عودة المسار التفاوضي الليبي: المحفِّزات والتحديات

بلال عبدالله | 14 سبتمبر 2020

عقب التوافق بين رئيس المجلس الرئاسي فايز السراج ورئيس مجلس النواب عقيلة صالح على وقف إطلاق النار، شهد الصراع الليبي خطوة إضافية على طريق العودة لمسار التسوية السلمية، وإعادة الاعتبار للحل السياسي على حساب الحل العسكري، بعد إعلان الأطراف المجتمعة في بوزنيقة المغربية عن التوافق على معايير شغْل المناصب السيادية، وتوزيعها بين أقاليم ليبيا التاريخية الثلاثة.

على الرغم من أهمية التقدُّم المحدود على صعيد استئناف المسار التفاوضي في بوزنيقة ومونترو والقاهرة، وما يعكسه من عودة قدر من الثقة بين الفرقاء الليبيين، إلا أن هناك العديد من القضايا الإشكالية، التي تمثل تحديات حقيقية أمام إمكانية اجتراح توافق حقيقي، يمكن الالتزام به، حول خارطة طريق تقود نحو تسوية نهائية للصراع.

مُحفِّزات التوافق الراهن

تجدر الإشارة ابتداءً إلى أن ما جرى التوافق عليه في بوزنيقة لا يبتعد عن مُمكنات التوافق التي تعكسها خبرة السنوات الماضية فيما يتعلق بجولات الحوار بين الفرقاء الليبيين؛ فمن ناحية أولى، شهدت جولات الحوار السابقة بين مجلسيّ النواب والدولة توافق مبدأي على إعادة تشكيل المجلس الرئاسي، وفصل رئاسة المجلس الرئاسي عن رئاسة الحكومة الموحدة التي سيجري التوافق عليها؛ كما أن التوزيع الجهوي للمناصب على أساس الأقاليم التاريخية الثلاثة، برقة وطرابلس وفزان، يعد مسألة محل إجماع تقريباً، وفق ما أظهرته جولات تفاوضية سابقة بين الفرقاء الليبيين.

على صعيد آخر، فإن مشاركة أنصار نظام القذافي في اللقاء التشاوري المنعقد بمدينة مونترو السويسرية، وما تبعه من بادرة تعيين محمد عمر بعيو رئيساً للهيئة الليبية للإعلام التي استحدثها السراج، يأتي تجسيداً لتوجه دولي سائد منذ تولي المبعوث الأممي السابق غسان سلامة مهام منصبه قبل نحو ثلاثة سنوات، حيث إن أحد أبرز ملامح الرؤية الأممية للحل منذ ذلك الحين يتمثل في إدماج أنصار النظام السابق بوصفهم مكوّناً رئيساً في أي تسوية نهائية للصراع.

بخلاف تلك الخطوط العريضة المشتركة بين التقدم الذي تم إحرازه في المسار التفاوضي الراهن وبين الجولات السابقة، يبدو المسار الحالي أكثر حظاً في توسيع نطاق "الحد الأدنى" من التوافق بين الفرقاء الليبيين، دون أن يعني ذلك ضرورة تتويج هذا المسار بالتوصل إلى صيغة مستقرة للتسوية. ويمكن الإشارة إلى عدد من العوامل التي تضافرت سوياً، لتشكّل في مجملها بيئة محفزة على التوافق بين مختلف الأطراف الليبية، وذلك على النحو التالي:

1. الدور الأمريكي النشط في رعاية ودعم الجولة التفاوضية الحالية، وذلك لتحقيق عدة أهداف؛ أبرزها تحجيم النفوذ الروسي المتنامي في ليبيا؛ والسيطرة على الاضطرابات التي أثارها التدخل التركي في الصراع، وتداعياته على العلاقة بين دول شرق المتوسط؛ وتحييد ورقة النفط بوصفها تمثل جوهر الصراع الليبي؛ وأخيراً فإن تحقيق اختراق على صعيد التسوية سيفيد الرئيس ترامب مع قرب انعقاد الانتخابات الرئاسية، لاسيما وأن الصراع الليبي كان أحد الملفات التي يجري توظيفها دعائياً في انتخابات 2012 و2016، على خلفية مقتل السفير الأمريكي في بنغازي قبل ثمان سنوات.

2. يلتقي التوجه الأمريكي الراهن مع رغبة القاهرة في تحقيق عدة أهداف؛ الأول، ضمان وحدة الأراضي الليبية، بحيث لا يُفضي العودة لنظام الأقاليم الثلاثة إلى دعم سيناريوهات التقسيم، وهو ما يتحقق في اتخاذ مدينة سرت مقراً للسلطتين التشريعية والتنفيذية فيما تبقى من المرحلة الانتقالية، وفق ما يتم التباحث حوله خلال المفاوضات الجارية. والثاني، الرغبة في الحفاظ على المصالح المصرية في ليبيا، وعدم التنازل عن الخط الأحمر المعلن، من دون الاضطرار إلى التورط في تدخل عسكري مباشر، وهو ما يتحقق من خلال الدور الأمريكي، وما يمثله من ضمانة لكبح الاندفاع التركي في ليبيا. والهدف الثالث يتمثل في الحد من عسكرة الصراع، بما يجعل الأرضية المشتركة للتعاون المصري الروسي في ليبيا تتم على أرضية الاستثمار المشترك في ورقة أنصار النظام السابق وإدماجهم في العملية السياسية، بدلاً من التنافس المستتر حول السيطرة على المؤسسة العسكرية شرق البلاد، في حال استمرار الطابع المسلح للصراع.

