جو بايدن وتحديات الاستراتيجية الأمريكية في العراق

مركز الإمارات للسياسات | 09 ديسمبر 2020

شكَّل العراق أحد بنود الأجندة الغائبة عن سباق الانتخابات الأمريكية هذا العام، وذلك على عكس الانتخابات السابقة التي كان فيها، وتحديداً منذ عام 2003، حاضراً بقوة في المناظرات الرئاسية، أو حتى في تصريحات المرشحين. ويمكن إرجاع هذا الغياب إلى أن العراق قد يمثل قضية سياسة خارجية ثانوية بالنسبة للولايات المتحدة في المرحلة المقبلة، وأن شؤون الشرق الأوسط الأخرى، بما في ذلك الاتفاق النووي الإيراني والصراع الإسرائيلي-الفلسطيني، تُمثِّل مخاوف أكثر إلحاحاً، وهو ما يطرح تساؤلاً حول مدى أهمية العراق للإدارة الأمريكية الجديدة بقيادة الرئيس جو بايدن. وهذه الورقة محاولة لإلقاء الضوء على طبيعة النهج الذي سيتعامل به الرئيس بايدن مع الملف العراقي، وخياراته المستقبلية.

نهج أمريكي جديد في العراق؟

سيكون لوصول جو بايدن إلى رئاسة الولايات المتحدة تداعيات مباشرة على الداخل العراقي، خصوصاً أن العراق مثَّل ساحة مهمة من ساحات التصعيد الأمريكي ضد إيران، لاسيما منذ مقتل قائد فيلق القدس قاسم سليماني في يناير 2020 بغارة أمريكية في محيط مطار بغداد الدولي، وما تبع ذلك من تصاعد للهجمات الصاروخية من قبل الفصائل الولائية المرتبطة بإيران على المصالح والمقرات الأمريكية في العراق.

ومن المتوقع في ظل الإدارة الديمقراطية الجديدة في واشنطن أن نشهد إعادة هيكلة للسياسة الأمريكية في العراق، عبر تقديم الحلول السياسية على العسكرية، والتعامل مع الحالة العراقية باستقلال جزئي عن الحالة الإيرانية، مع السعي لتأسيس هدنة مع إيران، لإنجاح التوجه الأمريكي في العراق، فإذا نجحت إدارة الرئيس بايدن في ترويض إيران في العراق، فإنها ستنجح بالمقابل في ترويض الفصائل الولائية المرتبطة بإيران، والمطالبة باستمرار بخروج القوات الأمريكية من العراق، والبدء بمرحلة انتقالية جديدة.

فبرغم إعلان قائد القيادة المركزية الأمريكية، الجنرال كينيث ماكينزي، في وقت سابق عن أن الولايات المتحدة في طريقها لسحب جزء من قواتها من العراق بحلول نهاية هذا العام، مع بقاء الجزء الآخر، بغض النظر عمَّن سيفوز في الانتخابات، فإنه من غير المتوقع أن يحصل تغيير في هذا الإطار، ما لم يحدث تطور كبير في العراق، مثل إقدام إيران أو حلفائها في العراق على إحراج الولايات المتحدة. وما يزيد من احتمالية بقاء الولايات المتحدة في العراق خلال الفترة المقبلة هو استمرار التهديدات التي يمثلها تنظيم داعش. وهناك أسباب أخرى تدعو واشنطن للبقاء في العراق، فعدا عن الحدود التي يشترك فيها العراق مع إيران وتركيا وسوريا، يمتلك العراق أحد أكبر احتياطيات العالم من الهيدروكربونات، وسيكون تدفقه الحر ضرورياً للنمو الاقتصادي العالمي لسنوات مقبلة.[1]

ويسود لدى كثير من العراقيين اعتقاد بأن الولايات المتحدة يمكن أن تساعدهم على تصحيح سنوات من عدم الاستقرار والصراع الداخلي والفساد. وسواء أكان هذا واقعياً أم لا، فإن الولايات المتحدة يمكن أن توفر الدعم السياسي والاقتصادي للتأثير على بغداد، للاتجاه نحو ترسيخ سلطة الدولة، وحصر السلاح المنفلت، فالعراق مهم ليس فقط بسبب إمكاناته الاقتصادية والاستراتيجية، ولكن أيضاً بسبب إيران؛ فعبر العراق امتدت السياسات الأمريكية تجاه إيران خلال الفترة الماضية، عندما كثفت واشنطن العقوبات على إيران، وزادت من ضغطها الاقتصادي والعسكري، وإذا كانت واشنطن تأمل في الحد من شبكة طهران في الشرق الأوسط، فعليها أن تفعل ذلك في العراق أولاً.

