العلاقات التركية-الأمريكية في عهد بايدن

مركز الإمارات للسياسات | 06 ديسمبر 2020

يرى معظم أعضاء الفريق المحتمل في إدارة الرئيس الأمريكي المنتخب جو بايدن أن الولايات المتحدة وتركيا تسيران على طريق تصادمي. وتشترك الدولتان في عضوية "حلف شمال الأطلسي" (الناتو) منذ نحو 70 عاماً، غير أن هذه الشراكة تراجعت بشكل تدريجي منذ "الربيع العربي" الذي بدأت تركيا بعده بدعم سياسات الإسلام السياسي بشكل علني في كلٍّ من مصر وتونس وسوريا وليبيا، ما أدى إلى حدوث جفاء متبادل بين واشنطن وأنقرة.

وترى تركيا أن الولايات المتحدة أقامت شراكة مع "الإرهابيين" الأكراد، وأخفقت بالقيام بعمل عسكري جاد ضد دمشق، ولم تُولِ اهتماماً مناسباً لمشاكل أنقرة في استيعاب أكثر من 4 ملايين لاجئ سوري. ومن جانبها تعتقد واشنطن أن تركيا دعمت متشددين على علاقة بتنظيم "القاعدة" في سوريا، ومنحت أولويةً لإقامة علاقات جيدة مع روسيا وإيران في جهودها الدبلوماسية. ودخلت حكومة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في تحالف مع روسيا، وذلك بشراء النظام الدفاعي الصاروخي "أس-400"، الأمر الذي قد يتطلب وجود مستشارين روس على الأرض في إطار الصفقة. وفي ضوء كل هذه المشاكل يُثار السؤال الآتي: هل تستطيع إدارة بايدن إصلاح علاقات واشنطن بأنقرة؟

رؤيتان في واشنطن حول تركيا

ترغب الإدارة الأمريكية القادمة في معاقبة تركيا بسبب تجاوزاتها الكثيرة، مثل الأساليب المستبدة للرئيس أردوغان، وإجراءاته العسكرية المتشددة تجاه أكراد سوريا –الذين شكلوا حلفاء مهمين للولايات المتحدة في دحر تنظيم "داعش"– وشراء منظومة الدفاع الصاروخية الروسية؛ والتي تركت جميعها أنقرة من دون أصدقاء في واشنطن إلى درجة أن بعض السياسيين في واشنطن يدعو إلى الطلب من الدول الأعضاء الأخرى في "الناتو" طرد تركيا من التحالف، بالرغم من عدم وجود آلية يمكن من خلالها طرد دولة عضو في الحلف أو حتى تعليق عضويتها.

وألمح بايدن بالفعل في مقابلة مع صحيفة "نيويورك تايمز" إلى أنه سيكون حاداً في انتقاد استبداد أردوغان، لكنْ يتعين على الرئيس الأمريكي الجديد في غضون ذلك تحقيق توازن دقيق بين الرؤيتين اللتين تهيمنان على النقاش في واشنطن حول تركيا.

يدعو المعسكر الأول إلى انخراط قوي مع تركيا بحجة أنها دولة رئيسة محورية والدولة الإسلامية الوحيدة العضو في "الناتو". ويجادل أصحاب هذا الرأي بأن أردوغان، وبالرغم من كل أخطائه، لا يزال يقود دولة تستطيع مساعدة واشنطن في احتواء توسع روسيا في مناطق البحر الأسود والقوقاز وآسيا الوسطى وسوريا. وبحسب هذا المعسكر فإنه لا يتعين على الولايات المتحدة الشعور بالقلق حيال قيام تحالف استراتيجي بين روسيا وتركيا، إذ إن هناك خلافات قوية بين أنقرة وموسكو حول معظم القضايا الإقليمية ذات الأهمية الاستراتيجية. ولا توجد ساحة واحدة تُشَكِّلَ فيها روسيا وتركيا شريكين طبيعيين، ابتداءً بمنطقة البلقان وأوكرانيا والنزاع بين أرمينيا وأذربيجان مروراً بقبرص وانتهاءً بسوريا وليبيا ومصر وإسرائيل. ولعل من المهم أن نتذكر أن تركيا قبل وقت ليس ببعيد أسقطت طائرة روسية على الحدود التركية-السورية. كما يعتقد هذه المعسكر أن بوسع أنقرة مساعدة واشنطن في احتواء إيران بوجود رادارات "الناتو" بالقرب من الحدود الإيرانية في مواجهة برنامج الصواريخ البالستية الإيرانية. كما أن قاعدة إنجرليك الجوية تنطوي على قيمة كبيرة للحلف.

