تشكيل حكومة المشيشي في تونس: الدلالات السياسية والمسارات المستقبلية المحتملة

​شرين محمد | 31 أغسطس 2020

أعلن رئيس الوزراء التونسي المُكلَّف هشام المشيشي، في 25 أغسطس الجاري (2020)، تشكيل الحكومة التونسية الجديدة، والمكوَّنة من 28 حقيبة، ما بين وزير ووزير دولة، وهي تشكيلةٌ يتعيَّن حصولها على الثقة بالأغلبية (109 أصوات على الأقل من إجمالي 217 صوتاً) في جلسة مجلس نواب الشعب التونسي، التي من المقرر أن تُعقَد مطلع سبتمبر المقبل. تُحلِّل هذه الورقة الدلالات السياسية لتشكيل حكومة المشيشي، وتعرِض السيناريوهات المحتملة لتمريرها، وأهم التوقعات بشأن أدائها مستقبلاً.

الدلالات السياسية لتشكيل حكومة المشيشي

1. محورية دور الرئيس: حكومة المشيشي هي الحكومة الثانية بعد حكومة إلياس الفخفاخ التي يُطلَق عليها داخل تونس مُسمَّى "حكومة الرئيس"، في إِشارة إلى قيام رئيس البلاد قيس سعيد باختيار الشخصية التي تقوم بتشكيل الحكومة وتتولى منصب رئيس الوزراء؛ فعقب فشل مرشح حركة النهضة الحبيب الجملي في تمرير حكومته بالبرلمان بعد فشله في نيل الثقة، قام الرئيس سعيد بتكليف إلياس الفخفاخ الذي شكل حكومته في فبراير الماضي(1). وعقب استقالته في يوليو الماضي، كلَّف الرئيس التونسي هشام المشيشي بتشكيل الحكومة الجديدة.

وقد لوحظ في هذا السياق، ارتباط شاغلي الوزارات السيادية بشخص الرئيس قيس سعيد، مثل عثمان الجرندي وزير الخارجية، والذي كان مستشاراً سابقاً للرئيس، وكذلك توفيق شرف الدين وزير الداخلية، والذي كان مسؤولاً في إدارة الحملة الانتخابية لسعيد في الانتخابات الرئاسية الأخيرة. هذا بخلاف هشام المشيشي نفسه الذي شغلَ في السابق منصب المستشار الأول للرئيس للشؤون القانونية. ولعل ذلك يعكس تغوّلاً ملحوظاً في سلطة الرئيس سعيد، على الرغم من كون النظام السياسي التونسي "نظاماً برلمانياً معدّلاً"، يُعطي صلاحيات كبيرة جداً للبرلمان ولرئيس الحكومة، الذي يُعيَّن من قبل الغالبية البرلمانية، والتي بإمكانها أيضاً أن تعزله(2).

2. استبعاد مُرشَّحي الأحزاب، بمن فيهم المُنتمين لحركة النهضة، واختيار شخصيات تكنوقراط لم يسبق لها العمل في دوائر الحكومة، وإن كان لدى بعض الوزراء انتماءات حزبية مثل علي الحفصي (وزير مُكلَّف بالعلاقة مع البرلمان) الذي ينتمي لحزب "نداء تونس"، ومحمد الفاضل كريم (وزير تكنولوجيا الاتصالات) الذي ينتمي لحزب "تحيا تونس". علاوة على ذلك، لم يكن المشيشي نفسه من الأسماء التي اقترحتها الأحزاب الرئيسة على الرئيس قيس سعيد للاختيار من بينها رئيساً للحكومة(3).

3. تمثيل واسع للنساء؛ إذ تم اختيار ثمان وزيرات (7 وزيرات ووزيرة دولة)، مقارنة بست وزيرات في حكومة الفخفاخ، وهن "ليلى جفال" لوزارة أملاك الدولة، و"عاقصة البحري" لوزارة الفلاحة، و"سلوى الصغير" لوزارة الصناعة والطاقة، و"إيمان هويمل" لوزارة المرأة والسكان، و"ألفة بن عودة" لوزارة التعليم العالي، كما اختيرت حسناء بن سليمان" وزيرة لدى رئيس الحكومة مُكلَّفة بالوظيفة العمومية، و"ثريا الجريبي" وزيرة معتمدة لدى رئيس الحكومة مُكلَّفة بالعلاقات مع المجتمع المدني، بالإضافة إلى تكليف "سهام العيادي" ككاتبة لدى وزير الشباب والرياضة. وبهذا، فقد شكَّلت النساء 28.5 في المائة من تركيبة حكومة المشيشي، وهذه من أعلى النِّسب المسجلة على مستوى الحكومات التي تعاقبت على تونس منذ ثورة 2011(4).