ومع أن الحديث عن التوجهات المحتملة لنهج الرئيس بايدن نحو العراق قد يكون مبكراً، إلا أنه سيكون مختلفاً عن نهج الرئيس ترمب؛ إذ سيحاول بايدن في العراق تقليل الاعتماد على القوات الأمريكية، وإعطاء حلف شمال الأطلسي دوراً أكبر، ودعم جهود حكومة رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي سياسياً واقتصادياً.

العراق وأولويات بايدن الخارجية

هناك قضايا مهمة للولايات المتحدة في العراق ستجعل الرئيس بايدن مضطراً للتعامل معها، لما لها من تداعيات استراتيجية على السياسة الأمريكية في العراق، ومن أبرزها:

1. مكافحة الإرهاب ومعضلة الأمن في العراق

على الرغم من تحجيم تنظيم داعش عسكرياً، واستعادة السيطرة على أغلب المناطق التي كان يسيطر عليها في مناطق شمال وغرب العراق، إلا أن تصاعد الهجمات المتكررة التي يقوم بها التنظيم في الوقت الحالي، يشير إلى أن هناك المزيد الذي ينبغي على الولايات المتحدة أن تفعله في العراق في الفترة المقبلة. وقد يكون هناك توجُّه في السياسة التي تتعاطى بها الولايات المتحدة مع تصاعد تهديدات تنظيم داعش نحو إعطاء العديد من القوى العسكرية والحلفاء المحليين أدواراً أكثر فاعلية في مواجهة التنظيم، مع اكتفاء الولايات المتحدة بتقديم الدعم الاستخباري واللوجستي، وهو توجُّه استراتيجي أمريكي عام قد يجد طريقه للتنفيذ في العراق خلال المرحلة المقبلة.

2. مسارات التعامل مع إيران وحلفائها وأذرعها

دخلت العلاقات الأمريكية-الإيرانية في العراق منعطفاً خطيراً بعد مقتل سليماني، عبر اعتماد سياسات الفعل ورد الفعل، والتي ترافقت معها سياسات الضغط الأقصى الأمريكية، في مقابل سعي إيران لاستثمار الساحة العراقية للإفلات من العقوبات الأمريكية، وتوسيع نفوذها الأمني​، وإنشاء طريق عبور أمني واضح من إيران إلى سوريا. وسيكون على إدارة الرئيس بايدن إجراء مراجعة مفصلة بشأن كيفية منع إعادة انخراط إيران وحلفائها بسياسات تصعيدية في العراق، كما ستكون إيران مترددة في اتخاذ أي إجراء قد يعرقل رغبة الولايات المتحدة في العودة إلى الاتفاق النووي، لذلك ستحتاج الفصائل الولائية المدعومة من إيران إلى توخي الحذر في العراق، حتى لا تؤذي الأمريكيين أو شركاء واشنطن الدوليين.[2] فمن المتوقع ألَّا ينظر بايدن للعراق بمعزل عن إيران، ولذلك فإن تهدئة الأوضاع مع إيران سيساهم بإنجاح مهمة بايدن في العراق، وتقليل فرص الفوضى التي يقوم بها حلفاء طهران أيضاً.

3. الحوار الاستراتيجي الأمريكي-العراقي

منذ الانسحاب الأمريكي من العراق في ديسمبر 2011، وطبقاً للاتفاقية الأمنية بين الولايات المتحدة والعراق بشأن انسحاب القوات الأمريكية من العراق وتنظيم أنشطتها خلال وجودها المؤقت فيه، واتفاقية الإطار الاستراتيجي لعلاقة صداقة وتعاون المبرمتين بين البلدين في 17 نوفمبر 2008، ركزت الاستراتيجية الأمريكية في العراق على التعاطي مع ثلاث قضايا ترتبط بالأمن العراقي والأمن الإقليمي الأوسع، هي: مواجهة تنظيم القاعدة ثم خلَفه تنظيم داعش، ومواجهة إيران، والتعامل مع المتغير الجديد "الحشد الشعبي".[3] وبدأت جلسات الحوار الاستراتيجي بين العراق والولايات المتحدة في 11 يونيو 2020 للوصول إلى نهايات واضحة لهذه القضايا، وقد أثار فوز بايدن تساؤلات حول الطريقة التي سيتعامل بها مع هذا الحوار الذي بدأته إدارة الرئيس ترمب ومخرجاته.

