تكليف عدنان الزرفي بتشكيل الحكومة العراقية وفُرص النجاح

مركز الإمارات للسياسات | 28 مارس 2020

عقب انتهاء المهلة القانونية للكتل السياسية لتقديم مرشح لرئاسة الوزراء في 19 مارس 2020، ودخول العراق رسمياً مرحلة الفراغ الدستوري، أقدم رئيسُ الجمهورية برهم صالح على تكليف محافظ النجف الأسبق والنائب عن ائتلاف "النصر" عدنان الزرفي بمهمة تشكيل الحكومة المؤقتة، وهو ما سارعت بعض الأحزاب المقربة من طهران إلى الاعتراض عليه بشدة، رغم مشاركتها سلفاً في مشاورات "اللجنة السباعية" التي تمثلت فيها الكتل البرلمانية الرئيسية؛ ما يضع علامات استفهام على إمكانية فشل الرئيس المكلف في الفوز بثقة البرلمان كما حصل مع المكلّف السابق محمد علاوي.

تُسلِّط هذه الورقة الضوء على كواليس تكليف الزرفي، ومواقف القوى السياسية من تكليفه، وفرص نجاح تكليفه.

كواليس التكليف

مثلما هو متوقع لم تمرّ عملية تكليف القيادي في ائتلاف "النصر" عدنان الزرفي بسلاسة، رغم أن اسمه طُرح على طاولة المفاوضات ضمن مجموعة أسماء أخرى، إلا أن حظوظه لم تكن بقوة حظوظ أسماء متداولة أخرى، مثل رئيس جهاز المخابرات مصطفى الكاظمي، الذي كان الخيار الأول بالنسبة لرئيس الجمهورية برهم صالح، حتى صباح يوم 16 مارس الجاري، غير أن الكاظمي رفض المهمة لسببين: أولهما، التماهي مع المتظاهرين والخوف من خلق انقسامات جديدة داخل ساحات الاحتجاج، لاسيما مع وجود فريق كبير ضد تولي أي شخصية من داخل المنظومة السياسية رئاسة الوزراء؛ والثاني عدم وجود توافق "شيعي" على ترشيحه، واحتمالية أن يسبب تكليفه أزمة كبيرة مع الفصائل المسلحة لدرجة لا تُحمد عقباها، وخاصة بعد التهديدات التي أطلقتها "كتائب حزب الله" ضد تكليفه، ومنها بأن ذلك "سيحرق ما تبقى من أمن العراق"؛ ما دعا رئيس الجمهورية إلى دعوة زعماء الكتل إلى تقديم مرشح توافقي، وإلا سوف يضطر لتسمية "أي أحد".

وقبل ذلك كانت أسهُم مرشح ائتلاف "دولة القانون" نعيم السهيل هي الأعلى بعدما حصل على دعم تحالف "الفتح" الذي يتزعمه هادي العامري، وحركة "عطاء" التي يتزعمها فالح الفياض، وعدم اعتراض الأطراف الأخرى، حتى الكشف عن وثيقة صادرة عن "هيئة المساءلة والعدالة" تُثبت وجود علاقات بين السهيل وحزب "البعث" المنحل.

وحتى وقت متأخر من مساء يوم 16 مارس الجاري لم يكن أمام صالح سوى إعادة النظر في خياراته، والتي كان أفضلها طرح اسم عدنان الزرفي من قبل 30 نائباً، مع قبول كتل شيعية مهمة أبرزها "سائرون" " و"النصر" لتكليفه، فضلاً عن عدم اعتراض القوى "السُّنية" و"الكردية"، لكنْ كان هناك رفض من قبل جهات أخرى ممثلة بـ"دولة القانون" و"الفتح" التي فتحت نيرانها على رئيس الجمهورية متهمةً إياه بالقفز على الاتفاقات السياسية والتصرف بشكل منفرد رغم أن بعض التسريبات أشارت إلى موافقة زعيم تحالف "الفتح" هادي العامري على ترشيح الزرفي في مكالمة هاتفية مع رئيس الجمهورية، كما أظهرت صورٌ من داخل القصر الرئاسي حضورَ بعض الشخصيات من تحالفَي المالكي والعامري، الأمر الذي يوحي بوجود انقسامات كبيرة حتى داخل الكتلة الواحدة.

