التضخُّم في الاقتصاد الإيراني: المُعطيات والسيناريوهات

مركز الإمارات للسياسات | 18 نوفمبر 2020

­­

يعتبر التضخُّم أحد المؤشرات الأساسية لقياس أداء الاقتصاد الإيراني، وتشير معدلات التضخم الشهري إلى التغيير في سعر البضائع خلال شهر واحد، وهناك معيار بطيء يتمثل في مجموع التضخم خلال 12 شهراً، وهو مؤشر على الأداء السنوي، والمنحى العميق لأداء الاقتصاد. وأعلن البنك المركزي الإيراني أنه يُخطط لحصر التضخم السنوي عند 22 بالمئة (بهامش زيادة أو نقصان بنحو نقطتين مئوية) بعد أن بلغ مستوى 41.2 بالمئة في العام الماضي، مُسجلِّاً واحداً من رقمين قياسيين على مر الأربعة عقود الماضية.

تُناقش الورقة سيناريوهات التضخُّم في إيران، بنسختيه الشهرية والسنوية خلال الأشهر الخمسة المتبقية من العام المالي الإيراني الجاري بالنظر إلى عدة مؤثرات، منها نتيجة الانتخابات الأمريكية، والتطورات الداخلية.

التضخُّم في إيران من خلال الأرقام؛ مقارنة عامين

جاء تقرير البنك المركزي الإيراني بشأن توقعاته بخصوص التضخم في العام الجاري متفائلاً إلى حدّ لافت؛ ويعود هذا التفاؤل إلى تزايد الآمال بأن تخرج إيران من سطوة تأثير العقوبات على أداء الاقتصاد. كما أن التقارير دولية دعمت هذا الاتجاه المتفائل بشكل نسبي؛ إذ أعلن البنك الدولي ضمن تقرير دوري له أن التضخم في إيران سيستقر عند 34.1 بالمئة، ليستقر في العام المقبل عند مستوى 27.1 بالمئة، ثم عند 23 بالمئة في العام الذي يليه في منحى تنازلي يشير إلى توقعات بتحسن الاقتصاد الإيراني خلال العام الجاري، والسنوات المقبلة.

لكن أداء الاقتصاد الإيراني جاء على عكس هذه التوقعات، وذلك تحت وطأة استمرار العقوبات وتدويلها (عبر وضع إيران في القائمة السوداء لمجموعة العمل المالي FATF) إلى جانب أثر انتشار فيروس كورونا على الاقتصاد والتبادل التجاري، فكانت النتيجة انهياراً متواصلا في البورصة الإيرانية بلغ 39 بالمئة حتى 26 من أكتوبر، وانهياراً في سعر العملة الإيرانية بأكثر من 100 بالمئة خلال سبعة أشهر.

وانعكس الأداء الاقتصادي على مؤشر التضخم؛ إذ بلغ معدل التضخم الشهري في الشهر السابع من العام الإيراني نحو 7.01 بالمئة (مقارنة بنحو 1.7 بالمئة من التضخم الشهري في الفترة نفسها من العام الماضي) فإن معدل التضخم الشهري خلال الأشهر السبعة الأولى من العام الجاري استقر عند 3.9 بالمئة، مقابل 1.7 بالمئة للأشهر السبعة الأولى من العام الماضي. وقد أعلن مركز الإحصاء القومي أن مجموع التضخم السنوي خلال العام الجديد بلغ 31 بالمئة حتى الشهر السابع؛ ما يعني أن إيران سجلت هذا المعدل من التضخم السنوي، حتى على افتراض استقرار الأسعار عند هذا المستوى في غضون الأشهر الخمس المقبلة.

واستقر معدل التضخم السنوي خلال 12 شهراً في الشهر السابع من العام الإيراني الجاري عند 41.4 بالمئة، وفق مركز الإحصاء القومي، بعد أن انخفض في الشهر الأول من العام الجاري إلى 19.8 بالمئة ليسجل ارتفاعاً بنحو 13.1 بالمئة مقارنة بالتضخم السنوي المسجل في الشهر نفسه من العام الماضي.

وضمن سياق التضخم الشهري فإن المعدل بلغ في الشهر الرابع من العام الجاري ذروة 6.4 بالمئة بوصفها ثاني أعلى ذروة في غضون ثلاثة عقود من أرقام التضخم الشهري قبل أن يحطم الرقم القياسي خلال العقود الأربعة الماضية مستقراً عند 7.01 بالمئة في الشهر السابع من العام.

