النزاع المائي بين إثيوبيا ومصر وخيارات تسويته

نور الدين بيدُكان | 15 نوفمبر 2020

يُمثِّل تسييس الموارد المائية وتسليحها جزءاً من التحديات الرئيسة التي تواجهها البلدان المُتشارِكة في مورد مائي عابر للحدود، مثل منطقة "حوض النيل"، في ظل التفاعلات الهيدروبوليتيكية (The Hydro-politics)[1] المؤثرة في علاقات دول الحوض، إذ تَحظى منطقة حوض النيل بأهمية بالغة بسبب الموارد المائية التي تزخر بها، وتعد بمثابة شريان الحياة لشعوب الدول المتشاطئة على مياه النيل، نظراً لاعتماد اقتصاديات دول الحوض على النهر في الزراعة وتربية الأسماك والسياحة وتوليد الطاقة الكهربائية.

ويستمد الموضوع أهميته أيضاً من كونه ذي أبعاد إقليمية ودولية لها علاقة بالمساس بالأمن القومي المائي لدول حوض نهر النيل، ولعل ما يؤكد هذه الأهمية الخلافات والنزاعات القائمة بين بعض الدول النيلية حول قضايا الانتفاع المشترك، والتقاسُم العادل والمُنصِف لمياه النيل. ومن بين أبرز النزاعات المائية بين الدول النيلية النزاع الإثيوبي-المصري، بحيث أن أغلب دول المنبع لا تخفي رفضها للاتفاقيات السابقة المنظمة لعملية تقاسم المياه، والمتمثلة أساساً في المعاهدات والاتفاقيات الموروثة منذ فترة الاستعمار، فضلاً عن عدم وجود اتفاقية تنظم العلاقات المائية تشمل جميع دول نهر النيل فيما بينها البين. فالحكومة المصرية ترفع مبدأ "الحقوق التاريخية المكتسبة"، وتستند إلى اتفاقها مع السودان عام 1959، في حين ترفع إثيوبيا مبدأ الحق في التنمية، وترفض أن تُلزمها أي معاهدات ترى فيها تعطيل لهذا الحق.

تُسلِّط هذه الورقة الضوء على الوضع المائي لدول حوض النيل، والخلاف القائم حول سد النهضة بين مصر وإثيوبيا، وتَستشرِف مستقبل الأمن المائي في حوض النيل والخيارات الممكنة لحل أزمة سد النهضة.

الوضع المائي لدول حوض النيل

يعتبر حوض النيل من أكبر الأحواض في العالم بمساحة تقدر بـ 3 ملايين كلم2، وبالنظر إلى النظام الإقليمي لحوض النيل، يلاحظ أن النمو الديموغرافي وموجات الجفاف، التي تتعرض لها مناطق واسعة داخل دول حوض النيل منذ سنوات، أديا إلى التنافس على مياه النهر، وباتت مسألة تقاسُم المياه المشتركة أحد أهم أسباب الصراع بين دول الحوض، وأفرز الوضع المائي في حوض النيل نمطاً من التفاعل والصراع المائي، خاصة بين دول المنبع ومصر والسودان.

وفي هذا السياق، تكتسب اتفاقيتا عام 1929 بين مصر وبريطانيا، وعام 1959 بين مصر والسودان، أهمية خاصة، فقد ألزمت الأولى دول منابع النيل بعدم القيام بأي مشاريع مياه على مجرى النهر من دون موافقة مصر، ومنحت مصر حق النقض "الفيتو" على أي مشروع من شأنه التأثير على منسوب مياه النيل التي تصل إلى مصر، باعتبارها دولة المصب. أما اتفاقية عام 1959 فقد حددت حصة مصر من المياه بـ 55.5 مليار متر مكعب سنوياً، وحصة السودان بـ 18.5 مليار متر مكعب.