3. على الصعيد المحلي يمكن الإشارة إلى كلفة الحل العسكري باعتباره أحد الدوافع الرئيسة للمرونة التي يُبديها الفرقاء الليبيين، وعدم رغبة قبائل المنطقة الشرقية في انتقال المواجهات المسلحة إلى داخل أراضيها، لاسيما مع حساسية هذه القبائل للخسائر في العنصر البشري.

من ناحية أخرى، يمكن الإشارة إلى الضغوط التي تمثلها الفاعليات الاحتجاجية، والتي امتدت مؤخراً إلى مدن شرق البلاد، على خلفية تردّي الأوضاع المعيشية، وهي الاحتجاجات التي لا يُستبعَد توظيفها في الضغط على الأطراف المسيطرة في المنطقة الشرقية لتليين موقفها إزاء القضايا الخلافية. وتجدر الإشارة هنا إلى بوادر استجابة للمطالب الأمريكية بإعادة تشغيل المنشآت النفطية.

كما أن القبول بالتوصل لصيغة جديدة من التوافق يعد بمثابة تجديد لشرعية الأطراف المسيطرة على السلطة شرق وغرب البلاد، في ظل تزايد حالة الاحتقان الشعبي من جهة، وارتفاع حدة الانتقادات والاتهامات المتكررة الموجهة من قبل المسؤولين الأمميين من جهة أخرى. وهنا يُشار إلى قيام الاتحاد الأوروبي خلال الأسبوع الثاني من سبتمبر برفع اسم المستشار عقيلة صالح من على قائمة العقوبات، بالإضافة إلى نوري بوسهمين رئيس المؤتمر الوطني السابق، وخليفة الغويل رئيس ما كان يعرف بحكومة الانقاذ.

تحديات نجاح التسوية

في مقابل العوامل المشار إليها، والتي تعمل محفِّزات نحو بلوغ آفاق أبعد على طريق التسوية قياساً بالسنوات الماضية، غير أن هناك العديد من العوامل التي ستمثل تحديات كبرى، يصعب تصوُّر التغلب عليها مجتمعة، سواء فيما يتعلق بالجولة التفاوضية الحالية، والأكثر أهمية فيما يتعلق بالالتزام بما سيجري التعهد بتنفيذه خلال الثمانية عشر شهراً المتفق عليها قبل إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية. ويمكن الإشارة إلى أبرز هذه التحديات على النحو الآتي:

1. تعددية الفاعلين في الصراع الليبي، وهو التحدي الأبرز والذي أشار إليه مساعد وزير الخارجية الأمريكي ديفيد شينكير خلال هذا الشهر، مُرجِّحاً أن يتسبب ذلك في مزيد من الصعوبات، ومؤكداً أن هدف الولايات المتحدة خلال الجولة الحالية هو "تحقيق مكاسب صغيرة على الأرض".

واللافت للنظر، في هذا السياق، التشديد الظاهر في التصريحات والبيانات، سواء الصادرة عن البعثة الأممية ورئيستها بالإنابة الأمريكية ستيفاني ويليامز، أو السفارة الأمريكية في طرابلس، على أهمية منع التدخلات الخارجية، وأن المسار التفاوضي الحالي يهدف إلى إعادة المسألة الليبية إلى أيدي الليبيين دون غيرهم. وعلى هذا الأساس يمكن تفسير حالة الترقب والصمت التي يتحلى بها أغلب الأطراف الخارجية إزاء اللقاءات الجارية والقضايا الإشكالية محل التفاوض، والإلتزام بحد أدنى من الاشتباك العلني مع مجمل هذه التطورات حتى الآن.

هذا التحسّب من قبل الأطراف الخارجية، والمواكبة الظاهرية للرغبة الأمريكية في الحد من أثر التدخلات الخارجية على سير العملية التفاوضية، لا يعكس طبيعة الصراع وحقيقة الأوزان النسبية لمختلف اللاعبين الخارجيين، لاسيما وأن الدور الأمريكي الحالي في رعاية المفاوضات من شأنه تحجيم النفوذين التركي والروسي في آنٍ معاً.

