خلافة "الغنوشي" وتصاعُد الانقسامات داخل حركة النهضة في تونس: الدلالات والسيناريوهات

شرين محمد | 25 أكتوبر 2020

تشهد حركة النهضة في تونس صراعاً متصاعداً بين قياداتها، ويرجع ذلك بشكل رئيس إلى إشكالية خلافة راشد الغنوشي في منصب رئيس الحركة، حيث أصبحت الحركة منقسمة بين فريقين أحدهما مؤيد لبقاء الغنوشي في رئاسة الحركة عبر تجديد ترشُّحه لتولي دورة رئاسية ثالثة للحفاظ على استقرار الحركة وبقائها في صدارة المشهد السياسي بالبلاد، بينما يرفض الفريق الآخر تعديل القانون الداخلي للحركة الذي ينص على عدم جواز تولي الغنوشي رئاسة الحركة لأكثر من دورتين متتاليتين.

وقد جددت "مجموعة المائة" داخل حركة النهضة في 16 أكتوبر الجاري، اعتراضها على إصرار الغنوشي الترشُّح لدورة رئاسية جديدة للحركة، وذلك قبل انعقاد المؤتمر الحادي عشر للحركة المقرر عقده قبل نهاية العام الجاري. وظهرت مؤشرات صراع الأجنحة داخل الحركة في الاستقالات المتعددة للقيادات التاريخية والشبابية من عضوية الحركة، والاختلاف حول سياسات ومواقف رئيس الحركة بشأن قضايا داخلية وملفات خارجية، وتبادل الاتهامات بين قيادات الحركة بشأن محاولات الإقصاء وإنشاء كيانات "موازية".

تناقُض الرؤى داخل "النهضة" بشأن خلافة الغنوشي

انقسم أعضاء حركة النهضة فيما يخص ملف خلافة الغنوشي، بين داعمٍ لبقائه ومُعارِض. واستند الفريق الداعم لاستمرار تولي الغنوشي رئاسة الحركة لمرة ثالثة بعد ولايتي 2012 و2016، [1] إلى عدد من الاعتبارات، أهمها:

1. تجاوز المرحلة الصعبة في تاريخ البلاد والإقليم: يرى هذا الاتجاه في بقاء الغنوشي "ضرورة مُلِحَّة" لاستقرار الحزب في هذا الظرف المتوتر الذي تشهده الساحة السياسية الداخلية والإقليمية. فقد سبق أن دخلت الحركة في مواجهات مع رئيس الدولة ورئيس الحكومة والحزب الدستوري الحر والاتحاد العام التونسي للشغل، وفي حال استمرار الخلاف بين أعضاء الحركة بشأن خلافة الغنوشي سيؤدي ذلك إلى صراع على "جبهات متعددة"[2].

2. رغبة جناح داخل النهضة بترشُّح الغنوشي للرئاسة التونسية: كان هذا الهدف غير مُعلَن حتى كشفته رسالة ثانية وجهتها مجموعة المائة المُعارِضة للتمديد لراشد الغنوشي على رأس حركة النهضة، أشارت فيها إلى رغبة الأخير في الترشح للانتخابات الرئاسية التونسية المقررة عام 2024[3].

أما الفريق المُعارِض لبقاء الغنوشي في رئاسة الحركة، والمتمثل في ما يطلق عليه مجموعة المائة، ومن بينهم أعضاء في المكتب التنفيذي ومجلس الشورى والكتلة البرلمانية داخل مجلس نواب الشعب (البرلمان التونسي)، إلى جانب بعض القيادات الجهوية (على غرار عبد اللطيف المكي ونورالدين العرباوي وفتحي العيادي وسمير ديلو وآخرين)، فقد وجهوا لائحة موقَّعة إلى راشد الغنوشي، بتاريخ 16 سبتمبر 2020 طالبوه فيها بالإعلان عن عدم الترشح لرئاسة الحركة مجدداً، في المؤتمر المقبل المقرر عقده في نهاية العام 2020.[4] وقد استند الموقعون على اللائحة في رفضهم هذا إلى عدد من الاعتبارات، أهمها:

1. احترام النظام الداخلي للحركة: فوفقاً لهؤلاء، فإن إعلان الغنوشي عدم الترشُّح لرئاسة الحركة سيؤكد احترام مقتضيات الفصل 31 من النظام الداخلي، وتكريس مبدأ التداول القيادي، إذ ينص الفصل 31 على أنه "لا يحق لأي عضو أن يتولى رئاسة الحركة، لأكثر من دورتين متتاليتين". ومن ثمَّ، فإن بقاء الغنوشي يؤدي إلى تدهور أوضاع البيت الداخلي للحركة، وانقسامه ما بين مؤيد ومعارض[5].