وانطلاقاً من أهمية هذه الاتفاقيات كونها تضمن حصة محددة لمصر والسودان من مياه النيل، تُصِر الحكومتان المصرية والسودانية على ضرورة تضمين بنود هذه الاتفاقيات في أية اتفاقية جديدة تنظم استخدامات مياه النهر. غير أن هذا التوجه يُقابله معظم دول المنبع بالرفض والتحفظ، لاسيما إثيوبيا، على أساس أن هذه الاتفاقيات تم توقيعها في عهد الاحتلال الأجنبي ولا تمثل إرادة شعوبها، وأنها لم تراع احتياجات دول المنبع.

وفيما يتعلق باتفاقية 1997 اتخذت الدول المتشاطئة لنهر النيل مواقف متباينة أثناء عرض مشروع الاتفاقية، بحيث صوتت السودان وكينيا لصالح المشروع، وصوتت بوروندي ضده، وامتنعت كل من مصر ورواندا وإثيوبيا عن التصويت، فيما لم تُشارك إريتريا وجمهورية الكونغو الديمقراطية وأوغندا في التصويت بسبب الغياب، ولغاية الآن لم تُوقِّع مصر وأثيوبيا على الاتفاقية.

وتعتمد مصر في حصولها على الموارد المائية على نهر النيل بشكل كبير (رغم أنه ليس المورد الوحيد لاحتياجاتها المائية[2])، وهذا ما يفسر اعتراض مصر على بناء سد النهضة الإثيوبي الذي شُيِّد على الروافد الإثيوبية العليا للنيل الأزرق بالقرب من الحدود السودانية، وترى مصر أن السد يهدد تدفق مياه النيل التي ينبع معظمها من الهضبة الإثيوبية وسيؤثر سلباً على الأمن المائي المصري. وبسبب هذا التجاذُب، دخلت الدول الثلاث منذ شروع أثيوبيا في بناء السد سنة 2011، في مفاوضات للاتفاق حول الحد من تأثير السد الأثيوبي على كلٍّ من السودان ومصر، اللتان تخشيان من تراجع إمداداتهما من مياه النيل.

 سد النهضة وأثره في النزاع المائي الإثيوبي-المصري 

لطالما استخدمت مياه النيل مادةً للصراع السياسي في اتجاه مصر من قبل إثيوبيا؛ فهناك قضية السدود الإثيوبية التي تُطرَح بين الحين والآخر، ومطالب إثيوبيا بسحب امتيازات الحق التاريخي المكتسب الذي تطالب به مصر، ومحاولات الإيحاء بالقدرة على التأثير في حصة مصر من المياه، وموقفها الرافض للاتفاقية الموقعة بين مصر والسودان عام 1959.

ومع دخول سنوات الألفية الجديدة، تضاعف نشاط الدبلوماسية الإثيوبية المائية، منادية باعتماد اتفاق جديد يتعلق بتقسيم المياه وتنظيم استخدامها، ولجأت دول الحوض بقيادة إثيوبيا إلى الانفراد بإبرام "اتفاق إطاري للتعاون في حوض نهر النيل" (Agreement On the Nile River Basin Cooperative Framework) بمدينة عنتيبي الأوغندية في عام 2010، لتنظيم مسألة الانتفاع المنصف والمعقول للموارد المائية. ولكن لم يتم الاتفاق حول جميع بنوده، وتركز الخلاف بين دول المنابع، وفي مقدمتها إثيوبيا من جهة، ودولتي المجرى والمصب (السودان ومصر) من جهة أخرى، حول المادة 14 الخاصة بالأمن المائي لدول الحوض، وتحديداً الفقرة (ب) من هذه المادة[3]، إذ ترى إثيوبيا وغيرها من دول المنابع أن تكون صياغة هذه الفقرة بشأن استخدام مياه النيل على النحو الآتي:

"أن لا يؤثر تأثيرٌ ذو شأن على الأمن المائي لأية دولة أخرى من دول حوض النيل".

بينما ترى مصر والسودان أن تكون الصياغة على النحو الآتي:

"أن لا تؤثر سلباً على الأمن المائي والحقوق والاستخدامات الحالية لأية دولة أخرى من دول حوض النيل"[4].

