­­هل سيتم حظر حزب الشعوب الديمقراطي الكردي في تركيا؟

مركز الإمارات للسياسات | 11 أبريل 2021

رفع المدعي العام التركي دعوىً قضائية إلى المحكمة الدستورية في 17 مارس 2021، سعياً لحظر حزب الشعوب الديمقراطي الكردي، مُتهماً إياه بدعم الإرهاب وبصلات مع حزب العمال الكردستاني المصنف إرهابياً في تركيا، وتضمنت لائحة الاتهام اتهامات من قبيل أن الحزب "من خلال أفعال وتصريحات أعضائه" حاول "تدمير الوحدة التي لا تنفصم للدولة والأمة التركية"، وادعاءات من قبيل أن "الحزب لم يقف مع تركيا ومصالحها في أي قضية محلية أو دولية".

وأثارت هذه الدعوى جدلاً سياسياً بين الأحزاب والتيارات السياسية في تركيا، خصوصاً أنها تأتي في ظل مرحلة صعبة تمر بها تركيا على الصعد الداخلية والخارجية. كما أن هذه الخطوة تأتي بعد سلسلة من الإجراءات التصعيدية التي اعتمدتها الحكومة التركية ضد الحزب وأعضائه منذ نوفمبر 2016، وهو ما يؤشر إلى رغبة واضحة للتحالف الحاكم في تركيا لإعادة هندسة الحياة السياسية في تركيا في الإطار الذي يفكك تحالف المعارضة، الذي يشكل حزب الشعوب الديمقراطي الكردي أحد أركانه، كما أنها تأتي كخطوة استباقية للاستحقاقات الانتخابية المقبلة، ما يطرح بدوره الكثير من التساؤلات حول المستقبل الذي ينتظر حزب الشعوب الديمقراطي الكردي في تركيا، ومدى انعكاس حظره المحتمل على المشهد السياسي التركي.

الاستقطاب السياسي الراهن في تركيا

تشهد الساحةُ السياسية التركية استقطاباً سياسياً حاداً، بدأت ملامح هذا الاستقطاب تتشكل بصورة واضحة منذ الانتخابات العامة في 24 يونيو 2018، عندما انقسمت الساحة السياسية التركية بين تحالفين رئيسيَن هما: التحالف الحاكم، والمسمى تحالف الجماهير، الذي يتشكل أساساً من حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية؛ وتحالف المعارضة، المسمى تحالف الشعب، الذي يتشكل أساساً من حزب الشعب الجمهوري وحزب الخير وحزب السعادة وحزب الشعوب الديمقراطي الكردي.

تعززت هذه الانقسامات في الانتخابات المحلية التي أجريت في 31 مارس 2019، والتي شهدت خسارة التحالف الحاكم للبلديات الكبرى، وهي إسطنبول وأنقرة وأزمير، إلى جانب بلديات أخرى صغيرة، ونتج عن ذلك حالة عدم استقرار سياسي واقتصادي بدأت تمر بها تركيا. وترافق مع ذلك أيضاً بروز ظاهرة الانقسامات الداخلية بين قيادات حزب العدالة والتنمية، حيث تشهد الساحة السياسية التركية اليوم أحزاب وُلدت من رحم العدالة والتنمية، وبدأت أكثر قرباً من تحالف المعارضة، مثل حزب المستقبل الذي يقوده رئيس الوزراء السابق أحمد داود أوغلو، وحزب الديمقراطية والتقدم الذي يقوده وزير الاقتصاد السابق علي باباجان.

أخذت التطورات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تشهدها الساحة التركية، تنعكس سلباً على شعبية حزب العدالة والتنمية، والتحالف الحاكم الذي يقوده، في مقابل صعود شعبية قوى المعارضة، وهو ما دفع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى الإعلان مؤخراً عن رغبته في إجراء تعديلات جديدة على النظام الانتخابي والدستور التركي، وهو ما يؤشر إلى حجم التعقيد الذي تشهده الساحة التركية.

