توقعات المشهد الإيراني في عام 2020

مركز الإمارات للسياسات | 05 فبراير 2020

من المرجح أن تشهد إيران خلال العامين المقبلين، ظروفاً سياسية واقتصادية صعبة؛ فهي تنتظر محطة انتخابات برلمانية في 2020، تتخللها احتمالات عودة الاحتجاجات. وستمرّ البلاد في انتقال سياسي من روحاني إلى رئيس آخر في 2021، وتتزايد احتمالات حدوث انتقال سياسي على مستوى القائد الأعلى. وترزح إيران تحت عقوبات أمريكية متشددة، وأزمة اقتصادية مستفحلة؛ مما يُحفِّز الصراعات الداخلية على السلطة والموارد. وبالنظر إلى خصوصية العلاقات الإيرانية-الأمريكية، فإن الفترة المتبقية من ولاية الرئيس ترمب تُعدُّ فترة مخاض وانتظار تترك أثرها على تشكيل الملامح الرئيسة لأية عملية سياسية مُقبِلَة في إيران.

التحولات المؤثرة في "خريطة توزيع القوة" في إيران خلال 2020

1. استمرار توسُّع دور الحرس الثوري؛ تشير مجمل التطورات المهمة في خريطة توزيع القوة الداخلية إلى رغبة الحرس الثوري بمزيد من التوسُّع، والتحول نحو الدولة العميقة، وهي العملية الجوهرية على الصعيد السياسي الإيراني؛ ما يعني إفراغ بعض المؤسسات الدستورية، مثل الحكومة، من صلاحياتها، وإخراج بعض الملفات من يدها. ويمكن توقُّع حدوث تطور في نظام الحكم في إيران تحت وطأة الدعوة إلى تقليص صلاحيات بعض المؤسسات، مثل الرئاسة، والبرلمان، لصالح مؤسسات أخرى لا تستمدّ شرعيتها من الانتخابات، مثل: "مجمع تشخيص مصلحة النظام"، و"المجلس الأعلى للأمن القومي".

2. الانتخابات البرلمانية: أظهرت التحضيرات الجارية للانتخابات البرلمانية المقررة في 21 فبراير 2020 اتجاه التيار المحافظ إلى الهيمنة على معظم مقاعد البرلمان المقبل. وفي ظل إعلان رئيس المجلس الحالي علي لاريجاني عدم نيته الترشح للانتخابات المقبلة، تتزايد حظوظ محمد باقر قاليباف في الوصول إلى منصب رئيس البرلمان؛ ما يمثل تطورًا مهمًا آخر في سياق استراتيجية التوسع الممنهج للحرس الثوري في خريطة توزيع القوة الداخلية.

3. الانتخابات الرئاسية الإيرانية؛ من المستبعد جدًا أن يجد مرشح مقرب من توجهات روحاني سبيله إلى سدة الحكم في ظل العزوف الكبير عن الحكومة الراهنة. وقد يكون ضمن خطة الحرس المستقبلية الهيمنة بشكل مباشر أو غير مباشر على منصب رئاسة الجمهورية، والسلطة التنفيذية في انتخابات 2021. لكنّ الحديث - حتى الآن - يدور حول تصعيد وجه تكنوقراطي مُحافِظ لقيادة الحكومة في المرحلة المقبلة. 

4. التنافس على خلافة خامنئي؛ تُظهِر تحركات الأوساط السياسية في إيران أن المنافسة على منصب القائد الأعلى بدأت تحتدم. وتنحصر مظاهر هذا التنافس داخل الخط المحافظ، وتظهر على شكل تحالفات ضمنية أخذت تتشكل في ظل التنافس بين المؤسسات الدستورية. وستكون العملية السياسية خلال الفترة المقبلة كلّها تحت مظلة التنافس على الخلافة.

معالم الحالة الاجتماعية في إيران خلال 2020

تفاقمت التحديات الاجتماعية في ظل العقوبات الأمريكية. وترتبط معظم التحديات الاجتماعية بانتشار الفقر، والدوافع الاقتصادية. ويتوقع الخبراء أن تستمرّ الحالة خلال العام 2020. لكن نمطًا آخر من الاحتجاجات ظهر مع مطلع العام 2020، بدوافع سياسية مدنية، على خلفية إسقاط الدفاع الجوي الإيراني طائرة ركاب مدنية.