لقد سعت إثيوبيا، بمقتضى اتفاقية عنتيبي 2010، إلى تجريد مصر من امتيازاتها في مياه النهر، أبرزها حق الفيتو في منع إقامة أي مشروع على النهر خارج أراضيها. واعتبرت اتفاقية 2010 شرارة أزمة بناء سد النهضة الإثيوبي. فقد أبدت مصر رفضها لاستكمال بناء السد الإثيوبي إلا بعد قيام لجنة فنية مختصة بدراسة التصميمات وآثار المشروع، وبالفعل شُكِّلت لجنة من خبراء فنيين من الدول الثلاث (إثيوبيا، والسودان، ومصر) إلى جانب خبراء دوليين سنة 2012. وعقدت هذه اللجنة العديد من الاجتماعات وأعدت تقارير أولية. والحال أنه منذ اتفاقية إعلان المبادئ حول مشروع سد النهضة الإثيوبي سنة 2015، تجاهلت إثيوبيا تماماً ما يجري على المسار التفاوضي، ومضت في بناء السد.

ويدور الخلاف الراهِن في المقام الأول حول الإطار الزمني الذي يجب أن يُملأ فيه السد. ففيما تضغط الحكومة المصرية من أجل ملء بطيء يمتد بين 12 و21 سنة لتجنُّب التراجع الحاد في إمدادات المياه، تسعى الحكومة الإثيوبية لتحقيق ذلك في غضون ست سنوات حتى تتمكن من تشغيل التوربينات لتوليد الطاقة بشكل أسرع. أما السودان، فيُشارِك في المفاوضات بموقف محايدٍ إلى حد كبير[5]، وإن كان بدأ يميل مؤخراً إلى تأييد الموقف المصري.

ولم تنجح في الفترة الماضية الجهود المصرية لممارسة الضغط على إثيوبيا من خلال حشد الدول المتحالفة معها، إذ تحتفظ الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي، وكذلك دول الخليج والصين، بعلاقات جيدة مع كلا البلدين، ومن الواضح أنهم لا يرغبون في الانحياز إلى أي طرف في مسألة النزاع على مياه النيل.

وفي سبيل الوصول إلى اتفاق تفصيلي حول استخدام مياه النيل وتحقيق مصالح مشتركة، وقعت مصر والسودان وإثيوبيا في الخرطوم سنة 2015 على "اتفاق إعلان المبادئ" حول مشروع سد النهضة الإثيوبي. وقد أعطت مصر والسودان، بشكل أساسي، من خلال هذا الاتفاق، شهادة ميلاد شرعية لسد النهضة[6]. لكن رغم توقيع هذا الاتفاق، إلا أنه لم يحسم الخلاف حول مسألة فترة ملء السد الذي تقدر سعته التخزينية بـ 74 مليار متر مكعب، وتصل قدرته الإنتاجية من الطاقة الكهربائية عند اكتماله إلى 6 آلاف ميغاوات، ليكون أكبر سد كهرومائي في القارة الأفريقية. ويتضح أن اتفاقية إعلان المبادئ، وبنودها المستلهمة من الاتفاقيات الأممية، لا تنصان صراحة على الحقوق المصرية المكتسبة.

لقد امتدت المفاوضات والاجتماعات بشأن أزمة سد النهضة بين إثيوبيا ومصر والسودان منذ عام 2011، ومرَّت عبر محطات عديدة اتَّسمت بالتعثُّر والفشل في التوصل إلى اتفاق عادل ومتوازن، وتعد الوساطة الأمريكية من أبرز هذه المحطات، التي جاءت عبر وزارة الخزانة الأمريكية، حين وجهت الدعوة لوزراء خارجية مصر وإثيوبيا والسودان بالإضافة إلى البنك الدولي في 31 أكتوبر 2019، بعد طلب مصري لوساطة دولية في المفاوضات، وتواصلت جلسات التفاوض، بعد انطلاقها في نوفمبر 2019، واستمرت خلال 4 أشهر، دون أن تُسفِر عن نتائج ملموسة، وانتهت برفض إثيوبيا التوقيع بالأحرف الأولى على مقترح اتفاق تقدمت به الولايات المتحدة الأميركية، وتغيبها  في الجولة الأخيرة من المفاوضات التي عقدت بواشنطن يومي 27 و28 فبراير 2020، بينما وقعته مصر ولم توقعه السودان.

