أزمة الاحتجاجات في بيلاروسيا والسيناريوهات المحتملة

باسم راشد | 06 سبتمبر 2020

ازدادت الأوضاع الداخلية في بيلاروسيا اضطراباً منذ الإعلان عن فوز الرئيس الحالي ألكسندر لوكاشينكو (65 عاماً) بولاية سادسة في الانتخابات الرئاسية في 11 أغسطس الماضي؛ إذ تبع ذلك الإعلان احتجاجات غاضبة جابت شوارع العاصمة مينسك، وانتقل صداها إلى عدة مدن أخرى، رافضةً نتائج الانتخابات، التي وصفتها بالمزوَّرة، وطالب المُحتجُّون الرئيس لوكاشينكو بالرحيل عن السلطة وإنهاء حكمه السلطوي لبيلاروسيا.

السياق الداخلي للأزمة

أُجريت الانتخابات الرئاسية البيلاروسية في سياق سياسي غير ديمقراطي، وشهدت مساعي للتضييق على المنافسين منذ بدايتها حتى إعلان النتائج وما لحقها من احتجاجات، وقد انعكس ذلك في عدة أمور:

  • غياب التنافسية؛ فلم تُسجِّل لجنة الانتخابات في بيلاروسيا سوى 5 مرشحين فقط، وتم استبعاد "فيكتور باباريكو"، وهو مصرفي اُعتقل في شهر يونيو 2020، بسبب قضية جنائية رفعت ضده، كما اُستبعد أيضاً "فاليري تسيبكالو"، وهو سفير سابق، بعد إلغاء توقيعات على التماس يقدم له الدعم. وكان يُنظر للمرشحيْن على نطاق واسع على أنهما أوفر المرشحين المتبقين حظاً في الفوز على لوكاشينكو. هذا بالإضافة إلى رفض تسجيل المرشح السابق لانتخابات 2010 "نيكولاي ستاتكيفيتش"، باعتبار أن له سجلاً إجرامياً، والمقصود بذلك تزعمه لمظاهرات المعارضة عام 2010.
  • التضييق على المرشَّحين المُسجَّلين: كانت المرشحة المعارضة سفيتلانا تيخنوفسكيا (37 عاماً) أبرز المنافسين للوكاشينكو، وخاضت الانتخابات بدلاً من زوجها المدوِّن المُعتقَل سيرغي تيكانوفسكي، الذي لم يتمكن من توقيع وثائق ترشحه لأنه كان تحت الاعتقال الإداري. وهي نفسها تعرَّضت للاعتقال ثم أفرج عنها عشية الانتخابات الرئاسية لإضعاف فرص فوزها.
  • قَمْع الاحتجاجات قبل الانتخابات؛ إذ اعتقلت الشرطة البيلاروسية المئات من المتظاهرين في مسعى لقمع الاحتجاجات المناهضة للحكومة قبل إجراء الانتخابات، وجرى إخضاعهم للتحقيقات والتعذيب في بعض الأحيان، بحسب بعض المزاعم.

في هذا المناخ السياسي، أُجريت الانتخابات الرئاسية التي حصد فيها لوكاشينكو 80.23% من الأصوات، فيما حصلت منافسته الأهم "تيخانوفسكايا" على 9.9% من الأصوات، وقد اتهمت تيخنوفسكيا الرئيس لوكاشينكو بتزوير نتائج الانتخابات لصالحه، وسرعان ما هربت من البلاد إلى ليتوانيا في أعقاب إعلان النتائج النهائية خوفاً من تعرُّضها للاعتقال، مما قاد إلى سلسلة من المظاهرات المنتظمة المطالبة برحيل لوكاشينكو، وعلى إثرها قُتِلَ بعض المتظاهرين واعتقل الآلاف حتى الآن. وقد دفع اتساع رقعة المظاهرات وزيادة حدتها إلى تهديد لوكاشينكو باستخدام الجيش للدفاع عن سلطته.

