مُخطَّط الحكومة الإيرانية للانفراج الاقتصادي: فُرَص النجاح والتداعيات المحتملة

مركز الإمارات للسياسات | 01 سبتمبر 2020

تعاني حكومة الرئيس الإيراني حسن روحاني في عامها الأخير من أزمات متراكمة؛ منها العقوبات الأمريكية المستمرة منذ أكثر من عامين، وقرار مجموعة العمل المالي الدولية (FATF) وَضْع إيران ضمن قائمتها السوداء، إلى جانب تداعيات انتشار فيروس كورونا، والمؤثرات الأخرى المتمثلة في الخلافات السياسية، والفساد الاقتصادي. وعلى الرغم من هذه الأزمات تحدثت المصادر الحكومية في الأسبوع الأول من أغسطس الماضي (2020) عن مخطط شامل، وصفته بالانفراجة الاقتصادية التي ستترك أثرًا إيجابيًا على الحياة العامة، وتحرك المشاريع التنموية المتوقفة، ليؤكد بعدها رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف أن الأيام المقبلة ستشهد تحركًا إيجابيًا على الصعيد الاقتصادي، لكن سرعان ما تداعت هذه الخطة، أو على الأقل تأجلت. وبغض النظر عن فرص نجاح أو إخفاق هذا المخطط، إلا أنه يحمل في طياته إشارات لافتة إلى احتمال حدوث تطورات سياسية مهمة في إيران في المستقبل القريب.

خلفية وعود الحكومة

تشير الأرقام إلى أن حكومة روحاني تمرّ بوضع غير مستقر على الصعيد الاقتصادي؛ في ظل عجز متوقع في الموازنة يبلغ 33 بالمئة من حجمها وفق مركز البحوث التابع للبرلمان الإيراني، وافتقاد بين 1.5 مليون عامل و3.5 ملايين عامل فرص عملهم في الربيع، إلى جانب أزمة سيولة تجعل قدرات الحكومة على دعم المشاريع العمرانية والاستمرار في تقديم الدعم النقدي، وحتى في تقديم الرواتب، على المحك. بالإضافة إلى التوترات السياسية والاجتماعية، والمتمثلة في ارتفاع معدلات الجريمة وتزايد منسوب الاحتجاجات العمالية وسط توقُّع بعودة الاحتجاجات الشعبية إلى الشارع.

وحاولت الحكومة الإيرانية التشبث بعدة برامج بغية خفض الإنفاق من جهة، وللحصول على مصادر جديدة لسد العجز وتغطية الإنفاق العام، من ضمنها سحب بعض القطاعات من شمول الدولار المدعوم حكوميًا، وبيع المخزون الحكومي من الدولار في الأسواق الحرة (بدلًا عن بيعه بالسعر المعتمد في الموازنة)، والتعويل على سوق الأسهم في بيع الأصول الحكومية، والاعتماد على الضرائب الناجمة عن المعاملات في سوق الأسهم، إلى جانب توزيع الأوراق والسندات المالية؛ ليوفر لها مجموع ذلك ما بين 60 و70 ألف مليار تومان حتى الآن، وفق مصادر مستقلة، وهو مبلغ لافت دون أن يستطيع أن يغطي حجم العجز المتوقع الذي تفاقم بفعل قرارات دعم الاقتصاد بوجه تداعيات انتشار فيروس كورونا.

وتجلَّت تداعيات مجموع تلك المؤثرات في توقعات بنمو سلبي يتجاوز 7 بالمئة وفق توقعات مراكز دراسات رسمية، ومعدل تضخم شهري عند أعلى مستويات تاريخية (تضخم بنحو 6.9 بالمئة، وهو ثاني أعلى معدل تضخم شهري في أربعة عقود)، ومعدلات قياسية في ارتفاع السيولة (إذ بلغت نسبة الارتفاع نحو 7.3 بالمئة خلال الربيع). وقد أخفقت كل المخططات الحكومية السابقة في سد العجز وتقليص الإنفاق العام.

وفي حين أن الحكومة الإيرانية لم تعلن بشكل رسمي حتى الآن عن تفاصيل مخططها الشامل هذا، إلا أن مراكز بحوث ومصادر مطلعة أشارت إلى معالم هذا المخطط، ليتبين أنه لا يهدف في حال نجاحه إلى التأثير المباشر على الحياة اليومية (رغم تداعياته المهمة على هذا الصعيد) بمقدار ما يهدف إلى مساعدة الحكومة لتجاوز أزمتها، ويساعد النظام الإيراني على الصمود فترة إضافية بوجه الضغوط.