4. دمج وزارات الاقتصاد، وخاصة المالية والاستثمار والتنمية وأملاك الدولة في وزارة واحدة هي وزارة "الاقتصاد والمالية ودعم الاستثمار" والتي تم إسنادها إلى "علي الكعلي" وله خبرات اقتصادية واسعة. ويهدف "المشيشي" من هذه الخطوة إلى إعادة هيكلة الحكومة من جهة، والمساعدة في حل المشكلات الاقتصادية التي تعاني منها البلاد من جهة أخرى، نظراً للخبرة الاقتصادية التي يتمتع بها "الكعلي" من خلال رئاسته للمؤسسة العربية المصرفية في تونس، وكذلك من خلال عمله في عدد من البنوك في عدد من الدول العربية. كما يعول عليه في التعامل مع المؤسسات الدولية والدول الدائنة في ظل ما تعانيه البلاد من صعوبات مالية بالغة(5).

السيناريوهات المحتملة لتمرير حكومة المشيشي

السيناريو الأول: منح الثقة للحكومة، وذلك بغرض تجنُّب إجراء انتخابات برلمانية جديدة بتكلفة مالية عالية في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تعيشها البلاد حالياً، كما أن الكتل النيابية الحالية قد تخسر ما حققته من مكاسب سياسية في حالة إجراء انتخابات جديدة، قد تتغير معها توازنات القوى بين هذه الأحزاب(6).

وطبقاً لهذا السيناريو، من المرجح أن تتجه حركة النهضة وباقي الأحزاب السياسية نحو التصويت لصالح هذه الحكومة وتمريرها وبدء عملها، كما أن عدم اختيار ممثلين لحركة النهضة في هذه الحكومة سوف يُشجِّع الأحزاب السياسية المعارضة للتصويت لصالح هذه الحكومة، ومن بينها حزب "الدستوري الحر" برئاسة "عبير موسي" الذي اشترط على المشيشي عدم اختيار حركة النهضة في حكومته كشرط رئيس للتصويت لصالح حكومته داخل البرلمان، إضافة إلى تأييد عدد من الأحزاب السياسية لحكومة المشيشي، وخاصة أحزاب حركة الشعب القومية، وكتلة الإصلاح الوطنية وتحيا تونس، والتي أعلنت في وقت سابق تأييدها لها، وإذا اتخذ مكتب شورى حركة النهضة قراراً بتأييد هذه الحكومة فسوف تحصل على ثقة البرلمان.

وفي هذه الحالة سيكون الدافع الرئيس لتمرير تشكيلة حكومة المشيشي هو ضرورة الانشغال بأولويات تحقيق الاستقرار الاقتصادي والأمني جنباً إلى جنب، وخاصة في ظل ما تتعرض له البلاد من أزمات اقتصادية وتهديدات ومخاطر أمنية محتملة بسبب مُستجدات الأوضاع العسكرية في ليبيا من جهة، ومخاطر التنظيمات الإرهابية من جهة أخرى.

السيناريو الثاني: عدم تمرير الحكومة. وفي هذه الحالة سوف يتم الدعوة لانتخابات برلمانية مبكرة، ويُرجّح ذلك اعتراض بعض الأحزاب السياسية الممثلة في البرلمان الحالي على الحكومة الجديدة، حيث اُستُبعِدت هذه الأحزاب ولم يتم اختيار مُرشحيها لتولي المناصب الوزارية، وبالتالي ترى هذه الأحزاب أن التصويت للحكومة الجديدة سيجعلها حكومة لا تمثل الأحزاب ولا الكتل النيابية لها داخل البرلمان(7). وهو ما يعني عدم منحها الثقة. وسبق أن هددت حركة النهضة بعدم التصويت لحكومة لا تمثِّلها، وعبَّرت عن رفضها لحكومة تكنوقراط، وإصرارها على تشكيل حكومة سياسية منتخبة.

وبعد استعراض السيناريوهين، يمكن ترجيح السيناريو الأول استناداً لمعيار التكلفة والعائد السابق الحديث عنهما.