يحتاج العراق إلى استراتيجية جديدة لبناء قواته العسكرية بما يكفي لمواجهة التحديات الأمنية النابعة من تنظيم داعش والفصائل الولائية المرتبطة بإيران، ولتأمين حدوده مع سوريا وتركيا وإيران. ووفق التقديرات الأمريكية، تحتاج القوات العسكرية العراقية إلى عمليات إعادة تدريب وتأهيل لمدة تتراوح ما بين 3 إلى 5 سنوات على الأقل، لتكون قادرة على القيام بمهامها الأمنية، فضلاً عن أن العراق يحتاج إلى إعادة بناء منظومته التسليحية، وإعادة تشغيل وصيانة العديد من القواعد العسكرية.

ولا شك أن عملية تطوير القدرات العسكرية العراقية سيصيبها الشلل في حال قرَّرت إدارة بايدن في أي وقت من الأوقات الانسحاب، دون أن يكون هناك التزام استراتيجي يربط علاقاتها بالعراق؛ فعملية الانسحاب الأمريكي من العراق في ديسمبر 2011 أدت إلى تصدعات كبيرة عانى منها الجيش العراقي في مواجهة هجمات تنظيم داعش في يونيو 2014، وعندما قررت الولايات المتحدة العودة للعراق في سبتمبر 2016 عبر التحالف الدولي ضد داعش، والذي تألف من 83 دولة، ساعدت في دحر التنظيم، وحققت إنجازات أخرى على الأرض، وسيأخذ الرئيس بايدن هذه التحديات بعين الاعتبار، حيث يشكل الحوار الاستراتيجي بين العراق والولايات المتحدة تحدياً لكلا البلدين، في اتجاه رسم معالم علاقة استراتيجية مستدامة، تخدم أهدافهما ومصالحهما، وتساعد في إحلال السلام والاستقرار في المنطقة.

البيئة الداخلية العراقية وتحدي صعود بايدن

يمتلك الرئيس بايدن، من خلال توليه منصب نائب الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما في الفترة 2009-2017، معرفة جيدة بالبيئة الداخلية العراقية؛ فقد أنشأ خلال هذه الفترة علاقات واسعة مع مختلف الأطراف السياسية العراقية (سنية وشيعية وكردية)، وزار العراق خلال الفترة 2010-2012 (24 مرة)، وكانت له مواقف واضحة من السياسة الأمريكية في العراق، حيث نشر مقالاً في عام 2006 طالب فيه بتقسيم العراق إلى ثلاثة أقاليم إلى جانب العاصمة بغداد، وعارض زيادة عدد القوات الأمريكية في العراق عام 2007، وبعد أن أصبح نائباً للرئيس أوباما، أشرف على عملية انسحاب القوات الأمريكية من العراق عام 2011. وقد رحبت العديد من القوى السياسية العراقية بفوز بايدن، مُعبِّرةً عن أملها في فتح صفحة جديدة من العلاقات مع العراق.

وقد يؤدي صعود الرئيس بايدن إلى تفاقم الانقسامات العرقية والطائفية بشأن الوجود الأمريكي في العراق، حيث يدعم السنة والأكراد بقاء الوجود الأمريكي إلى حد كبير، بسبب المخاوف من هيمنة إيران، وإعادة إحياء تنظيم داعش مرة أخرى، في حين يعارض ذلك جزء واسع من الجماعات السياسية والعسكرية الشيعية المرتبطة بإيران، ومع احتمال عودة الرئيس بايدن للاتفاق النووي مع إيران ستزداد هذه المخاوف، فالعقوبات الاقتصادية التي فرضتها إدارة الرئيس ترمب على إيران، والضغط على الفصائل العراقية الموالية لإيران، أدَّت إلى حدٍّ ما إلى كسر هيمنة إيران على العراق، ومن ثم فإن الأكراد والسنة يُفضِّلون استمرار ذات السياسة الأمريكية تجاه إيران، وهو ما يضع تحدياً أمام الرئيس بايدن في كيفية الموازنة بين المطالب المختلفة للقوى السياسية العراقية. [4]