 وإلى جانب مبررات رفض هاتين الكتلتين لتكليف الزرفي، ثمة عدة ملاحظات رافقت عملية التكليف أبرزها:

  1. تأخير التكليف؛ فقد كان مقرراً أن يتم يوم 16 مارس الجاري، إلا أن عدم اتفاق الكتل حالَ دون ذلك، وفي اليوم التالي حاول رئيس الجمهورية منح المفاوضات فرصةً أخيرة بإعلان تأجيل التكليف حتى الظهر، إلا أن اتصالاته مع القوى الرافضة فشلت.
  2. مخالفة دستورية؛ كما حصل مع تكليف محمد توفيق علاوي قبل عدة أسابيع، خالف رئيس الجمهورية للمرة الثالثة المادة (76) من الدستور التي تفرض عليه تكليف مرشح الكتلة البرلمانية الأكبر عدداً، وهو ما لم يحصل.
  3. التردد في مواقف القوى السياسية "الشيعة"؛ في اجتماع التكليف لوحظ وجود عدة شخصيات تنتمي لكتل سياسية رافضة لترشيح الزرفي، مثل "الفتح"، ما أثار علامة سؤال حول سبب وجودهم، والذي رغم تبريره بأنه موقف شخصي، إلا أن التفسير الأرجح هو وجود خلافات داخل تحالف "الفتح"، لذلك رفض بعض أطرافه الترشيح ووافق البعض الآخر عليه، لاسيما أن العلاقات داخل التحالف دخلت طوراً جديداً من الخلافات حول الزعامة بعد اغتيال رئيس قوة القدس الإيرانية قاسم سليماني ونائب رئيس هيئة الحشد الشعبي أبو مهدي المهندس.

من هو الزرفي؟

الزرفي من مواليد محافظة النجف عام 1966، يحمل شهادة الماجستير في الفقه الإسلامي من جامعة الكوفة، وأيضاً شهادة ماجستير في الأمن والتخطيط الاستراتيجي من كلية الأمن والدفاع في بغداد.

انضم إلى حزب "الدعوة" في مرحلة مبكرة من حياته، تحديداً في عام 1983، وشارك في ربيع عام 1991 في الانتفاضة الشيعية على نظام حزب "البعث"، التي اضطُر بعد قمعها إلى اللجوء إلى المملكة العربية السعودية، حيث قضى بضع سنوات في مخيمات اللاجئين في منطقة "رفحاء"،  قبل أن يحصل على حق اللجوء الإنساني في الولايات المتحدة الأمريكية، التي ظل فيها حتى عودته مع  قواتها عام 2003، بصفة يدور الجدل حولها؛ فبعض المصادر تقول بأنه رافق القوات الأمريكية بصفة مترجماً، فيما تذكر مصادر أخرى بأنه كان أحد عناصر الوحدات شبه العسكرية التي نظمتها واشنطن في أوروبا الشرقية، قبيل حرب اجتياح العراق.

لكن الأكيد أن علاقته بالأمريكيين كانت وطيدة إلى الدرجة التي دفعتهم إلى تنصيبه محافظاً للنجف صيف عام 2004، في ذروة المعارك التي دارت في عاصمة التشيع بين القوات الأمريكية وبين ميليشيا "جيش المهدي" بزعامة مقتدى الصدر؛ الأمر الذي استثمره الزرفي بفعالية في حجز موقع متقدم في حزب "الدعوة الإسلامية" الذي أسند إليه منصب وكيل وزارة الداخلية لشؤون الاستخبارات بين عامي 2006 و2009، وهو العام الذي شهد عودته إلى منصب محافظ النجف وتأسيسه لحركة "الوفاء للعراق"، التي خاض فيها لاحقاً جميع الانتخابات البرلمانية والمحلية، بعد أن تكرس قطباً رئيساً في المشهد السياسي في المحافظة، وعلى قدم المساواة مع أبناء أعرق الأسر الدينية، مما جرّ عليه عداوة الأحزاب "الشيعية" التي اتّهمته بإشاعة المظاهر غير الإسلامية أثناء توليه منصب المحافظ، من خلال تشجيعه افتتاح المقاهي والنوادي الشبابية المختلطة، ورعاية النشاطات الفنية والثقافية "العلمانية"، فضلاً عن الفساد في إحالة العقود والمشاريع، الأمر الذي كلّفه خسارة المنصب عام 2012 لقرابة العام قبل أن يستعيده في الانتخابات المحلية لعام 2013، ليعود ويُقال منه عام 2015. وفي انتخابات عام 2018 دخل قبة البرلمان نائباً عن تحالف "النصر" الذي يتزعمه حيدر العبادي.

