سيناريوهات "مفاجأة أكتوبر" في الانتخابات الأمريكية المقبلة

مركز الإمارات للسياسات | 20 سبتمبر 2020

­­يُشَكِّل مفهوم "مفاجأة أكتوبر" جزءاً لا يتجزأ من المفردات السياسية الأمريكية خلال السنوات التي تشهد انتخابات الرئاسة الأمريكية. وتشير هذه المفردة عادةً إلى وقوع حدث داخلي أو في مجال السياسة الخارجية قبل أسابيع فقط على موعد توجه الأمريكيين إلى صناديق الاقتراع مطلع شهر نوفمبر؛ الأمر الذي قد يؤثّر في نتيجة الانتخابات. وتُمثل انتخابات الرئاسة في نوفمبر 2020 مخاطر أعلى في حال وقوع مثل هذا الحدث، نظراً للاستقطاب السياسي الحاد الذي تشهده الولايات المتحدة. ولعل من المرجح أن وجود عدد قليل من الناخبين الذين لم يحسموا أمرهم بعد في الولايات المتأرجحة سيحدد النتيجة النهائية للانتخابات. كما أن من المرجح أن قرار هؤلاء الناخبين المتأرجحين سيأتي استجابة لردود أفعالهم التلقائية تجاه تطورات اللحظة الأخيرة.

أزمة إدارة ترمب

عملت رئاسة ترمب بالفعل على تغيير الكثير من الأعراف في السياسة الأمريكية. ويصف ترمب نفسه بأنه "عامل اضطراب" للمؤسسة السياسية، وعازم على تغيير النظام. وتحولت جائحة كورونا ضمن هذا السياق السياسي إلى حدث بدأ بتغيير النموذج منذ فبراير 2020، وعمل على زيادة مستوى الإحباط لدى الرئيس. وأدى سوء الإدارة النظامي للجائحة، مقروناً بالتراجع الاقتصادي، إلى زيادة استياء ترمب. ودخل الاقتصاد الأمريكي، الذي كان ينعم بالازدهار، في حالة من الركود المفاجئ في عهده، ووصلت البطالة إلى معدلات كبيرة من خانتين (من 3.5% إلى نحو 15% في مايو) إضافة إلى حدوث تراجع في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 30% تقريباً؛ وهي نسبة لم تحدث حتى خلال الركود العظيم عام 1929.

وبدأ الرئيس الحالي - الذي يتسم بغرابة الأطوار والاندفاع - في إظهار مؤشرات على عدم الأمان في ظل هذه الظروف. ورجحت استطلاعات الرأي أن الديمقراطيين سيصوتون عبر البريد أكثر من الجمهوريين. وأشار الرئيس ترمب بالفعل إلى تأجيل انتخابات الرئاسة استناداً إلى حجة واهية مفادها أن التصويت عبر البريد قد تشوبه عمليات احتيال. ولعل ما هو أسوأ أن الرئيس ترمب زعم خلال مؤتمر الحزب الجمهوري (الانتخابي) أن الطريقة الوحيدة التي يمكن للديمقراطيين الفوز من خلالها هي بالتلاعب بالانتخابات. وقال أمام مندوبي الحزب الجمهوري في مدينة شارلوت بولاية كارولاينا الشمالية: "الطريقة الوحيدة التي يمكن لهم من خلالها أخذ هذه الانتخابات منا تتمثل في أن تكون هذه انتخابات مزورة".

وأخيراً، تدور تكهنات متزايدة حول إذا ما كان الرئيس ترمب سيقبل بنتائج الانتخابات والاعتراف بالهزيمة أم لا! وقد زَعم بالفعل أن الصين وروسيا ستتلاعب بالأصوات. ولعل ما يبعث على الصدمة رفض ترمب لغاية الآن القول علناً بأنه سيقبل بنتيجة الانتخابات. وكل هذه الأمور تمهد الطريق أمام انتخابات تاريخية ومعقدة في نوفمبر المقبل. ومما لا شك فيه أن حدوث مفاجأة في أكتوبر قد يؤدي إلى التأثير في النتيجة النهائية بطريقة أو بأخرى.

