مجموعة العمل المالي (FATF) تَضَع إيران على قائمتها السوداء: التداعيات المُمكِنَة وحدود الاستجابة الإيرانية

مركز الإمارات للسياسات | 12 مارس 2020

وضعت مجموعة العمل المالي (FATF) خلال اجتماعها الأخير في شهر فبراير إيران على قائمتها السوداء، لتكون ثاني دولة ضمن هذه القائمة إلى جانب كوريا الشمالية. وجاء وضع إيران على القائمة السوداء بعد عدة مراحل من إرجاء القرار بشأن ذلك ومنح إيران مهلة لإقرار قوانين تكفل الشفافية المالية ومكافحة دعم الإرهاب وغسيل الأموال، وبعد أن فشلت الحكومة الإيرانية بإقرار هذه القوانين نتيجة معارضة التيار المتشدد الذي منع إقرار مشاريع القوانين في مجمع تشخيص مصلحة النظام.

ومن جهتها علّقت الخارجية الإيرانية على قرار (FATF) بأنه كان سياسيًا، ويتجاهل ما قامت به الحكومة الإيرانية بهذا الخصوص، بينما واجه القرار ترحيبًا من عدة دول منها الولايات المتحدة. وألقى الرئيس روحاني باللوم على أولئك الذين منعوا إقرار القوانين في طهران، مُعلِنًا أن هؤلاء يجب أن يتحملوا مسئوليتهم أمام الشعب؛ بسبب تداعيات مثل هذا القرار على الاقتصاد الإيراني.

تأثير قرار (FATF) في الاقتصاد الإيراني

تستهدف قرارات "مجموعة العمل المالي" الأنظمة المالية بشكل أساسي؛ إذ توصي المؤسسات المالية بتوخِّي الحذر في التعامل مع المؤسسات المالية للبلدان التي تقع ضمن المنطقة الرمادية، وتلك التي تقع ضمن القائمة السوداء. ورغم أن قراراتها غير ملزمة للأطراف إلّا أن التجربة تبين التزام غالبية المؤسسات المالية من جميع البلدان بهذه القرارات. ومن هذا المنطلق حرصت روسيا والصين على قيام إيران بإقرار القوانين اللازمة للخروج من القائمة السوداء؛ إذ أكد وزير الخارجية الروسي أن وضع إيران ضمن قائمة (FATF) السوداء من شأنه أن يُضيف صعوبات بالغة إلى التجارة معها، وهو الموقف الذي أكَّده نظيره الصيني.

وفي الظروف العادية فإن دخول إيران قائمة (FATF) السوداء يعني انهيارًا تامًا للتبادل النقدي مع العالم؛ إذ يستحيل معها التبادل النقدي مع هذا البلد، وتعدُّ تجربة باكستان في هذا الإطار مثالاً بارزًا لحجم تأثير وقوع بلدٍ ما، تحت القائمة السوداء لـ (FATF)؛ حيث كادت غالبية تبادلها النقدي مع المؤسسات البنكية العالمية أن تتوقف. لكن في الحالة الإيرانية، وفي ظل العقوبات المفروضة على الاقتصاد والقطاع البنكي على وجه التحديد فإن مثل هذا القرار يترك أثرًا محدودًا على الاقتصاد الإيراني. وتتجلى محدودية القرار في تجاوب سوق العملة المحدود معه؛ إذ يشير خبراء إلى أن أقل من نصف نسبة الهبوط التي شهدتها قيمة العملة الإيرانية خلال الأسبوعين المنصرمين (بلغت نسبة الهبوط فيهما 17 بالمئة) يمكن أن تعود إلى قرار (FATF)، بينما تتقاسم البقية مجموعة تطورات؛ منها استحواذ المتشددين على البرلمان، ووباء كورونا (كوفيد-19) الذي يعصف بالبلاد وتداعياته الاقتصادية. ومن أهم القطاعات التي يمكن أن يترك إجراء (FATF) أثرًا فيها، يمكن الإشارة إلى المحاور الآتية:

  1. آلية دعم التبادل التجاري "إنستكس"[1]؛ ستكون الآلية الأوروبية لدعم التبادل التجاري مع إيران أهم المتأثرين بوضع إيران على لائحة (FATF) السوداء؛ حيث يستحيل تطبيق الآلية الأوروبية في ظل هذا الإجراء. وعلى الرغم من ذلك، فالـ "إنستكس" بقي إلى الآن حبرًا على ورق؛ ما يعني أن أثره الفعلي لن يكون كبيرًا على الاقتصاد الإيراني، إلّا أنه كان يمثل نافذة رمزية على الاتحاد الأوروبي، ويشير دخول إيران القائمة السوداء لمجموعة العمل المالي إلى غلق هذه النافذة، واستحالة التبادل النقدي مع الاتحاد الأوروبي تحت أي آلية وقائية أخرى، ومنها نظام الدعم النقدي الأوروبي مقابل العقوبات الأمريكية.
  2. نظام التبادل البنكي مع روسيا. رغم أن حجم التبادل النقدي مع روسيا عبر النظام البنكي محدود جدًا؛ حيث لا يتجاوز نصف مليار دولار (إذ تتميز عمليات التبادل التجاري مع روسيا بنظام المقايضة) إلا أن القرار يبقى مهمًّا على هذا الصعيد لعدة أسباب منها: أن القرار يحول دون تطبيق رغبة إيران في الاندماج في نظام التبادل النقدي البنكي الروسي البديل عن نظام (SWIFT) والتي سعت إيران كثيرًا لتطبيقه، ليفتح أمامها أفقًا للتبادل النقدي مع العالم؛ كما يحول دون الانفتاح على الاتحاد الاقتصادي الأوروآسيوي التي أملت إيران في التعويض عن نقصها في التبادل التجاري عبر توسيع التبادل التجاري مع بلدانه.
  3. العلاقات التجارية مع الصين والعراق. على صعيد الصين والعراق والشركاء الآخرين، ورغم عدم تأثر غالبية مجريات التبادل التجاري، إلا أن قطاعات مهمة ستتأثر بسبب قرار مجموعة العمل المالي، منها قطاعي النفط والطاقة. وإذا كان الخبراء الإيرانيون يأملون في ألاّ يؤدي ذلك إلى انقطاع العمل في هذه القطاعات، إلا أن من المؤكد أن الإجراء سيزيد من كلفة نقل مستحقات النفط والطاقة إلى جسد الاقتصاد الإيراني؛ ما يعني انخفاضًا (قد يبلغ 10 بالمئة في هذه المستحقات) يدفع لنقل الأموال للاقتصاد الإيراني.

ويتضمن القرار أهمية رمزية كونه يحول العقوبات على النظام البنكي الإيراني من عقوبات أمريكية، إلى عقوبات دولية تلتزم اقتصادات أخرى، منها الاتحاد الأوروبي والصين وروسيا بتطبيقها؛ كما أن القرار الذي اتخذته مجموعة العمل المالي (FATF) بوضع إيران في القائمة السوداء (وعلى خلاف العقوبات الأمريكية التي يمكن أن تنتهي بين ليلة وضحاها في حال اتفاق بين البلدين) يحتاج إلى فترة من الزمن (يقدرها الخبراء بثلاث سنوات على الأقل) للعودة عنه وإخراج إيران من القائمة السوداء. ويعني ذلك أن النظام البنكي سيظل تحت مظلة الحظر، حتى وإن انتهت العقوبات الأمريكية نتيجة اتفاق بين البلدين.

الاستجابة الإيرانية: تجنُّب النظام البنكي الدولي؟

على الرغم من قوة تأثير قرارات مجموعة العمل المالي (FATF) على التعامل البنكي العالمي عادةً، إلا أن تأثير قرارها وضع إيران على لائحتها السوداء سيظل قرارًا محدود التأثير على الاقتصاد الإيراني في حلته الراهنة. ويمكن رؤية محدودية التأثير على الاقتصاد الإيراني ليس فقط في التجاوب المحدود لسوق العملة (إذ لم يتجاوز 9 بالمئة حسب خبراء) وإنما في ردة فعل المسؤولين الإيرانيين. فقد أكد محافظ البنك المركزي الإيراني، عبد الناصر هِمّتي، أن قرار (FATF) الأخير رغم ما يحمله من أهمية، سيظل محدود التأثير على الاقتصاد الإيراني، بينما قال مصباحي مُقدّم؛ العضو المتشدد في "مجمع تشخيص مصلحة النظام"، أن التبادل التجاري الإيراني لن يتأثر بشكل كبير بسبب قرار مجموعة العمل المالي، وسيظل على ما هو عليه تقريبًا.

ورغم اختلاف وجهة نظرهما، إلا أن كلًا من هِمّتي ومُقدّم أشارا إلى أن الاقتصاد الإيراني حاول تطوير نفسه؛ ما جعله بعيدًا عن التأثر بهذا القرار. وأعلن همتي أن التطورات الأخيرة أظهرت أن التجارة الإيرانية تجري عبر قنوات نقدية لا تتأثر بمثل هذه العقوبات، بينما أشار مصباحي مقدم إلى بنوك من الدرجة الثالثة وشركات صرافة تتعاون مع إيران إلى جانب بلدان صديقة مثل العراق، والصين، وروسيا، والهند، وتركيا.