معالم المخطط الإيراني لبيع النفط في البورصة المحلية

تشير التوقعات إلى أن مشروع الحكومة الجديد يخطط لبيع 220 مليون برميل من النفط في سوق الأسهم الإيرانية في غضون عام واحد؛ ما يعني بيع 600 ألف برميل من النفط يوميًا للمواطنين. المخطط الذي يشبه توزيع سندات، وبيع أوراق مالية مدعومة بالنفط كضمان لاستيفائها في موعدها المقرر، يؤكد أن الحكومة ستبيع النفط للمواطنين بالسعر اليومي للنفط الإيراني في الأسواق العالمية، على أن يكون السعر المعتمد لصرف الدولار في عملية البيع هذه (السعر المتداول)، وهو ما يقارب سعر السوق إلى حد كبير. هذا وتضمن الحكومة سداد المبلغ بعد عامين من التعاملات وفق السعر اليومي للنفط، والسعر المتداول لصرف الدولار في التاريخ نفسه، مما يمكن أن يضمن للمشترين أرباحًا إضافية في حال ارتفاع سعر النفط الإيراني في الأسواق العالمية، وفي حال ارتفاع السعر المتداول للعملة، وهو ما تؤكد الحكومة أنه يمثل إغراء كبير للاستثمار، خصوصًا وأن الحكومة تؤكد أنه في حال انخفاض أسعار النفط أو انخفاض السعر المتداول فإنها تضمن شراء الأوراق بسعر  الشراء مضافاً إليه نسبة أرباح تعادل الحد الأقصى للأرباح البنكية السنوية (نحو 18 بالمئة).

وبذلك سيكون العملاء أمام عملية شراء أوراق تضمن لهم أرباحاً أقلها 36 بالمئة في غضون عامين، حتى في حال انخفاض أسعار الدولار (وهي عملية لم يسبق لها أن حدثت في العقود الأربعة الماضية). وفي حال اعتمدنا الأسعار الحالية للنفط الإيراني (نحو 40 دولاراً) ولصرف الدولار وفق السعر المتداول (نحو 22 ألف تومان للدولار) فإن العملية ستجمع للحكومة سيولة مقدارها 193 ألف مليار تومان خلال 12 شهراً، ونحو 112.5 ألف مليار تومان خلال الأشهر السبعة المتبقية من العام الإيراني الجاري.

تداعيات المخطط والعقبات المحتملة

لا تستطيع الحكومة بدء مخططها الجديد لدعم الموازنة العامة دون موافقة من البرلمان الإيراني، والقائد الأعلى بحكم القوانين، ولكن على افتراض أن الحكومة نجحت في تمرير المخطط فإنه سيترك آثارًا على المجال الاقتصادي في إيران، أهمها ما يلي:

  1. تغطية عجز الموازنة العامة: من أهم تداعيات هذا المشروع الجديد، في حال نجاحه، أنه سيؤمن 112 ألف مليار تومان ستكون كافية لتغطية حجم كبير من العجز في الموازنة، لكنها لن تغطي العجز بشكل كامل، إذ بينما تؤكد وزارة الاقتصاد في حكومة روحاني نفسها أن يبلغ العجز نحو 140 ألف مليار تومان، فإن مصادر برلمانية تؤكد أن حجم العجز قفز إلى 242 ألف مليار تومان بعد انتشار فيروس كورونا بعد أن كانت التوقعات السابقة تشير إلى أنه سيكون عند 185 ألف مليار تومان. ويعني ذلك أن المخطط الجديد لن يستطيع تغطية العجز بشكل كامل حتى في حال تحققه.
  2. انخفاض معدل التضخم: كانت مشاريع الحكومة الأخرى لتغطية العجز مبنية على عدة محاور (منها بيع مخزونها من الدولار بأسعار السوق لجني الحد الأقصى من فائض الأرباح؛ ورفع الحد الأدنى من الضرائب على البضائع؛ والاستقراض من البنوك وتقليص الإنفاق العام)، وهي مشاريع تعمل على زيادة التضخم من خلال العمل على زيادة نسبة السيولة ورفع تكاليف الحياة اليومية وخفض الدعم. بينما المشروع الجديد سيعمل على عكس ذلك، حيث سيعمل على امتصاص السيولة إلى جانب استغناء الحكومة بشكل واضح عن ارتفاع أسعار الدولار، ما سيكون له أثر في انخفاض معدل التضخم.
  3. تحريك المشاريع العمرانية: أعلنت الحكومة أنها ستكون مضطرة لخفض الإنفاق على المشاريع العمرانية ومشاريع البنية التحتية نتيجة تقلص الإيرادات (وبشكل خاص الإيرادات النفطية التي تؤكد الموازنة أنها ستكون مصدر تمويل تلك المشاريع)، وسيؤمن المشروع الحكومي الجديد مصادر جديدة لتحريك هذا المجال، وهو ما أكد عليه الرئيس الإيراني حسن روحاني.
  4. تمكين الحكومة من مواصلة برامج الدعم: تقدم الحكومة الإيرانية حزمتين من الدعم النقدي كل شهر، إلى جانب برامج دعم أخرى (بمجموع سنوي يبلغ 100 مليار دولار وفق مشروع الموازنة العامة)، وفي رصد كميات أكبر للدولار المدعوم لتأمين البضائع الأساسية (في ظل استغناء الحكومة عن بيع مخزونها من الدولار في الأسواق الحرة لتغطية العجز). وكانت الحكومة تعاني من مشاكل جمَّة كادت تحول دون استمرارها في برامج الدعم الاجتماعي التي أصبحت مهمة في ظل انتشار فيروس كورونا، لكن البرنامج الجديد سيوفر للحكومة في حال نجاحه مصادر جديدة لمواصلة تلك البرامج. وتأمل الحكومة من خلال التمكُّن من مواصلة تقديم الدعم إلى الفئات المختلفة، ومن خلال العمل على خفض معدل التضخم، والسيطرة على موجات الغلاء، وتحريك مشاريع البنية التحتية أن تعمل على امتصاص سخط الشارع، وخفض التململ الاجتماعي الذي يحذر الخبراء من تداعياته غير المحمودة، إلى جانب العمل على رفع شعبيتها التي تدنت إلى مستويات قياسية بفعل عدة مؤثرات وانتكاسات اقتصادية.

لكن هذا المخطط عموماً يواجه عدة عقبات تحول دون تطبيقه، أهمها الآتي:

  • معارضة الرموز البرلمانية له؛ وإذا كانت الحكومة تسعى إلى الالتفاف على البرلمان عبر إقرار مشروعها في مجلس رؤساء السلطات الثلاث المكلف من خامنئي باتخاذ قرارات سيادية لمواجهة العقوبات، فإن المصادر البرلمانية أكدت معارضة وجوه بارزة في البرلمان للمشروع بداعي تجاهل البرلمان، وتداعيات المشروع على الحكومات المقبلة. وإذا اندلعت المواجهة بين الحكومة والبرلمان حول الموضوع فإن فض الخلاف يحتاج إلى تدخل مباشر من القائد الأعلى؛ خصوصًا إذا أخذنا بالحسبان معارضة جهات مؤثرة في التيار المحافظ للمشروع. ويزداد احتمال معارضة البرلمان للمشروع الحكومي إذا أخذنا بعين الاعتبار مخططًا يعده البرلمان لإعادة النظر في تحصيص الوقود وترشيده باتجاه مشروع لدعم العائلات الفقيرة في إطار برنامج برلماني شامل لمكافحة الفقر وتحسين الحالة المعيشية في البلاد.
  • اهتزاز ثقة الشارع الإيراني بالمشروع، واحتمال عدم تجاوبه مع الأمر؛ وإذا كانت تجربة سوق الأسهم التي تعيش أيام ازدهارها تظهر احتمال تجاوب مع المشروع، فإن تجربة سابقة قامت بها حكومة أحمدي نجاد دعت الناس إلى فتح حسابات ادّخار بالدولار، ثم خذلتهم في مواعيد الاستيفاء، وتجربة حكومة روحاني في بيع الذهب، ثم فرض ضرائب عليه، تمثلان تجارب يمكن أن تحول دون الإقبال الشعبي على المشروع. وبطبيعة الحال، سيكون الإقبال على المشروع رهن بالأسعار العالمية للنفط؛ إذ لو كانت الأسعار تميل نحو الانخفاض، فإن ذلك سيترك أثراً سلبياً على التجاوب الشعبي مع المشروع. ونظرًا للتجارب السابقة الفاشلة في عرض النفط على سوق الأسهم، يتحدث خبراء عن تعويل الحكومة على تحقيق نصف المبلغ المقدر في أفضل الحالات.
  • يستطيع المشروع في حال إقراره تجنيب الحكومة أضرارًا كبيرة، من بينها خطر الانهيار في عامها الأخير، إلا أنه سيُحَمل الحكومة المقبلة أعباء مالية قد تقصم ظهرها، وذلك في إطار استراتيجية تأجيل أزمة الديون نحو الأعوام المقبلة. وفي هذا الإطار يجب الإشارة إلى نية الحكومة توزيع أوراق مالية تقارب 90 ألف مليار تومان، إلى جانب 262.5 ألف مليار تومان من التعهدات نتاج المشروع الجديد على أقل تقدير، ليكون حجم الديون التي تقع على عاتق الحكومة المقبلة نحو 352 ألف مليار تومان، أي ما يعادل 63 بالمئة من إجمالي موازنة العام الجاري. وإذا أضفنا إلى ذلك قرار الحكومة مقايضة ديونها لبعض القطاعات (منها 50 ألف مليار تومان لمنظمة خاتم الأنبياء) بخام النفط في خطة قد تكون شبيهة بالمشروع الجديد، فإن الحكومة المقبلة ستكون وريثة حجم كبير من الديون العاجلة.