وبرغم المواجهة الشُرَطَية العنيفة للمتظاهرين إلا أنه يتم تنظيم مظاهرات كل أحد بالآلاف في العاصمة مينسك، فضلاً عن احتجاجات يومية أصغر حجماً في عدة مدن بخلاف العاصمة لتعبِّر عن استمرار الرفض للوكاشينكو وعدم التراجع عن مطلب إسقاط النظام، بل إن هناك دعوات بين المتظاهرين لتصعيد الأمور ومواصلة الضغط على النظام البيلاروسي، بالامتناع عن دفع الضرائب مثلاً.

دوافع الاحتجاجات

لم تكن الانتخابات الرئاسية الأخيرة هي السبب الرئيس للاحتجاجات ضد نظام لوكاشينكو بقدر ما كانت كاشفة - كما يقول بعض المراقبين - عن مثالب نظام حكمه، وعجزه عن تحقيق طموحات مواطني بلاده في حياة أفضل، ومعبِّرة في الوقت ذاته عن ضيق هؤلاء مما آلت إليه الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية في بيلاروسيا. لذلك اشترك معظم فئات الشعب البيلاروسي في هذه المظاهرات، بداية من الطلاب وحتى الطبقة الوسطى الذين قبلوا لسنوات طويلة القيود المفروضة على دكتاتورية لوكاشينكو مقابل خدمات عامة لائقة وحياة مريحة بمعايير أوروبا الشرقية.

وقد حفَّزت هذه الاضطرابات مجموعة من الأسباب؛ منها ما هو متراكم منذ سنوات، ومنها نتج عن أزمات ناشئة مثل تفشي وباء "كوفيد-19"؛ وتتمثل أبرز هذه الدوافع:

  • الحكم الاستبدادي الطويل؛ إذ يحكم لوكاشينكو بيلاروسيا منذ استقلالها عام 1994، أي منذ 26 عاما، ويُتَّهم بكونه آخر ديكتاتور في أوروبا، إذ يسيطر على القنوات الإعلامية الرئيسة ويسجن المعارضين ويهمِّش الأصوات المستقلة، ويُضيِّق على حرية الرأي، كما يُتَّهم بانتهاك حقوق الإنسان ليس للمعارضين فحسب، بل للمواطنين العاديين أيضاً.
  • تغييب المعارضة السياسية؛ فعلى المستوى السياسي، لا تحظى المعارضة في بيلاروسيا بأي فرصة؛ فعلى سبيل المثال لم تحصل الأحزاب المعارضة على أية مقاعد برلمانية في انتخابات نوفمبر 2019؛ التي أسفرت عن فوز الأحزاب الموالية للرئيس بجميع مقاعد مجلس النواب وعددها 110 مقاعد، نتيجة عمليات تزوير واسعة كما وصفتها الأحزاب المعارضة، وكذلك منظمة الأمن والتعاون في أوروبا التي تراقب الانتخابات البيلاروسية.
  • تراجُع الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية؛ خاصة بعد فترة الكساد الكبيرة التي شهدتها بيلاروسيا منذ عام 2014، ولم تحقق مؤشرات إيجابية أولية سوى في 2017. وبرغم قيام الحكومة ببعض الإصلاحات الاقتصادية مثل تسهيلات ممارسة الأعمال التجارية، لكن من غير المتوقع أن تُرسي مثل هذه التدابير أسس نمو اقتصادي مستقر، وفقاً لخبراء الاقتصاد.
  • الاستجابة الحكومية السيئة لأزمة "كوفيد-19"؛ فمنذ ظهور الفيروس وتفشيه في العالم لم تتخذ بيلاروسيا إجراءات وتدابير ملموسة لمواجهته مثل الإغلاق أو تشديد إجراءات التباعد الاجتماعي وغيره من التدابير المعتادة، بل إن لوكاشينكو قلَّل من أهمية الوباء ونصح المواطنين بشرب الفودكا واستخدام حمامات البخار لمحاربة المرض. ونتيجة لذلك انتشر الفيروس في بيلاروسيا بشكل ملحوظ؛ حيث أُصيب ما يقرب من 70 ألف شخص وحوالي 600 حالة وفاة من إجمالي 9.5 مليون نسمة في بيلاروسيا.