2. توفير شروط إنجاح المؤتمر المقبل للحركة: فقد صادق مجلس شورى حركة النهضة في يونيو الفائت على عقد المؤتمر العام في نهاية العام الجاري، وسط رفض أعداد كبيرة من القيادات الكبيرة إعادة انتخاب الغنوشي، لاسيما أنه أنهى المدتين الرئاسيتين اللتين وفرهما له المؤتمر التاسع وما عاد له الحق قانونياً في الترشُّح مرة أخرى[6].

3. تجاوز "شخصنة" قيادة الحركة: من المسوغات الرئيسة لرفض بقاء الغنوشي في موقعه منع التماهي بين حركة النهضة ورئيسها راشد الغنوشي، لأن ذلك يعتبر أكبر الانتقادات التي توجه لأي مؤسسة حزبية أو كيان سياسي، وهو ما عبر عنه المعارضون لوسائل إعلام تونسية بالقول "لا يعقل أن يختزل كيان ثري وتاريخ أثري في اسم"[7].

4. ضخ دماء جديدة في حركة النهضة: فقد أمضى راشد الغنوشي قرابة 46 عاماً في رئاسة الحركة على نحو يوحي بتأبيد السلطة داخل الحركة، وقد ظهر اتجاه يدعم "تشبيب قيادة الحركة"، وتسليم المشعل إلى جيل ثان. وما كانت الأصوات الرافضة لبقاء الغنوشي في رئاسة الحركة جديدة، إذ بدأت تحركات الإطاحة بالغنوشي داخل النهضة، منذ مايو الماضي، عندما طالبت مجموعة من قيادات الصف الأول للحركة أطلقت على نفسها مجموعة "الوحدة والتجديد" بضمان التداول القيادي في الحركة، بما يسمح بتجديد نخبها وذلك وفق مقتضيات نظامها الأساسي وسلطة المؤسسات[8].

5. التخوُّف من تآكل الرصيد الشعبي للنهضة: إذ توجد إرادة لإزاحة الغنوشي من رئاسة الحركة، عبَّر عنها عددٌ من قيادات وأعضاء الحزب، والذين يحملونه مسؤولية تآكل الخزان الانتخابي للحزب في الانتخابات الرئاسية الماضية، وربما ينتقل ذلك لاحقاً إلى الانتخابات البرلمانية المقبلة. وبالتالي، فإن الضرورة تقتضي تنحية الغنوشي وعدم توليه رئاسة الحركة مُجدداً[9]

مؤشرات تصاعُد خلاف الأجنحة داخل حركة النهضة

  • تزايد الاستقالات داخل الحركة: إذ شهدت الأشهر القليلة الماضية تزايد تقديم عدد من القيادات التاريخية استقالتها من عضوية الحركة احتجاجاً على رغبة الغنوشي البقاء في موقعه، ومنهم الرجل الثاني في الحركة ونائب رئيسها عبد الفتاح مورو، وقائدها التاريخي عبد الحميد الجلاصي، وأمينها العام زياد العذاري، وقبله رياض الشعيبي وزبير الشهودي وحمادي الجبالي، فضلاً عن استقالة قيادات شبابية، مثل زياد بومخلة وهشام العريض، وهي الاستقالات التي عكست حالة الانقسام والتشتت والتصدُّع الذي تعيشه الحركة. [10]
  • الاختلاف حول سياسات ومواقف الحركة تجاه قضايا داخلية وخارجية: إذ إن هناك حالة من عدم الرضا داخل النهضة إزاء خيارات الغنوشي واستفراده باتخاذ القرارات التي تتعلق بتحالفات النهضة في الداخل، وخاصة تحالفها الأخير مع حزب "قلب تونس"، لتمرير حكومة هشام المشيشي تجنباً لخيار العودة لإجراء انتخابات برلمانية مبكرة. [11]
  • تبادُل الاتهامات بين قيادات الحركة: فقد وصف الغنوشي المختلفين معه والمطالبين له بعدم الترشح مرة أخرى بأنهم "كيانٌ مواز" يهدف إلى تقسيم الحركة ومن ثمَّ إضعافها سياسياً، غير أن هذا الاتهام رفضته مجموعة المائة وأكدوا أنهم لا يقدمون أنفسهم بوصفهم كياناً موازياً للحركة، وأن إثارتهم لهذه القضية يأتي في إطار ترتيب الأوضاع الداخلية للحركة، في حين اعتبر البعض الآخر أن الغنوشي يريد أن يكون رئيساً موازياً لتونس[12].