وفي يونيو 2020 تقدمت مصر بطلب إلى مجلس الأمن الدولي، في إطار بند جدول الأعمال المعنون بـ"السلم والأمن في أفريقيا"، للنظر في موضوع سد النهضة الإثيوبي، تدعو فيه إلى التدخل من أجل تأكيد أهمية مواصلة التفاوض، من أجل التوصل إلى حل متوازن لقضية سد النهضة الإثيوبي، وعدم اتخاذ أية إجراءات أحادية قد يكون من شأنها التأثير على فرص التوصل إلى اتفاق، ولجأت مصر إلى مجلس الأمن استناداً إلى الفقرة الأولى من المادة 35 من ميثاق الأمم المتحدة، التي تجيز لكل عضو من الأمم المتحدة أن ينبه مجلس الأمن أو الجمعية العمومية إلى أي نزاع أو موقف من شأنه أن يعرض للخطر حفظ السِّلم والأمن الدوليين[7].

واتجهت مصر إلى جامعة الدول العربية واستطاعت الحصول على قرار بالتضامن معها، إذ أصدرت جامعة الدول العربية، في دورتها غير العادية التي عقدت في 23 يونيو 2020 (عبر تقنية الفيديو كونفرانس)، قراراً بشأن سد النهضة الإثيوبي، أكدت فيه أن الأمن المائي لمصر والسودان "جزء لا يتجزأ من الأمن القومي العربي"، ومُشددة على ضرورة امتناع إثيوبيا عن البدء في ملء خزان السد دون التوصل إلى اتفاق مع دولتي المصب حول قواعد ملء وتشغيل السد لما يمثله هذا الإجراء من خرق صريح لاتفاق إعلان المبادئ المبرم بين الدول الثلاث في الخرطوم بتاريخ 23 مارس 2015. كما حث القرار على تشكيل لجنة لمتابعة تطورات الملف والتنسيق مع مجلس الأمن بالأمم المتحدة حول كافة تطورات الموضوع على أن تتألف عضويتها من كل من: الأردن والسعودية والمغرب والعراق والأمانة العامة[8].

وعادت الدول الثلاث في يوليو 2020 إلى استئناف التفاوض برعاية الاتحاد الإفريقي، وتلخصت النقاط الخلافية حول عملية تشغيل وملء السد في فترة الجفاف، والجفاف الممتد، ومسألة الاعتراف بالاتفاقيات السابقة لتوزيع حصص المياه، بالإضافة إلى إشكالية أمان السد، والآثار البيئية المترتبة عليه. واختتمت الجولة الأولى من المفاوضات هي الأخرى دون التوصل إلى حل توافقي، وتزامن ذلك مع قيام إثيوبيا بالملء الأولي للسد، تلتها قمة إفريقية مصغرة عقدت يوم 21 يوليو 2020، دعت إلى مواصلة التفاوض والسعي لبلورة اتفاق قانوني ملزم بشأن قواعد ملء وتشغيل سد النهضة.

وانتهت في 28 أغسطس 2020 جولة أخرى من المفاوضات بين الدول الثلاث حول سد النهضة دون التوافق على مسودة اتفاق، كان من المفترض تقديمها إلى رئاسة الاتحاد الأفريقي، وقررت الدول الثلاث أن ترسل كل دولة تقريراً منفصلاً إلى رئاسة الاتحاد الأفريقي.

سعت مصر في المفاوضات إلى تضمين أي اتفاق مع أديس أبابا أكبر قدر ممكن من التفاصيل تغطي جميع الاحتمالات الممكنة في المستقبل، فيما تحاول إثيوبيا إبقاء الاتفاقية مفتوحة قدر الإمكان وعدم التوقيع على أي بند من شأنه أن يُلزم بحد أدنى من المياه لجيرانها. وعلى عكس مصر، فإن السودان لم يرَ في خفض حجم مياه النيل التي تصله مشكلة كبيرة، بل إن بناء سد النهضة قد ينظم في المستقبل مشكل الفيضانات التي يتعرض لها، إضافة إلى إمكانية الحصول على طاقة كهربائية رخيصة من إثيوبيا[9]. ومن بين أسباب الموقف السوداني هذا اعتماد إثيوبيا على الموانئ السودانية، واستيرادها بعض المواد الأساسية من السودان.