مجمل القول، إن الاقتصاد الإيراني بقي بعيدًا عن دائرة التأثر الواسع بقرار مجموعة العمل المالي (FATF)، ليس بسبب العقوبات الأمريكية التي استهدفت القطاع البنكي الإيراني إلى جانب القطاعات الأخرى، وإنما بفعل جهود إيران لتجنُّب النظام البنكي الدولي، وتطوير نظام تبادل تجاري ونقدي وفق آليات بعيدة عن هذا النظام؛ ما يجعل أية إجراءات في هذا المجال قليلة الأثر على تبادل إيران التجاري والنقدي مع العالم.

وتتمثل أهم الآليات التي يستند إليها النظام الاقتصادي الإيراني لتجنُّب النظام البنكي الدولي في "نظام المقايضة"، و"شركات الصرافة"، و"التبادل بالعملة المحلية" إلى جانب آليات أقل تأثيرًا مثل نقل العملة الورقية (أو ما يسمى في الأدبيات الإيرانية "دولار حقائب السفر")، وفيما يأتي تفصيلٌ أكثر حول كل من هذه الآليات:

1. نظام المقايضة، ويعتبر أهم آلية متاحة للنظام الإيراني للانسلاخ عن النظام البنكي العالمي؛ حيث يستند عليه الاقتصاد الإيراني لمواجهة العقوبات المالية الأمريكية والدولية. ويستخدم الاقتصاد الإيراني نظام المقايضة في كل علاقاته التجارية مع أهم شركائه غير الأوروبيين؛ حيث تشير الأرقام إلى حصة مهمة له في التبادل التجاري مع الصين، وروسيا، إلا أن إيران تبذل جهدًا كبيرًا لتطوير آلية المقايضة في تبادلها التجاري مع البلدان التي تشارك حدودًا برية معها؛ إذ تستحوذ كل من العراق، وتركيا، وأفغانستان، وباكستان على نحو 40 بالمئة من الصادرات الإيرانية. ووفق هذا النظام تحاول إيران مقايضة بضائعها لقاء بضائع تحتاج إليها، دون الاضطرار إلى المرور عبر النظام البنكي. ويقدر الخبراء حصة المقايضة من كل حجم التجارة مع إيران بنحو 60 بالمئة على الأقل.

2. شركات الصرافة، وهي آلية تستند إليها إيران للابتعاد عن النظام البنكي الدولي؛ حيث يمتلك الاقتصاد الإيراني شبكة كبيرة من شركات الصرافة في جنوب شرق آسيا والصين ومنطقة الخليج وتركيا إلى جانب العراق وأفغانستان، تمكنها من نقل المال بعيدًا عن الإشراف الدولي المفروض على قطاع البنوك. وإذا كانت إيران تستند إلى التعاون مع البنوك الصغيرة كذلك في تبادلها النقدي مع العالم، إلّا أن صعوبة التعامل مع القطاع البنكي (خصوصًا وأن القاعدة تفترض تأسيس بنوك صغيرة للتمويه أغلى بكثير مقارنة بالتكاليف لتأسيس شركة صرافة) جعل الاقتصاد الإيراني يستند على شبكة شركات الصرافة للقيام بهذا التبادل.

وتساعد شبكة شركات الصرافة على نقل المال إلى إيران، وإن كان ذلك بشكل صغير، كما تساعد على التمهيد لعمليات المقايضة. ولا توجد أرقام دقيقة عن حجم المال الذي يتم تبادله عبر هذه الشبكة، إلا أن ملاحظة التطورات عن كثب تبين نشاطًا لافتًا لشبكة شركات الصرافة حتى في البلدان الأوروبية، مثل السويد، والنمسا، وألمانيا، وإسبانيا. كما أن متابعة السوق تظهر أنه رغم انخفاض نشاط شركات الصرافة في بعض البلدان مثل الإمارات وماليزيا بشكل ملحوظ، إلا أن شركات صرافة عالمية مهمة لا تزال تتعاون مع إيران رغم العقوبات (إلى جانب شركات صرافة أسسها الإيرانيون أو شركاؤهم) مستفيدة من فجوة العقوبات المفروضة على القطاع المصرفي.

3. التبادل بالعملات المحلية. يظل التبادل بالعملات المحلية كأحد خيارات النظام الاقتصادي الإيراني. وتتمثل أهم مجالات التبادل النقدي بالعملات المحلية من منظور إيراني في التبادل مع الصين والهند وروسيا؛ حيث تحاول إيران توقيع عقود مع هذه البلدان لحذف الدولار واليورو من دائرة التعاملات. إلا أن حجم التبادل النقدي بالعملات المحلية ظلّ محدودًا إلى الآن رغم المواقف الرسمية الداعمة في إيران؛ وذلك بسبب عدم وجود إرادة رسمية مقابلة قوية، خاصة في حالة الهند، وبسبب ضعف التبادل الاقتصادي في حالة روسيا، وبسبب وجود طرق بديلة مهمة في حالة الصين. ومع كل ذلك، فإن الآلية تستحوذ على نسبة ملحوظة من التبادل النقدي (يقدرها البعض بنحو 10 بالمئة في أكثر تقدير) وتظل قابلة للتطوير لتغطي مساحة أوسع من التبادل التجاري في حال اضطرت إيران لذلك.