بالنسبة لساحات الاحتجاجات، لا يبدو أن للزرفي ميزةً حالياً على سواه من مرشحين محتملين، غير عدم تسلمه لمنصب وزير أو ما يعادله طوال فترة عمله السياسي، كما أن تجربته كمحافظ للنجف لا تمنحه أفضلية كافية، لاسيما أنه متهم بشبهات فساد تصل قيمتها إلى مئات الملايين من الدولارات في مشروع "النجف عاصمة الثقافة الإسلامية"، فضلاً عن مشاريع خدمية أخرى لم يتم إنجازها بالشكل المطلوب، وواقع حال المحافظة يشهد على ذلك، فيما لم يتمكن القضاء من القصاص منه بعدما تمت تبرئته من التهم، في ظروف غامضة.

وعلى مستوى التوجهات الفكرية، يُعرف عن الزرفي بأنه براغماتي "علماني" لا يمتلك توجهات دينية، مقرب من الجانب الأمريكي، ويمتلك علاقات جيدة به على حساب المعسكر الإيراني، لذلك وُجهت إليه الاتهامات بالوقوف خلف أحداث النجف الأخيرة، وتحديداً حرق القنصلية الإيرانية، ومحاولة اقتحام ضريح مؤسس "المجلس الأعلى الإسلامي" محمد باقر الحكيم.

القوى "الشيعية" وإعلان الانقسام

رغم تشكيل"“لجنة سباعية"* من ممثلين من كبار الشخصيات المؤثّرة في القرار السياسي الشيعي من كتل "النصر" و"الحكمة" و"دولة القانون" و"سائرون" و"الفتح" و"عطاء" و"الفضيلة"، إلا أنها لم تتمكن من حل أزمة تشكيل الحكومة والإتيان برئيس وزراء متفق عليه من الأطراف كافة، حيث برزت حالة الانقسام بشكل واضح إلى العلن بعد الإعلان عن تكليف الزرفي.

فمن جهة برز زعيم تحالف "سائرون" مقتدى الصدر بوصفه أحد الداعمين المترددين، بعدما وصف آلية الاختيار بأنها أمرٌ يخص العراقيين، وأن اختيار الزرفي جاء بسبب عدم التوافق الذي "استدعى اختيار شخص غير مقرب لنا ولكم"، فيما يُظهر ائتلاف "النصر" الذي يتزعمه حيدر العبادي ترحيباً كبيراً، ويَبرز قبولٌ ضمني من تيار "الحكمة الوطني" الذي يتزعمه عمار الحكيم رغم تحفظه على الآلية والطريقة التي تم اعتمادها في هذا التكليف.

أما تحالف "الفتح" فهو الطرف الأكثر تشدداً في رفض الزرفي، وهددت ميليشيات تابعة لقادته بعدم السماح بتمريره، وأنها "ستقلب عاليها سافلها"، كذلك الحال بالنسبة لائتلاف "دولة القانون" وكتلة "العقد الوطني"، وكتلة "النهج الوطني"، بعدما أظهروا تحفظاً واعتراضاً كبيراً على الزرفي، مُلقين اللوم على رئيس الجمهورية برهم صالح لأنه "تجاوز الأعراف والسياقات السياسية، وخالف الدستور"، بحسب بيان صدر عن اجتماع هذه الكتل في 18 مارس، فضلاً عن تهديدهم باستخدام "جميع الطرق والوسائل القانونية والسياسية والشعبية لإيقاف هذا التداعي الذي إنْ استمر لا سامح الله فإنه سيهدد السلم الأهلي ويفكك النسيج الوطني".

وعليه فإن اختيار الزرفي يُظهر انقسامات كثيرة على مستوى القوى "الشيعية"، أبرزها:

  1. على مستوى التوافق السياسي بين "الفتح" و"سائرون"؛ فقد انتهى ولم يعد له وجود، واتضح أنه لم يكن مبنياً على أسس ومرتكزات متينة، وإنما كان تحالفاً ظرفياً استدعته المصالح المشتركة.
  2. على مستوى البيت الشيعي؛ فيبدو أن التحالف حول أهداف المكون الشيعي في المحافظة على الحكم، لم يعد قادراً على دفع زعاماته لتجاوز القطيعة والمواقف المختلفة إزاء القضايا العامة، بعدما تلاشت كل عناصر التضامن التي جمعتهم منذ عام 2003، وغياب مهندس العلاقات بينهم قائد "قوة القدس" الإيراني قاسم سليماني، والأزمة التي خلّفها غيابه في إيران على مستوى القيادة الاستراتيجية، وهو ما يتزامن مع انكفاء النجف عن التدخل بالشؤون السياسية "الشيعية".

