انخفاض أسعار النفط: المحفزات والتوقعات

شريف أبو الفضل | 19 أغسطس 2021

انخفضت أسعار النفط بمتوسط يبلغ 7% تقريباً خلال أغسطس الجاري، إذ هبط سعر برميل من النوع "برنت" إلى 69 دولاراً للبرميل، في حين هبط سعر برميل من النوع غرب تكساس الوسيط إلى 67 دولاراً للبرميل لتُسجِّل الأسعار أدنى مستوياتها في تسعة أشهر. وساهمت مجموعة من العوامل في الدفع باتجاهٍ هبوطي للأسعار، على عكس التوقعات بارتفاعها خلال فصل الصيف نتيجة تعافي الطلب والتوسُّع في تلقي اللقاحات، وجهود تحالف أوبك بلس بشأن التشدد في الإمدادات النفطية. 

محفزات انخفاض الأسعار

1. تخفيف أوبك بلس لقيود الإمدادات النفطية: توافق أعضاء تحالف أوبك بلس، في 18 يوليو الماضي، على مد أجل الاتفاق الموقع في أبريل من العام الماضي، ليكون حتى ديسمبر 2022 بدلاً من أبريل المقبل، بإضافة 400 ألف برميل يومياً كل شهر إلى المعروض النفطي بداية من شهر أغسطس الجاري، وحتى انتهاء كمية الخفض، البالغة 5.8 مليون برميل، والتي يحجبها التحالف حتى الآن عن أسواق النفط، وذلك في ضوء التحسُّن في الطلب العالمي على النفط. كما أعطى الاتفاق أيضاً خط أساسٍ أعلى لمستويات الإنتاج تُحسَب على أساسها حصة إنتاج كل عضو بدءاً من مايو 2022.

وعلى خلاف التوقعات، أدت هذه الخطوة من جانب أوبك بلس إلى انخفاض الأسعار وليس إلى ارتفاعها، كما كان يحدث عند الإعلان عن خطط الإمدادات السابقة لتحالف أوبك بلس، ولعل ذلك يرجع بالأساس إلى تزامن الزيادة الشهرية في إنتاج أوبك بلس هذه المرة مع ارتفاع الإصابات بفعل الموجة الوبائية الجديدة للمتحور "دلتا" شديد العدوى، في العديد من البلدان. كما أن الاتفاق الأخير تضمن تعديلاً لخطوط الأساس لبعض دول التحالف، ما يعني زيادة في حالة اليقين المرتبطة بالأسواق، وهو ما يحد من ارتفاع الأسعار بالتأكيد.

2. تراجع مستويات الطلب بفعل تجدد القيود والإغلاقات: واجهت أسواق النفط رياحاً معاكسة، إذ تجتاح سلاسة "دلتا" المتحورة، من فيروس كورونا المستجد، والشديدة العدوى جميع أنحاء العالم، مما أدى إلى تجدد القيود على الحركة في بعض المناطق. وقد أدى ذلك إلى زيادة وتيرة القلق من التوسُّع في القيود المفروضة لوقف تفشي متحور "دلتا"، ولا سيما لدى كبار المستهلكين وفي مقدمتهم الصين، أكبر مستورد للنفط في العالم، حيث توقعت شركة البترول الوطنية الصينية أن تؤدي الموجة الوبائية الأخيرة إلى تقليص الطلب على النفط بمقدار 5%.

ومع تفاقم الإصابات بفيروس كورونا، خُفِّضَت التوقعات بشأن الطلب العالمي بشكل حاد لبقية العام الحالي، إذ أفادت وكالة الطاقة الدولية في تقريرها الشهري الصادر في أغسطس الجاري، بأن الطلب العالمي على النفط سينمو بنحو 5.3 مليون برميل يومياً في المتوسط ليصل إلى 96.2 مليون برميل يومياً، نزولاً مما كان متوقعاً بالوصول إلى 98.4 مليون برميل يومياً. وأظهرت بيانات مجموعة "يوراسيا" انخفاض واردات الخام الصينية 3 بالمئة من يناير إلى يونيو مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي، وهو أول انكماش منذ 2013.