على صعيد آخر، هناك التنافس بين الأدوار الاقليمية، حيث تجدر الإشارة على وجه الخصوص إلى الحساسية الجزائرية التقليدية إزاء الدورين المصري والمغربي على السواء؛ وعند النظر إلى مجريات المسار التفاوضي الحالي، يتضح أن إطلاق هذا المسار، منذ الاعلان المزدوج من السراج وصالح عن الدعوة لوقف إطلاق النار 20 أغسطس الماضي، كان ثمار تنسيق مشترك بين القاهرة وواشنطن، كما أن المغرب هي من احتضنت أولى جولات هذا الحوار، فيما يطلق عليه البعض إعلامياً "الصخيرات 2". وفي هذا السياق، يُشار إلى إعلان وزير الخارجية الجزائري صبري بوقادوم، في الإسبوع الثاني من سبتمبر، عزم بلاده، بالتنسيق مع تونس، استضافة حوار بين الفرقاء الليبيين، فيما قد يخلق تضارباً بين الجهود الدولية الراعية للتفاوض.

2. كثرة الخلافات المستحكمة التي يصعب بناء توافق بشأنها، وعلى رأس هذه القضايا تأتي المسائل ذات الجوانب الأمنية والعسكرية، ومستقبل الميليشيات المسلحة، وآليات تفكيكها أو إعادة إدماج أفرادها ضمن المؤسستين العسكرية والشرطية، خاصة في ضوء تغلغل بعض هذه الميليشيات داخل المؤسسات المدنية، لاسيما ذات الطابع الاقتصادي والمالي، عبر تعيين أشخاص موالين داخل مجالس إدارات هذه المؤسسات، وارتباط دور هذه الميليشيات بشبكات واسعة من المنتفعين.

وهناك أيضاً الخلافات المستحكمة حول حدود الدور المسموح به للإسلاميين، والقبول بوجود السلاح في أيدي جماعات ذات توجهات متشددة، فضلاً عن أن بعض قادة هذه الميليشيات تم إدراجهم على قوائم الإرهاب أممياً وأمريكياً، في الوقت الذي يحمل فيه هؤلاء رتب عسكرية رسمية تابعة لحكومة الوفاق، ويرتبطون بتحالفات سياسية وثيقة داخل المدن والقبائل المنتمين إليها. ومع وجود قطاع كبير من المتضررين المحتملين حاملي السلاح، وارتباطهم بشبكات دعم وانتفاع على نطاق واسع في الداخل والخارج، يسهل تصور احتمالات التعطيل المرتفعة لتنفيذ أي إلتزامات يتم التوافق عليها، فضلاً عن الصعوبة المسبقة للتوصل إلى توافقات مبدأية حول هذه المسائل بين الفاعلين الرسميين أنفسهم.

وهنا تجدر الإشارة إلى الدعاوي المتكررة للتظاهر أمام المجلس الرئاسي، والتي تبناها قادة ميليشيات في غرب ليبيا، مثل الدعوات المتكررة المعترضة على تعيين أحد رموز نظام القذافي على رأس الهيئة الليبية للإعلام، أو الدعوة للتظاهر التي تبناها قائد لواء الصمود، صلاح بادي المدرج على قائمة العقوبات من قبل مجلس الأمن، احتجاجاً على تعيين القيادي الميليشياوي عماد الطرابلسي نائباً لرئيس المخابرات. إضافة إلى اعتراضات متكررة من قبل أعضاء من مجلس الدولة واعتراضات متوقعة ستصدر عن مختلف الجهات، عند الانتقال لمرحلة تسمية شاغلي المناصب في الحكومة الموحدة، وهي الاعتراضات التي قد تتسع وتتزايد بشكل سيؤثر على الأرجح على إمكانية تحقيق تقدم كبير للوصول إلى وضع توافق يحقق الاستقرار.

خلاصة

  • تُشير مجريات الجولة التفاوضية الراهنة لتسوية الصراع الليبي إلى تزايد احتمالات إحراز تقدم نسبي، قياساً بالجولات الماضية؛ ويعود ذلك بالأساس إلى الانخراط الأمريكي النَّشط في رعاية المفاوضات، مع تنحية بقية الفاعلين الدوليين جانباً؛ فضلاً عن التوازن والجمود العسكري بين معسكريّ الصراع، والتداعيات الوخيمة المتوقعة في حالة نشوب مواجهات مسلحة جديدة، في ضوء تزايد احتمالات نشوب مواجهة عسكرية بين الأطراف الإقليمية الدعمة لطرفي الصراع.
  • من غير المتوقع أن يستمر التزام اللاعبين الخارجيين بعدم التدخل الكثيف في مجريات العملية التفاوضية، وحالة الهدوء الراهنة قد تدوم على الأكثر إلى حين انتهاء الانتخابات الرئاسية الأمريكية، واستكشاف توجهات الإدارة الجديدة. كما أن تضارب مصالح وحسابات الأطراف الخارجية، حتى داخل المعسكر الواحد، سيتيح هامش واسع من المناورة بالنسبة للأطراف الليبية.
  • من المرجح أن تأتي الإجراءات التعطيلية بالأساس من قبل الأطراف المحلية، لاسيما اللاعبين غير الرسميين من ميليشيات وقوى قبلية، على أن فاعلية هذه التحركات ستكون مرهونة بوجود دعم غير معلن من قبل اللاعبين الخارجيين في الصراع.

سيناريوهات