المواقف السُّنية والكردية

على عكس المكلَّف السابق بتشكيل الحكومة محمد توفيق علاوي، حصل عدنان الزرفي على دعم مبدئي من القوى "السنية" الممثلة في "اتحاد القوى الوطنية"، والأحزاب "الكردية" كافة، وكانت وسائل إعلام قد أكدت أن "ممثلين عن المكونين وقبل أسبوعين من إعلان محمد توفيق علاوي الاعتذار عن مهمة تشكيل الحكومة، كانوا قد أجروا مباحثات في السفارة الأمريكية بحضور برهم صالح من أجل تكليف واحد من ثلاث شخصيات، هم مصطفى الكاظمي، وعدنان الزرفي، ونعيم السهيل"، وهو ما يتطابق مع ما ذكره القيادي "السني" محمود المشهداني في مقابلة تلفزيونية قبل تكليف الزرفي بأسبوع، حين أكد أن رأي السُّنة مع الزرفي والكاظمي.

وتداولت أخبار أخرى عن فرض مجموعة شروط على الزرفي مقابل حصوله على الدعم، وهي:

  1. أن يتم الإعداد للانتخابات المبكرة.
  2. عدم التدخل في تكليف الوزراء من قبله، وترك الخيار للمكونين السني والكردي.
  3. أن يكافح مظاهر التسلح خارج الدولة، وأن يعزز حفظ الأمن وتطبيق القانون.
  4.  عدم التعرض للقواعد الأمريكية سياسياً، كون العراق بحاجة لها.
  5. تفعيل المادة (140) من الدستور الخاصة بالمناطق المتنازع عليها بين أربيل وبغداد.
  6. المحافظة على اتفاقات الكرد مع عادل عبد المهدي، بخصوص تصدير النفط وحصة الإقليم من الموازنة الاتحادية.
  7. تلبية مطالب المتظاهرين.
  8. منح النازحين السُّنة حقوقهم، وإعادة إعمار مدنهم.

العقبات أمام الزرفي

هناك مجموعة عقبات تواجه رئيس الوزراء المكلف، أبرزها:

  1. الحصول على دعم الكتل السياسية لتشكيلته الحكومية كي تحظى بثقة أغلبية أعضاء مجلس النواب (50%+1) من إجمالي 329 نائباً؛ وهو الأمر الذي يمكن تحقيقه بحصوله على موافقة القوى الكردية التي يتراوح عدد أعضائها بين 58 إلى 63 مقعداً (نواب كوتا الأقليات يصوتون غالباً مع الكتلة الكردية)، فضلاً عن القوى السُّنية التي لديها 71 مقعداً، والقوى "الشيعية" الممثلة بتحالف "سائرون" (54 مقعداً) وتحالف "النصر" (14 مقعداً)، مع الأخذ بالاعتبار ضبابية قوى سياسية أخرى لم تعلن حتى الآن موقفها الصريح، مثل "تيار الحكمة" (18 مقعداً) بزعامة عمار الحكيم.
  2. إقناع الشارع العراقي بأنه الخيار الصحيح، وهذا الأمر صعب لأن المحتجين يرفضون أي شخصية سياسية ترتبط بالأحزاب التي حكمت البلاد منذ عام 2003، حتى لو لم تتسلم أي منصب وزاري أو تنفيذي في الدولة، لكنْ بإمكان الزرفي أن يُحيّد فئات من الحراك الاحتجاجي عبر تسمية وزراء مقبولين شعبياً، يمكن أن تعطي الانطباع بأن تشكيلة حكومته تقف على مسافة واحدة من الجميع، فضلاً عن تهديد وباء كورونا الذي بات يشكل عنصرَ ضغط هائلاً على المتظاهرين، بحيث أجبرهم على إعلان تعليق التظاهرات حتى إشعار آخر.
  3. القدرة على إقناع الأطراف الدولية الفاعلة في الملف العراقي، لاسيما واشنطن وطهران المتحكمتين في مخرجات المشهد العراقي.
  4. مشكلة ملف "الحشد الشعبي" وإمكانية نقل إمرته إلى وزارة الدفاع، فضلاً عن كيفية وضع حد للسلاح المنفلت ومحاسبة قتلة المتظاهرين كما وعد في كلمته.
  5. التحديات الطارئة المتمثلة بخطر انتشار وباء كورونا في العراق، وعجز النظام الصحي عن مواجهته.
  6. الأزمة الاقتصادية المقبلة مع تراجع أسعار النفط في ظل تراجع الطلب نتيجة لأزمة كورونا، وبدء ما قد يبدو حرب أسعار بين روسيا والسعودية.