سيناريوهات مفاجأة أكتوبر

توجد أربع حالات مختلفة حول سيناريوهات "مفاجأة أكتوبر"؛ يتمثل السيناريوهان الأول والثاني في حدوث أمر طارئ في مجال السياسة الخارجية ينطوي على انعكاسات قوية في مجال الأمن القومي الأمريكي، في حين يتعلق السيناريوهان الثالث والرابع بالسياسة الداخلية، لكنهما غير مترابطين، أي بعبارة أخرى فإنهما قد يحدثان بشكل متزامن.

السيناريو الأول: استفزاز إيراني

مما لا شك فيه أن سلسلة الانفجارات التي شهدتها إيران خلال أشهر صيف العام الجاري في منشآت بحثية نووية ومنشآت لتصنيع أجهزة الطرد المركزي ومنشآت لإنتاج الصواريخ وحوض لبناء السفن لم تكن مصادفة. وتشير تقارير جديرة بالثقة إلى أن هذه الحوادث جاءت نتيجة عمليات سرية لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية-الموساد الإسرائيلي.

لقد تَمثل الافتراض الأمريكي، على ضوء الرد الإيراني الضعيف تجاه اغتيال قاسم سليماني في يناير 2020، في أن طهران ليست على استعداد للرد أو تصعيد الموقف، حيث يعود هذا بشكل رئيس إلى افتقارها للقدرة والإرادة السياسية للقيام بذلك في مواجهة إدارة ترمب الجاهزة للرد بقوة. لكنَّ هناك اعتبارات أخرى بالنسبة لإسرائيل، حيث يرى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أن الوقت أمرٌ جوهري لأنه في حال خسارة ترمب في الانتخابات فإن إدارة بايدن لن تمنحه ضوءاً أخضر لتنفيذ عمليات سرية أو شن عمل عسكري كما هي حال إدارة ترمب. وفي حال فوز محتمل لبايدن فقد تتوافر مساحة أقل لتخويف إيران التي تزداد جُرأة، وتتوقع حدوث انفراج دبلوماسي جديد خلال عام 2021. وفي إطار هذا السيناريو سيتفاخر النظام الإسلامي الإيراني بأنه نجح بالصمود في وجه حملة "الضغوط القصوى" التي مارستها إدارة ترمب، ويزداد جُرأة. ويفسر كل هذا سبب اقتناع إسرائيل وبعض الصقور في واشنطن بأن الوقت الحالي هو الوقت المناسب للقيام بأعمال قسرية سرية.

لكنَّ هذه استراتيجية محفوفة بالمخاطر لأنها تستند إلى افتراض خاطئ بأن إيران لن ترد، وأن الردع الأمريكي قائم. وتتمثل الحقيقة في أن إيران كانت قد ردت، وقد تواصل فعل ذلك بفاعلية محدودة؛ فقد أدت هجمات الصواريخ من جانب وكلاء إيران في العراق إلى مقتل جنديين أمريكيين وواحد بريطاني في مارس الماضي. كما أطلقت إيران قمراً اصطناعياً عسكرياً، وحاولت شن هجوم سيبراني ضد البنية التحتية الإسرائيلية في مجال المياه في أبريل الماضي؛ ما أدى إلى قيام إسرائيل بهجوم مضاد ضد أحد الموانئ الإيرانية في مايو الماضي. لذلك فإن الفرضية الأمريكية-الإسرائيلية بأن إيران لن ترد محفوفةٌ بالمخاطر. ويصبح من الصعب السيطرة على دورة التصعيد حال اندلاعها.

وفي الحقيقة، وعلى ضوء هذا السيناريو المحتمل لمفاجأة اكتوبر التي تتمحور حول إيران، فإن حسابات النظام الإسلامي قد تتمثل في أن أفضل وقت للرد ضد واشنطن قد يكون قبل موعد الانتخابات الأمريكية من أجل إحراج ترمب الذي يواجه تحدياً ضخماً في الداخل من أجل إعادة انتخابه. وفي إطار هذا السيناريو فقد تنخرط طهران في بعض عمليات اختطاف الرهائن من رجال البحرية الأمريكية الموجودين في الخليج العربي أو اتخاذ إجراءات ضد أحد حلفاء واشنطن في المنطقة. لكنَّ السيناريو نفسه ينطوي على مخاطر انقلاب الأمور ضد إيران. وقد تكون إدارة ترمب هي من يستخدم الاستفزازات الإيرانية للبدء بحملة جوية قصيرة لكنها قاسية ضد إيران. لذلك فإن أي استفزاز إيراني قد يتحول إلى مفاجأة أكتوبر من جانب ترمب. وقد تُشَكِّلَ الحسابات الخاطئة والعواقب غير المقصودة في الخليج العربي مبرراً لكلا الطرفين للدخول في حرب.