السيناريوهات المحتملة لمستقبل حركة النهضة ورئيسها

1. انقسام الحركة إلى حركتين أو حزبين، لاسيما بعد بروز الانشقاقات داخلها في ظل تزايد الاحتمالات بانسحاب مجموعة المائة من المؤتمر المقبل للحركة أو تقديم استقالاتهم في أسوأ الظروف، وهو ما يأتي في سياق اتساع جبهة المعارضة داخل النهضة لبقاء الغنوشي على رأسها وارتفاع الأصوات التي تدعو لاستبعاده من هذا المنصب وعدم تمديد ولايته لفترة ثالثة. وقد تتجه الحركة إلى هذه المنطقة الخطرة في حال الاتجاه إلى تعديل القانون الداخلي للحركة أو حتى تأجيل المؤتمر إلى العام المقبل[13]. ومن المحتمل في ظل هذا السيناريو أن يضم الحزب الوليد/المُنشَق عن الحركة عدداً من القيادات والأعضاء المعارضين للغنوشي.

2. الدفع بأحد القيادات الموالية للغنوشي لخلافته: يفترض هذا السيناريو أن خروجاً نهائياً للرئيس التاريخي للحركة (راشد الغنوشي) أمرٌ مستبعدٌ لأن علاقات الحركة مع تنظيم الإخوان المسلمين ولوبيات وتمويلات الحركة تقع تحت يديه، بحيث يرجح في هذه الحالة أن يتم الدفع بإحدى قياداتها الموالية له لخلافته شكلياً، مع الإبقاء على جميع الصلاحيات الممنوحة للغنوشي، مع تولي الأخير رئاسة مجلس الشورى[14]، وذلك لامتصاص حالة الغضب والاحتقان داخل الحركة. غير أن ذلك قد يؤدي إلى حصول تفكك تدريجي للحركة، وخاصة في ظل تنامي قوة الجناح الذي يريد تداولاً حقيقياً للسلطة داخل الحركة. [15]

3. إجراء استفتاء داخلي أو تعديل النظام الأساسي للحركة: يقوم هذا السيناريو على الاحتكام إلى آلية الاستفتاء الداخلي (أي داخل الحركة) بشأن مدى إمكانية ترشح راشد الغنوشي لدورة جديدة. وأياً تكن نتيجة الاستفتاء، سوف يتخذ القرار النهائي بشأن خلافة الغنوشي، سواء بترشُّحه أو عدم ترشُّحه. فالفصل الـ133 من النظام الأساسي للحركة يمكن رئيس الحزب أو أغلبية أعضاء مجلس الشورى (الثلث المقدر بـ50 عضواً) من إمكانية الدعوة إلى استفتاء لتجاوز هذا الخلاف في حال تواصله. ووفقاً لهذا السيناريو، فإن الخلاف في حركة النهضة حول هذه الفكرة يتعلق بضرورة تطبيق القانون والالتزام به، ولا يتركز حول التمديد لرئيس الحركة، بل إن معظم قيادات النهضة يدافعون عن مبدأ تكريس التداول عبر صناديق الاقتراع، وليس عبر نصوص تؤخذ من زاوية، وتترك في المقابل زوايا أخرى. وقد يلقى هذا الاقتراح قبولاً من بعض الرافضين لترشح الغنوشي، لأنه مسلك ديمقراطي[16].

كما أن هناك عملية انتخاب دورية تجرى داخل حركة النهضة لحسم التعارض بين الآراء أو التنافس بين أشخاص داخلها، من قبيل عملية انتخاب رئيس جديد للكتلة البرلمانية للنهضة، خلفاً لنور الدين البحيري، والتي ترشَّح فيها شخصيتان هما عماد الخميري (المتحدث باسم حركة النهضة، ويحظى بتأييد راشد الغنوشي)، وفتحي العيادي (الرئيس السابق لمجلس شورى النهضة وأحد المنادين برفض التمديد للغنوشي). وقد انتهت المنافسة لصالح الخميري بحصوله على 31 صوتاً، بينما حصل العيادي على 21 صوتاً، وهو ما اعتبره المراقبون نجاحاً لجناح راشد الغنوشي، لأن هذه النتيجة الانتخابية تنتصر لشق معين داخل الحزب.

