مستقبل حكومة عمران خان في ظل استمرار احتجاجات تحالف "الحركة الديمقراطية الباكستانية"

أحمد دياب | 23 نوفمبر 2020

شَهَدَت مدن باكستانية عدة مؤخراً احتجاجات ومسيرات حاشدة ضد حكومة رئيس الوزراء عمران خان، نظمها تحالف "الحركة الديمقراطية الباكستانية" المُعارِض، وهو مزيجٌ من 11 حزباً وتياراً مدنياً ودينياً، يتقدمها حزب "الشعب الباكستاني" بزعامة بيلاوال بوتو-زرداري، وحزب "الرابطة الإسلامية الباكستانية" بزعامة نواز شريف، وحركة "باختون تحفوز"، بقيادة محسن دوار وجمعية "علماء الإسلام" بقيادة مولانا فضل الرحمن. ويُخطِّط التحالف لتنظيم مزيد من المسيرات والاحتجاجات في جميع أنحاء البلاد قبل "مسيرة طويلة حاسمة" إلى إسلام أباد في يناير 2021.  

تُسلِّط هذه الورقة الضوء على حوافز الاحتجاجات ضد حكومة عمران خان في باكستان، والقيود التي تواجهها الحركة الاحتجاجية، والسيناريوهات المحتملة لمستقبل حكومة خان في ظل المشهد السياسي القائم في البلاد.

مَطالِب تحالف "الحركة الديمقراطية الباكستانية"

تتركز أهم مطالب تحالف المعارضة الباكستانية في إعلان من 26 نقطة، يدعو إلى إنشاء لجنة الحقيقة والمصالحة للتحقيق في الانتهاكات ضد الشعب منذ الاستقلال عام 1947، وإلى إنهاء تدخل "المؤسسة العسكرية" في السياسة، وإجراء انتخابات جديدة حرة ونزيهة بعد الإصلاحات الانتخابية مع عدم وجود دور للقوات المسلحة ووكالات الاستخبارات، وإطلاق سراح السجناء السياسيين، وتنفيذ خطة عمل وطنية ضد الإرهاب، والمحاسبة الشاملة بموجب قانون محاسبة جديد.

وقد اتهم رئيس الوزراء الباكستاني السابق نواز شريف، في كلمة عبر الفيديو من لندن، أمام حشد في مدينة جوجرانوالا البنجابية، في 23 أكتوبر 2020، قائد الجيش قمر جاويد باجواه ورئيس المخابرات الباكستانية الفريق فايز حميد بالإطاحة بحكومته، والضغط على السلطة القضائية، وتنصيب حكومة عمران خان في انتخابات عام 2018. وفي تجمُّع منفصل في مدينة "كويتا" في 25 أكتوبر 2020، دعمت ابنة شريف وزعيمة حزب "الرابطة الإسلامية الباكستانية-نواز" مريم نواز، تصريحات والدها ودعت إلى استقالة من "اختاروا" خان، في إشارة إلى باجوا وحميد، وهو مطلب غير مسبوق في التاريخ السياسي لباكستان.

ولم يرد الجيش بوضوح على اتهامات شريف، ونفى عمران خان مساعدة الجيش له، ودافع عن المؤسسة العسكرية، وهدَّد بشن حملة جديدة على قادة المعارضة، وفى نبرة تحدٍ، قال "خان" إنه لا يخشى حملة المعارضة ووصفها بأنها تهدف إلى ابتزازه لدفعه لإسقاط تهم الفساد عن زعمائها.

حوافز ومحركات الاحتجاجات ضد حكومة عمران خان

عادة ما تشهد باكستان تظاهرات احتجاجات كبيرة، لكن الاحتجاجات الأخيرة التي شهدها بعض المدن الباكستانية خلال الأسابيع القليلة الماضية، جاءت على خلفية عدة قضايا واعتبارات داخلية وخارجية، سياسية واقتصادية بارزة، هي:

1. الزَّعْم بعدم نزاهة الانتخابات السابقة: يزعم تحالف "الحركة الديمقراطية الباكستانية" بأن خان لم يفُز في انتخابات عام 2018 بنزاهة، قائلاً "إن الجيش هو الذي اختار رئيس الوزراء وليس الشعب"، وذلك بعد أن تمت الإطاحة برئيس الوزراء السابق نواز شريف، زعيم حزب "الرابطة الإسلامية الباكستانية"، البالغ من العمر 70 عاماً، من السلطة في عام 2017 من قبل المحكمة العليا بتهم الكسب غير المشروع.