وفي المقابل، هناك في المعسكر الثاني مجموعة ترى أن تركيا تعاني من أوهام العظمة، وأنها قضية خاسرة. كما تعتقد هذه المجموعة أن أنقرة لا تشاطر واشنطن مصالحها في الشرق الأوسط أو في شرق المتوسط، وبأن تركيا دخلت بالفعل فيما يقترب من شراكة استراتيجية مع إيران وروسيا. لذلك أصبحت تركيا دولة يجب احتواؤها من خلال دبلوماسية الإكراه وليست دولة يجب استقطابها من خلال الانخراط القوي.

ومن المرجح أن يتوصل بايدن إلى توازن بين هذين المعسكرين من خلال اقتراح القيام بعملية إعادة ضبط مشروطة ومبنية على المقايضة مع أنقرة قبل الدخول في دبلوماسية الإكراه من خلال فرض العقوبات. لكنْ حتى يتسنى نجاح عملية إعادة الضبط المشروطة فإن هناك حاجة إلى التعامل مع مشكلتين للتوصل إلى تفاهم جديد مع أنقرة.

إعادة ضبط مشروط

تتمثل المشكلة المُلِحَّة بنظام الدفاع الصاروخي "أس-400" الذي اشترته تركيا من روسيا، في حين تُمَثِّلُ سوريا المشكلة الأقل إلحاحاً لكنَّها مهمة للغاية. ويشتمل شراء نظام "أس-400" على مشاركة روسية في تشغيل النظام؛ ما يعني إمكانية حصول موسكو على معلومات استخباراتية حول أي طائرة تحلق في المجال الجوي التركي، وخاصة طائرات "أف-35" الأمريكية التي كانت تركيا تسعى لشرائها، والمشاركة في تنفيذ مشروع تصنيعها. وسيستمر تعليق دور أنقرة في هذا المشروع دون حل قضية نظام الدفاع الصاروخي الروسي، إضافة إلى عدم قدرة تركيا على شراء الطائرة. كما يستعد الكونجرس الأمريكي لإقرار عقوبات عسكرية ومالية قاسية كعقوبة إضافية على تركيا بسبب شرائها نظام "أس-400".

وقد أجرت تركيا مؤخراً اختباراً لنظام "أس-400"، غير أنها لم تعمل على تشغيله بالكامل. وإذا ما كان أردوغان جاداً حيال إعادة ضبط علاقاته مع الولايات المتحدة، فإن على أنقرة التعهد علناً بعدم تشغيل النظام الروسي، والإعلان عن رغبتها في شراء نظام يتطابق مع أنظمة "الناتو". في المقابل يتعين على إدارة بايدن الإعلان عن إعادة تركيا إلى مشروع تصنيع طائرة "أف-35"، والتفكير في تقديم حوافز مالية وفنية إلى أنقرة من أجل شراء نظام الدفاع الصاروخي "باتريوت".

