العقوبات الأمريكية على إيران: الحدود والآفاق

مركز الإمارات للسياسات | 02 فبراير 2020

أعلن كل من وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو، ووزير الخزانة، ستيفن منوشين، حزمة جديدة من العقوبات على إيران. وطالت الموجة الجديدة من العقوبات الأمريكية قطاع المنتجات الفولاذية، وأكبر الشركات في هذا المجال، إلى جانب بعض الشخصيات من قادة القطاع الأمني والعسكري. ويترافق إعلان الحُزَم الجديدة من العقوبات، مع موجة جديدة من الجدل السياسي في واشنطن حول جدوى العقوبات على إيران، وما إذا كانت العقوبات قادرة بالفعل على تحقيق هدفها الرئيس، وهو إخضاع إيران للعودة إلى طاولة الحوار من خلال كسر ظهر الاقتصاد في هذا البلد، وتفاقم مستويات السخط الشعبي بحيث تجبر النظام على الكف عن تعنته.

ويمكن القول إن جوهر الصراع بات يتعلق بالتصورات؛ فالرأي العام الأمريكي يريد أن يطمئن أن حملة الضغوط الأمريكية على إيران ليس لها أي كُلف على الاقتصاد الأمريكي، وعلى مصالح الأمن القومي. بينما تُعدّ تصورات الجماهير الإيرانية مُهمة جداً، لأنها العامل الوحيد الذي يهتم به النظام الإيراني، ولا يريد أن تُحشد هذه الجماهير ضده. ولمواصلة تعزيز التصوّرات حول نجاح هذه الحملة، يتعيّن على البيت الأبيض الحفاظ على الزخم عندما يتعلّق الأمر بفرض عقوبات جديدة.

في الحديث عن جدوى العقوبات

قبل الحديث عن جدوى العقوبات، يتبادر إلى الذهن سؤال متربط حول ما إذا كانت العقوبات قد وصلت العقوبات إلى حدها النهائي، وهل استنفدت الإدارة الأمريكية كل أوراقها في استراتيجية الحد الأقصى من الضغط؟ إذ يبدو السؤال ذو أهمية في ظل صمود الاقتصاد الإيراني مقابل كل موجات العقوبات التي فرضت عليه حتى الآن، خصوصًا وأن الولايات المتحدة قامت بفرض عقوبات متكررة على مجالات كانت قد فرضت عليها عقوبات في مراحل سابقة؛ مما قد يوحي بأن الإدارة الأمريكية لم تجد مزيداً من المجالات لفرض عقوبات إضافية.

ويمكن القول إن كلًا من السؤالين المطروحين حول جدوى العقوبات، والمدى الذي وصلت إليه، مرتبطان معًا بحيث يحيل كل منهما إلى الآخر، ولا يمكن العثور على إجابة واضحة لكل منهما دون الثاني. هذا في حين يتعلق السؤال الثالث المترتب على هذين السؤالين، بالبحث عن المجالات الأخرى التي يمكن فرض عقوبات عليها، والتي شكّلت حتى الآن، ثغرات ومنافذ يتنفس الاقتصاد الإيراني من خلالها، وتحول دون انهياره.

استطاعت إيران رغم كل العقوبات التي فُرضَت على اقتصادها، والتي طالت أهم القطاعات (طالت العقوبات حتى الآن قطاعات النفط والسيارات والقطاع المصرفي والنقد والذهب، وأجزاء من القطاع البتروكيماوي إلى جانب عقوبات شخصية مفروضة على العشرات من رموز النظام الإيراني) أن تحافظ على توازن تجاري إيجابي في العام 2018. وحافظت في عام 2019 كذلك على توازن إيجابي طفيف، رغم التوازن السلبي الذي عانت منه على مرّ الأشهر الستة الأخيرة من العام. ورغم أن التوازن الإيجابي لم يترك لإيران مجالًا لادّخار العملة الصعبة، لكنه مع ذلك، حال دون انهيار الاقتصاد، كما حال دون العودة بشكل كارثي إلى مصادر نقدية سيادية لدفع المستحقات، ودعم المشاريع العمرانية والدعم النقدي. ويقود ما سبق إلى عدة استنتاجات:

  1. ركزت الإدارة الأمريكية في عقوباتها على القطاعات السيادية، وتركت هامشًا من القطاعات التجارية التي تعمل فيها العديد من الشركات التي تنتمي إلى الحكومة؛ مثل قطاع الطعام، وقطاع المنتجات البتروكيماوية، وقطاع الطاقة. ومعظم التركيز كان على القطاع النفطي الذي أظهرت الأرقام أن التركيز عليه كان له أثرٌ قويٌ تمثل في هبوط مبيعات النفط الإيرانية إلى مستويات قياسية. أما القطاعات السيادية الأخرى، مثل قطاع السيارات، فاستطاع أن يستعيد جزءا من عافيته رغم كل الأزمات التي شهدها، والتي بلغت به مستوى إفلاس المئات من الشركات العاملة، وتسريح عشرات الآلاف من العمال؛ إذ تشير الأرقام إلى ارتفاع حجم إنتاج السيارات في إيران بعد مسيرة هبوط استمرت عدة أشهر، قبل أن يتأقلم القطاع مع حالة العقوبات.
  2. حاولت الإدارة الأمريكية التحكم في القطاعات الأخرى، وخفض مستوياتها من خلال وضع عقبات على طريق التعاون المصرفي؛ ما يمكن أن يسمى غشاوة عقوبات، شملت كل القطاعات. لكن هذه الغشاوة لم تكن كافية لخنق الاقتصاد الإيراني، والحيلولة دون تعامله مع جهات خارج البلد. وبحسب مصادر في غرفة التجارة الإيرانية، فإن العقوبات لم تعمل على قطع التجارة الإيرانية، وإنما عملت على رفع كلفة هذه التجارة، وانخفاض أرباحها، نتيجة عاملين أساسيين هما "اضطرار الناشطين فيه لبيع بضائعهم بأسعار أقل"، و"ارتفاع كلفة عودة أثمان هذه البضائع إلى الاقتصاد الإيراني" نتيجة العقوبات على القطاع المصرفي الإيراني، ومحاولة التحايل على هذه العقوبات (وهي الحالة نفسها التي تحدث عنها مسؤولون إيرانيون سابقا، مؤكدين أن العقوبات حملتهم كلفة إضافية بلغت نحو 15 في المائة لنقل الأموال إلى إيران).

ومع ذلك، لا يمكن الحديث عن عدم جدوى العقوبات، ليس على القطاع النفطي الذي وصل إلى الحضيض فحسب، وإنما على صعيد القطاعات السيادية الأخرى التي تواجه مشاكل بسبب العقوبات، وعلى صعيد التجارة؛ إذ تشير الأرقام إلى ارتفاع وتيرة التهرب عن إعادة العملة الناجمة عن الصادرات إلى الاقتصاد الإيراني (أشارت وزارة الاقتصاد في بيان لها في أكتوبر 2019 إلى عودة 45 في المائة من العملة الناجمة عن الصادرات إلى إيران)؛ لكن يمكن استنتاج ثلاثة نقاط من ذلك:

  1. لم تعمل العقوبات المفروضة على الاقتصاد على قطع التبادل التجاري مع إيران، بمقدار ما عملت على رفع كلفة التجارة مع العالم.
  2. ثمة احتمال بأن تتأقلم قطاعات مختلفة من الاقتصاد الإيراني مع حالة العقوبات، رغم انخفاض معدلات أرباحها.
  3. تترك العقوبات المفروضة في صيغتها الحالية ثغرات ومنافذ يتنفس منها الاقتصاد الإيراني. وحتى إن كانت تعمل على انهياره على المدى البعيد، فإن هذا الانهيار سيكون بطيئًا؛ ما يعني احتمال صمود النظام الإيراني لفترة أطول قبل أن يضطر إلى الرضوخ لخيار العودة إلى المفاوضات وفق الإملاءات الأمريكية.

كيف يمكن ترشيد نظام العقوبات، وإنضاجه؟

يعاني نظام العقوبات المفروضة على إيران، رغم صلابته، من عدة ثغرات، من الضروري الانتباه إليها، والعمل على معالجتها، من أجل أن تؤدي العقوبات أثرها الحقيقي، متمثلاً في إعادة إيران إلى طاولة المفاوضات، وتراجعها عن مواقفها الراهنة. وتتمثل أهم المحاور الضرورية لما يمكن تسميته بترشيد العقوبات، وإنضاجها في المحاور التالية:

1. محور سدّ الثغرات؛ تعاني العقوبات الأمريكية من عدة ثغرات، يمكن العمل على إغلاقها ليؤدي ذلك إلى إكمال نظامها. وعلى هذا الصعيد، فإن من أهم الثغرات هي التي تعاني منها العقوبات تتعلق بالنظام المصرفي الإيراني؛ إذ لا تعمل العقوبات على وقف التعامل التجاري والنقدي بين إيران والعالم، بمقدار ما تعمل على تضييق مجاله، وذلك بسبب تواجد بنوك صغيرة ومتوسطة تمارس التعاون مع إيران رغم العقوبات، وبسبب استخدام إيران لنظام الصرافة بديلًا عن القطاع البنكي، وذلك رغم التكلفة الإضافية التي يحملها هذا النظام البديل لإيران. ويمكن أن تلعب آلية FATF والأنظمة التي تناهض التبادل النقدي والمالي مع إيران، دورًا كبيرًا في سد هذه الثغرة، خاصة في ظل رفض طهران إقرار قوانين الشفافية المصرفية لمناهضة غسيل الأموال ودعم الإرهاب، وانتهاء كثير من حالات التعاون المصرفي بين جهات إيرانية، وبنوك وشركات صيرفة خارج إيران. وكان هناك محاولة من عدة جهات متنفذة في منظمة FATF خلال الفترة الماضية لمنح طهران فرصًا متتالية، رغم تعللها في إقرار القوانين الضرورية بهذا الصدد؛ مما يوحي بمحاولات ترك هذه الثغرة مفتوحة.