السيناريوهات المحتملة بشأن تكليف الزرفي

السيناريو الأول: حصول الزرفي على ثقة البرلمان والسماح بتمرير حكومته: يفترض هذا السيناريو أن ينجح رئيس الوزراء المكلف عدنان الزرفي في تقديم كابينة وزارية تحظى بموافقة الغالبية المطلقة من عدد أعضاء البرلمان (50% + 1)، وبالتالي تسلمه إدارة الدولة في المرحلة الانتقالية إلى حين إجراء الانتخابات المبكرة. وهذا السيناريو يمكن تحقيقه من خلال اتجاهين:

الاتجاه الأول: تجاوُز تحالف "الفتح" وائتلاف "دولة القانون" في مفاوضات تشكيل الحكومة، وهو ممكن إذا ما ثَبَت زعيم تحالف "سائرون" مقتدى الصدر على موقفه بدعم الزرفي حتى آخر لحظة، ويضع دعواته بتشكيل حكومة من "التكنوقراط المستقلين" جانباً، ويتقاسم مع القوى السياسية الأخرى المناصب الوزارية، وخصوصاً القوى السنية والكردية التي تطالب بمشاركة فاعلة في أي حكومة جديدة. كما يقتضي هذا الأمر أن يحسم زعيم تيار "الحكمة" عمار الحكيم موقفه الذي لا يزال غير واضح لغاية اللحظة من دعم الزرفي؛ والضغط على القوى السنية والكردية سواء من قبل الإدارة الأمريكية أو من القوى الشيعية الداعمة لحكومة الزرفي، بالتخلي عن شرط حصول "التوافق الشيعي" على منصب رئيس الوزراء وأن يتم ترضيتها بالمناصب التي تطمح بها.

الاتجاه الثاني: وهو أن يتمكن الزرفي من إقناع تحالف "الفتح" وائتلاف "دولة القانون" بالموافقة على تكليفه برئاسة الحكومة مقابل تقديمه تنازلات معينة، أبرزها منحهم مناصب وزارية جيدة والإبقاء على امتيازاتهما فيها، فضلاً عن التوصل إلى اتفاق بشأن العمل على إنهاء الوجود الأمريكي في العراق وبشأن مستقبل الحشد الشعبي، وهما مطلبان أساسيان بالنسبة للكتل الموالية لطهران.

وهناك مجموعة من العوامل التي تدعم هذا السيناريو، من أهمها:

  1. على المستوى الداخلي يحظى الزرفي مبدئياً بدعم المكون السني والمكون الكردي، فضلاً عما يقارب 100 نائب من المكون الشيعي، ممثلين في أعضاء ائتلافي "سائرون" و"النصر"؛ ما يعني وجود أعمدة قوية داخل مجلس النواب تسنده. أما الرفض الذي يواجه الزرفي فيأتي من قبل تحالف "الفتح" وائتلاف "دولة القانون" وأحزاب صغيرة أخرى لا يصل مجموع نوابها إلى 130 نائباً، وهو أقل بكثير من العدد اللازم لمنع الزرفي من الحصول على ثقة البرلمان.
  2. على المستوى الخارجي فمعروف عن الزرفي امتلاكه علاقات وثيقة بالجانب الأمريكي، ما يسهل حصوله ثقة المجتمع الدولي، لاسيما الدول العربية القريبة من واشنطن، وهي عوامل دعم حيوية تُقوّي من موقفه في مواجهة التحديات. أما بالنسبة لإيران فرغم أنها لا تزال تدعم الإبقاء على عادل عبد المهدي، غير أنها في الوقت ذاته لم تضع "فيتو" على الزرفي، ويبدو أن رفض القوى الشيعية الموالية لها الزرفي ينبع من موقف ذاتي لهذه القوى لكنه ليس مدفوعاً بقرار إيراني.
  3. على مستوى الضغط الجماهيري فإن الزرفي لن يواجه رفضاً من ساحات التظاهر، التي تلاشى دورها تقريباً بسبب تفشي وباء كورونا، فضلاً عن كونه من بين الشخصيات التي عبّرت بوضوح عن دعمها للتظاهرات منذ انطلاقها مطلع أكتوبر 2019، بل إنه مُتهم بدعم حركة الاحتجاج. ورغم احتمالية لجوء الأحزاب والقوى الشيعية المناوئة لترشيحه إلى الشارع، إلا أنه من المستبعد ان تكون قادرة على تحشيد حراك احتجاجي ولو بحده الأدنى.