2. تفاقُم الأزمة الاقتصادية: وعدت حكومة عمران حان في خطتها الاقتصادية الخمسية بخلق 10 ملايين فرصة عمل، وبناء 5 ملايين منزل منخفض التكلفة، ودعم الزراعة وزيادة تحصيل الإيرادات. وبعد مرور عامين، فشلت حكومة خان في تحقيق تلك الأهداف، بل تراجع الاقتصاد، الذي كان ينمو بنسبة تزيد عن 5% في ظل فترة حكم نواز شريف السابقة، إلى المنطقة السلبية على مدى ما يزيد عن 18 شهراً. وتُعاني باكستان من بعض أسوأ معدلات التضخم والبطالة منذ سنوات، والتي تصل حالياً إلى 9%، وتجاوز معدل البطالة نسبة 10%. وفي يونيو 2020، رفعت حكومة خان أسعار المنتجات البترولية بنسبة 66%، وانخفض الدخل الحقيقي للأسر الباكستانية لأول مرة منذ 12 عاماً. وعلاوة على ذلك، أوقف صندوق النقد الدولي آخر شريحة لإعادة الهيكلة بقيمة 6 مليارات دولار لباكستان.

3. فشل حكومة خان في مواجهة جائحة كورونا: تُواجِه حكومة عمران خان اتهامات على نطاق واسع بإساءة التعامل مع جائحة "كوفيد-19". ففي منتصف مايو 2020، رفع خان الإغلاق رغم تحذيرات منظمة الصحة العالمية وإدارة الرعاية الصحية للبنجاب، وتجاهل رئيس الوزراء الباكستاني دعوات كبار الممارسين الطبيين الذين يطالبون بإغلاق كامل.

4. موقف حكومة خان من إلغاء الهند الحكم الذاتي في جامو وكشمير: في 5 أغسطس 2019، ألغت الهند الوضع الخاص الممنوح لولاية جامو وكشمير، والحكم الذاتي الممنوح لها بموجب المادة 370 من الدستور الهندي، وأثار رد فعل حكومة خان "الضعيف" على الخطوة الهندية انتقادات واسعة من قبل قادة تحالف "الحركة الديمقراطية الباكستانية" (نواز شريف، مولانا فضل الرحمن، بيلاوال بوتو)، إذ اتهموا عمران خان بإبرام صفقة مع الهند بشأن كشمير.

5. تزايُد تأثير الصين في السياسات الباكستانية: في وقت سابق، كان الناس يقولون إن باكستان يديرها ثلاثة: الجيش والله وأمريكا. ولكن الآن، اختفت أمريكا من معادلات السلطة الباكستانية. وحلَّ النفوذ الصيني محل النفوذ الأمريكي، وباتت الصين تعمل من خلال الجيش الباكستاني. وفي البداية حاول خان صدَّ الصين، لكنه اليوم أصبح مُعتمداً عليها بشكل مفرط. فمع تدهور العلاقات الباكستانية-الخليجية، صارت الصين هي خيار باكستان الوحيد الذي تستطيع الرهان والتعويل عليه اقتصادياً. وذكر مسؤول باكستاني كبير أنه "في غضون ساعات وليس أياماً من مطالبة المملكة العربية السعودية باكستان بسداد الديون المستحقة عليها للرياض، عرضت الصين تقديم مليار دولار لبنك الدولة [البنك المركزي الباكستاني]".

قيود وكوابِح استمرار الاحتجاجات ضد حكومة عمران خان

برغم أن الحركة الاحتجاجية التي يتزعمها تحالف "الحركة الديمقراطية الباكستانية" ضد حكومة عمران خان انطلقت من توافر عدة حوافز ومحركات موضوعية، لكنها تواجه عدة تحديات وقيود بنيوية قد تجعل الرهان على نجاحها في مساعيها وأهدافها أمراً مشكوكاً فيه، وذلك لعدة أسباب، أهمها:

1. عدم وجود ظهير أمني-عسكري داعم للحركة الاحتجاجية: أحد الاختلافات الرئيسة عن السوابق التاريخية أن "الحركة الديمقراطية الشعبية" تواجه اليوم قيادة مدنية تتمتع بدعم عسكري. وإذا أرادت إزاحة خان، أو باجوا، من السلطة، فستحتاج إلى مشاركة من المؤسسة الأمنية-العسكرية، والتي لن يكون من السهل الحصول عليها، على الأقل في الوقت الراهن. فطوال التاريخ الباكستاني انتقد المتظاهرون بانتظام مجموعة متنوعة من الحكومات التي حكمت البلاد، لكن هناك قاعدة غير مكتوبة مفادها: يمكن للمتظاهرين أن يُوجهوا غضبهم إلى القادة المدنيين، لكن عليهم الامتناع عن مهاجمة الجيش القوي، الذي حكم باكستان مباشرةً لما يقرب من نصف عُمْر وجود الدولة.