ستشمل إعادة ضبط العلاقات المبنية على المُقايضة مع أنقرة قضيةَ سوريا أيضاً؛ فالحرب هناك على وشك الانتهاء لكن تسوية وضع ما بعد الحرب لا يزال بعيد المنال. وعلى الرغم من أن الدعم الأمريكي للأكراد السوريين كان دائماً يستهدف تنظيم "داعش"، تعتقد تركيا بأن واشنطن تدعم الحكم الذاتي للأكراد وإقامة دولة لهم في نهاية المطاف في شمال سوريا. وما زاد الطين بلة، أن الأكراد السوريين الذين تدعمهم واشنطن هم جزء من جماعة تمرّد كردية، حزب العمال الكردستاني (PKK)، المُصنّف رسمياً كمُنظّمة إرهابية بموجب القانون الأمريكي؛ وبالتالي، فإن إعادة ضبط العلاقات التركية-الأمريكية في سوريا سيتطلّب مناورات دبلوماسية كُبرى.

إن إدارة بايدن لن تترك سوريا وتتخلّى عن الأكراد كما كان يتصوّر ترمب. بدلاً من ذلك، يجب على هذه الإدارة أن تجد طُرقاً أكثر إقناعاً لإثبات أن التعاون العسكري بين الولايات المتحدة والأكراد يدور حول مُحاربة "داعش" وليس لدعم استقلال الاكراد. ومُقابل الْتزام عسكري تركي واضح ضد "داعش"، وبعد تأمين اتفاق سلام ثلاثي بين الأكراد السوريين ونظام الأسد وتركيا، يُمكن للولايات المتحدة تقليص تعاونها الأمني ​​مع الأكراد السوريين. ويجب على إدارة بايدن أن تعمل من خلف الكواليس أيضاً من أجل التوصّل إلى حل سلمي للمُشكلة الكُردية في تركيا من خلال الضغط على حزب العمال الكردستاني لنزع سلاحه. ومن خلال التحرّك بشأن هاتين المسألتين، يُمكن أن تدخل أنقرة وواشنطن فترةً من دبلوماسية المُقايضة الناجحة مع أنقرة. ولن تكون هناك علاقة وثيقة بين البلدين ما دام أردوغان في السلطة، ولكن لن يكون هناك أيضاً ما يُشبه العلاقة العدائية بين الطرفين. وسيكون البديل لسيناريو إعادة ضبط العلاقات المشروطة الدبلوماسيةَ القسرية مع فرض عقوبات شديدة.

الدبلوماسية القسرية كبديل ثانٍ

في سياق تزايد انتقاد العديد من أعضاء الكونغرس للسياسات الداخلية والخارجية لتركيا، أدّت مخاوف الولايات المتحدة بالفعل إلى تشريع ينص على فرض عقوبات على تركيا. ففي 9 و17 ديسمبر 2019، على التوالي، أقرّ مجلسا النواب والشيوخ الأمريكيان بأغلبية ساحقة مشروعَ قانون تفويض الدفاع الذي دعا إدارة ترمب إلى فرض عقوبات على تركيا بموجب قانون مكافحة خصوم أمريكا من خلال العقوبات (CAATSA) لعام 2017، والذي يهدف إلى إقناع الدول بعدم شراء معدات دفاعية من روسيا بسبب تدخلّها في الانتخابات الأمريكية لعام 2016. وفي 11 ديسمبر، صوّتت لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ بـ 18 صوتاً مقابل 4 أصوات لصالح حزمة عقوبات مُنفصلة، مُماثلة لتلك التي أقرّها مجلس النواب بالفعل لمُعاقبة أنقرة على الإجراءات التي اتّخذتها في سوريا بشكل أساسي بمباركة من ترمب.

يتمثّل الجانب السلبي لعقوبات قانون مكافحة خصوم أمريكا من خلال العقوبات في أن معاقبة صناعات الدفاع التركية واقتصادها قد يدفع أنقرة إلى شراء المزيد من المعدّات الدفاعية الروسية -وهي النتيجة التي يهدف كلٌّ من القانون المذكور والتشريعات الجديدة إلى ردعها- والتي بدورها ستؤدّي إلى عقوبات أمريكية إضافية، وردود فعل انتقامية تركية، وحلقة مُفرغة من التوتّرات والاستياء. ولتجنّب مثل هذه النتيجة، سيتعيّن على بايدن في هذا السيناريو البديل الثاني للدبلوماسية القسرية العملَ بحذر مع الكونغرس، فالغرض من العقوبات يجب أن يردع السلوك السيئ في المستقبل، وليس فقط للتعبير عن الغضب من تجاوزات الماضي؛ لهذا السبب، يجب أن تُركّز عقوبات قانون مكافحة خصوم أمريكا من خلال العقوبات على المُستقبل، وتُحذّر تركيا من أنه في حال التخطيط مُستقبلاً لشراء طائرات روسية، فستكون هناك عقوبات إضافية.