وشهد عام 2019، تطورًا لافتًا على صعيد التحرك السياسي، والاجتماعي في إيران، تمثل في رفع شعارات ترفض الانتماء للتيارين السياسيين الأساسيين (التيار الإصلاحي والتيار المحافظ)؛ ما يعني انهيار المرجعيات السياسية التي تتحكم في الرأي العام، وتستطيع توجيهه. وظهور مرجعيات جديدة خارجة عن هيمنة الثنائي السياسي التقليدي. ولهذا التطور انعكاسات مستقبلية سيكون من المحتمل جدًا مشاهدة بعض آثارها خلال 2020؛ حيث تتعمق النزعة الراديكالية بشكل أكبر في مختلف الطبقات والخطوط الاجتماعية، ومن المحتمل أن نشهد محاولات لرأب الصدع بين الراديكاليات الأربع القائمة حاليًا (الاقتصادية والعرقية والدينية والسياسية)، وذلك بهدف تنسيق جهود القوى المعارضة للنظام، وتحسين فاعلية الحركات الاحتجاجية.

سيناريوهات العملية السياسية الداخلية في 2020

السيناريو الأول: إعادة تصعيد التيار الإصلاحي؛ ويفترض هذا السيناريو توجه النظام نحو تكرار تجربة انتخابات عام 1997 التي تمخض عنها صعود التيار الإصلاحي، متجلياً في تسلم الرئيس الإصلاحي محمد خاتمي سدة الحكم ما بين 1997 و2004. وحتى يكون تكرار مثل هذا السيناريو ممكناً، لا بدّ من لجوء جهات في التيار المحافظ إلى التحالف مع الإصلاحيين، وتقاسم السلطة معهم.

السيناريو الثاني: حكم العسكر المباشر؛ ويفترض تولّي الحرس الثوري السلطة التنفيذية، سواء بشكل مباشر عن طريق مجلس حكم عسكري ثوري، أو غير مباشر عن طريق إيصال أحد الجنرالات المتقاعدين إلى كرسي الرئاسة، وإدارة الحكومة عن بعد. ويمكن اعتبار هذا الصعود تتويجًا للتطور الطبيعي لمؤسسة الحرس من مؤسسة عسكرية بحتة إلى دولة عميقة.

السيناريو الثالث: تصعيد التكنوقراط؛ ويفترض هذا السيناريو أن يلجأ النظام إلى تصعيد أحد وجوه التكنوقراط المقربين من التيار المحافظ، ويدعمه في الانتخابات الرئاسية المقبلة، بما يضمن إيصاله إلى منصب رئاسة الجمهورية. وليبدأ بعدها الرئيس الجديد انفتاحًا جزئيًا على الغرب من أجل اقتطاف بعض الثمار الاقتصادية.

التحولات السياسية الخارجية المؤثرة في المشهد الداخلي الإيراني

1. الانتخابات الرئاسية الأمريكية؛ تفضل غالبية القيادات الإيرانية خسارة الرئيس دونالد ترمب السباق الرئاسي المقبل. ويسود اعتقاد في أوساط النظام بأن تغيير الإدارة الأمريكية الحالية، سيؤدي إلى انفراجة في العلاقات الإيرانية-الأمريكية، ويخفف الضغوط عن إيران. وهو ما يدفع النظام باتجاه تأجيل البتّ في العديد من القضايا إلى ما بعد الانتخابات الأمريكية. وهذا هو ما قاد إلى انتهاج سياسة الصبر الاستراتيجي في مواجهة الضغوط الأمريكية الحالية.

2. احتمالات تصاعد التوتر بين إيران والولايات المتحدة؛ شهدت المنطقة في نهاية عام 2019 وبداية 2020 تصعيداً أمنياً، وعسكرياً خطيراً بين الولايات المتحدة وإيران، وصل ذروته بعملية اغتيال قائد فيلق القدس، قاسم سليماني، وانسحاب إيران رسمياً من الاتفاق النووي. وهذه الحالة قد تتكرر لأسباب مختلفة.

3. مستقبل الاتفاق النووي؛ تواصل إيران خلال عام 2020 خطواتها للانسحاب التدريجي من الاتفاق النووي لوقف حملة "الضغوط القصوى" الأمريكية، وإرغام واشنطن على العودة إلى طاولة المفاوضات. لكنّ إدارة ترمب لا تُبدي أي مؤشر على رغبتها بالعودة إلى الاتفاق. وبات من الواضح أن واشنطن ترغب بالتفاوض مع طهران في مسار منفصل، خارج إطار الاتفاق النووي.