 الخيارات الممكنة لحل النزاع المائي بين إثيوبيا ومصر

عكست المفاوضات السابقة، التي جرت في الخرطوم والقاهرة وأديس أبابا وواشنطن، استمرار الخلافات على القضايا الرئيسة لقواعد ملء وتشغيل سد النهضة، مع بدء إثيوبيا عملية الملء الأولية للسد، الأمر الذي وضع ضغوطاً على الموقف المصري، وانتقلت بذلك قضية السد من كونها نزاع يبحث عن تسوية مُرضية إلى محاولة فرض أمر واقع، وذلك بفعل تفاوض عقيم تبنَّى طرفا التفاوض خلاله استراتيجية تفاوضية مناقضة للآخر؛ فإثيوبيا اعتمدت استراتيجية "استهلاك الزمن وسياسة فرض الأمر الواقع"، أما مصر فكانت استراتيجيتها "انتهاج الدبلوماسية الناعمة والتفاوض وطلب الوساطة". وفي ظل هذا الوضع تُطرح عدة خيارات لحل الأزمة القائمة، وأهمها الآتي:

1. الاستمرار في نهج التفاوض: تبدو الخيارات المصرية أمام إثيوبيا محدودة، ويظل الخيار الدبلوماسي التفاوضي الخيار الأفضل والمدعوم إقليمياً ودولياً، مع أنه في الرؤية المصرية بات طويلاً ومملاً ومضيعة متعمدة للوقت[10]. ومن المتوقع أن يطول مسار المفاوضات حول سد النهضة، ما يعني أن أمام مصر وإثيوبيا معركة طويلة وشاقة. ويفرض هذا الخيار على طرفي النزاع تبنِّي خطاب تصالحي، والبعد عن أسلوب التصعيد والتهديد، الذي غالباً ما يحمل معه نتائج عكسية. ولعل الخطاب الأمثل هو الذي يركز على بعد مياه النيل باعتبارها مصدراً من مصادر التعاون والتنمية المستدامة لجميع شعوب الدول المتشاطئة على نهر النيل.

2. التعاون والتكامل الإقليمي: وفق مؤيدي هذا الخيار، فإن حل النزاع حول مياه النيل الأزرق بين إثيوبيا ومصر بالإضافة إلى السودان ينطلق من مدخل التعاون والتكامل بينها؛ فإثيوبيا تطمح لتكون رائدة في إنتاج الطاقة الكهربائية في المنطقة عبر سد النهضة والسدود الأخرى داخل البلاد، والسودان تتوفر على أراضي واسعة وخصبة صالحة للزراعة والرعي يمكن أن تؤمن الغذاء لشعوب الدول المتنازعة، أما مصر فتتوفر على الإمكانيات والخبرات الكافية في العديد من المجالات التي ستساعد على سد احتياجات إثيوبيا والسودان.

وسوف يؤدى هذا التعاون – إذا توفرت الإرادة السياسية والتمويل الكافي – إلى تلبية الحاجات المائية والتنموية للدول الثلاث. وتبعاً لذلك، فالطريق الوحيد للمضي قُدُماً هو التعاون، الذي يجب أن يحقق السلام والاستقرار لجميع بلدان حوض النيل[11]. بالإضافة إلى أن هذا التعاون سيتيح بروز حضور مصري فعال في المشروعات المقترحة في دول المنابع، ما سينعكس إيجاباً بالنسبة للمصالح المائية المصرية، بدلاً من غياب مصر وتنفيذ إثيوبيا وغيرها من دول المنابع لهذه المشروعات بشكل أحادي ومنفرد. إلا أن وجود إطار "تعاوني إقليمي" لاستخدام موارد مياه النيل قد يتطلب بعض التنازلات المشتركة من كلا الجانبين (مصر وإثيوبيا).