التوقعات المحتملة لأداء حكومة المشيشي

تواجه حكومة "هشام المشيشي" في حال مُنِحَت الثقة في جلسة مجلس نواب الشعب التونسي المقررة في 1 سبتمبر المقبل، تحديات ضاغطة تؤثر على مستوى أدائها، تتمثل أهمها في الآتي:

1. معضلة التوافق مع حركة النهضة، باعتبارها صاحبة الأغلبية في البرلمان، إذ إن موقف النهضة من شخصية المشيشي ما يزال مُتذبذباً منذ أن تم اختياره وزيراً للداخلية في الحكومة المستقيلة، لأنه لا يتمتع بخلفية أمنية. وأحد الأسباب التي تقف وراء موقف حركة النهضة المتحفِّظ من المشيشي، رغم أنها قد تميل للموافقة على تمرير حكومته في نهاية المطاف، ينطلق من رفض الأخير استخدام القوة لفض اعتصام نواب الحزب الدستوري الحر داخل البرلمان اعتراضاً منهم على ممارسات رئيسهِ، راشد الغنوشي(8). وكذلك الحال مع التيار الديمقراطي الذي أعلن بعض رموزه مثل نبيل الحاجي عدم منح الثقة لحكومة "المشيشي"، لأنها – بحسب قوله - لا تمتلك برنامجاً، ولم تضع خارطة طريق أو تصور(9).

2. تجاوز الأزمات الاقتصادية المتعددة، مما يتطلب وضع حلولاً فاعلة وإجراءات اقتصادية وسياسات مالية للقضاء على المشكلات الداخلية التي تزايدت نتيجة التداعيات المترتبة على أزمة جائحة كورونا، وتأثر القطاعات الاقتصادية المهمة في البلاد بسبب ذلك، وخاصة قطاع السياحة. ومما قد يزيد الأوضاع سوءاً، أن هناك احتمالات بتفشي "موجة ثانية" من الوباء في سبتمبر المقبل، على نحو يؤثر على الوضع الاقتصادي المتعثر أساساً، إذ تشير النشرة الصادرة عن المعهد الوطني للإحصاء التونسي في شهر أغسطس 2020 إلى انكماش الاقتصاد التونسي خلال النصف الأول من عام 2020 بنسبة مقدارها 21,6% مقارنة بالفترة ذاتها من عام 2019. وارتفعت نسبة البطالة إلى 18% في الربع الثاني من العام الحالي(10).

3. التعامل مع الاحتجاجات الفئوية "المناطقية"، على خلفية الاعتراض على تردِّي الأوضاع الاقتصادية والمعيشية للمواطنين في عدد من الولايات التونسية، وخاصة في الغرب والجنوب. ووفقاً لنتائج عمل المرصد الاجتماعي للمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، فقد شهد يوليو 2020 نحو 798 تحركاً احتجاجياً سُجِّل أكثر من نصفها في المناطق الغربية، واحتكرت ولاية قفصة 319 احتجاجاً، أي ما يمثل 39,9% من إجمالي الاحتجاجات التي شهدتها مختلف ولايات تونس. وتتنوع الفئات المنخرطة في الاحتجاجات، ومن بينهم عاطلين عن العمل، وعمال في منشآت ومؤسسات اقتصادية، وعمال حظائر، وأصحاب شهادات عليا(11).

4. التصدِّي للجماعات الإرهابية في المناطق الطرفية في الجنوب التونسي، وهو ما تزامن مع تصاعد نشاط التنظيمات الإرهابية وخاصة في ليبيا. ونجحت أجهزة الأمن التونسية خلال الفترة الماضية في تكفيك عدد من الخلايا الإرهابية النائمة في البلاد، فقد أعلنت وزارة الداخلية في 9 يوليو 2020 عن نجاح "الوحدة الوطنية للبحث في جرائم الإرهاب" بالإدارة العامة للمصالح المختصة للأمن الوطني، في إحباط مخططات إرهابية لإحدى الخلايا النائمة التابعة لتنظيم "داعش"، كانت تستهدف أهدافاً داخلية متنوعة، وتحديداً قطاع السياحة وعدداً من المقرات السيادية في العاصمة تونس. وتمكنت قوات الأمن من توقيف الشخص الرئيس المسؤول عن هذه الخلية(12).