ومن المحتمل أن يكون توجه إدارة ترمب إلى الأمم المتحدة خلال أغسطس الماضي لتمديد حظر بيع الأسلحة إلى إيران، وإمكانية إعادة فرض العقوبات بسرعة على طهران –وهي تدرك تماماً بأن هذا الجهد الدبلوماسي سيكون عقيماً– في إطار استراتيجية تمهيد الطريق أمام عمل عسكري. ولو أن مجلس الأمن عمل على تمديد حظر الأسلحة المفروض على إيران إلى ما لا نهاية كما أرادت إدارة ترمب، فإن مثل هذه النتيجة كانت ستشكل نهاية الاتفاق النووي (خطة العمل المشتركة الشاملة) وإعلان طهران رسمياً انسحابها من الاتفاق.

ويتمثل السؤال الذي يطرح نفسه في الآتي: ما الذي سيحدث في حال قيام الولايات المتحدة بعمل عسكري وضرب كافة المواقع العسكرية الإيرانية رداً على أي استفزاز من جانب طهران؟ ولعل مثل هذا السيناريو المتمثل بدخول ترمب الانتخابات من خلال "نصر" سريع ضد إيران أو رئيس خاض حرباً قد يعمل على استثارة المشاعر القومية الأمريكية داخل الولايات المتحدة في وقت وصلت فيه الروح المعنوية إلى الحضيض. وعلى أي حال، فعندما لا تبدو الأمور جيدة بالنسبة للرئيس ترمب بسبب جائحة كورونا والاقتصاد الضعيف، فإن حرباً أمريكية محدودة ضد إيران – شن عدة ضربات جوية ضد المنشآت النووية والعسكرية مقرونة بهجوم سيبراني ساحق يشل قدرات إيران الاقتصادية والعسكرية– قد تُشَكِّلَ نصراً "سريعاً" قبيل انتخابات نوفمبر.

السيناريو الثاني: تصعيد صيني

وصلت العلاقات الأمريكية-الصينية إلى أدنى مستوى لها منذ الانفتاح التاريخي الذي قام به الرئيس الأمريكي الراحل ريتشارد نيكسون تجاه الصين عام 1979. وأشارت التقارير إلى أن هنري كسينجر، الرجل الذي كان مسؤولاً عن الاستراتيجية المتعلقة بالصين في عهد نيكسون، يشعر بقلق بالغ إزاء التدهور السريع ومخاطر وقوع أحداث خارجة عن السيطرة.

ويشير معظم استطلاعات الرأي إلى أن الرأي العام الأمريكي شهد تصلباً كبيراً تجاه الصين بسبب جائحة كورونا. كما أن هناك إجماعاً في صفوف الجمهوريين والديمقراطيين بأن الانخراط مع الصين في عهد الإدارات السابقة قد أخفق. وتعمل السياسة التي اتبعتها بيجين مؤخراً، والمتمثلة بالحزم المتشدد في الشؤون الإقليمية والداخلية، على زيادة احتمالات حدوث مواجهة بين الولايات المتحدة والصين. وفي ظل مثل هذه الظروف فإن وقوع حادثة عسكرية في بحر الصين الجنوبي قد تتحول إلى مفاجأة أكتوبر تنطوي على انعكاسات كبيرة. وتوقعت مجلة "الإيكونومست" حدوث مثل هذا السيناريو في بحر الصين الجنوبي منذ مطلع عام 2019. ويشعر آخرون، مثل المؤرخ والمحلل روبرت كيجان المحسوب على المحافظين الجدد، بقلق أكبر إزاء عمل من جانب الصين ضد تايوان. لذلك فإن مخاطر حدوث مواجهة صينية-أمريكية في ازدياد.