الاستنتاجات

  • على الرغم من الدعاية الحكومية التي يتم من خلالها ترويج المخطط الجديد بوصفه مشروعًا مُنقِذًا للظروف المعيشية الصعبة التي يمر بها الشارع الإيراني، إلا أن تفاصيل المشروع تؤكد أن الغاية الحقيقية منه هي التغلب على حجم العجز الذي تعاني منه الموازنة العامة، ومحاولة الصمود بوجه العقوبات لفترة أطول.
  • يُبيِّن اللجوء إلى هذا المخطط بحد ذاته عَجْز الحكومة الإيرانية عن إيجاد طرق بديلة للتغلب على مشكلة العجز في الموازنة العامة، رغم تجربة عدة إجراءات، منها استغلال سوق الأسهم لبيع الأصول ورفع الضرائب.
  • على الرغم من جدوى المخطط المفترضة في تمكين الحكومة الإيرانية من الصمود بوجه العقوبات، إلا أنه في حال إقراره سيُحمِّل الحكومة المقبلة أعباء لا يستهان بها من خلال دحرجة الأزمة باتجاهها. ومن هذا المنطلق، وفي ضوء قناعة التيار المحافظ بأنه هو من سيشكل الحكومة المقبلة، فمن المتوقع أن يلقى المخطط معارضة قوية من هذا التيار، سواء في البرلمان أو على صعيد وجوه المحافظين خارجه. ومن المرجح أن تعمل هذه المعارضة إلى جانب عقبات أخرى على عدم إقرار المخطط الحكومي المقترح. وفي أحسن الأحوال يتوقع المحللون احتمال تحقيق جزئي، وليس كاملا لإيرادات المخطط؛ ما يعني إخفاقًا حكوميًا في محاولة جديدة للتغلب على عجز الموازنة.
  • يَحمِل المشروع في طياته إشارات لافتة إلى احتمال حدوث تطورات في المستقبل القريب. فالمشروع يؤكد على استيفاء المبالغ في غضون عامين، ويؤكد بشكل ضمني وجود منعطف مهم يمكن الحكومة من الحصول على كمية أموال تجعلها قادرة على الوفاء بالتزاماتها تجاه المستثمرين. وقد يعني كل ذلك، أن النظام الإيراني يتوجه نحو بدء حوار شامل مع المجتمع الدولي، يمكنه من تحرير مصادره المالية، وبيع النفط بمقادير تكفي للوفاء بالالتزامات؛ ما يعني احتمال حصول اتفاق (حتى إذا كان مبدئياً) بين إيران والمجتمع الدولي. لكنه قد يعني من جهة أخرى تطبيق اتفاقية التعاون الاستراتيجي بين إيران والصين، والتي يجري الحديث عنها هذه الأيام، من جانب الحكومة، ومؤسسات الثورة؛ حيث يمكن لإيران من خلال هذه الاتفاقية بيع ما يكفي من النفط للوفاء بالتزاماتها.

سيناريوهات