3. استغلال الفواقِد المائية وترشيد استخدامها: هناك العديد من المشروعات قامت بها مصر بالمشاركة مع السودان في النيل بهدف السيطرة على فقد مياهه وتدبير موارد إضافيـة، من أهمهـا: مشروع "قنـاة جونجلي" بجنـوب السودان، والذي يدخل ضمن أهداف الاتفاق الذي وقع بين حكومتي مصر والسودان سنة 1959 بشأن الانتفاع الكامل بمياه النيل، بحيث تضمن هذا الاتفاق في "بنده الثالث" مشاريع استغلال المياه المفقودة في حوض النيل ما نصه : "تتولي جمهورية السودان بالاتفاق مع مصر إنشاء مشروعات زيادة إيراد النيل بمنع الضائع من مياه حوض النيل، ويكون صافي فائدة هذه المشروعات من نصيب الجمهوريتين بحيث توزع بينهما مُناصفة، ويساهم كل منهما أيضاً بالتساوي في التكاليف"[12].

وقد بدأت مصر العمل في مشروع "قناة جونجلي" في سبعينيات القرن الماضي، لتوفيـر نحو 4 مليار متر مكعب في مرحلتـه الأولى و3 مليار متر مكعب في مرحلته الثانية، يُقْسَما مناصفـة بين مصـر والسودان. وتم حفر 250 كلم، وتبقى 110 كلم لاستكمال المشروع، لكنه توقف عند قرية "الكونقر" نتيجة نشوب الحرب الأهلية عام 1983 بين الحركة الشعبية بقيادة "قرنق" والحكومة المركزية في السودان آنذاك[13]. ومن شأن إعادة إحياء هذا المشروع تعويض نقص الإمدادات المائية المرتقبة، جرّاء بدء إثيوبيا عملية ملء سد النهضة.

ومن بين أهم البدائل أمام مصر، في حال انتهاء إثيوبيا من بناء السد وحجب الإمدادات المائية عنها، إعادة النظر في سياستها المائية الحالية، بحيث تقوم مصر بمراجعة سياستها هذه وتعديل استراتيجيتها الخاصة باستخدام المياه وترشيد استهلاكها، وذلك مثلاً من خلال إلغاء زراعة ما يقرب من 100 ألف فدان أرز، ما سيوفر كميات مهمة من المياه، لأن مصر تستهلك حوالي 10 مليار متر مكعب في زراعة الأرز، بالإضافة إلى تطوير أجهزة الري، واعتماد أجهزة جديدة لتوفير أكبر قدر من المياه، مع استخدام طريقة الري الليلي لمنع تبخُّر المياه في النهار. ويمكنها أيضاً أن تزيد تحلية مياه البحر من إمدادات المياه العذبة.

4. الخيار العسكري: طُرِح خيار قيام مصر بضرب موقع سد النهضة عسكرياً، لكنه في الواقع خيارٌ صعب التحقيق في الوقت الحالي، لاسيما بعد اكتمال إنشاء الأجزاء الأساسية للسد وبدء عملية الملء، وأيضاً بسبب تداعيات الضربة العسكرية للسد على المدن السودانية القريبة من مجرى نهر النيل. ومثل هذا الخيار كان مُتاحاً نظرياً في الفترات الأولى التي عقبت إعلان مشروع بناء السد سنة 2011، لكن جرى التراجع عنه بسبب انعكاساته السلبية المحتملة على صورة مصر، وجلبه مزيداً من التعاطف الدولي مع الطموح الإثيوبي المشروع بتحقيق التنمية.

خلاصة

من الواضح أن أزمة سد النهضة تتجاوز الجوانب الفنية والتقنية التي يُمكِن حسمها؛ فهي بالأساس تتعلق بمسألة التنافس الإقليمي بين مصر وإثيوبيا. فقد تمكنت إثيوبيا منذ بداية هذا القرن من أن تُصبِح قوة إقليمية في المنطقة، ما دفعها لمنافسة النفوذ المصري. وهذا السلوك الإثيوبي المتحدي لمصر يمكن أن يؤثر سلبياً على نفوذ القاهرة ومكانتها في حوض النيل، ويُمكِن أن يُشجِّع باقي دول المنابع على القيام بمشروعات أحادية مماثلة. وفي ظل هذا الوضع السياسي تصبح احتمالات التسوية عسيرة، ما يعني أن أمام مصر ومعها السودان مسار طويل من المفاوضات.

