ماذا لو وُقِّعَ اتفاق سلام بين الولايات المتحدة وحركة طالبان؟

محمد فايز فرحات | 20 فبراير 2020

في تحوِّل نوعي لمواقف طرفي الصراع الرئيسين في أفغانستان (الولايات المتحدة وحركة طالبان)، قرَّرا الدخول في حوار مباشر بهدف الوصول إلى "اتفاق سلام". وجزءٌ من هذا التحول يعود إلى التكاليف البشرية والمادية التي تكبَّدها الطرفان منذ عام 2001 دون قدرة أي منهما على حسم الصراع عسكرياً. كما لم ينجح النموذج السياسي الذي بُنيَ في أفغانستان عقب إزاحة نظام طالبان في إثبات فعاليته سياسياً أو اقتصادياً أو أمنياً، الأمر الذي ضَمِنَ لطالبان القدرة على البقاء.

الخلفية والسياق

بدأت المحادثات المباشرة بين الجانبين في يوليو 2018، عندما التقى مسؤولون أمريكيون سراً بأعضاء من طالبان في المكتب السياسي للحركة في الدوحة. تبع ذلك تعيين وزارة الخارجية الأمريكية في 5 سبتمبر من العام نفسه زلماي خليل زاد - الأمريكي من أصل أفغاني - مبعوثاً خاصاً لعملية السلام، ليتولى إدارة الحوار المباشر مع الحركة. وبعد حوالي عشر جولات من التفاوض المباشر، نجح طرفا الصراع في الوصول إلى توافقات محددة، كان أهمها ما عرف بـ"ورقة التفاهمات" التي تم التوصل إليها أثناء جولة الحوار السابعة (7-9 يوليو  2019)، والتي تضمنت -حسب بعض التسريبات- توافق الطرفين على عدد من المبادئ، شملت الحفاظ على "النظام الإسلامي" للدولة، وحماية المنشآت العامة والبنية التحتية، وحماية المدنيين وعدم استهدافهم من قبل الأطراف المتحاربة، والحفاظ على استقلال أفغانستان، وإجراء الإصلاحات اللازمة في بنية الحكومة الأفغانية، وعودة المهاجرين الأفغان من دول الجوار وتوزيع الأراضي عليهم، والامتناع المتبادل عن استخدام لغة التهديد والقوة، والعمل على توفير المناخ المناسب لبدء المفاوضات المباشرة بين الأطراف الأفغانية، بالإضافة إلى أخذ الضمانات اللازمة من دول الجوار بعدم التدخل في الشؤون الداخلية لأفغانستان. كذلك، تم التوافق على عدد من النقاط الأساسية، أبرزها التزام طالبان بعدم استخدام العنف ضد الولايات المتحدة أو حلفائها، وعدم السماح باستخدام الأراضي الأفغانية من جانب أي تنظيمات أخرى لتنفيذ مثل هذه العمليات.

ثم جاء التطور الأهم مع الإعلان في منتصف فبراير الجاري (2020) عن توصل الطرفين إلى الاتفاق على تخفيض مستوى العنف في أفغانستان لمدة أسبوع، بالإضافة إلى مجموعة من الإجراءات الأخرى لبناء الثقة. ووفق تصريحات لعناصر من طالبان، سوف يبدأ تنفيذ اتفاق "تخفيض العنف" خلال الفترة في 22-28 فبراير، وفي حالة نجاح هذه التجربة سيتم توقيع اتفاق السلام بين الولايات المتحدة وطالبان في 29 فبراير، لتبدأ بعدها المفاوضات المباشرة بين طالبان والحكومة الأفغانية.