والسؤال الذي يطرح نفسه هو: مَن سيستفيد من حدوث مواجهة؟ من الواضح أن الصين تفضل التعامل مع إدارة بايدن بعد أربع سنوات قاسية من عهد ترمب. لذلك يمكن افتراض أن الرئيس الصيني شي جين بينغ يميل نحو سيناريو يساعد في فوز بايدن. ولعل محاولة من جانب الصين لفرض أمر واقع في أكتوبر –على سبيل المثال إنهاء الحكم الذاتي لهونج كونج سيشكل هدفاً سهلاً– ستعمل على استفزاز وإحراج الرئيس ترمب في حال امتناع واشنطن عن اتخاذ أي إجراء.

ويتمثل البديل الآخر في اتخاذ بيجين إجراءً ضد تايوان، لكنَّ مثل هذه الخطوة تنطوي على مخاطر أكبر مقارنة ببسط السيادة الكاملة على هونج كونج. ومع ذلك فإن توحيد تايوان مع البر الصيني الرئيس يُمَثِّلُ هدفاً استراتيجياً نهائياً لبيجين. وقد تقرر القيادة الصينية الحالية، التي تتسم بالتشدد والجرأة بقيادة الرئيس التوسعي شي جين بينغ، باختبار حَزم ترمب والمراهنة على أنه لن يخاطر بالدخول في حرب كبرى مع الصين بسبب تايوان قبيل موعد الانتخابات الأمريكية.

تتضمّن السيناريوهات الأخرى المُشابهة التي كثيراً ما تتم مناقشتها في سياق الأزمة الصينية-الأمريكية تصعيداً في بحر الصين الجنوبي، حيث من المُمكن أن تشهد تلك المنطقة البحرية المُتنازع عليها بشدة، في جزرها ومصايد الأسماك وموارد الطاقة والقواعد العسكرية وطرق التجارة، مواجهةً بحرية. وقد تزايدت حدّة الخطاب العدواني بين الولايات المتحدة والصين بشأن تلك المنطقة في الأشهر الأخيرة. علاوة على ذلك، وفي خطوة نادرة، أرسلت البحرية الأمريكية حاملتي طائرات لإجراء عمليات وتدريبات حرية الملاحة في المنطقة في يوليو الماضي، بينما تُجري بيجين باستمرار تدريبات عسكرية على نطاق ضيّق فيها.

لقد ازداد الخطاب السياسي لإدارة ترمب تشدداً إلى حد كبير في الأشهر الأخيرة، حيث ألقى خمسة من أعضاء إدارته خُطباً نارية تُشير إلى حرب باردة جديدة وفصل كبير بين البلدين من الناحية الاقتصادية. وإلى جانب رد الفعل الإقليمي المُتشدّد من جانب بيجين، ثمة الآن خطر كبير من حدوث تصادم غير مقصود بين البلدين في بحر الصين الجنوبي؛ وبالتالي فإن مفاجأة أكتوبر تتضمن مواجهة مُتصاعدة في بحر الصين الجنوبي. ولكي نكون واضحين، لا أحد من الطرفين يتوق إلى اندلاع حرب كبرى؛ فالصين تعتقد أنه يُمكن "كسب" معركة بحر الصين الجنوبي بشكل سلمي من خلال الاستنزاف طويل الأمد للطرف الآخر. ولم يُظهر الرئيس ترمب رغبة كبيرة في مواجهة عسكرية مع الصين، لكن لا يزال هناك خطر جسيم يتمثّل في أنه في حالة حدوث المواجهة لن يميل أي من الطرفين إلى التراجع.