كما رصدت بيانات أولية صادرة عن مؤشر فورتكسا لتتبع السفن انخفاضاً في واردات الهند من النفط الخام في يوليو الماضي، وأظهرت البيانات أن واردات الهند من الشرق الأوسط انخفضت إلى 2.1 مليون برميل يومياً نزولاً من 2.3 مليون برميل يومياً في الشهر السابق. فيما تراجع إجمالي واردات النفط الأميركية من 6.507 مليون برميل يومياً، ليصل إلى 6.432 مليون برميل يومياً، خلال الأسبوع الأول من أغسطس.

3. ارتفاع الدولار والمخزونات الأمريكية: أدى صعود الدولار إلى إضعاف جاذبية المواد الخام خاصة النفط، وتزايدت قوة الدولار في أعقاب تقرير الوظائف القوي في الولايات المتحدة الذي غذى الرهانات على أن الاحتياطي الفيدرالي قد يبدأ في تخفيف برنامج التحفيز المالي، وتزامن ذلك مع زيادة الإنتاج من جانب مجموعة أوبك بلس، ما أدى إلى مسار هبوطي بالنسبة لأسعار النفط. وتُشير البيانات الصادرة عن إدارة معلومات الطاقة الأميركية، إلى تذبذب في مخزونات النفط في الولايات المتحدة بين الارتفاع والانخفاض، إذ أشار التقرير الصادر عن إدارة معلومات الطاقة الأميركية، خلال الأسبوع الأول من أغسطس الجاري، إلى ارتفاع في مخزونات النفط في الولايات المتحدة بعكس توقعات المحللين، حيث صعدت مخزونات النفط بمقدار 3.6 مليون برميل، في الأسبوع المنتهي يوم 31 يوليو، لتصل إلى 439.2 مليون برميل. بينما أشار التقرير الأسبوعي الصادر في 11 أغسطس الجاري، إلى تراجع مخزونات النفط بمقدار 0.4 مليون برميل، للأسبوع المنتهي في 6 أغسطس، لتصل إلى 438.8 مليون برميل، وهو ما يدل على أن هذا التذبذب ربما يمثل عامل ضغط على أسعار النفط، التي أخذت تتحسن بفعل تراجع هذه المخزونات.

4. تأثير عودة النفط الإيراني، وحرب الناقلات قُرب مياه الخليج: تنتظر الأسواق عودة النفط الإيراني بترقب حذر، وذلك على خلفية وصول المفاوضات الجارية بين إيران من جانب والولايات المتحدة الأمريكية والقوى الكبرى من جانب آخر في فيينا بشأن برنامج إيران النووي إلى ما يمكن اعتباره "العتبة الأخيرة" لاتفاق جديد، وهذا التأثير المتوقع سيتوقف بالأساس على ما إذا كانت هذه العودة الإيرانية للسوق كاملة أم هي مجرد عودة تدريجية، وهو ما قد يؤثر على الأسعار، لاسيما أن الفجوة بين الطلب والعرض النفطي ضيقة، ووجود عوامل أخرى ضاغطة على الأسواق.

كما تقلل التوقعات من تأثير استهداف الناقلات النفطية في المياه القريبة من الخليج، بالنظر إلى تركيز الأسواق العالمية على المخاوف الاقتصادية الأبرز، المتعلقة بتفشي السلالات الجديدة من فيروس كوفيد-19، ومخاطر عودة الحكومات حول العالم إلى تشديد إجراءات الإغلاق الاحترازية في الأشهر القليلة المقبلة، خاصة مع اقتراب فصل الشتاء، والذي شهد في عام 2020، ذروة إصابات الوباء، والذي في حال تكرره سيتسبب في تباطؤ اقتصادي جديد وتراجع الطلب على النفط، وبالتالي حصول تناقص في أسعاره. فضلاً عن أن هذه الهجمات تتعلق بظروف التأمين أكثر مما تتعلق بالأسعار.

إلا أنه من غير المستبعد أن تؤدي المزيد من التوترات والتصعيد إلى تحريك أسعار النفط في المدى المستقبلي القريب، وذلك في ضوء انتهاء تأثير باقي العوامل الدافعة باتجاه هبوط الأسعار، أي أنه في حال استمر التصعيد في منطقة الخليج، مع السيطرة على الموجات الوبائية الجديدة وتعافي الطلب على النفط، فقد يكون لتلك الهجمات تأثير واضح على الأسعار. ناهيك عن تأثير العوامل المناخية، والتي تسببت في اندلاع حرائق واسعة في اليونان وتركيا والجزائر وإسبانيا وغيرها من المناطق حول العالم، وهو ما أدى إلى تضرر المعنويات بشأن إمكانية تعافي الأسواق قريباً.