وفي سياق التضخم السنوي (مجموع التضخم خلال 12 شهراً) كان اللافت انعكاس المسيرة في العام الجاري، مقارنة بالعام الماضي؛ إذ انخفضت معدلات التضخم السنوي من 51.4 بالمئة في الشهر الأول من العام الماضي إلى 28.3 بالمئة في الشهر السابع من العام ذاته، في إشارة إلى تأقلم الاقتصاد الإيراني مع الظروف بعد موجة تضخم كانت ثاني أقوى موجة خلال أربعة عقود، لكنّ المسيرة انعكست تماماً خلال العام الجاري؛ إذ بينما استقر معدل التضخم السنوي في الشهر الأول عند 19.8 بالمئة، فإن المعدل ذاته بلغ 41.4 بالمئة خلال الشهر السابع من العام نفسه.

مُحدِّدات مستقبلية

على الرغم من أن مؤشرات التضخم في نسختيه الشهرية والسنوية خلال الأشهر الخمسة المتبقية من العام الجاري سيكون تابعاً لعدة مؤثرات، منها نتيجة الانتخابات الأمريكية وتداعياتها على الاقتصاد الإيراني، إلا أن ثمة مؤشرات أخرى تتحكم هي بمجريات التضخم خلال الأشهر الخمسة المقبلة، من أهمها ما يلي:

  • السيولة؛ وهي من أهم المؤشرات المتحكمة في سياق التضخم بنسختيه الشهرية والسنوية. وتشير الأرقام الرسمية الصادرة عن البنك المركزي إلى أن حجم نمو السيولة بلغ 15.5 بالمئة في النصف الأول من العام الجاري مقارنة بنحو 13 بالمئة من النمو في الفترة نفسها من العام الماضي، فيما تشير التوقعات إلى نمو سنوي بنسبة 36 بالمئة خلال العام الجاري مقارنة بنحو 30 بالمئة خلال العام الماضي. وفي حين أن هذه الأرقام تشير إلى أن التضخم الناجم عن السيولة وحده يبلغ 36 بالمئة خلال العام الجاري استنادا إلى حجم السيولة فإن حجم العملة الصعبة من إجمالي السيولة سيجعل هذه النسبة نسبة أقلية.
  • أداء سوق البورصة الإيرانية؛ يبلغ حجم بورصة طهران أكثر من 6000 ألف مليار تومان، وتترك البورصة أثراً على التضخم في العام الجاري؛ إذ استخدمت الحكومة البورصة بوصفها أداة للتحكم في التضخم من خلال تمركز السيولة فيها، بوصفها سوق جذاب للاستثمار، ما أدى إلى نمو قيمة البورصة بنحو 81.8 بالمئة في الشهرين الأولين من العام، ثم نموها بنسبة 147.7 بالمئة خلال أربعة أشهر؛ ما أدى إلى حصر معدلات التضخم عند نحو 20 بالمئة. وأدت أول موجة انهيار في أسعار البورصة في الشهر الرابع من العام الجاري إلى ارتفاع نسبة التضخم الشهري إلى 6.4 بالمئة في الشهر نفسه، في حين أدت الموجة الثانية من الانهيار في الشهر السادس إلى تضخم شهري بنسبة 7 بالمئة في الشهر السابع ليظهر ترابط واضح بين انهيار السوق، وارتفاع نسبة التضخم. وفي هذا السياق، تشير انهيارات السوق المتتالية إلى احتمال استمرار نمو معدلات التضخم الشهري عند معدلات عالية.
  • يمكن أن تترك مجموعة من السياسات الاقتصادية التي تنتهجها الحكومة أثراً ملحوظاً على معدلات التضخم؛ فقد قامت الحكومة بوضع سعر لصرف الدولار الحكومي، وانتهجت سياسة توفير البضائع بالدولار المدعوم والتحكم بسعر الفائدة البنكية. وفي حين أن اعتماد سعر السوق الحرة لصرف الدولار الحكومي يؤدي إلى ارتفاع أسعار الدولار، وانخفاض قيمة العملة المحلية باستمرار، فإن المعطيات تشير إلى أن الحكومة الإيرانية ترغب باعتماد أسعار أعلى لصرف الدولار الحكومي لسد العجز في الموازنة العامة؛ ما يؤدي إلى انخفاض أسعار العملة المحلية في الأسواق. وإذا كانت سياسة الموازنة العامة الإيرانية تنتهج توفير البضائع الأساسية بالدولار المدعوم (الذي تمثل قيمته ثُمُن سعر السوق الحرة) اتقاء لشر ارتفاع أسعار هذه البضائع في محاولة لمكافحة معدلات التضخم، فإن المعطيات الأخيرة تشير إلى قرارات الحكومة لتعكس المسيرة وإخراج عدد كبير من البضائع من دائرة شمول الدولار المدعوم، مما ينذر بارتفاع أسعارها في الأسواق. وفي ظل دعوات إلى رفع أسعار الفائدة البنكية من أجل التحكم في السيولة والحد من ارتفاع معدلات التضخم، فإن قرار البنك المركزي الأخير يشير إلى رفض هذه الدعوة مما يجعل الآلية هذه خارج نطاق الصلاحية. وفي المجموع تشير معالم السياسات الرسمية إلى أن الحكومة اتخذت إجراءات لا يخدم أي منها سياسة كبح جماح التضخم، مما ينذر باحتمال استمرار التضخم عند معدلات مرتفعة خلال الأشهر المقبلة.
  • يشير التقييم الإيراني إلى أن العام الإيراني الجاري سيشهد موجتي تضخم أخريين خلال الأشهر الخمسة المتبقية؛ واحدة في الشهر التاسع تحت وطأة موجة تقليدية من ارتفاع أسعار الدولار، إذ يستعد المستوردون للحصول على كميات من الدولار لتسوية حساباتهم الدولية، مما يجعل الطلب على الدولار عالياً ويرفع الأسعار في الأسواق، وأخرى في الشهر الأخير على أعتاب أعياد العام الجديد، إذ يرتفع الطلب على البضائع. وتشير أرقام العامين الماضيين إلى حدوث مثل هذا الظواهر مما يرجح تكراره في العام الجاري.