إن الاختلاف المُهم في مفاجأة أكتوبر التي تُركّز على الصين مقارنة بتلك التي تركّز على إيران هو أنه سيكون من المُستحيل تقريباً على إدارة ترمب إعلان "فوز سريع" في الحالة الأولى. وهذا سيجعل المواجهة مع الصين أقل جاذبية بكثير من حيث الفوائد الانتخابية. بل على العكس من ذلك، فإن خطر التصعيد مع الصين سيؤثّر فوراً في البورصة الأمريكية، ويجعل الآفاق الاقتصادية الأمريكية السلبية فعلياً تزداد قتامة. ويُمكن لهذه الديناميات السلبية المُحتملة لإدارة ترمب أن تجعل هذه المواجهة جذّابة بالنسبة لبيجين. ومن الواضح أن الحزب الشيوعي الصيني والرئيس شي جين بينغ يُفضّلان رؤية هزيمة ترمب وانتصار بايدن في الانتخابات؛ ولهذا السبب، وفي ظل مفاجأة أكتوبر التي تركّز على الصين، فإن ديناميات المواجهة لن تكون لصالح ترمب.

السيناريو الثالث: طريق سريع لتطوير لقاح مُضاد لفيروس كورونا

يُعدّ وباء كورونا القضيةَ الأساسية في السياسة الأمريكية في الوقت الحالي. ولا شيء يُمكن أن يُساعد إدارة ترمب أكثر من إيجاد حل لهذا المأزق، على شكل تطوير لقاح مُعتمد من قبل السلطات الطبية الشرعية في البلاد. وبعد فشل تعامل إدارته مع الوباء في المرحلة المبكرة من تفشيه، يبدو الرئيس ترمب الآن مُصمّماً على تعويض ذلك الفشل من خلال التعامل مع المشكلة بجدية لأنه لا يزال مُتخلّفاً عن المرشّح الديمقراطي في استطلاعات الرأي. ولكن هل تطوير اللقاح أمر واقعي في المدى القريب؟

يتّفق معظم الخبراء الطبيين على أن الوقت الذي يستغرقه تطوير لقاح فعال يُحدد عادةً بالسنوات. ويطرح الدكتور أنتوني فاوتشي، مدير المعهد الوطني للحساسية والأمراض المعدية، جدولاً زمنياً مُتفائلاً بموعد مُستهدف بهذا الخصوص في أوائل عام 2021. ومع ذلك، بالنسبة لبعض مُسبّبات الأمراض، مثل فيروس نقص المناعة المكتسبة (الإيدز)، أثبت اللقاح أنه بعيد المنال بعد عقود. والرئيس دونالد ترمب مُصمّم على عدم الانتظار كل هذا الوقت، ويتوقّع أن يُعلن فوزاً سريعاً على جبهة تطوير اللقاح قبل انتخابات نوفمبر، وتُنفق حكومتُه أكثر من 13 مليار دولار من أجل هذا الهدف وتَتّبع استراتيجيةً جريئة لتحقيقه.

في هذا السيناريو لمفاجأة أكتوبر، سيستخدم الرئيس ترمب البيانات التي تظهر من تجارب اللقاح ويسرّع عملية الموافقة. ولأهداف سياسية، وبدلاً من الاستناد إلى الأدلة العلمية اللازمة، سيُعلن البيت الأبيض أن اللقاح في متناول اليد، وستكون الخطوة التالية دفع إدارة الغذاء والدواء الامريكية (FDA) لمنح ترخيص استخدام اللقاح في حالات الطوارئ (EUA). وتكمن الحيلة في سيناريو مفاجأة أكتوبر هذا هو أن يعقد الرئيس ترمب مؤتمراً صحفياً كبيراً ويُعلن أن اللقاح جاهزٌ للتسويق بحلول نهاية عام 2020، مع الحصول على ترخيص استخدام اللقاح في حالات الطوارئ؛ لذا، سيُعلن ترمب الانتصار على الوباء ويستفز معسكر بايدن للرد على منح إدارة الغذاء والدواء الامريكية ترخيصَ استخدام اللقاح في حالات الطوارئ.

سيستغل ترمب الأسابيع الأخيرة من حملته الانتخابية في الترويج للرأي القائل بأن إدارة بايدن لا تُريد انتاج لقاح لأنها غير وطنية، وتخشى خسارة الانتخابات. وسيُعلن ترمب بأن بايدن يلعب لُعبة سياسية وهو يضع طموحه السياسي الشخصي على حساب صحة البلاد والمواطن، وإذا أصبح رئيساً فسوف يؤجّل طرح اللقاح لشهور. وقد ينجح هذا السيناريو بالتأكيد مع بعض الناخبين المُتردّدين والمُتلهّفين لعودة الحياة إلى طبيعتها.