توجه شركات النفط الخليجية نحو تنويع مصادر الدخل والاستثمار

أدى التراجع الكبير الذي شهدته أسعار النفط خلال العام الماضي، ومنذ بدء الجائحة، إلى انتهاج كبرى شركات النفط الخليجية استراتيجية جديدة قائمة على أساس تنويع مصادر الدخل والاستثمار في أصولها النفطية، والاستفادة من تلك الأصول بكل السبل الممكنة. ويأتي هذا التوجه من منطلق تسليط هذه الشركات الضوء على الضغوط التي تواجه الدول التي تعتمد اقتصاداتها بشدة على النفط لجمع الأموال وتنويع مصادر إيراداتها ودعم أوضاعها المالية التي تضررت من التراجع مؤخراً في أسعار النفط وجائحة كورونا.

وتعد شركة بترول أبو ظبي الوطنية "أدنوك" أول شركة نفط كبرى في المنطقة تسعى إلى استثمارات من الخارج، إذ كونت شراكات في أصول استراتيجية وأصول غير أساسية لجمع أكثر من 30 مليار دولار على مدار السنوات الأربع الماضية، من خلال تسييل الأصول وجمع الأموال من مجموعات الأسهم الخاصة الدولية. كما تستعد أدنوك لإدراج نشاطها في قطاع الحفر الذي بلغت قيمة مشروعاته في 2018 نحو 11 مليار دولار أميركي، وسيكون ثاني طرح عامّ أولي من نوعه لوحداتها بعد إدراج ذراعها لتوزيع الوقود أدنوك للتوزيع في 2017، حيث تجعل أدنوك من جذب المستثمرين الأجانب عنصراً أساسياً في الطرح العامّ الأولي المقبل.

وتخطط شركة أرامكو السعودية لجمع 10 مليارات دولار من خلال الاستثمار في أصول النفط والغاز التي تمتلكها، بطرح حصص أقلية في خط أنابيب غاز. وكانت أرامكو قد أبرمت مؤخراً صفقة قيمتها 12.4 مليار دولار مع مستثمرين بقيادة إي آي جي غلوبال إنرجي بارتنرز، لاستئجار وإعادة تأجير مع أرامكو، والحصول على حصة في شركة جديدة أُسِّست حديثاً، وتستحوذ على حقوق رسوم نقل النفط الخام عبر شبكة خطوط أنابيب أرامكو لمدة 25 عاماً، وستملك الشركة السعودية 51% من الشركة الجديدة. ووفقاً لبعض التقديرات، فإن أرامكو قد تعرض حصصاً في مصافٍ للتكرير ومحطات للكهرباء، وربما محطات للتصدير في المستقبل، ضمن خططها لتنويع مصادر الدخل، بالإضافة لاحتمالية عرض حصص في مشروعات لأنشطة المنبع مثل الهيدروجين على مستثمرين استراتيجيين.

وتخطط الشركتان (أرامكو وأدنوك) إلى الاستثمار في مشروعات الطاقة النظيفة، كما تدرس العديد من شركات النفط الأخرى في المنطقة، السير على خطى الشركتين، كما هو الحال بالنسبة لشركة الطاقة المملوكة للدولة في سلطنة عُمان "أوكيو"، والشركة القابضة للنفط والغاز في البحرين.

آفاق الأسعار والسوق النفطية

لا تزال المعنويات السائدة تجاه أسواق النفط حذرة، خاصة في ضوء زيادة عدد الإصابات نتيجة المتحورات الجديدة لفيروس كورونا، وحصول بعض الإغلاقات والقيود على السفر والتنقل في الصين والولايات المتحدة الأمريكية، بالتزامن مع الزيادة في المعروض النفطي من جانب أوبك بلس، وعودة المخاطر الجيوسياسية في الشرق الأوسط.