سيناريوهات التوجهات الدولية للنظام الإيراني

السيناريو الأول: الانفتاح على الغرب؛ ويفترض هذا السيناريو أن النظام السياسي في إيران سيُقرِّر تذويب الثلوج بينه وبين الدول الغربية، ومنها الولايات المتحدة عبر القيام بحوار شامل. وتدعم جهات في الحكومة الإيرانية حدوث هذا السيناريو، كما تدعمه عدة تيارات سياسية ذات تأثيرات متفاوتة لكنها في المجمل ضعيفة نسبياً. ويعتقد هؤلاء بأن الانفتاح على الغرب، والدخول في حوار شامل معه، هو المفتاح الرئيس لحل الكثير من الأزمات التي تعاني منها البلاد، وبخاصة الأزمة الاقتصادية. وفي إطار هذا الانفتاح، يمكن أن نضع تصريحات شخصيات بارزة في الحكومة الإيرانية حول إمكانية رأب الصدع مع الجيران، والاستعداد للحوار مع الدول الغربية حول بعض الملفات الإقليمية مثل اليمن، والإصرار على إقرار القوانين الخاصة بمجموعة العمل المالي الدولية (FATF).

السيناريو الثاني: الانفتاح على الشرق؛ تُبيّن التجربة التاريخية للسلوك الرسمي الإيراني أن النظام يتجه في ظل العقوبات نحو تعزيز علاقاته مع الشرق الروسي-الصيني. وتسعى مؤسسات الثورة إلى الحصول على "ضمانات بقاء" من القوى الشرقية في ظل الضغوط التي يتعرض لها النظام على الجبهة الغربية. وإذا كانت الصين هي المستند الرئيس لإيران خلال العقوبات السابقة، فإن روسيا تبدو اليوم هي الفاعل الدولي الرئيس الذي يستند إليه النظام الإيراني للاحتماء.

السيناريو الثالث: التريُّث حتى الانتخابات الرئاسية الأمريكية في نوفمبر 2020؛ ويمكن العثور على مثل هذا التوجه في تصريحات مسؤولين إيرانيين من داخل الحكومة وخارجها، أشاروا عدة مرات إلى ضرورة الصمود بوجه العقوبات حتى نهاية فترة رئاسة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب. وبطبيعة الحال، تتوقع هذه الأوساط بأن الرئيس الديمقراطي المُقبِل المفترض سيُبدي مرونة أكبر تجاه الملف الإيراني. وفي ظل هذا السيناريو، فإن كل الملفات العالقة ستبقى مفتوحة، ولكن معلقة، من دون حلول واقعية خلال الفترة الانتقالية. وحتى انتهاء فترة رئاسة ترمب، ستتواصل المحاولات الإيرانية للبقاء على قيد الحياة، عبر العثور على متنفّسات من دول الجوار.

توقعات الاقتصاد الإيراني في 2020

عانت إيران في 2019، من أكبر موجة ركود في تاريخها المعاصر، ويمكن توقع استمرار هذا الركود خلال 2020. وتؤكد مصادر أن نحو 20 في المائة من الوحدات الإنتاجية، والمصانع في إيران أفلست تمامًا، بسبب موجة الركود، فيما يذهب بعض التوقعات إلى أن العام الإيراني الجاري 2020 سيشهد تفاقماً؛ إذ من المتوقع حسب صندوق النقد الدولي أن ينكمش الاقتصاد الإيراني 5.5 في المائة.

واستندت الحكومة في موازنة العام المالي الإيراني المقبل إلى أرقام غير واقعية، مثل بيع أصول وشركات حكومية بقيمة 50 ألف مليار، وتوزيع سندات وأوراق استقراض بقيمة 80 ألف مليار تومان. وربما تسهم القرارات الحكومية برفع أسعار المشتقات النفطية، وتقليص الاجتماعي في زيادة التضخم. ويرجح أن يتواصل تأثير العقوبات على زوايا الاقتصاد الإيراني بشكل مضطرد خلال العام المالي الإيراني المقبل الذي يبدأ في مارس 2020.

