زيارة الكاظمي إلى واشنطن ومستقبل العلاقات العراقية-الأمريكية

محمد الحديثي | 24 أغسطس 2020

اكتسبت زيارة رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي إلى الولايات المتحدة الأمريكية أهميةً كبيرةً في سياق العلاقات العراقية-الأمريكية، بالنظر إلى طبيعة المتغيرات الكبرى التي تشهدها المنطقة وموقع العراق في إطار هذه التحولات، إلى جانب مكانة العراق في المُدْرَك الاستراتيجي الأمريكي ودوره في توازنات القوى الاقليمية والدولية؛ ففي الوقت الذي تتزايد مظاهر الصراع الأمريكي-الإيراني في المنطقة تبرز الساحة العراقية باعتبارها الأكثر سخونة لهذا الصراع وانعكاساته، وإلى جانب ذلك فإن استمرار حالة عدم الاستقرار السياسي في العراق مرتبطٌ باستمرار الدور الإيراني في هذا البلد والسعي الأمريكي المتواصل لتقليصه والحد من تأثيراته.

أبعاد ودوافع زيارة الكاظمي إلى واشنطن

شكَّلَ اختيار مصطفى الكاظمي رئيساً للحكومة العراقية متغيراً كبيراً في المشهد السياسي العراقي، وذلك لأن الكاظمي لا ينتمي لأي من القوى السياسية الإسلامية الشيعية التي هيمنت على رئاسة الحكومة منذ عام 2005، كما أن الكاظمي يعد من التيار الشيعي المعتدل المقرَّب للولايات المتحدة والذي يسعى لتطوير العلاقات العراقية الإقليمية، لا سيما مع الدول الخليجية والعربية، ويرفض الهيمنة الايرانية على القرار السياسي العراقي، وقد تجلّى ذلك من خلال وجوده في  رئاسة جهاز المخابرات العراقي منذ عهد حكومة حيدر العبادي في عام 2016. وتظهر دلالات وأبعاد أهمية زيارة الكاظمي إلى واشنطن بالمقارنة مع الرفض الأمريكي لاستقبال رئيس الحكومة السابق عادل عبد المهدي الذي حاول على مدار وجوده في رئاسة الحكومة أن يزور الولايات المتحدة لإجراء محادثات في واشنطن، لكنه لم يحصل على موافقة أمريكية وذلك بالنظر لطبيعة علاقاته مع إيران وهيمنة المحور الإيراني على قرار حكومته.

ومن خلال ما تقدم، فإن أبعاد ودوافع زيارة الكاظمي للولايات المتحدة تبرز في ضوء الآتي:

  • رؤية الكاظمي لأهمية ومكانة الدور الأمريكي في العراق في المجالات السياسية والأمنية والاقتصادية، والعمل لتحقيق الشراكة الاستراتيجية بين البلدين.
  • سعي الكاظمي لتوثيق العلاقات العراقية-الأمريكية، ومحاولة كسب ثقة صانع القرار الأمريكي بقيادة الكاظمي للحكومة العراقية في المرحلة الانتقالية، وتوفير الدعم اللازم له بعد تصاعد معدلات التأييد الشعبي لمجموع الخطوات التي أقدم عليها.
  • استثمار الفرصة السانحة التي توفرها حالة ارتباك الاستراتيجية الايرانية في العراق ومنطقة الشرق الأوسط بعد اغتيال قائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني ونائب رئيس هيئة الحشد الشعبي أبو مهدي المهندس، وتخفيف حدة الضغط الإيراني على الحكومة العراقية.
  • توظيف حالة السخط الشعبي العراقي ضد الدور الإيراني الذي تعاظم بعد أحداث انتفاضة تشرين الأول/أكتوبر من العام الماضي، وذلك من خلال مساعي إيران لقمع الانتفاضة بكل الوسائل المتاحة.
  • استغلال النفوذ الأمريكي في دول المنطقة من أجل تحفيز الدول الإقليمية للانفتاح على العراق وموازنة النفوذ الإيراني فيه، لا سيما في ظل توجهات الكاظمي لتطوير العلاقات العراقية الخليجية والعراقية العربية، ويتجلّى ذلك من خلال إعلان الكاظمي زيارة الأردن بعد عودته من واشنطن، وعقد قمة ثلاثية تجمعه والعاهل الأردني الملك عبد الله بن الحسين، والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي.