إلا أنه يُرجح أن تكون هذه العوامل التي دفعت باتجاه انخفاض الطلب على النفط مؤقتة، وذلك في ضوء استمرار الجهود الدولية المبذولة لاحتواء الوباء، والتوسُّع في توزيع اللقاحات وإضافة جرعة تعزيزية ثالثة في بعض الدول للسيطرة على سلاسة "دلتا". ويؤكد العديد من الاتجاهات على أن الطلب على النفط سيتزايد بقوة خلال الفترة المقبلة، برغم المصاعب الحالية، نتيجة تعافي الأسواق، لاسيما لدى كبار المستهلكين في آسيا، حيث تُشير التقديرات إلى توسُّع الهند في إنشاء المصافي وزيادة قدرتها الإنتاجية بنحو 350 ألف برميل يومياً على مدى الأربع أعوام المقبلة. كما أشارت تقارير إلى زيادة الطلب على الوقود في الولايات المتحدة، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع أسعار النفط صوب 71 دولار بدءاً من 12 أغسطس الجاري.

وتوقعت منظمة أوبك في تقريرها الشهري الأخير الصادر في أغسطس الجاري ارتفاع الطلب على النفط بمقدار 5.95 مليون برميل يومياً هذا العام، أو ما يعادل 6.6 في المائة دون تغيير عن توقعها الشهر الماضي، مشيرة إلى أن "الاقتصاد العالمي يواصل التعافي... لكن لا تزال هناك الكثير من التحديات مما قد يثبط الزخم بسهولة. وعلى الأخص، ستحتاج التطورات المرتبطة بكوفيد-19 إلى مراقبة وثيقة".

وبالنسبة للمعروض النفطي، فمن المُرجح استمرار تحالف أوبك بلس في تبني سياسة حذرة إزاء الإمدادات النفطية، فضلاً عن التزام مُنتجي النفط الصخري في الولايات المتحدة بالإحجام عن ضخ مزيد من النفط في الأسواق، وهو عامل موازن واضح لقوى العرض والطلب في السوق النفطي.

وفي السياق نفسه، يمكن القول إن التخوف المتعلق بعودة النفط الإيراني أو الفنزويلي إلى الأسواق، وما قد يسببه ذلك من وفرة في المعروض تضغط على الأسعار، يظل تخوفاً يفتقر للواقعية، في ظل تعثر المباحثات النووية بين إيران والقوى الكبرى في فيينا، وصعوبة تحديد ما ستفضي إليه. وفي حال عودة النفط الإيراني إلى الأسواق فمن المُرجح أن تكون هذه العودة تدريجية، وسيكون تأثيرها محدوداً على الأسواق، لاسيما إذا قابلها تعافي في مستويات الطلب على النفط. والحال نفسه بالنسبة للنفط الفنزويلي، إذ رغم بدء محادثات بين الأطراف المتنازعة في الفترة الأخيرة، وحث كثير من الأطراف الدولية إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن التي تركز على الدبلوماسية على تخفيف عقوبات شركة النفط الوطنية الفنزويلية، إلا أن ذلك لا يعني خروج فنزويلا عن اتفاق تحالف أوبك بلس حول حصص الدول بشأن الإمدادات، ما يَعني استمرار قيادة مجموعة "أوبك بلس" لإدارة المعروض النفطي العالمي من خلال برنامج الزيادات الحذر والمحدود على مدار الشهور المقبلة.

وبالنسبة لآفاق العام 2022، من المُتوقع أن تُسجل سوق النفط فائضاً فيه إذا واصلت "أوبك بلس" وقف التخفيضات وعزز بقية المنتجين الإمدادات. ويُعزز من هذا التوقع أن مخزونات النفط لدول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية انخفضت 50.3 مليون برميل في يونيو إلى 2.882 مليار برميل، كما يُرجَّح أن يرتفع الطلب العالمي على النفط 3.2 مليون برميل يومياً في 2022.

_____

تنويه: جميع حقوق نشر هذه المقالة محفوظة لـ"مركز الإمارات للسياسات"، ويُمنَع إعادة نشرها أو الاقتباس منها، جزئياً أو كلياً، دون أخذ إذن مُباشِر ومُسبَق من المركز، ويستثنى من ذلك الاقتباسات المحدودة المراعية لأصول البحث العلمي، لهدف تعليمي أو بحثي مُحدَّد، مع ضرورة الإشارة إلى المركز بوصفه الناشر الأصلي. 

سيناريوهات

­­أفغانستان والتحديات أمام حُكم "طالبان"

مركز الإمارات للسياسات | 18 أكتوبر 2021