خلاصة

على الرغم من رجحان نيل حكومة المشيشي الثقة داخل مجلس نواب الشعب تجنُّباً لِحلِّ الأخير، إلا أن فرصها في النجاح ستظل ضئيلة، لاسيما أن المشيشي ليس لديه خلفية وخبرة في إدارة الملفات الاقتصادية، في وقت تعاني المالية العامة التونسية تراجعاً حاداً، علاوة على غياب الظهير السياسي الداعم للحكومة بعد تنحية مقترحات الأحزاب، إذ لا ينتمي رئيس الحكومة إلى حزب سياسي ذي ثقل وله قاعدة جماهيرية تدعمه، وكل ما يستند عليه هو دعم مؤسسة الرئاسة له.

الهوامش

(1) لمزيد من التفصيل، انظر: زياد بوسن، "تونس: حكومة جديدة وديناميات جديدة"، مبادرة الإصلاح العربي، 24 يونيو 2020. متاح على الرابط: https://bit.ly/3be9MbZ

طارق عمارة، "رئيس وزراء تونس المكلف يعلن تشكيل حكومة تكنوقراط"، رويترز، 25 أغسطس 2020. على الرابط: https://ara.reuters.com/article/topNews/idARAKBN25K2M8

(2) مختار الدبابي، "حكومة الرئيس 2.. قيس سعيد ينتصر على الأحزاب"، العرب، 28 يوليو 2020. متاح على الرابط: https://bit.ly/34YQ2Z5

وانظر كذلك: "تونس... من النظام الرئاسي إلى «البرلماني المعدّل»"، الشرق الأوسط، 10 أغسطس 2020، متاح على الرابط: https://bit.ly/2YPwRNf

(3) انظر: "رئيس الحكومة التونسي المكلف يقرر استبعاد الأحزاب من التشكيلة المرتقبة"، إرم نيوز، 10 أغسطس 2020. متاح على الرابط: https://www.eremnews.com/news/maghreb-news/2276960

وكذلك: "لماذا استبعد الرئيس التونسي مرشحي الأحزاب في اختيار رئيس جديد للحكومة؟"، الوسط الليبية، 28 يوليو 2020. متاح على الرابط: http://alwasat.ly/news/international/290671

(4) "تونس.. المشيشي يعلن تشكيل حكومة تكنوقراط"، العربية نت، 25 أغسطس 2020. على الرابط التالي: https://bit.ly/2Ev2CV3

وأيضاً: "تونس: رئيس الوزراء المكلف يعلن تشكيل حكومة تكنوقراط مستقلة عن الأحزاب"، فرنس 24، 25 أغسطس 2020. متاح على الرابط: https://bit.ly/31D6lZk

(5) "المشيشي يعتزم "دمج وزارات""، سكاي نيوز عربية، 23 أغسطس 2020. متاح على الرابط: https://bit.ly/2EJYbWb

(6) "لا خيار أمام الأحزاب التونسية سوى منح الثقة لحكومة المشيشي"، العرب، 23 أغسطس 2020. متاح على الرابط: https://bit.ly/32ExjPt

(7) المنجي السعيداني، "تونس: حكومة المشيشي في انتظار امتحان الثقة"، الشرق الأوسط، 26 أغسطس 2020.

(8) "حركة النهضة ترفض تشكيل حكومة مستقلين في تونس"، سكاي نيوز عربية، 10 أغسطس 2020. متاح على الرابط: https://bit.ly/34JsLdm

(9) انظر في هذا: المنجي السعيداني، "تونس: التيار الديمقراطي يرفض منح الثقة لحكومة المشيشي"، الشرق الأوسط، 25 أغسطس 2020؛ المنجي السعيداني، "تونس: تشكيك في استقلالية بعض أعضاء حكومة المشيشي"، الشرق الأوسط، 27 أغسطس 2020.

(10) لمزيد من التفاصيل حول الأوضاع الاقتصادية في تونس، انظر موقع المعهد الوطني للإحصاء في تونس على الإنترنت: http://www.ins.tn/ar/front

وراجع أيضاً: "انكماش اقتصاد تونس 21,3 %على أساس سنوي"، العربية نت، 15 أغسطس 2020. متاح على الرابط: https://bit.ly/32D2dI6

(11) انظر: تقرير "شهرية جويلية 2020 حول الاحتجاجات الاجتماعية والانتحار والعنف"، المرصد الاجتماعي التونسي، 12 أغسطس 2020. متوفر على الرابط: https://ftdes.net/rapports/ar.juillet2020.pdf

(12) "تونس.. إحباط عملية إرهابية جنوب البلاد"، روسيا اليوم، 20 يوليو 2020. متاح على الرابط: https://bit.ly/2GcoQL

سيناريوهات