التفاعل الدولي

حظيت التطورات السياسية الأخيرة في بيلاروسيا باهتمام عالمي ملحوظ، لذا يمكن رصد التفاعل الدولي في اتجاهين أساسيين:

الاتجاه الأول، داعم للمظاهرات السلمية ورافض للتجاوزات التي حدثت في الانتخابات الرئاسية. ويقود هذا الاتجاه الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة اللذين قاما بما يأتي:

  • أعرب قادة الاتحاد الأوروبي عن احتجاجهم على استخدام شرطة مكافحة الشغب البيلاروسية خراطيم المياه وقنابل الصوت لمواجهة الحشود التي تتهم السلطات بتزوير نتائج الانتخابات؛ إذ أكد ممثل السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي جوزيف بوريل أن هناك "عنف دولة غير مقبول ضد المحتجين السلميين".
  • وافق الاتحاد الأوروبي في 28 أغسطس 2020 على فرض عقوبات على 20 مسؤولاً رفيعاً في بيلاروسيا، من بينهم الرئيس لوكاشينكو، تحت ذريعة تورطهم في تزوير الانتخابات الرئاسية وحملات فرض النظام واستخدام العنف ضد المتظاهرين.
  • أعلن كلٌ من إستونيا وليتوانيا ولاتفيا في أول سبتمبر الجاري حظر دخول 30 مسؤولاً بيلاروسياً لأراضيهم، من بينهم الرئيس لوكاشينكو، وتعد هذه العقوبات هي الأولى ضد مينسك إثر التطورات الأخيرة.
  • وصف وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، الحالة التى تعيشها بيلاروسيا بعد الانتخابات الرئاسية الأخيرة، بأنها "مأساة"، مؤكداً "أن الانتخابات في بيلاروسيا لم تكن عادلة أو حرة"، ومُتعهداً بأن تدعم واشنطن "القوى الديمقراطية" فى البلاد.
  • عبَّر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن "قلقه الشديد" بشأن الأوضاع في بيلاروسيا، وحثَّ الحكومة البيلاروسية على "احترام الحق في التجمع السلمي والامتناع عن استخدام القوة"، كما أعلن أنه سيتحدث مع روسيا بشأن الوضع في بيلاروسيا، واصفا احتجاجات مواطنيها بالسلمية.

أما الاتجاه الثاني، فتدعم فيه روسيا بقوة حليفها الرئيس البيلاروسي؛ وتعتمد على استراتيجية سياسية ذات عنصرين، هما:

  1. الدعم الكامل للرئيس لوكاشينكو، سواء من الناحية الأمنية أو السياسية؛ إذ أعلن الرئيس بوتين في 16 أغسطس الماضي استعداد موسكو تقديم مساعدات عسكرية لضمان أمن بيلاروسيا في حال تعرُّضها لتهديدات عسكرية خارجية (علماً بأن لدى روسيا 3 قواعد عسكرية في بيلاروسيا). كما أعلن في 27 أغسطس تشكيل قوة احتياطية أمنية لمساعدة بيلاروسيا، للتدخل إذا لزم الأمر في حالة وقوع أعمال شغب وسرقة ونهب.
  2. رفض التدخل الخارجي في الشؤون الداخلية لبيلاروسيا؛ إذ حذَّرت روسيا أكثر من مرة الدول الأوروبية والولايات المتحدة من التدخل بأي شكل من الأشكال في شؤون بيلاروسيا، بما في ذلك الدعم العلني للمظاهرات المناهضة للحكومة.