وقد يكون الحل عبر هياكل الحزب وتنفيذ ما جاء في النظام الداخلي، أو كما يطلق عليه البعض "المؤتمر سيد نفسه"، بحيث يتم تنقيح القانون الداخلي للحركة[17].

وفي المحصلة، تظل السيناريوهات الثلاثة الآنفة الذكر واردة الحدوث، مع إمكانية تبلور سيناريو "هجين" يجمع بين عناصر من هذا السيناريو أو ذاك، ما يُشير إلى أن ملف خلافة الغنوشي يعكس مظاهر التشظي داخل حركة النهضة، وإن كان جناح الغنوشي يبدو قادراً على تجاوز الأزمات التي واجهتها الحركة كما رئيسها، سواء داخل البرلمان أو في داخل الحركة نفسها.

الهوامش

[1] "الغنوشي يعزز سلطته داخل النهضة بمنح المناصب لحاشيته"، ميدل إيست أونلاين، 5 أكتوبر 2020. على الرابط: https://bit.ly/31sFO0l

[2] ناورز خليل، "النهضة على طريق العزلة في معركة "رباعية الجبهات""، سكاي نيوز عربية، 15 يوليو 2020. على الرابط: https://bit.ly/3m8NVXH

[3] المنجي السعيداني، "النهضة تفضح رغبة الغنوشي في الترشح لرئاسة تونس"، الشرق الأوسط، 15 أكتوبر 2020.

[4] منيه غانمي، "100 قيادي يدعون الغنوشي لعدم الترشح لرئاسة حركة النهضة"، العربية نت، 16 سبتمبر 2020. على الرابط: https://bit.ly/3jqXMGR

[5] عادل اللطيفي، "ماذا يحدث داخل حركة النهضة الإسلامية في تونس؟"، مونت كارلو الدولية، 19 سبتمبر 2020. على الرابط: https://bit.ly/2TbGouO

[6] هدى طرابلسي، "أزمة النهضة: صراع على المكاسب بين الأخوة"، النهار العربي، 17 أكتوبر 2020. على الرابط: https://bit.ly/2TfN8ry

[7] "قيادي بالنهضة: ستعرف الحركة انشقاقاً لو تمسك الغنوشي بمنصبه"، العربية نت، 24 سبتمبر 2020. على الرابط التالي: https://bit.ly/2FO4VmJ

[8] منية غانمي، "الوضع لم يعد يطاق.. قياديو النهضة ينتقدون دكتاتورية الغنوشي"، العربية نت، 14 أكتوبر 2020. على الرابط: https://bit.ly/37r0uJN

[9] آمال موسى، "حركة "النهضة" وقتل الأب"، الشرق الأوسط، 25 سبتمبر 2020.

[10] منية غانمي، "نزيف النهضة يتواصل في تونس.. تصعيد مرتقب واستقالات"، العربية نت، 18 سبتمبر 2020. على الرابط: https://bit.ly/37th4c0

[11] المنجي السعيداني، "تونس: انقسام في "النهضة" بفعل "فتنة الغنوشي""، الشرق الأوسط، 19 أكتوبر 2020.

[12] جبريل العبيدي، "إفلاس النهضة ومراوغاتها"، الشرق الأوسط، 12 أكتوبر 2020.

[13] "قيادي بالنهضة: تشبث الغنوشي بالمنصب يعرض الحركة للخطر"، العربية نت، 1 أكتوبر 2020. على الرابط: https://bit.ly/2FO1OLr

[14] "تونس.. هل يتخلى الغنوشي عن رئاسة "النهضة" في المؤتمر القادم"، صوت المغرب، 30 يونيو 2020. على الرابط: https://bit.ly/3jrq6Jb

[15] فاروق يوسف، "النهضة والغنوشي من يهزم الآخر؟"، ميدل إيست أونلاين، 3 أكتوبر 2020. على الرابط: https://bit.ly/3dJKgwH

[16] المنجي السعيداني، "قيادات النهضة التونسية تقترح استفتاءً داخلياً لـ"التمديد" للغنوشي"، الشرق الأوسط، 8 أكتوبر 2020.

[17] "تونس.. الغنوشي يلمح إلى الترشح مجدداً لرئاسة النهضة وسط احتدام الصراع داخل الحركة"، إرم نيوز، 15 أكتوبر 2020. على الرابط: https://bit.ly/3ocHjth

 

سيناريوهات