السيناريو الثاني: فشل الزرفي في الحصول على ثقة البرلمان. يفترض هذا السيناريو أن يفشل رئيس الوزراء المكلف في الحصول على ثقة البرلمان، أو أن يقوم هو بالاعتذار عن التكليف بسبب العجز عن تأمين دعم أغلبية أعضاء مجلس النواب قبل انتهاء مهلة الثلاثين يوماً الدستورية الممنوحة له لتشكيل حكومته، في تكرار لمشهد محمد توفيق علاوي، إذا ما فرضت عليه الأحزاب أسماء معينة لا تروق له. ويدعم هذا السيناريو عدد من الاعتبارات، أبرزها:

  1. احتمال تراجع تحالف "سائرون" الذي يتزعمه مقتدى الصدر المعروف بمواقفه المتقلبة، فضلاً عن احتمال تراجع القوى السنية والكردية عن دعمه بسبب مخاوف تتعلق بتجاوز "التوافق الشيعي" الذي يُعتبر ركيزةً أساسية في العرف السياسي، أو بسبب الإتيان بكابينة لا تراعي طلباتها بالتالي فإن نجاح تكليفه مرهون بقدرته على التفاوض واستقطاب هذه الأطراف.
  2. التحركات التي تقوم بها القوى الرافضة لتكليف الزرفي، يمكن أن تكون عامل ضغط باتجاه عدم تمريره، وتمثلت خلال الأيام الماضية بتنظيم عدة لقاءات بهدف الاتفاق على آلية يتم من خلالها رفض الزرفي أو دفعه إلى الاعتذار عن المهمة، من قبيل البيانات المشتركة بين كل من ائتلاف "دولة القانون" (26 مقعداً) وتحالف "الفتح" (48 مقعداً)، وكتلة "العقد الوطني" (18 مقعداً)، وكتلة "النهج الوطني" (8 مقاعد)، فضلاً عن تيار "الحكمة" (18 مقعداً) الذي لا يزال متردداً بين أن يشترك بلقاءات مع القوى الرافضة وبين أن تُظهر قياداته رضىً شبه ضمني عن ترشيح الزرفي.
  3. نَأْي المرجعية الدينية في النجف عن أي تدخُّل في ملف تكليف الزرفي، سواء بالقبول أو الرفض؛ ويأتي هذا الموقف للسيستاني بعد فشل تكليف محمد توفيق علاوي في تشكيل الحكومة، سيما أن نواباً وسياسيين كانوا قد صرحوا في وقت سابق أن النجف كانت تدعم تكليف علاوي.
  4.  إمكانية التأثير في القضاء من خلال تقديم دعوى إلى المحكمة الاتحادية بعدم دستورية قرار الرئيس العراقي برهم صالح بتكليف الزرفي، وأحقية تحالف "البناء" في تسمية المرشح لرئاسة الحكومة بصفته الكتلة البرلمانية الأكبر.

________

* كان تشكيل هذه اللجنة من ثمار زيارة الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي شمخاني إلى بغداد في 8 مارس الجاري، وتتألف اللجنة من الأعضاء الآتية أسماؤهم: باسم العوادي عن ائتلاف "النصر"؛ ونبيل الطرفي عن تحالف "سائرون"؛ وأحمد الفتلاوي عن تيار "الحكمة"؛ وعدنان فيحان عن تحالف "الفتح"؛ وحسن السنيد عن ائتلاف "دولة القانون"؛ وعبد الحسين الموسوي عن حزب "الفضيلة"، وحيدر الفؤادي عن حزب "عطاء".

 

سيناريوهات