أهمية زيارة الكاظمي وتعزيز الشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة

تُثير زيارة الكاظمي إلى واشنطن في هذا التوقيت تساؤلات عديدة بشأن مسار تطور العلاقات العراقية-الأمريكية، وتأثير ذلك على علاقات العراق الإقليمية وفي مقدمتها العلاقة مع إيران الإسلامية. وتبرز أهمية زيارة الكاظمي في رؤية صانع القرار في واشنطن من خلال المكانة التي يتمتع بها العراق في المدرك الاستراتيجي الامريكي، وسعي الولايات المتحدة إلى تحجيم الدور الإيراني في العراق والمنطقة، وإيصال رسالة واضحة للكاظمي مفادها أن أي دعم أمريكي للعراق سيكون مقترناً بإرادة حكومية عراقية للخلاص من ضغوطات وتدخلات إيران في القرار السياسي العراقي، سواء على المستوى الداخلي والعلاقة بين المكّونات الاجتماعية إلى جانب العلاقة بين بغداد وحكومة إقليم كردستان، فضلاً عن العلاقات الخارجية للعراق مع البيئيتين الإقليمية والدولية.

وقد ظهر ذلك في مستوى الاهتمام الذي حظي به الكاظمي في زيارته إلى واشنطن، والتي، كما لاحظ بعض المراقبين العراقيين، فاقت كل الزيارات السابقة التي أجراءها رؤساء وزراء عراقيين إلى العاصمة الأمريكية منذ عام 2004. وقد تجلّى ذلك الاهتمام في البيان المشترك الصادر عن وزارتي الخارجية الأمريكية والعراقية، والذي أشار إلى سعي الجانبين إلى تحقيق شراكة استراتيجية بينهما في مختلف المجالات، كما أشارت وسائل الاعلام الأمريكية إلى أن الرئيس ترامب التقى الكاظمي بشكل خاص بعيداً عن مساعدي كلا الجانبين لمدة نصف ساعة، إلى جانب اللقاء الرسمي أمام وسائل الاعلام، وهو ما يدلل على نوع الاهتمام الذي حظيت به زيارة الكاظمي إلى واشنطن في المنظور الأمريكي الرسمي. وفي إطار الاهتمام الأمريكي بزيارة الكاظمي إلى واشنطن أيضاً، لاقت الزيارة اهتماماً سياسياً وإعلامياً كبيراً عكس الأهمية التي يمثلها الكاظمي بالنسبة للولايات المتحدة ودوره المأمول في تطوير العلاقات العراقية الامريكية حاضراً ومستقبلاً، لا سيما في ضوء العلاقة الذي تجمعه بالأمريكيين منذ وجوده في رئاسة جهاز المخابرات العراقي عند تعيينه عام 2016 أثناء معارك التحرير ضد تنظيم داعش. وقد تمثلت هذه الأهمية في اهتمام مختلف مؤسسات صنع القرار السياسي الأمريكي بزيارة الكاظمي، لا سيما في ظل عدم اقتصار زيارته على لقاء الرئيس ترامب كما هو معتاد في زيارات الرؤساء الآخرين، بل اشتملت كذلك لقاء رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي، كما شهدت الزيارة توجيه رسالة مشتركة إلى الكاظمي من رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ السيناتور جيم ريش (من الحزب الجمهوري)، والعضو البارز فيها السيناتور بوب مينينديز (من الحزب الديمقراطي)، وقد كان لهذه الرسالة أهمية كبيرة لاعتبارين: أولهما، أنه من غير المعتاد أن يوجه أعضاء الكونغرس رسائل إلى المسؤولين الذين يقومون بزيارة الولايات المتحدة، إلا إذا كانت الزيارات تنطوي على أهمية كبيرة بالنسبة لصناع القرار السياسي في الولايات المتحدة، أما الاعتبار الثاني فيتضح من خلال إصدارها بشكل مشترك من قِبَل مُمثلي الحزبين الجمهوري والديمقراطي، وهي حالة قد تكون غير معتادة كثيراً في الواقع السياسي الأمريكي عند التعامل مع قضايا الشؤون الخارجية.