وتشمل الطرق الثلاثة المذكورة غالبية حجم التبادل التجاري بين إيران وأهم شركائها، وتقع خارج دائرة القرارات التي تغطي نشاط النظام البنكي الدولي؛ ما يعني أن القرارات التي تصدر عن مجموعة العمل المالي لا يمكن أن تطال هذه الجوانب بشكل قوي رغم تأثيرها بشكل عام على الاقتصاد الإيراني من خلال إنهاء الآمال المعلقة بالـ "إنستكس"، وتضييق الخناق على التبادل التجاري مع شركاء مثل الصين وروسيا.

سيناريوهات محتملة

من الصعب الحديث عن سيناريوهات متنوعة تؤدي إلى نتائج متباينة على هذا الصعيد؛ لأن القرار الصادر عن مجموعة العمل المالي، لو وُضِع في إطار الظروف التي يشهدها الاقتصاد الإيراني ستكون النتيجة قريبة من تلك التي أعلن عنها محافظ البنك المركزي الإيراني. ولكن بشكل عام يمكن افتراض الحالات الآتية:

السيناريو الأول: تطوير إمكانات الاقتصاد الإيراني. ويفترض السيناريو هذا أن يستطيع الاقتصاد الإيراني تطوير إمكاناته لتجنُّب النظام البنكي العالمي، عبر تطوير الآليات التي ذُكرت آنفاً. وفي مثل هذه الحالة، فإن أية عقوبات يتم فرضها على النظام البنكي الإيراني لن تترك أثرًا جوهريًا على الاقتصاد، ولن تؤدي إلى مزيد من الانخفاضات في حجم التجارة بين إيران وشركائها. إلا أن هذا السيناريو يفترض ألا يتطور الاقتصاد الإيراني، وألا يزداد حجم التجارة الإيرانية مع العالم بشكل جوهري، ويبقى عند حده هذا، وهو الحد الأدنى على مرّ الأعوام الماضية، كما يفترض تعاون شركاء إيران الأساسيين مع إيران في الفترة المقبلة رغم وجود إيران في القائمة السوداء لـ (FATF). وإذا كان الافتراض الأول واردًا جدًا، فإن افتراض استمرار تعاون شركاء إيران معها بشكل كامل رغم دخولها القائمة السوداء موضع شك، في ظل مواقف صدرت سابقًا عن مسؤولين في هذه البلدان تحذر من عواقب دخول إيران في القائمة السوداء لـ (FATF).

السيناريو الثاني: شمولية العقوبات المفروضة. ويفترض هذا السيناريو أن تستكمل العقوبات المفروضة على النظام البنكي الإيراني، والمتمثلة بالعقوبات الأمريكية، والقيود الناجمة عن قرار مجموعة العمل المالي (FATF)، بقرارات أو عقوبات جديدة تشمل مجال التبادل النقدي الخارج عن إطار النظام البنكي، أو تصعب مثل هذا التبادل على أقل تقدير. ويمكن أن تتمثل هذه القرارات بأنظمة مراقبة لشركات الصيرفة، ولمصلحة الجمارك، بغية الحد من تعاونها مع جهات إيرانية. وإن لم تكن هذه القرارات كفيلة بإنهاء التبادل التجاري بين إيران وشركائها، إلا أنها ستقلل من حجم هذا التبادل وتزيد من كلفته؛ ما سينعكس بشكل واضح على حجم التجارة بين إيران والعالم. ويتمثل التحدي الأكبر على هذا الصعيد في مراقبة عملية التبادل التجاري الإيراني مع جيرانها، وفرض قيود على آلية المقايضة إلى جانب قرارات تقلل مساحة عمل شركات الصرافة، إذ يبدو أن المجالين بعيدان بشكل كبير عن إمكانية المراقبة.

 

[1]  آلية دعم التبادل التجاري، واختصاراً "إنستكس"؛ هي آلية مالية خاصة أسستها ألمانيا وفرنسا وبريطانيا في 31 يناير 2019 لتسهيل التبادل التجاري مع إيران بعملة غير الدولار. ويقع مقر الشركة في باريس، ويرأسها المصرفي الألماني بير فيشر؛ المدير السابق لـ "كومرتس" بنك.

 

سيناريوهات