبين في الفترة المقبلة، خصوصاً في ظل تمسُّك الصومال باتهام كينيا بتأسيس مليشيا داخل حدودها، والوضع الانتخابي المشحون في الداخل الصومالي. لكن من المرجح أن يعمل الطرفان على إبقاء سقف الأزمة منخفضاً، بالنظر إلى المصالح المتشابكة على الحدود، ووجود تهديد "حركة الشباب" المشترك، فضلاً عن إيواء كينيا لمئات الآلاف من اللاجئين الصوماليين في داخل بلادها.

وبالنسبة إلى الصومال، فإن مضيها في قرار قطع العلاقات الدبلوماسية مع كينيا قد يعني مزيداً من عدم الاستقرار الأمني، خاصة بعد أن أعلنت الولايات المتحدة مؤخراً عن سحب قواتها من الصومال، وهي خطوة يُتوقع أن تتيح لحركة الشباب المتطرفة فرصة تصعيد عملياتها الإرهابية في الصومال، وفي القرن الأفريقي ككل.

وتُشارِك كينيا بـ 3600 جندي ضمن بعثة الاتحاد الأفريقي لحفظ السلام في الصومال (أميصوم)، ويتمركز غالبية هؤلاء في منطقة جوبالاند المتاخمة لكينيا. وساهمت كينيا في عام 2012 في طرد حركة الشباب من عاصمة الإقليم كيسمايو، وتقوم منذ ذلك الحين بتأهيل جيش جوبالاند وتدريبه. وتسعى كينيا، كما سلفت الإشارة، إلى جعل إقليم جوبالاند الصومالي بمثابة منطقة عازلة ضد هجمات مقاتلي حركة الشباب، والتي سبق أن شنّت بالفعل عدة هجمات دامية في الداخل الكيني.[10] وبدأت كينيا على إثر ذلك في بناء جدار حدودي يصل طوله 708 كم على الحدود الصومالية.

وفيما يتعلق بالأزمة الجديدة، اكتفت الحكومة الكينية حتى الآن بالتصريح بأنها ستُشكِّل لجنة لتقييم الأزمة مع الصومال. وأشار المتحدث باسم الحكومة الكينية، سايروس أوجونا، لوسائل الإعلام، إلى أنه من الضروري الحفاظ على العلاقات الدبلوماسية والتجارية بين الجارتين.[11] لكن، وبشكل عام، ليس من الوارد أن تسحب كينيا قواتها من الصومال قبل موعد الانسحاب الفعليّ لبعثة أميصوم المقرّرة في نهاية 2021. وهناك أوراق أخرى بيد الحكومة الكينية، يُمكِن أن تلجأ إليها في حال قررت التصعيد مع الصومال؛ فكينيا تهدّد منذ سنوات بإغلاق مخيم داداب للاجئين، وهو ثالث أكبر مخيم لجوء في العالم، ويأوي ربع مليون لاجئ صومالي، وفي حال قررت تنفيذ هذا التهديد، فسيُمثِّل ذلك خياراً كارثياً على الصومال.[12]

خلاصة واستنتاجات

سيعتمد الكثير من معطيات الأزمة الدبلوماسية بين الصومال وكينيا على نتائج الانتخابات الصومالية المقبلة، إذ يبدو أن الحكومة الكينية تنتظر فبراير المقبل لحسم خياراتها وخطواتها في هذا الصدد، وهذا أمرٌ مفهوم، إذ إن صعود إدارة جديدة في مقديشو قد يُفضي إلى تقديم وجهة نظر مختلفة حول السياسة الإقليمية، تتعارض مع المقاربة الراهنة للرئيس فرماجو القائمة على استعداء كينيا. وبالنظر إلى حاجة الصومال إلى القوات الكينية المشاركة في بعثة أميصوم لتحقيق السلام والأمن في البلاد، سيكون من غير الحكمة أن تصطدم الصومال مع كينيا أو مع أي دولة أخرى في محيطها الإقليمي.

الهوامش

[1] صهيب عبد الرحمن، "كيف تشكل تجارة القات الخريطة الاقتصادية في القرن الأفريقي؟"، حفريات، 04/06/2018، متاح على: http://bit.ly/38k0E4N

[2] صهيب عبد الرحمن، "ما دوافع الأزمة الدبلوماسية بين الصومال وكينيا؟"، حفريات، 10/06/2019، متاح على: http://bit.ly/3nAinLI

[3] Ingo Henneberg and Sören Stapel, "Horn of Africa Cooperation: Mixed responses to new regional bloc," The Africa Report, 9/9/2020, available at: http://bit.ly/3anAgJS

[4] AGGREY MUTAMBO, "Kenya denies Somalia's accusations after envoy forced out," The East African, 30/11/2020. Available at: https://www.theeastafrican.co.ke/tea/news/east-africa/kenya-denies-somalia-accusations-3214564

[5] "Somalia cuts diplomatic ties with Guinea over Somaliland", Africa News, 04/07/2019. Available at: http://bit.ly/3ragCqI

[6] KEVIN CHERUIYOT, "Raila asks AU, UN to allow divorce between Somalia and Somaliland", 15/12/2020, available at: https://www.the-star.co.ke/news/2020-12-15-raila-asks-un-to-allow-divorce-between-somalia-somaliland/

[7] "Kenya to Open Consulate in Breakaway Somali Region’s Capital", Bloomberg, 16/12/2020, available at: http://bloom.bg/2KjQTLE

[8] "Igad Summit in Djibouti, devoted to Ethiopia, the Kenya-Somalia dispute," Africa News, 21/12/2020. Available at: http://bit.ly/37FEEC6

[9] James Wanzala and PSCU, "Explore dialogue, AU advises on Kenya, Somalia tensions," The Standard, 21/12/2020. Available at:  http://bit.ly/2WD7EUR

[10] انظر مثلاً: صهيب عبد الرحمن، "هجوم نيروبي: حركة الشباب تعيد نشر الرعب في كينيا"، حفريات، 27/01/2019، متاح على: http://bit.ly/2WEJmtL

[11] Sahra Eidle Nur and Kennes Bwire, "Despite Somalia Severing Ties, Kenya Says It Won't Expel Somalis," Voice of America (VOA), 16/12/2020. Available at: https://www.voanews.com/africa/despite-somalia-severing-ties-kenya-says-it-wont-expel-somalis

[12] صهيب عبد الرحمن، "لماذا تخطط كينيا لإغلاق ثالث أكبر مخيم لجوء في العالم؟"، حفريات، 22/10/2019، متاح على: https://bit.ly/37v66m5

 

سيناريوهات

مستقبل المرحلة الانتقالية في تشاد

مركز الإمارات للسياسات | 26 يوليو 2021

التصعيد الروسي في إدلب: الأسباب والاحتمالات

مركز الإمارات للسياسات | 15 يوليو 2021