وبعد أن كان أردوغان رافضاً لحظر حزب الشعوب الديمقراطي الكردي، رغم إلحاح حليفه حزب الحركة القومية على هذه الخطوة، دفع أردوغان أخيراً المدعي العام الذي عيّنه قبل بضعة أشهر إلى رفع دعوى لحظر الحزب، وتُظهر هذه الخطوة إلى أي مدى يكافح حزب العدالة والتنمية من أجل البقاء في الحكم، في ظل تمترس المعارضة ضده، والأزمة الاقتصادية التي تعانيها البلاد، والانشقاقات الحزبية، والإخفاق في إدارة ملف جائحة كورونا، وتصاعد التوترات مع الولايات المتحدة، ومع الاتحاد الأوروبي في شرق المتوسط.

وعلى هذا الأساس قد تشكل محاولة حظر حزب الشعوب الديمقراطي الكردي الوسيلة الأخيرة لضرب المعارضة وضمان الفوز في الانتخابات المقبلة، ففي استطلاع أجراه مركز الأبحاث التركي الأوراسي في أكتوبر الماضي، قال 32.5% فقط من الناخبين إنهم سيدعمون حزب العدالة والتنمية إذا أجريت الانتخابات على الفور، وهو أدنى مستوى على الإطلاق، في حين زاد التأييد لحزب الشعب الجمهوري إلى 28%،[1] وهو ما يجعل التحالف الحاكم يواجه معركة شاقة في الاستحقاقات المقبلة.

الأطراف التي تقف خلف محاولات حظر الحزب ودوافعها

بدايةً لابد من الإشارة إلى أن دعوات حظر حزب الشعوب الديمقراطي الكردي، تصاعدت بشكل كبير بعد فشل العملية العسكرية التركية في شمال العراق في شهر فبراير 2021، والتي أدت إلى مقتل 13 أسيراً تركياً كانوا محتجزين لدى حزب العمال الكردستاني في جبال غارا، على بعد 35 كيلومتراً من الحدود التركية داخل الأراضي العراقية، بالإضافة إلى مقتل ثلاثة ضباط أتراك شاركوا في العملية، في حدثٍ أنتج تداعيات سياسية كبيرة داخل تركيا.[2] وعلى إثر ذلك، طالب زعيم حزب الحركة القومية في تركيا دولت بهجلي، حليف الرئيس أردوغان، بأن تُبذل جهود جادة لحظر حزب الشعوب الديمقراطي الكردي.

ورغم قيام المحكمة الدستورية بإصدار إعلان قضائي في 31 مارس 2021، أعادت بموجبه قضية حظر الحزب إلى المدعي العام التركي، لعدم توافر كافة الأدلة في لائحة الاتهام الخاصة بحظر الحزب، ومطالبته باستكمال النواقص القانونية، إلا أن هناك إصراراً واضحاً على إعادة القضية إلى المحكمة الدستورية مرة أخرى، وهو ما برز واضحاً في تصريحات زعيم حزب الحركة القومية بعد إعلان المحكمة الدستورية، وتهديده بإغلاق المحكمة والحزب معاً.

فضلاً عن ذلك، أشارت صحيفة "حرييت" التركية القريبة من التحالف الحاكم، أن قرار المحكمة الدستورية بإعادة لائحة الاتهام ضد حزب الشعوب الديمقراطي إلى مكتب المدعي العام، لا يعني رفض قضية الحظر المرفوعة ضد الحزب، وأضافت أنه من المتوقع أن يُكمل مكتب المدعي العام العيوب الإجرائية في الدعوى، ويرفع قضية الحظر مرة أخرى، وتحديداً في مسألة إدراج الأدلة التي توضح العلاقة بين بعض أعضاء حزب الشعوب الديمقراطي الكردي، والأفعال الإجرامية في لائحة الاتهام، من أجل حسم القضية.[3]

ولابد من الإشارة هنا إلى أن الأطراف التي تقف خلف محاولات حظر حزب الشعوب الديمقراطي الكردي، هي: حزب العدالة والتنمية بقيادة الرئيس رجب طيب أردوغان، وحزب الحركة القومية بقيادة دولت بهجلي، وحزب الوطن بقيادة دوغو بيرينجك، وحزب الاتحاد الكبير بقيادة مصطفى دستيجي. وبعيداً عن الدوافع المعلنة في لائحة الاتهام التي قدمها الادعاء العام التركي في قضية حظر الحزب، تتلخص الدوافع الحقيقية لهذه الأطراف في النقاط الآتية:

  1. إعادة هندسة الحياة السياسية التركية بالشكل الذي يخدم حظوظ التحالف الحاكم في الانتخابات المقبلة، فعرقلة دخول الحزب الكردي في الانتخابات القادمة يؤدي إلى حصد التحالف الحكومي المزيد من الأصوات في مناطق جنوب شرقي تركيا، حيث الغالبية الكردية.
  2. تفكيك تحالف المعارضة الذي يقوده حزب الشعب الجمهوري، وتحديداً من خلال إبعاد حزب الخير ذي التوجهات القومية عن هذا التحالف.
  3. دفْع الناخبين الأكراد إلى مقاطعة الانتخابات، ما يصبّ في مصلحة التحالف الحاكم، باعتبار أن الأخير لم يتمكن من الفوز بأغلبية مطلقة منذ الانتخابات البرلمانية لعام 2015 بسبب صوت الناخب الكردي الذي كان يتوجه إلى تحالف المعارضة.
  4. محاولة حزب الحركة القومية وضع حزب العدالة والتنمية في مسار موقفه، وقطع الطريق أمام تحالفات بديلة، من خلال اتخاذ مسار أكثر راديكالية حيال الخصوم.[4]
  5. ضمان أردوغان دعم حزب الحركة القومية لترشحه لولاية ثانية في انتخابات عام 2023، رغم وجود خلاف دستوري وقانوني حول إمكانية ترشح أردوغان من جديد، بسبب وجود رأي قانوني يؤكد أن أردوغان سيكون قد أنْهى ولايتين رئاسيتين بحلول عام 2023، ما يمنعه للترشح من جديد، إلا في حال قررت أغلبية نواب البرلمان (وهي متوافرة لدى التحالف الحاكم) حلّ البرلمان واللجوء إلى انتخابات مبكرة قبل ستة أشهر على الأقل من موعد الانتخابات المقرر في يونيو 2023.
  6. تعزيز الخلافات الداخلية التي يمر بها حزب الشعوب الديمقراطي الكردي، عبر دفع قيادات كردية قريبة من التحالف الحاكم ومواقفه السياسية إلى تولي قيادة الحزب عبر حظر قيادات الحزب الحالي، حيث تظهر اليوم قيادات جديدة بدأت تنتقد مواقف قيادات الحزب وتدعم مواقف التحالف الحاكم، منها النائب السابق عن حزب الشعوب الديمقراطي الكردي عن ولاية ديار بكر أحمد التان، وأيهان بيلكان رئيس بلدية ولاية قارص السابق.

ولابد من الإشارة هنا إلى إن الحكومة التركية طردت خلال الفترة الماضية، وتحديداً منذ انتخابات 31 مارس 2019، خمسين رئيس بلدية تابعاً لحزب الشعوب الديمقراطي الكردي، وعيّنت بدلاً منهم رؤساء بلديات قريبين منها، إلى جانب اعتقال أكثر من 7000 عضواً من أعضاء الحزب بتهم تتعلق بالإرهاب، ودفع البرلمان إلى التعجيل في النظر في إسقاط الحصانة والنيابة عن عدد من نواب حزب الشعوب الديمقراطية الكردي، بسبب تصريحات أدلوا بها قبل ست سنوات رفضت العملية العسكرية التي قام بها الجيش التركي في جنوب شرقي تركيا ضد مسلحين أكراد اعتصموا في مدينة ديار بكر، علماً أن الحزب يشغل 55 مقعداً في البرلمان المؤلف من 600 عضو.[5]

التحديات التي تواجه مساعي حظر الحزب

تبرز العديد من التحديات التي تواجه مساعي التحالف الحاكم لحظر حزب الشعوب الديمقراطي الكردي، أهمها:

  1. هناك تحديات قانونية-دستورية تواجه عملية حظر الأحزاب السياسية في تركيا، خصوصاً بعد التعديلات الدستورية التي أدخلها حزب العدالة والتنمية في الدستور التركي عام 2010، وتحديداً في مدى صلاحية السلطة القضائية في حظر الأحزاب،[6] وذلك من أجل منع تكرار حادثة محاولة حظره عام 2007، عبر ما عُرف آنذاك بالمذكرة الإلكترونية التي وجهتها رئاسة أركان الجيش إلى المحكمة الدستورية، مطالبةً بحظر حزب العدالة والتنمية بتهمة تهديد علمانية الدولة، إلا أن الحزب تجاوز هذه الحادثة بفارق صوت واحد في المحكمة الدستورية.
  2. تحدي إدارة العلاقة بين حزب العدالة والتنمية وحليفه السياسي حزب الحركة القومية، ففي الوقت الذي يظهر فيه حزب الحركة القومية تشدداً واضحاً في قضية حظر الحزب، يتردد بعض أعضاء حزب العدالة والتنمية في دعم قضية الحظر بشكل علني، والاكتفاء بالدعم الضمني عبر الرئيس أردوغان، ولذلك فإن عدم دعم جهود حظر الحزب الكردي قد تجعل مستقبل التحالف الحاكم أمام مشهد مجهول.
  3. تحدي إدارة العلاقة مع قوى المعارضة، التي بدأت تُصور جهود حظر حزب الشعوب الديمقراطي الكردي على أنه محاولة من التحالف الحاكم، لصرف النظر عن المشاكل الحقيقية التي تواجهها تركيا، وأهمها المشكلة الاقتصادية المتصاعدة.
  4. تحدي إدارة العلاقة مع البيئة الخارجية لتركيا، وتحديداً الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، اللتين اعتبرتا أن محاولات حظر حزب الشعوب الديمقراطي الكردي ستؤدي إلى "مزيد من تقويض الديمقراطية" في تركيا.
  5. تحدّي إدارة العلاقة مع منظمات حقوق الإنسان التي بدت رافضة لهذا التوجه، وهو ما اتضح بعد يومين من رفع دعوى حظر حزب، حيث اعتقلت السلطات التركية أوزتورك توركدوغان، رئيس أكبر جمعية لحقوق الإنسان في تركيا.[7]

تؤشر محاولة حظر حزب الشعوب الديمقراطي الكردي إلى حجم التحدي الحقيقي الذي يواجه التحالف الحاكم في تركيا، خصوصاً أن هذه هي المرة التاسعة التي يتم فيها حظر حزب سياسي ممثل للأكراد في تركيا، والتي بدأت منذ 7 يونيو 1990، عندما تم حظر حزب العمل الشعبي الكردي، وهو ما يؤشر بدوره إلى عدم تمكن النظام السياسي في تركيا من إيجاد صيغة نهائية لإدارة العلاقة مع الأكراد، فعادةً ما تصطدم هذه الصيغ بعودة النظام السياسي سريعاً إلى الأداة العسكرية، أو الحظر السياسي، إلا أن ما يميز المحاولة الأخيرة أنها أشمل وأوسع من حيث الدوافع والأهداف.

التداعيات المحتملة على السياسة الداخلية التركية

من المحتمل أن تُفرز عملية حظر حزب الشعوب الديمقراطي الكردي العديدَ من التداعيات المؤثرة على الساحة السياسية التركية، والتي يمكن إجمال أهمها على النحو الآتي:

  1. إمكانية توظيف "القضاء" كأداة في تصفية المعارضة السياسية في تركيا، وبخاصة أن المحكمة الدستورية، التي تعد أعلى هيئة قضائية في تركيا، أصبحت بموجب التعديلات الدستورية عام 2017 تتألف من 15 عضواً، ثلاثة أعضاء يتم تعيينهم من قبل البرلمان و12 عضواً من قبل الرئيس أردوغان، وهو ما يؤشر لمدى التحدي الذي تواجهه قوى المعارضة في هذا الإطار، في إمكانية توسيع استخدام الرئيس أردوغان لهذه الصلاحيات مستقبلاً.
  2. ترافق عملية حظر حزب الشعوب الديمقراطي الكردي مع توجه التحالف الحاكم إلى تشريع قوانين جديدة من شأنها وضع مدة زمنية يُمنع من خلالها أعضاء الحزب المحظور من ممارسة العمل السياسي بشكل كامل، بل حتى منع إمكانية تشكيل أحزاب جديدة من قبل أعضاء الحزب المحظور، وهي ظاهرة جديدة قد تُقيد حرية العمل السياسي في تركيا مستقبلاً.
  3. توضح الجهود المبذولة لحظر الحزب خشية كبيرة لدى أطراف قوى المعارضة، بأن يمتد هذا التوجه إلى حظر أحزاب أخرى في الساحة السياسية التركية، خصوصاً أن حزب العدالة والتنمية بدأ بتحريك ملفات فساد وغيرها تخص قيادات وأحزاب تركية معارضة، من ضمنها رئيس الوزراء السابق أحمد داود أوغلو.
  4. هناك رفض متنامٍ في مناطق جنوب شرقي تركيا لحزب العدالة والتنمية وزعيمه الرئيس أردوغان، بعد أن كانت بيئة انتخابية داعمة له حتى الانتخابات الرئاسية عام 2010، ولذلك فإن حظر الحزب قد يحوّل هذه البيئة إلى بيئة عدم استقرار سياسي وأمني، وهو ما أشرت إليه عملية تحول احتفال أكراد أتراك بعيد النوروز في 21 مارس 2021، إلى استعراض انتخابي لتحدي محاولات حظر حزب الشعوب الديمقراطي الكردي.
  5. يعزز النهج الذي يعتمده التحالف الحاكم حيال قوى المعارضة، وتحديداً حزب الشعوب الديمقراطي الكردي، استمرار نهج الإقصاء في الداخل التركي، وهو نهج بدأ واضحاً منذ الانقلاب العسكري الفاشل في 15 يوليو 2016، بدءاً من احتواء العسكر والقضاء وصولاً اليوم إلى مجال السياسة، وهو نهج قد يتصاعد في المستقبل القريب.
  6. صعود القومية التركية المتشددة كمبدأ حاكم لمواجهة قوى المعارضة، وهو ما بدأ واضحاً في المؤتمر السابع لحزب العدالة والتنمية في 25 مارس 2021، الذي شهد تحولاً لحزب العدالة والتنمية من حزب "إسلامي محافظ"، إلى حزب "إسلامي تركي" متلون بألوان حزب الحركة القومية المتشدد، وهو ما يوحي بتحولات جديدة قد تشهدها الساحة السياسية التركية مستقبلاً على مستوى توجهات الأحزاب وسلوكياتها السياسية.

السيناريوهات المحتملة

تُطرح في هذا السياق العديد من السيناريوهات التي تنتظر مستقبل حزب الشعوب الديمقراطي الكردي في الحياة السياسية التركية، وذلك على النحو الآتي:

أولاً، سيناريو عدم حظر الحزب مع محاسبته جزئياً. يفترض هذا السيناريو أن تكون هناك محاسبة جزئية للحزب، دون إقصائه عن الساحة السياسية التركية بالكامل، وأن يتم اقتصار الحظر على الشخصيات والأعضاء المتهمين بقضايا الإرهاب دون أن يشمل الآخرين. وبدأ بعض قيادات حزب العدالة والتنمية طرح هذا السيناريو، كحل توفيقي بين تحالفهم مع حزب الحركة القومية من جهة، وخشيتهم من خسارة الحزب لأصوات الأكراد المتدينين في مناطق جنوب شرقي تركيا من جهة أخرى. كما أنه وفقاً للفقرة الأولى من المادة 69 من الدستور التركي يجوز للمحكمة الدستورية، التي ستنظر في قضية الحظر، أن تقرر حرمان الحزب السياسي من مساعدة الدولة جزئياً أو كلياً، بدلاً من الحظر الكامل والدائم، إلا إنه بالمجمل لا يزال هذا الخيار بعيداً عن متناول الخطاب الرسمي للتحالف الحاكم، كما أن الرئيس أردوغان يبدو حتى اللحظة متماهياً مع حليفه حزب الحركة القومية المطالب بالحظر الكامل.

ثانياً: سيناريو حظر الحزب وإغلاقه بالكامل. يفترض هذا السيناريو أن يتم حظر الحزب بالكامل، وهو خيار يبدو أكثر قرباً من الخيارات السابقة، وذلك عطفاً على الإصرار الواضح الذي يُبديه التحالف الحاكم، وتحديداً حزب الحركة القومية، الذي يُعتبر الركيزة التي يستند عليها الرئيس أردوغان اليوم في دعم إجراءاته وسياساته، كما أن عملية حظر الحزب تأتي في سياق استراتيجية واضحة بدأ يعتمدها التحالف الحاكم من أجل إعادة هندسة الحياة السياسية التركية، وهو ما يجعل من خيار حظر الحزب ضرورةً مهمة للحفاظ على الأغلبية البرلمانية للتحالف الحاكم، في حالة خوض استحقاقات انتخابية مقبلة.