سيناريوهات محتملة

من واقع التطورات على أرض الواقع، من غير المحتمل أن يتراجع المتظاهرون عن مطالبهم برحيل لوكاشينكو، وفي المقابل لا يُبدي الأخير استعداداً للتخلي عن السلطة. إلا أن الموقف في بيلاروسيا يزداد تعقيداً مع تزايد حالة الاستقطاب من الخارج والداخل، واستقالة بعض الموالين للرئيس سواء في الإعلام أو السلك الدبلوماسي، حيث استقال سفيران حتى الآن. ويضع هذا الوضع بيلاروسيا أمام عدة سيناريوهات مُمكِنَة:

السيناريو الأول: استقالة الرئيس لوكاشينكو من منصبه بشكل طوعي استجابة لضغط المتظاهرين وتشكيل حكومة جديدة ومن ثم انتخابات جديدة، على أن يتم تشكيل مجلس لإدارة الدولة يضم رموزاً من المعارضة لحين تعديل الدستور وإجراء الانتخابات. ولن يحدث ذلك السيناريو إلا باتفاق مُسبق مع جميع الأطراف الفاعلة وفي مقدمتها روسيا والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة والرئيس لوكاشينكو نفسه.

السيناريو الثاني: انحياز الجيش والشرطة للمتظاهرين والتدخل لإزاحة الرئيس من منصبه بالقوة، وفى هذه الحالة سيتم تشكيل حكومة جديدة وإجراء انتخابات جديدة أيضاً بشكل مشابه للسيناريو الأوكراني. ويُهدد هذا السيناريو احتمال تدخل روسيا لإنقاذ لوكاشينكو إذا رفضت قوات الأمن تنفيذ أوامره.

السيناريو الثالث: قَمْع الحراك الاحتجاجي وبقاء الرئيس لوكاشينكو فى السلطة بمساعدة روسية، وفى هذه الحالة سيظل لوكاشينكو أسيراً لموسكو التي ربما تفرض عليه اتفاقاً اتحادياً أو شبه اتحادي، ليتحوَّل حينها من رئيس دولة مستقلة ذات سيادة إلى أشبه بحاكم إقليم داخل روسيا، كما أنه سيبقى محاصراً في الوقت ذاته من الاتحاد الأوروبى، ويعتمد بشكل أكبر على المساعدات الروسية.

خلاصة

من غير المرجح أن يتم تنفيذ أي سيناريو من السيناريوهات السابقة بمعزل عن مصالح الأطراف الخارجية الفاعلة في الأزمة، خصوصاً روسيا والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة. لكن إزاحة لوكاشينكو من منصبه يعد أكثر الاحتمالات ترجيحاُ في الفترة المقبلة، بيد أن هذا السيناريو لن يتحقق إلا بتنسيق مسبق وواضح مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي لن يسمح مطلقاً بتكرار السيناريو الأوكراني في بيلاروسيا، فضلاً عن تخوفه من احتمالية انتشار عدوى مينسك إلى دول أخرى مثل طاجيكستان وتركمنستان وكازاخستان، بل وروسيا نفسها. وتجدر الإشارة هنا أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة يتواصلان بشكل مستمر مع الرئيس بوتين لاحتواء الأزمة، وإيجاد مخرج مناسب لها دون الإضرار بمصالح أي طرف، وهذا يعني أن سيناريو خروج لوكاشينكو من السلطة يظل الأقرب للتحقق.

من ناحية أخرى، فبرغم ما يبدو عليه لوكاشينكو من صلابة ظاهرية وإصرار على الاحتفاظ بمنصبه، إلا أنه فى واقع الأمر يتفاوض حول مستقبله مع المحيطين به، وبعض اللاعبين من الخارج، وفقاً لبعض المحللين. ومن ثمَّ، يظل مصير بيلاروسيا السياسي مرهوناً بالتطورات على أرض الواقع، وما قد تؤول إليه اتفاقات الفاعلين الخارجيين، وحدود الضغط الذي يمكن ممارسته على لوكاشينكو من جانب روسيا.

سيناريوهات