السيناريو الرابع: تصعيد الاضطرابات والفوضى والإرهاب

ليس سراً أن الرئيس ترمب يقود حملة "القانون والنظام" ضد خصومه السياسيين الديمقراطيين، ويسعى إلى تصوير بايدن على أنه عميلٌ لأجندة يسارية راديكالية ستخلق الفوضى والعنف في الشوارع الأمريكية، ويدّعي أن بايدن يريد وقف تمويل قوات الشرطة وتمكين المنظّمات "الإرهابية" مثل حركة "أنتيفا". ويعتقد الرئيس ترمب أن البلاد يُهيمن عليها مجموعة من الفوضويين المحترفين والعصابات العنيفة ومُشعلي الحرائق واللصوص والمجرمين ومُثيري الشغب وحركة أنتيفا وآخرين. وقال إننا "على علم" الآن بمُنظّمي "الإرهاب الداخلي" "و"هذا يشمل الآخرين الذين يقودون المُحرّضين على هذا العنف". وصرّح أحد كبار مستشاري ترمب والاستراتيجي المنتهية ولايته، كيليان كونواي، بالفعل لقناة "فوكس نيوز" الإخبارية بهذا الخصوص بقوله: "كلما سادت الفوضى والاضطرابات والتخريب والعنف، كان ذلك أفضل بكثير لاختيار المُرشّح الأفضل في مجال السلامة العامة والقانون والنظام".

في ظل هذه الظروف، فإن مفاجأة أكتوبر التي ستُساعد الرئيس ترمب بشكل مؤكّد -وتُضعف معسكر بايدن بشكل خطير- ستكون تصعيداً سريعاً للعنف في المراكز الحضرية والولايات المتأرّجحة، مثل ويسكونسن وبنسلفانيا وأوهايو وفلوريدا، وذلك عبر الرد على حادثة أخرى يُقتل فيها رجل أمريكي من أصل أفريقي على يد الشرطة، واشتعال احتجاجات كبيرة وأعمال شغب في جميع أنحاء المدن الأمريكية على نحو يشبه الاحتجاجات التي وقعت بعد مقتل جورج فلويد في أواخر شهر مايو الماضي. لكن هذه المرة فقط سيكون حجم الاحتجاجات أكبر بكثير وسيكون هناك ميل أكبر للعنف.

قد يستخدم الرئيس ترمب هذا السيناريو كفرصة لنشر قوات الحرس الوطني والعملاء الفيدراليين وحتى في بعض الحالات قوات الجيش. وسيبني أمله واستراتيجيته على تصعيد الاحتجاجات وأعمال العنف، وسيستفيد بشكل كبير من عُنف المتظاهرين؛ وبالتالي سيؤجّج الاضطرابات ويستغل مشاعر الغضب لدى قاعدته الشعبية. وسيكون هدفه النهائي بهذا الخصوص دفع بايدن نحو دعم المُحتجين، بينما تنحاز الأغلبية الصامتة التي تخاف من الفوضى والاضطرابات إلى جانب الرئيس الحالي. ويكمن مفتاح استراتيجية ترمب هذه -كما في الاستراتيجية السابقة التي تشتمل على تطوير سريع لقاح لجائحة كورونا– في استفزاز مُعسكر بايدن لاتخاذ موقف من شأنه تسهيل تصويره للديمقراطيين على أنهم أعداء للسلامة العامة والنظام العام في البلاد.

هل تواجه أمريكا "مفاجأة نوفمبر"؟

تدخل الولايات المتحدة المرحلةَ الأخيرة من موسم الانتخابات الرئاسية في وقت تمر فيه البلاد بثلاث أزمات رئيسة: مأزق صحي هائل، وتراجع اقتصادي كبير، واضطرابات اجتماعية على أساس عرقي. وفي الظروف العادية، تكفي واحدة من تلك الأزمات لقلب نتيجة الانتخابات ضد الرئيس الأمريكي الحالي. ومع ذلك، بعد أن تخلّف عن منافسه الديمقراطي، يُسجّل الرئيس ترمب الآن تقارباً في نتائج استطلاعات الرأي مع المرشّح الديمقراطي في جميع الولايات المتأرجحة تقريباً.