2. احتمال تعرُّض الحركة الاحتجاجية للقمع: حتى الآن سمحت حكومة عمران خان لتحالف المعارضة بتنظيم الاحتجاجات، على الرغم من أن "الحركة الديمقراطية الشعبية" تجاوزت الخطوط الحمراء بانتقادها لقادة الجيش والاستخبارات. ومع ذلك، حذَّر خان من العواقب، وتعهَّد بأن يكون "أكثر صرامة" مع قادة الحركة الشعبية الديمقراطية. وقد أنشأت باكستان منظمة تسمى مكتب "المساءلة الوطني"، تتمتع بسلطة تعسُّفية هائلة، لإخماد أي معارضة للحكومة.

3. صعوبة الحفاظ على تماسُك تحالف "الحركة الديمقراطية الباكستانية" المعارِض: فتحالف "الحركة الديمقراطية الشعبية" الباكستانية، مثل تحالفات المعارضة السابقة، عبارة عن طيف واسع ومتنوع من تيارات وأحزاب مدنية ودينية متباينة أيديولوجياً وعرقياً ومناطقياً. وقد يكون تقديم جبهة موحدة ومستدامة أمراً صعباً مع مرور الوقت.

4. صعوبة الرهان على تفاقم الأزمة الاقتصادية لإطاحة حكومة عمران: مرَّت باكستان بالعديد من الأزمات الاقتصادية وفترات التضخم الحادة في الماضي التي لم تؤد إلى احتجاجات جماهيرية، ناهيك عن التغيير السياسي. وكانت الاحتجاجات ضد الرئيس برويز مشرف في عامي 2007 و2008، والتي تزامنت مع أزمة اقتصادية، مدفوعةً بدرجة أكبر بتعليق مشرف لرئيس المحكمة العليا وإعلان حالة الطوارئ أكثر من الضائقة الاقتصادية.

 5. صعوبة استمرار الاحتجاجات في ظل تفشي وباء كورونا: في حين تم الإشادة بجهود باكستان للسيطرة على وباء كورونا، تشير البيانات الحديثة إلى زيادة جديدة في حالات الإصابة بالمرض. وإذا استمرت الأرقام في الارتفاع مع حلول فصل الشتاء، فقد يجد تحالف "الحركة الديمقراطية الشعبية" نفسه تحت ضغط متزايد للتخفيف من الاحتجاجات الجماهيرية حتى لا يُصبح مُتهماً بزيادة معدلات الإصابة بكورونا في البلاد.

السيناريوهات المحتملة

في ضوء العديد من الحوافز التي فجَّرت الاحتجاجات التي يتزعمها تحالف "الحركة الشعبية الباكستانية"، وفي ضوء القيود والكوابح التي تواجهها، فإن هناك ثلاثة سيناريوهات مطروحة لمستقبل الأوضاع السياسية في باكستان، بما فيها وضع حكومة عمران خان.

السيناريو الأول: تراجُع الاحتجاجات بسبب تصدُّع تحالف "الحركة الديمقراطية الباكستانية"

ظهرت مؤشرات ذلك في "تنصُّل" زعيم حزب "الشعب الباكستاني" بيلاوال بوتو-زرداري، من اتهامات نواز شريف لقادة الجيش الباكستاني بدعم عمران خان في الانتخابات السابقة، ففي مقابلة مع قناة "بي بي سي أوردو" BBC Urdu في 6 نوفمبر 2020، أدعى بيلاوال أنه "صُدِم" لسماع شريكه في التحالف، نواز شريف، وهو يتهم قائد الجيش الجنرال قمر جافيد باجوا ورئيس المخابرات الداخلية الفريق فايز حميد بالوقوف وراء انتخاب رئيس الوزراء عمران خان عام 2018. وبحسب صحيفة "دون" الباكستانية، قال بيلاوال لبي بي سي أوردو: "اسمحوا لي أن أوضح أن [استقالة القيادة العسكرية] ليست جزءاً من مطالبنا، ولا تعكس موقفنا".

وبعد تنصُّل بيلاوال من تصريحات شريف، يبدو مصير تحالف "الحركة الديمقراطية الشعبية" والاحتجاجات محل شكوك كبيرة، أخذاً في الاعتبار أيضاً صعوبة التعويل على وجود قادة بارزين آخرين للمعارضة؛ فنواز شريف في المنفى بلندن، والرئيس السابق آصف علي زرداري موجود كذلك في المنفى وتطارده قضايا الفساد في الداخل، وشقيق نواز شريف، شهباز شريف، الذي كان أحد زعماء حزبه، أيضاً في يقضي محكوميته في السجن بتهم فساد.