وقد أكد كلٌّ من البيان المشترك الصادر عن خارجيتي العراق والولايات المتحدة ورسالة لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأمريكي، على أهم بمجالات التعاون بين البلدين والأجندة الرئيسة التي تضمنتها زيارة الكاظمي إلى واشنطن، إذ أشارا إلى أهمية السعي لتحقيق شراكة استراتيجية بين البلدين من خلال التعاون في قضايا الاقتصاد والطاقة والصحة والبيئة والتعليم العالي واحترام السيادة العراقية ودور الولايات المتحدة في توفير الدعم الأمني للعراق لا سيما في مرحلة ما بعد داعش، وجرى التركيز كذلك على الدور الأمريكي في دعم القطاع الخاص وفتح آفاق التعاون للعراق مع المؤسسات المالية والاقتصادية العالمية، إلى جانب الـتأكيد على الدعم الأمريكي في قطاع الطاقة من خلال دور الشركات الأمريكية الكبرى في زيادة إنتاج الكهرباء والغاز والمساهمة الأمريكية في ربط العراق بدول الخليج العربي لتقليل الاعتماد العراقي على الطاقة الإيرانية، وتم الاعلان عن أن حجم التعاون الاستثماري بين البلدين في قطاع الطاقة سوف يصل إلى 8 مليارات دولار، وأن أبرز الشركات التي سوف تدخل إلى الاستثمار في قطاع الطاقة هي شيفرون وهانيويل إنترناشونال وبيكر هيوز وجنرال إلكتريك.

كما تمت الإشارة إلى الدور الأمريكي في احترام السيادة العراقية واحترام قرارات الحكومة والبرلمان العراقيين، ودعم الاستقرار السياسي في العراق من خلال اجراء انتخابات برلمانية مُبكِّرة عادلة ونزيهة، إلى جانب الحفاظ على حرية الصحافة والإعلام وتقديم قتلة المتظاهرين السلميين إلى القضاء. كما أعلنت واشنطن تقديم مبلغ يصل إلى أكثر من 200 مليون دولار لمساعدة العراق في القضايا الإنسانية ومواجهة جائحة كورونا، فضلاً عن ذلك شملت أجندة زيارة الكاظمي إلى واشنطن مناقشة مستقبل الوجود العسكري الأمريكي في العراق وأهمية استمرار تقديم الدعم اللوجستي والتدريبي للقوات العراقية في مرحلة ما بعد "داعش"، والتأكيد المشترك على استمرار الحاجة العراقية لبقاء القوات الأمريكية والتزام الحكومة العراقية بتوفير الحماية اللازمة لها، على الرغم من أن الرئيس ترامب أبلغ الكاظمي، خلال لقائهما الأخير في البيت الأبيض، التزامه بخروج سريع لقوات التحالف الدولي من العراق في غضون 3 سنوات.

مستقبل العلاقات العراقية-الأمريكية

يرتبط مستقبل العلاقات العراقية-الأمريكية بمجموعة مُحددات تبرز في مقدمتها ثلاثة محددات أساسية، هي:

  1. تأثير الدور الإيراني في العراق على مستقبل العلاقات بين البلدين.
  2. طبيعة المتغيرات الاستراتيجية في منطقة الشرق الأوسط في ظل توازنات القوى الإقليمية والدولية الراهنة والمحتملة مستقبلاً.
  3. نتائج الانتخابات الرئاسية ومستقبل الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة، في ضوء إمكانية تجديد الثقة بالرئيس ترامب، أو في ضوء احتمالية فوز المرشح الديمقراطي جو بايدن، لا سيما أن بايدن يعد أحد مُهندسي الاتفاق النووي الإيراني مع القوى الكبرى (5+1)، ويحمل رؤية مختلفة تماماً عن ترامب في التعامل مع أزمات وتحديات منطقة الشرق الاوسط.

وفي ضوء ما تقدَّم، فإن استشراف مستقبل العلاقات العراقية-الأمريكية يشير إلى تبلور السيناريوهين الأساسيين الآتيين:

السيناريو الأول: تطور العلاقات العراقية-الأمريكية وتعاظم الدور الأمريكي في العراق

يفترض هذا السيناريو نجاح الكاظمي في استغلال الدعم الأمريكي الممنوح له وترجمته من خلال العمل على تقليص الدور الإيراني وقيادة الحكومة العراقية في المرحلة الانتقالية لتحقيق الأهداف التي جاءت من أجلها، لا سيما الاستعداد لإجراء انتخابات برلمانية مبكِّرة عادلة ونزيهة في منتصف العام المقبل، والعمل على استعادة هيبة الدولة من خلال حصر السلاح بيد الدولة، ومنع القوى المسلَّحة غير الرسمية من استهداف القواعد والمقرات الأمريكية، إلى جانب قدرته على إنجاح التعاون الاقتصادي مع الولايات المتحدة والاستفادة من الدعم الأمريكي في تشجيع التعاون الاقتصادي بين العراق والدول الإقليمية، لا سيما الأردن ودول الخليج العربي.