اتفاقٌ غامضٌ لا يخلو من إشكاليات

لكن مع أهمية هذه التطورات لاتزال هناك حالة من الغموض الشديد حول طبيعة الاتفاق المزمع توقيعه بين الولايات المتحدة وطالبان، في ظل تضمينه -وفق بعض المصادر الأفغانية- ملاحق سرية تُنظِّم مستقبل العلاقة بين الحركة والولايات المتحدة، في شكلٍ قد يؤثر على مستقبل العلاقة بين طالبان والحكومة الأفغانية ذاتها. وهذا الغموض يفتح الباب أمام الكثير من التساؤلات حول تداعيات هذا الاتفاق حال توقيعه على مستقبل الحوار المزمع بين طالبان والحكومة الأفغانية، وحول مستقبل أفغانستان بشكل عام، وحول طبيعة نموذج التسوية السياسية الذي يمكن التوصل إليه بين الطرفين، وطبيعة الأثمان السياسية التي ستحصل عليها طالبان، خاصةً في ظل موازين قوى سياسية وعسكرية مُختلَّة لصالح طالبان، وسيطرتها الفعلية على عدد من الولايات، ووجود حالة من "الاعتراف" السياسي بها من جانب الولايات المتحدة، سواء في شكل ضمني حالياً أو في شكل صريح لاحقاً.

أحد نماذج التسوية المطروحة هو تخلي الحركة عن استخدام العنف، مقابل إطلاق سراح كامل ومتبادل للسجناء، وبرامج لدمج عناصر الحركة في الحياة السياسية والاجتماعية، وتحويل الحركة إلى حزب سياسي رسمي. وفي بعض المراحل تحدثت الحركة عن تقاسم للسلطة مع الحكومة الأفغانية (من خلال توليها حكم عدد من الولايات الجنوبية)، وإلغاء الدستور القائم ووضع دستور جديد يؤسس لدولة إسلامية. لكن حتى إذا افترضنا تخلي الحركة عن المطلبين الأخيرين (تقاسم السلطة، وإلغاء الدستور)، فإن الأمر لا يخلو من إشكاليات عدة.

الإشكال الأول، يتعلق بمسألة نزع سلاح الحركة، إذ ليس من المتوقع أن تقبل الحركة بسهولة نزع سلاحها لأسباب عديدة، يتعلق بعضها بأزمة الثقة العميقة القائمة بينها وبين الحكومة الأفغانية، ويتعلق بعضها الآخر بإدراكها لأهمية السلاح في معادلة السياسة والقوة في التاريخ الأفغاني، فضلاً عن حالة عدم الاستقرار السياسي والهشاشة الأمنية في أفغانستان بشكل عام، والمتوقع استمرارها لفترة طويلة، الأمر الذي يُرجِّح تمسُّك الحركة بسلاحها تحسُّباً لأية سيناريوهات مستقبلية. لكن العامل الأهم هنا يتعلق بطبيعة الالتزامات المتبادلة بين الولايات المتحدة وطالبان بموجب اتفاق السلام المزمع توقيعه بين الطرفين؛ فالاتفاق يتعامل مع طالبان باعتبارها طرفاً سياسياً "مسؤولاً" داخل أفغانستان، وهذه المسؤولية تشمل ليس فقط الامتناع عن تنفيذ أي عمليات عنف ضد الولايات المتحدة وحلفائها، لكن عدم استخدام أفغانستان لشن أي عمليات إرهابية (وفقاً لما جاء في ورقة التفاهمات وتم التأكيد عليه مرة أخرى في تفاهمات فبراير 2020). والاضطلاع بهذه المسؤولية يتطلب تمتع الحركة بالقدرة على "إجبار" الآخرين على عدم القيام بهذه العمليات، الأمر الذي يتطلب تمتعها بقدر من "التسليح" بموافقة أمريكية، وهو ما يُفسِّر تجاهل اتفاق السلام المزمع بين الطرفين لمسألة مستقبل سلاح طالبان.