السيناريو الثاني: استمرار حكومة عمران خان بسبب دعم الجيش لها  

منذ تأسيس باكستان عام 1947 جرى تعيين أو انتخاب 18 رجلاً وامرأة كرئيس للوزراء، ولا أحد منهم قضى كامل مدته. وعلى الرغم من الإطاحة برؤساء الوزراء الباكستانيين في كثير من الأحيان، إلا أن ذلك كان يحدث غالباً عبر انقلابات عسكرية وليس عبر حركات احتجاجية. وفي الوقت الحالي، أصبح مصير باجوا ورفاقه مرتبطاً بمصير عمران، ولا توجد في باكستان ثقافة الانسحاب بأمان بينما لا تزال لديك الفرصة، وهذا يعني أن إغراء دعم عمران سيكون لا يقاوم.

وفي الوقت نفسه، فإن الجنرالات لا يمكنهم تحمُّل هجوم نواز شريف المباشر عليهم وهم واقفون مكتوفي الأيدي؛ فترك هذا دون عقاب سيعني ضربة كبيرة لديناميكيات القوة وهيكلها الذي هيمن عليه الجيش لعقود. والتحدي الذي تطرحه اتهامات نواز شريف لقادة الجيش يحمل في طياته إمكانية قلب العلاقات المدنية-العسكرية بشكل كامل. فمن الآن فصاعداً، سيشعر كل سياسي بالجرأة على مهاجمة الجنرالات لأنه بمجرد ضياع الخوف من الجيش، تنتهي اللعبة إلى حد كبير. وفي هذا السياق، يخشى الجيش من أن يلقى نفس مصير الخدمة المدنية الباكستانية أو مصير الجيش التركي على يد أردوغان، لاسيما بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في يوليو 2016.  

السيناريو الثالث: تضحية الجيش بحكومة عمران خان

من الواضح أن التعويل والمراهنة على عمران خان ليست أمراً مضموناً أو مُسلَّماً به؛ فاستمرار الجيش في دعم حكومة خان يعني أيضاً تحمُّل عبء إخفاقاتها، لاسيما أن أي إجراءات قمعية لحكومة عمران خان ضد أحزاب المعارضة قد تخلق رد فعل سيجد الجيش صعوبة في التعامل معها، أو حتى السيطرة عليها.

ومن ناحية ثانية، تلقى الائتلاف الحاكم لحزب "تحريك-إنصاف" الباكستاني بزعامة عمران خان ضربةً في منتصف يونيو 2020 عندما ترك حزب "بلوشستان الوطني" مكانه، تاركاً حزب "تحريك-إنصاف" بأغلبية ضئيلة (179 من أصل 342 مقعداً في مجلس النواب)، في حين تسيطر أحزاب المعارضة الرئيسة الآن على 161 مقعداً.

وإذا كان الجيش يسعى إلى الحصول على وجه مقبول في الداخل والخارج؛ فمن غير المرجح أن يكون مولانا فضل الرحمن رئيس جمعية "علماء الاسلام"، المُثير للقلق، هو اختيار الجنرالات بالنظر إلى الرفض الدولي المحتمل. وفي هذا السياق، فإن حزب "الشعب الباكستاني" بزعامة بيلاوال بوتو-زرداري سيكون في موقع الصدارة بالنسبة لإمكانية تشكيل الحكومة المقبلة في باكستان. 

خلاصة واستنتاجات

يبدو أن مصير الاحتجاجات في باكستان سوف يبقي مُعلَّقاً بشكل حاسم بموقف المؤسسة العسكرية، ومن ثمَّ فإن السيناريو الثاني (استمرار حكومة عمران خان بسبب دعم الجيش لها) هو الأكثر ترجيحاً، على الأقل حتى موعد الانتخابات المقبلة في عام 2022. ولعل الموقف المُستَجَد لزعيم حزب الشعب الباكستاني، بيلاوال بوتو-زرداري، يشير بقوة إلى هذا السيناريو، ويؤكد هيمنة الجيش على مجريات اللعبة السياسية وقدرته على تشكيل مفرداتها وتوزيع أدوراها على القوى والتيارات السياسية الباكستانية المختلفة. فالجيش الباكستاني يمثل "رُمَّانة الميزان" التي سترجح كفة أي من الطرفين؛ حكومة عمران خان أو تحالف المعارضة الذي يتزعم الاحتجاجات، خلال الفترة المقبلة. والأرجح أن سيطرة المؤسسة الأمنية-العسكرية على المشهد السياسي في باكستان ستظل دون منازع على المديين القريب والمتوسط.

سيناريوهات