وتظهر أرقامٌ صادرةٌ عن مراكز دولية، أن الاقتصاد الإيراني لن يشهد تحسنًا في العام 2020. أما التضخم، فسيكون فوق مستوى الثلاثينيات، مستقرًا عند 31 في المائة في أفضل الحالات، بينما يُظهر جدول ارتفاع التضخم السنوي أنه سيكون أعلى من ذلك. هذا في حين أن حصة إيران من الاقتصاد العالمي ستنخفض نحو 8 في المائة، ويجرب حجم الإنتاج المحلي الإيراني انكماشاً بنحو 10 في المائة. وسيشهد العام المقبل نمواً أكبر في معدلات البطالة التي سترتفع إلى مستوى قياسي، لتستقر عند 15.6 في المائة؛ مما يعني أن نحو 1.5 حتى 1.8 مليون عامل يفقدون وظائفهم خلال 2020.

توقعات الإنتاج، والصادرات النفطية الإيرانية في 2020

لن تقف آثار العقوبات على القطاع النفطي عند حد الصادرات، وإنما ستتجاوزها لتؤثر في مجموع الإنتاج، وفي الاستهلاك الداخلي للمنتجات النفطية؛ ما يترتب عليه تداعيات مهمة في 2020. وبينما خططت الحكومة لبيع نحو مليون برميل من النفط يوميًا في مشروع موازنة العام المقبل، تشير التوقعات إلى عدم إمكانية تحقيق ذلك؛ ما يفتح الباب أمام عجز كبير، يقدره نواب في البرلمان بنحو 25 في المائة خلال العام 2020.

وعلى صعيد إنتاج النفط، يمكن استخلاص السيناريوهات التالية:

السيناريو الأول: استمرار انخفاض إنتاج النفط الإيراني؛ ويفترض أن يواصل الإنتاج الإيراني انخفاضه تحت وطأة انخفاض الصادرات، والافتقاد للتقنيات، والقوة الاستيعابية اللازمة. ويتصور هذا السيناريو تأرجح الإنتاج الإيراني بين 1.8 و1.5 مليون برميل. ووفق هذه السيناريو، ستتوجه إيران نحو التركيز على استخراج النفط من الحقول المشتركة، وهو ما يعرضها للاحتكاك مع البلدان التي تتمتع بعلاقات إيجابية معها، كما تتوجه نحو رفع أسعار النفط للاستهلاك الداخلي، من أجل التغطية على العجز الناجم عن توقف الصادرات وانخفاض الإنتاج وارتفاع كلفة الاستخراج؛ وهو ما يجعل الاقتصاد مُرشَّحاً لمزيد من الأزمات، ومعدلات أعلى من التضخم.

السيناريو الثاني: ارتفاع مبيعات النفط؛ ويفترض أن تستطيع إيران خلال العام المقبل أن تحقق ارتفاعًا ملحوظًا في مبيعات النفط. وهم ما يبدو أن الحكومة خططت للموازنة العامة بناء عليه، ويفترض بلوغ مبيعات النفط الخام نحو 700 ألف برميل، منها 250 ألف برميل تُباع للقطاع الخاص داخل إيران، أو للجهات التي تدين لها الحكومة تعويضًا عن الديون. وإذا افترضنا ذلك، وهو احتمال بعيد جدًا في حال استمرت العقوبات، فإن إيران تستطيع أن تحافظ على مستويات بين 2.1 و2.4 مليون برميل من الإنتاج النفطي اليومي. وحتى في حال انطلاق مسار سياسي للتخفيف من العقوبات، فإن تطبيقه سيتطلب مهلة زمنية تتجاوز العام المقبل.

السيناريو الثالث: السيناريو الوسطي؛ ويفترض أن الإنتاج الإيراني سيظل قرب 1.9 مليون برميل. ووفق هذا السيناريو، تستطيع إيران المحافظة على نحو 150 ألف برميل من الصادرات اليومية كحد أدنى، كما تستطيع توسيع طاقتها الاستيعابية من خلال رفع القوة التشغيلية في المحطات الكهربائية، وفي منصات التكرير. وعلى الرغم من أنها ستستفيد وفق هذا السيناريو من إيراداتها الناجمة عن بيع البنزين والكهرباء للدول المجاورة، فإنها ستضطر إلى رفع أسعار الطاقة والمحروقات، كما ستضطر إلى رفع أسعار النفط المقدم للشركات البتروكيماوية، ومحطات إنتاج الطاقة؛ وهو ما يعني ارتفاعاً في معدلات التضخم، واحتمال حدوث انهيارات ملحوظة في أسهم الشركات البتروكيماوية.

 

سيناريوهات