ويتصل الإشكال الثاني بمستقبل الحركة نفسها ككيان وفصيل أفغاني. أحد البدائل المتوقعة هنا هو تحويل الحركة إلى حزب سياسي رسمي. وعلى الرغم من وجاهة هذا البديل، لكنه يثير بدوره سيناريو هيمنة الحركة من جديد على أفغانستان عبر صندوق الانتخابات. فرغم وجود عدد كبير من الأحزاب السياسية في أفغانستان، إلا أنها تتسم بالضعف، خاصة مع أخذ دستور 2004 بالتحول عن النظام البرلماني والأخذ بالنظام الرئاسي. أضف إلى ذلك السيطرة الفعلية للحركة على عدد من الولايات، الأمر الذي يُعزز من سيطرتها الفعلية على الحياة السياسية في حالة تحولها إلى حزب سياسي. وليس من المستبعد أيضاً منافسة الحركة على منصب رئاسة الدولة في أول انتخابات رئاسية مُقبلة. ومن ثمّ، فإنه حتى في حالة عدم تمسك الحركة بإلغاء الدستور الحالي، فإن هذا لا ينفي قدرتها خلال سنوات محدودة على إدخال تغييرات جذرية على طبيعة النظام السياسي والأبنية السياسية في أفغانستان، ما يعني وجود احتمال كبير لعودة نظام طالبان إلى السلطة من جديد.

هذا الاحتمال يُثير تساؤلاً آخر حول طبيعة أي نظام سياسي جديد لطالبان؟ البعض يشير هنا إلى أن "النسخة" الحالية من طالبان تختلف عن طالبان ما قبل 2001، وأن طالبان الحالية باتت تدرك بوضوح الكثير من تعقيدات الحكم، وضرورة إدخال العديد من التغييرات على أفكارها، خاصة فيما يتعلق بالمرأة والحقوق والحريات العامة والأساسية، بوصفها شروطاً أساسية لقبولها واندماجها في المجتمع الدولي. لكن حتى مع إدراك الحركة لذلك، فإن أي تغيير حقيقي لا يأتي بقرار فوقي من جانبها؛ فالتغيير الحقيقي يجب أن يدعمه تحولات فكرية ومراجعات فقهية عميقة، وهو ما لم نسمع عنه من جانب الحركة حتى الآن أو أي من قياداتها.

الإشكال الثالث، يتعلق بدمج عناصر الحركة داخل الحياة السياسية والاجتماعية. هذا "الدمج" ينصرف إلى إطلاق سراح سجناء الحركة لدى الحكومة الأفغانية، والعفو عن قياداتها والسماح لهم بالعودة إلى أفغانستان، ودمج عناصر الحركة في الحياة الاقتصادية (السماح لهم بالحصول على فرص العمل المناسبة، أو تقديم بعض المساعدات الاقتصادية). وهذا الدمج يمكن أن ينصرف أيضاً إلى دمج مقاتلي الحركة في الجيش الأفغاني. وتثير مسألة الدمج بدورها تساؤلاً حول مدى قبول المجتمع الأفغاني بهذه العملية، خاصة من جانب الأقليات العرقية والدينية من خارج الأكثرية البشتونية أو السُّنيَّة (الطاجيك، الأوزبك، الأيماك، التركمان، البلوش، الهزارة ..إلخ)، والذين يُشكلون معاً حوالي 48% من إجمالي المجتمع الأفغاني. ومن ثمَّ، وحتى إذا افترضنا دعم الأكثرية البشتونية لاتفاق السلام المزمع بين الحركة والولايات المتحدة، أو إعادة دمج الأخيرة في الحياة السياسية والاقتصادية، فليس من المتوقع أن يحظى ذلك بدعم المجموعات العرقية والمذهبية الأخرى، إذ إن هذا الأمر سيزيد من شعور هذه المجموعات العرقية والدينية بالهزيمة السياسية وخيبة الأمل إزاء المشروع السياسي الأمريكي في أفغانستان. كما يثير ذلك تساؤلات حول التكلفة الاقتصادية لبرامج الدمج الاقتصادي، ومصادر تمويل هذه البرامج، خاصة مع ضعف الاقتصاد الأفغاني وضعف الالتزامات الدولية الفعلية تجاه مشروع إعادة بناء أفغانستان. وأخيراً، سيظل هناك تساؤل مهم حول تداعيات دمج عناصر الحركة في الجيش الأفغاني، في ظل ما يعانيه الأخير من تأثيرات للانقسامات العرقية والدينية والجهوية.