وعليه، تفرض المرحلة المقبلة ضرورة خلق آليات جديدة لتفعيل التعاون بين الدول النيلية في إطار "مبدأ رابح – رابح"، لأن السلوك النزاعي من شأنه أن يُطيل أزمة الأمن المائي بين دول حوض نهر النيل بشكل عام، لذلك يستوجب الأمر وضع أطر الحوار الثنائي والجماعي بين دول الحوض، قَصْد التوصل لحل توافقي يُحقق الانتفاع العام والمنصف والعادل للموارد المائية المشتركة.

الهوامش

[1] يُشير مصطلح الهيدروبولتيكس Hydropolitics إلى العلم الناتج عن التزاوج بين علم السياسة وعلم المياه، إذ يقوم هذا العلم بدراسة وتحليل وتفسير الظواهر السياسية، من قبيل التفاعلات الدولية والصراعية أو التعاونية، في إطار الدراسات المائية.

[2] تحصُل مصر على 55.5 مليار متر مكعب سنوياً من مياه نهر النيل؛ و2.1 مليار متر مكعب من المياه الجوفية العميقة؛ و1.3 مليار متر مكعب من مياه الأمطار والسيول؛ و0.35 مليار متر مكعب من تحلية المياه المالحة وشبه المالحة. انظر: أسامة محمد سلام، البصمة المائية المصرية: مؤشر أمن الماء والغذاء، [2013]، الصفحات 76-83، كتاب إلكتروني متاح على الرابط: https://bit.ly/3pycGPu

[3] صبحي على قنصوه، "المطالب الإثيوبية في مياه النيل وأثرها على الأمن المائي المصري"، معهد البحوث والدراسات الإفريقية، جامعة القاهرة، 2014، ص16.

[4] الملحق الخاص بالمادة 14، الاتفاقية الإطارية للتعاون في حوض نهر النيل 2010 (اتفاقية عنتيبي).

[5] حسن زنيند، "خبراء ألمان يرسمون آفاق حل لمعضلة سد النهضة"، دويتشه فيله، 24 يونيو 2020، متاح على الرابط: https://bit.ly/38NjjaO، تاريخ الزيارة 28/08/2020.

[6] حمدي عبد الرحمن، "مستقبل التعاون في حوض النيل في مرحلة ما بعد سد النهضة"، مجلة قراءات إفريقية، العدد 35، يناير 2018، ص29.

[7] الفقرة الأولى من المادة 35، ميثاق الأمم المتحدة 1945.

[8] القرار رقم 8524 الصادر عن اجتماع مجلس الجامعة على المستوى الوزاري في دورته غير العادية (المنعقدة عبر تقنية الفيديو كونفرانس) بشأن سد النهضة الإثيوبي، الأمانة العامة - أمانة شؤون مجلس الجامعة، القاهرة، 23 يونيو 2020.

[9] حسن زنيند، "خبراء ألمان يرسمون آفاق حل لمعضلة سد النهضة"، مرجع سابق.

[10] المحبوب أبو علي، "سد النهضة بين الرؤية الإثيوبية والمأزق المصري"، المعهد المصري للدراسات، 1 أكتوبر 2019، متاح على الرابط: https://bit.ly/3f071Nr

[11] World Bank, Cooperation in the Nile Basin: Sharing and using knowledge to improve water resource management, BRIEFING NOTE 6, May 2015, P 6.

[12] البند الثالث من اتفاقية الاستغلال الكامل لمياه النيل بين السودان ومصر، الموقعة بالقاهرة، في 8 نوفمبر 1959.

[13] رحمة حسن وهشام سويد، "قناة جونجلي بين الواقع والمأمول"، المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية، 13 أكتوبر 2019، متاح على الرابط: https://marsad.ecsstudies.com/10777/، تاريخ الزيارة 24/08/2020.

 

أحدث المواضيع المميزة