في بيئة تكون فيها نسبة المشاركة في الانتخابات حرجة للغاية، سيكون من المُغري لمُعسكر ترمب إيجاد طرق للتأثير في الناخبين المُتردّدين بغية جذبهم نحو معسكر "القانون والنظام". وإلى جانب السعي السريع لتطوير لقاح ضد جائحة كورونا، والذي يّمكن أن يوفّر الحل الذي طال انتظاره للوباء، فإن السيناريوهين الثالث والرابع لمفاجأة أكتوبر سيُساعدان البيت الأبيض بكل تأكيد. أمّا فيما يتعلّق بالسياسة الخارجية، ففي حين أن المواجهة مع إيران قد تخلق أيضاً بعض الزخم لقاعدة ترمب القومية، فمن المرجّح أن تكون أي مواجهة مع الصين محفوفة بالمخاطر الكبيرة بالنسبة للاقتصاد الأمريكي.

أخيراً، بعد سيناريوهات مفاجأة أكتوبر هذه قد تواجه أمريكا أيضاً "مُفاجأة نوفمبر" غير المسبوقة في حال قرّر الرئيس ترمب الاعتراض على فوز بايدن في الانتخابات بذريعة حدوث عمليات احتيال بريدية ضخمة. وفي هذا السيناريو، سيرفع البيت الأبيض نتائج الانتخابات إلى المحكمة العليا أو محاكم الولايات. وفي الوقت نفسه، من المُحتمل أن يحشد الرئيس ترمب قاعدته الشعبية بتغريدات تطلب منهم "عدم السماح للديمقراطيين بسرقة الانتخابات" من خلال النزول إلى الشوارع، وربما تدخل السياسة الأمريكية عن قريب في اضطراب هائل.         

خلاصات واستنتاجات عامة

  • يُشير مفهوم "مفاجأة أكتوبر" إلى وقوع حدث داخلي أو في مجال السياسة الخارجية قبل أسابيع فقط على موعد توجه الأمريكيين إلى صناديق الاقتراع مطلع شهر نوفمبر؛ الأمر الذي قد يؤثّر في نتيجة الانتخابات الرئاسية المقبلة.
  • تمرّ الولايات المتحدة حالياً في ثلاث أزمات رئيسة: مأزق صحي هائل بسبب وباء كورونا، وتراجع اقتصادي كبير نتيجة للوباء، واضطرابات اجتماعية على أساس عرقي نتيجة لحوادث مقتل أمريكيين من أصول أفريقي على يد الشرطة. ونتيجة لتلك الأزمات فإن بايدن يتقدم على ترمب في استطلاعات الرأي.
  • يوجد سيناريوهان لمفاجأة أكتوبر في مجال السياسة الخارجية: الأول، قيام إيران برد فعل قبل موعد الانتخابات الأمريكية من أجل إحراج ترمب، أو أن تتعمد إدارة ترمب استفزاز إيران لتبدأ بحملة قاسية فتحقق نصراً سريعاً على إيران قبيل انتخابات نوفمبر. والسيناريو الثاني، أن تتجه الصين إلى التصعيد في بحر الصين الجنوبي ضد تايوان أو تقوم بإنهاء الحكم الذاتي لهونج كونج مثلاً، لتُحرج إدارة ترمب التي لا ترغب في الدخول في مواجهة مع الصين قبيل موعد الانتخابات الأمريكية.
  • يوجد سيناريوهان لمفاجأة أكتوبر يرتبطان بالسياسة المحلية: الأول، إعلان ترمب قبل الانتخابات عن جاهزية لقاح مُضاد لفيروس كورونا ودفع إدارة الغذاء والدواء الأمريكية إلى منح ترخيص استخدام اللقاح في حالات الطوارئ؛ والثاني، نشر قوات الحرس الوطني وحتى القوات العسكرية في حال اندلاع احتجاجات كبيرة وأعمال شغب رداً على حادثة أخرى يُقتل فيها رجل أمريكي من أصل أفريقي على يد الشرطة. 

سيناريوهات