لذلك يمكن القول، مع رئاسة بايدن، يمكن أن نشهد دعماً أمريكياً لتمكين المكونين السني والكردي، وتعزيز دورهم في العملية السياسية، عبر ترسيخ فكرة الأقاليم، كحل لمشكلة تقاسم السلطة في العراق، وكسر هيمنة التيار السياسي الشيعي المدعوم من إيران، وستبحث إدارة بايدن عن شريك إقليمي أو دولي مؤهل لممارسة دور فاعل في الداخل العراقي، يكون متوائماً مع الاستراتيجية الأمريكية، كما ستأخذ إدارة بايدن موقع الحشد الشعبي بعين الاعتبار، في أي استحقاقات مستقبلية في العراق/ أو مع إيران، وهو متغير لم يكن موجوداً عند توقيع الاتفاق النووي في أبريل 2015، من أجل إنجاح مهمتها في العراق، فضلاً عن دعم جهود الحكومة العراقية في المسارات السياسية والاقتصادية والأمنية.

استنتاجات

  • برغم أنه من المبكر الحديث عن توجهات الرئيس بايدن في العراق خلال الفترة المقبلة، وفي ظل تعقيدات الأزمة، وتعدُّد الأطراف في الحالة العراقية، فإنه يمكن القول إن إدارته ستولي السياسة أولوية على الاقتصاد والأمن في العراق، وستحرص على تفعيل دور حلف شمال الأطلسي، وتعزيز المبادرات الإقليمية والدولية ذات الصلة بالاستراتيجية الأمريكية في العراق.
  • وبالتوازي مع الاستمرار بسياسات مكافحة الإرهاب (تنظيم داعش)، وتفعيل جهود الحكومة العراقية بإصلاح قطاع الأمن، وتفعيل ترتيبات أمنية لتعزيز أمن القوات الأمريكية في العراق، ستلجأ إدارة بايدن إلى تقنين الوجود الأمريكي في العراق، وتعزيز الجهود الاستخبارية والأمنية، ومنح القوات الأمنية العراقية دوراً أكبر في محاربة تنظيم داعش، وتفعيل جلسات الحوار الاستراتيجي مع العراق، للوصول إلى شراكات وعلاقات أمنية واضحة.
  • تنظر الولايات المتحدة إلى إيران وحلفائها على أنهم رقم صعب في المعادلة الأمنية في العراق، ولذلك فإنها لن تستثني هذا الأمر من أي توجه مستقبلي حيال العراق.
  • ستُفعِّل إدارة بايدن ملفات حقوق الإنسان في العراق عبر تقديم دعم هش للحركة الاحتجاجية ومطالبها، فضلاً عن دعم جهود الحكومة العراقية في إجراء الانتخابات المبكرة، لتحقيق نوع من الاستقرار السياسي في المرحلة المقبلة، وستبذل جهوداً في انتشال العراق من أزمته الاقتصادية عبر تفعيل دور المؤسسات الاقتصادية الدولية.
  • إجمالاً، ستسعى إدارة بايدن إلى صياغة نهج جديد للولايات المتحدة في العراق، ربما بذات الشكل الذي كان يطمح إليه خلال فترة وجوده في إدارة أوباما، مع الحفاظ بالطبع على أولويات الولايات المتحدة السياسية والاقتصادية والعسكرية، وإعطاء الواقعية السياسية هامشاً واضحاً في نهجه، لأن الظروف السياسية في العراق اليوم تختلف عن السابق.

الهوامش

[1] Mina Al-Oraibi, The U.S. Middle East Strategy’s Missing Piece Is Iraq, Foreign Policy, 28 Oct 2020. https://bit.ly/2ICv8Wi

[2] Arwa Ibrahim, Joe Biden and the future of Iraq-US relations, Al Jazeera, 9 Nov 2020. https://bit.ly/3pqoCmu

[3] Firas Elias, The Forthcoming Iraqi-American Strategic Dialogue: Complicated Priorities and Thorny Issues, Emirates Policy Center, 3 Jun 2020. https://bit.ly/3kvuXcJ

[4] Mehmet Alaca, What will a Biden presidency mean for Iraq?, The New Alarabi, 10 Nov 2020. https://bit.ly/35w4Qy7

 

سيناريوهات