ثالثاً: سيناريو حل الحزب لنفسه. يفترض هذا السيناريو أن يحل الحزب نفسه، كإجراء احترازي يسبق أي تحرك قضائي حياله، ومن ملامح هذا السيناريو الاجتماعات المتكررة التي بدأت قيادات حزب الشعوب الديمقراطي الكردي بعقدها مع مجالس إدارته، اعتباراً من نهاية عطلة عيد النوروز، لتحديد الاستراتيجية الواجب اتباعها في حال حظر الحزب، وتقييم أن خيارات "إنشاء حزب جديد، أو الانتقال إلى أحد الأحزاب القائمة، أو حل الحزب أو الترشح المستقل"، قد تكون من أجندة العمليات المقبلة. إلا أن هناك خشية واضحة لدى قادة الحزب من أن يعني حل الحزب اعترافاً واضحاً بالتهم المقدمة ضده، كما أن الفقرة الثالثة من المادة 69 من الدستور التركي تحظر أيضاً تشكيل أي حزب جديد من قبل أعضاء الحزب المحظور.

خلاصات واستنتاجات

تُواجه البيئة السياسية التركية تعقيداً كبيراً، وذلك بفعل انسداد أفق الحل السياسي للكثير من القضايا الداخلية والخارجية، والتي انعكست بدورها على الجوانب الاقتصادية والاجتماعية التي تعيشها تركيا اليوم، وما يزيد من خطورة هذا التعقيد وصول حالة الاستقطاب بين التحالف الحاكم وتحالف المعارضة إلى مستويات خطيرة. وتأتي قضية حظر حزب الشعوب الديمقراطي الكردي كتجسيد سياسي واضح لهذه العملية، عبر توظيف التحالف الحاكم للقضاء، كإحدى أدوات المواجهة السياسية مع قوى المعارضة.

وفي هذا الإطار يواجه حزب الشعوب الديمقراطي الكردي وضعاً سياسياً صعباً، في ظل إصرار التحالف الحاكم على إقصائه من الساحة السياسية، أو حتى احتوائه جزئياً، من أجل أهداف عدة أهمها تفكيك قوى المعارضة، وبعثرة الكتلة التصويتية الكردية في جنوب شرقي تركيا، وخلق مجال مشروع لإدامة العمليات العسكرية ضد حزب العمال الكردستاني، وهو ما يؤشر إلى أن حالة التصعيد السياسي ضد حزب الشعوب وقوى المعارضة، ستكون العنوان الأبرز لتحركات التحالف الحاكم في الفترة المقبلة.

وعليه يمكن القول إن عملية حظر حزب الشعوب الديمقراطي الكردي، أصبحت اليوم قضية مركزية للتحالف الحاكم؛ فالشيء المهم بالنسبة للتحالف هو أن يكون قادراً على البقاء في السلطة لمدة أربع سنوات أخرى، أو حتى أكثر.

المراجع

[1] Liz Cookman, Rdogan’s Last-Ditch Power Play, Foreign Policy, 9 Mar 2021. https://bit.ly/39CuRgC

[2] "فَشَل عملية غارا العسكرية التركية في شمال العراق: المواقف والتداعيات"، مركز الإمارات للسياسات، 14 مارس 2021. https://bit.ly/3rJmAh2

[3] Abdulkadir Selvi, Anayasa Mahkemesi’nin HDP kararı ne anlama geliyor, Hurriyet, 1 Nisan 2021. https://bit.ly/31GzfqC

[4] هل تسعى الحكومة التركية لحظر حزب الشعوب الديمقراطي الكردي؟، موقع DW عربي، 27 مارس 2021. https://bit.ly/2OeRvo3

[5] Ragip Soylu, Turkey: Chief prosecutor files lawsuit to close pro-Kurdish HDP party, Middle East Eye, 17 Mar 2021. https://bit.ly/3wis320

[6] انظر الفصل الرابع الخاص بالحقوق والواجبات السياسية من الدستور التركي لعام 1982 وتعديلاته في العام 2011، ص 26-27. https://bit.ly/39WRUTR

[7] تركيا.. توقيف عشرات القادة بحزب الشعوب ومدير أكبر منظمة حقوقية، موقع DW عربي، 19 مارس 2021. https://bit.ly/3dqjXfc

 

أحدث المواضيع المميزة