وهذا الإشكال يزداد خطورة في ظل الاستقطاب السياسي الراهن في أفغانستان بين الرئيس أشرف غني ومنافسه عبدالله عبدالله، والذي أصبح أكثر وضوحاً عقب الإعلان الرسمي عن نتائج الانتخابات الرئاسية الأخيرة التي أجريت في 28 سبتمبر 2019 والتي ما تمكنت لجنة الانتخابات من الإعلان عن نتيجتها رسمياً إلا في 18 فبراير 2020 (أي بعد ما يقرب من خمسة شهور). ورغم نجاح اللجنة في الإعلان عن فوز أشرف غني بفترة رئاسية ثانية، لكن هذه النتيجة أسست لمشكلتين. الأولى، هي نجاح أشرف غني بأغلبية ضعيفة (50.64%). والمشكلة الثانية، هي استمرار رفض منافسه عبدالله عبدالله لهذه النتيجة واتجاهه إلى تشكيل حكومة موازية.

وسيكون لهذا الواقع السياسي الهش انعكاساته السلبية على الحوار المرتقب بين طالبان والحكومة الأفغانية. فهذا يعني، من ناحية، أن الحوار سيجري في ظل ضعفٍ واضحٍ لشرعية نظام أشرف غني وحكومته، على خلفية تدنِّي نسبة المشاركة في الانتخابات، وانخفاض إجمالي عدد الأصوات الصحيحة من الأساس (1.8 صوت فقط بعد إلغاء 2.7 مليون صوتاً بسبب مخالفات)، وتنازع هذه الشرعية من جانب منافسه عبدالله عبدالله. ومن ناحية ثانية، سيجري هذا الحوار في ظل بيئة سياسية هشَّة، ستوفر لطالبان القدرة إما على فرض شروطها السياسية والأمنية على الحكومة الأفغانية، أو عدم الحاجة إلى توقيع اتفاق سلام مع الطرف الأفغاني، والاكتفاء باتفاق السلام المزمع مع الولايات المتحدة. وهذا السيناريو الأخير سيعني بقاء طالبان والحكومة الأفغانية في حالة حرب، بمعنى تفضيل الحركة حسم الصراع السياسي مع النظام الحالي عبر السلاح، وبناء نموذجها السياسي عبر هذه الطريقة.

خلاصة واستنتاجات

بالإمكان القول، ختاماً، إن اتفاق السلام المزمع بين طالبان والولايات المتحدة لن يضمن بالضرورة استقرار أفغانستان، لعوامل عديدة تتعلق بغموض هذا الاتفاق واحتمالات تضمينه بنوداً وملاحق سرية قد تكون على حساب الحكومة الأفغانية والنموذج السياسي في هذا البلد، حتى وإن فتح الطريق أمام حوار بين طالبان والحكومة؛ إذ سيجري هذا الحوار في ظل موازين قوى مُختلَّة سياسياً وأمنياً. كما أنه يُثير إشكاليات وتحديات عدة ليس بمقدور الحكومة الأفغانية مواجهتها بمفردها في ظل أولوية هدف الخروج من أفغانستان على غيره من الأهداف بالنسبة للإدارة الأمريكية الحالية، لتصبح أفغانستان أمام أحد سيناريوهين رئيسين: عودة طالبان إلى الحكم، أو اندلاع حرب أهلية جديدة قد تكون مقصودة لخلق حالة اضطراب وفوضى في المحيط الإقليمي المباشر لكلٍّ من روسيا والصين.

* باحث مُختص في الشؤون الآسيوية.

 

سيناريوهات