ويستند هذا السيناريو إلى فرضية مفادها أن نجاح سياسات الكاظمي سوف يؤدي إلى تراجع الدور الإيراني في العراق، وبالتالي الـتأثير على النفوذ الإيراني في سوريا ولبنان وباقي أرجاء المنطقة، ومؤشرات تحقق هذا السيناريو تتمثل في نجاح الكاظمي في إعفاء فالح الفياض (الحليف التقليدي لإيران في العراق) من منصبي مستشار ورئيس جهاز الأمن الوطني في العراق، وتكليف قادة مستقلين أو بعيدين عن هيمنة المحور الإيراني مثل قاسم الأعرجي والفريق الركن عبد الغني الأسدي.

ومن المتوقع أن تُسهم إعادة انتخاب الرئيس ترامب لولاية ثانية (2020-2024) في تحقيق هذا السيناريو من خلال طبيعة التوجهات الحاكمة لسلوك الرئيس ترامب، لا سيما في الصراع مع إيران بعد قراره الانسحاب من الاتفاق النووي الايراني وإعادة فرض العقوبات الأمريكية على إيران. ومؤخراً، أعلنت مندوبة الولايات المتحدة في الأمم المتحدة، كيلي كرافت، أن وزير الخارجية، مارك بومبيو، سلَّم مندوب إندونيسيا في الأمم المتحدة الذي يضطلع بمهام رئاسة مجلس الأمن في الدورة الحالية، طلب الولايات المتحدة إعادة فرض جميع عقوبات الأمم المتحدة على إيران بعد فشلها في الإيفاء بالتزاماتها النووية.

وبالنسبة لأبرز جوانب العلاقات العراقية-الأمريكية والمرتبطة بالوجود العسكري الأمريكي في العراق، فإن مؤشرات تحقق هذا السيناريو تفترض استمرار بقاء القوات الأمريكية لمرحلة قادمة من أجل توفير الدعم الأمني والاستخباري واللوجستي للقوات العراقية، لا سيما في مرحلة ما بعد "داعش"، وفي هذا الصدد أشار الخبير في مركز أبحاث الكونغرس كينيث كاتزمان إلى أن العراق والولايات المتحدة يمكن أن يتفقا على تخفيض عديد القوات دون الاتفاق على سحبها بشكل كامل. وإلى ذات الرأي ذهب مايكل روبن، الخبير بالشأن العراقي في معهد "أمريكان إنتربرايز" والمسؤول السابق في وزارة الدفاع الأمريكية، عندما أكد أن الانسحاب الكامل من العراق ليس هدفاً للبلدين في المرحلة المقبلة.

السيناريو الثاني: تراجُع العلاقات العراقية-الأمريكية وتقلُّص الدور العسكري الأمريكي

ينطلق هذا السيناريو من افتراض فشل الكاظمي في الإيفاء بمتطلبات تحقيق الشراكة الاستراتيجية بين العراق والولايات المتحدة في المرحلة المقبلة، إلى جانب إخفاقه في مواجهة النفوذ الإيراني في العراق من خلال عدم استطاعته حصر السلاح بيد الدولة وإيقاف استهداف المقرات والقواعد الأمريكية من قبل الجماعات المسلّحة المرتبطة بالمشروع الإيراني في العراق، واستمرار النفوذ الإيراني في الهيمنة على القرار السياسي العراقي بمختلف أبعاده ومستوياته.

وفيما يتعلق بالوجود العسكري الأمريكي، فإن تحقق هذا السيناريو في المرحلة المقبلة سوف يزيد من إشكالية هذا الوجود في ظل عدم قناعة واشنطن بالانسحاب من العراق في الوقت الحاضر، بيد أن استمرار الهجمات العسكرية ضد المواقع الأمريكية يُمكن أن يغير قناعة صانع القرار السياسي الخارجي في الولايات المتحدة، لا سيما في حال فوز المرشح الديمقراطي جو بايدن في الانتخابات الرئاسية نهاية العام الحالي، على اعتبار أنه يمتلك رؤية مختلفة تماماً عن الرئيس ترامب في التعامل مع أزمات وقضايا منطقة الشرق الأوسط وفي مقدمتها الأزمة النووية الإيرانية، إذ إن تحقق هذا الاحتمال سوف يؤدي إلى تعاظم الدور الإيراني في المنطقة وتنامي نفوذها في العراق، مما يؤدي إلى تقليص الدور الأمريكي في هذا البلد وحصول تراجع في العلاقات العراقية-الأمريكية.

سيناريوهات