أخيراً، ستكون قضيةُ بنك "خلق" التركي، وهو بنك تركي مملوك للدولة مُتّهم بمساعدة إيران على التهرّب من العقوبات الأمريكية، نقطةَ ضغط إضافية في الدبلوماسية القسرية ضد أنقرة. فقد اتهم المُدّعون العامون الأمريكيون البنكَ باستخدام الخدمات المالية وشركات الواجهة في إيران وتركيا للتهرّب من العقوبات، ما يُتيح إنفاق عائدات النفط والغاز الإيرانية على الذهب، وتسهيل عمليات الشراء الوهمية للأغذية والأدوية. ويواجه بنك خلق لائحةَ اتهام بمساعدة إيران سراً في تحويل 20 مليار دولار من الأموال المُقيّدة، بما في ذلك مليار دولار تم غسلها من خلال حسابات أمريكية. ومن المُقرّر إجراء محاكمة للبنك في 1 مارس 2021، وقد يتعرّض البنك لغرامة مالية كبيرة تتراوح ما بين 2 إلى 10 مليارات دولار. ومن المؤكّد أن الغرامة الكبيرة ستضرّ بالاقتصاد التركي الذي يَمر بالفعل بركود عميق وانخفاض كبير في قيمة العملة التركية. وقد استقال وزير المالية التركي، صهر أردوغان، مؤخراً ويبدو أن الاقتصاد التركي ضعيفٌ للغاية في الوقت الحالي أمام الضغوط الخارجية.

الاستنتاجات

سيتعيّن على بايدن أن يوازن بين المعسكرين المُتباينين ​​في تركيا اللذيّْن تم وصف وجهات نظرهما أعلاه. ويبدو أن بايدن يؤيد منح أردوغان فرصة أخرى لإعادة ضبط العلاقات المشروطة، قبل الشروع في الدبلوماسية القسرية وفرض العقوبات على تركيا. وتعتمد فرص إعادة الضبط المشروطة على مصداقية العقوبات والخيارات القسرية.

لقد عمل الرئيس ترمب على حماية أردوغان في واشنطن من مثل هذه الأعمال القسرية في العامين الماضيين. وفي ظل غيابه، ومع قدوم بايدن، يتمتّع كلٌّ من القضاء الأمريكي (الذي ينظر في قضية بنك خلق، والكونغرس الأمريكي (المعني بفرض عقوبات وفق قانون مكافحة خصوم أمريكا من خلال العقوبات) بقوة أكبر لدفع أنقرة نحو حل وسط. لكن في نهاية المطاف، ستكون حالة الاقتصاد التركي وآمال أردوغان في إعادة انتخابه هي التي قد تدفعه نحو دبلوماسية المُقايضة.

إن فرص إعادة الضبط المشروطة للعلاقات بين البلدين للعمل وفق الخطوط الموضّحة أعلاه، بالترافق مع إعلان تركيا أنها لن تستخدم أنظمة الدفاع الجوي الروسية "أس-400"، ستكون الخيار العقلاني لأردوغان. وبالطبع لن يكون الرئيس الروسي بوتين سعيداً بذلك، وقد ينتقم باتخاذ بعض الإجراءات في سوريا، مثل تجديد القصف في إدلب وإجبار تركيا على التعامل مع مليون أو مليوني لاجئ سوري على حدودها. وسيظهر مع الوقت فيما إذا كان أردوغان سيختار التسوية مع بايدن ويخاطر بإثارة غضب موسكو أم لا.

سيناريوهات