السيناريوهات

1. السيناريو المتشائم؛ يفترض هذا السيناريو استمرار صعود معدلات التضخم وفق نظام حسابي يحكم معدل التضخم من بداية العام. وضمن هذه الحسابات فإن معدل التضخم الشهري خلال الأشهر الخمسة المقبلة سيكون عند 8.3 بالمئة. ليستقر مؤشر الأسعار عند 389.5 نقطة في الشهر الأخير من العام الجاري، ما يعني بدوره ارتفاعا بنحو 189 نقطة مقارنة بالعام الماضي أو بنسبة تضخم سنوي عند 94.2 بالمئة في نهاية العام الجاري.


2. السيناريو المتفائل؛ يفترض السيناريو هذا أن يستمر معدل التضخم خلال الأشهر الخمسة المقبلة عند مستويات تقارب معدل التضخم الشهري في الأشهر السبعة الأولى من العام (3.9 بالمئة). وفي حال حدث ذلك فإن مجموع الارتفاع في مؤشر الأسعار في الشهر الأخير من العام الجاري سيكون عند 316.3 نقطة (مقارنة بنحو 200.5 نقطة في الشهر الأخير من العام الماضي) ما يعني ارتفاعا بنحو 116 نقطة ليكون معدل التضخم السنوي عند 57.8 بالمئة.

3. سيناريو وسطي؛ أما ضمن سيناريو وسطي يمكن تصور استقرار التضخم الشهري عند معدلات الأشهر الثلاثة الماضية (4.7 بالمئة). ويعني ذلك بلوغ مؤشر الأسعار في الشهر الأخير نحو 327 نقطة ما يمثل ارتفاعا بنحو 116.5 نقطة في المؤشر ليعني ذلك بدوره تضخما سنويا بنحو 64.1 و71.1 بالمئة في الشهرين الأخيرين من العام الجاري.

وبشكل عام، يمكن القول إن هذه التوقعات الثلاثة هي الأنماط الأهم التي تدعمها المعطيات التاريخية، وتقاليد المجال الاقتصادي الإيراني وسلوكياته على مر الأعوام السابقة. ورغم أن يمكن تصور عدة سيناريوهات أخرى استناداً إلى فاعلية مؤثرات أخرى على صعيد الاقتصاد الإيراني، ومن ضمنها احتمال انفتاح أمريكي على إيران بعد فوز المرشح الديمقراطي، جو بايدن، في الانتخابات الرئاسية الأمريكية. لكن مع ذلك فإن غالبية السيناريوهات حتى في حال تفاؤلها تشير إلى أن معدلات التضخم السنوية خلال العام الجاري لا تقل عن 50 بالمئة؛ ما يعني بلوغ أكبر نسبة تضخم في العقود الخمسة الماضية. هذا في حين أن السيناريوهات المتشائمة تؤكد احتمال بلوغ معدل التضخم السنوي في الشهر الأول من العام الإيراني المقبل (مارس/أبريل 2021) فوق مستوى 100 بالمئة في سابقة هي الأولى من نوعها في تاريخ إيران المعاصر.

سيناريوهات