2. استخدام العراق كمتنفس؛ تظهر ملاحظة السلوك الإيراني عن كثب، ثغرة واسعة أخرى في جدار العقوبات، تتمثل في الدور الذي يؤديه العراق بوصفه منفذًا يحاول الاقتصاد الإيراني أن يبقى على قيد الحياة من خلال التنفس عبره؛ فقد أظهرت الأرقام الصادرة عن مصادر رسمية إيرانية أن التجارة بين البلدين وصل في العام 2018 مستوى 12 مليار دولار، ليحتل العراق المرتبة الثانية بعد الصين ضمن قائمة الشركاء التجاريين لإيران، وسط تطلعات بأن يبلغ التبادل التجاري بين البلدين 20 مليار دولار في غضون عامين. وتكمن أهمية هذا المستوى من التبادل التجاري بين البلدين في أن الصادرات إلى العراق تشكل نحو 87 في المائة من مجموع التبادل التجاري بين البلدين مما يعني أن العراق مصدر لنحو 22 في المائة من العملة الصعبة الناجمة عن الصادرات، في ظل احتمال بأن يصبح مصدر 45 في المائة من هذه العملة الصعبة، لو بلغ التبادل التجاري بين البلدين 20 مليار دولار. وإذا كان السلوك الأمريكي حتى الآن متساهلًا مع العراق من خلال منحه إعفاءات من العقوبات في التبادل التجاري مع إيران، فإن هذه الإعفاءات كانت ثغرة ساعدت بشكل أساسي في صمود النظام الإيراني. ويمكن ملاحظة مثل هذه الثغرات في التبادل التجاري بين إيران وبلدان أخرى، مما يعني أن سدّ هذه الثغرات يمكنه أن يسهم بشكل كبير في كسر الصمود الإيراني.

3. محور تدويل العقوبات؛ تعاني العقوبات الأمريكية من واقع كونها عقوبات منفردة من الإدارة الأمريكية؛ ما يعطي للإيرانيين مجالاً من المناورة بغية التمرد والتحايل على هذه العقوبات قدر الإمكان. ومن هذا المنطلق فإن العمل على تدويل العقوبات ستكون له نتائج على صعيد رفع تأثيرها، وجعلها ذات فاعلية أكبر. ويمكن اعتبار الضغوط الأمريكية على الاتحاد الأوروبي للانسحاب من الاتفاق النووي (والذي بموجبه تم إلغاء العديد من العقوبات المفروضة بموجب قرارات أممية) في اتجاه تدويل العقوبات. وبإمكان الإدارة الأمريكية الضغط على موقف الثلاثي الأوروبي بالانسحاب عبر موقف بريطانيا الذي يتسم بتماهي أكبر مع الموقف الأمريكي؛ كما أن الولايات المتحدة ستسعى لاستخدام آلياتها للضغط الاقتصادي على الاتحاد الأوروبي للضغط بدوره على الثلاثي الأوروبي بغية تغيير موقفه من الاتفاق النووي، وبغية التخلي عن آلياته الداعمة للاقتصاد الإيراني مثل آلية التبادل النقدي "إنستكس".

ورغم بعض المواقف المتقاربة مع وجهة النظر الأمريكية هذه، مثل قرار تطبيق آلية الزناد التي يعتبرها البعض بداية لنهاية الاتفاق النووي، إلا أن ثمة مواقف أوروبية يمكن اعتبارها عائقًا في طريق المخطط الأمريكي، على رأسها الموقف الألماني الذي لا يزال يدعم الاتفاق النووي من منطلق كونه الملف الذي أتاح لألمانيا أن تخترق جدران مجلس الأمن، وإن عاد الملف إلى مجلس الأمن، فإن ذلك يعني أن ألمانيا ستخسر إحدى بواباتها الرئيسة لاختراق جدران هذا المجلس. إلا أن العمل على إخراج الاتحاد الأوروبي من الاتفاق النووي عبر تطبيق آلية الزناد باعتباره أهم طريق لإعادة العقوبات الدولية على إيران، وتدويل العقوبات يمكن أن يدفع مشروع الضغط على إيران وإعادتها إلى طاولة حوار شامل إلى الأمام.

4. محور المجالات الجديدة؛ ورغم فاعليته إلى حد كبير حتى الآن، إلا نظام العقوبات الأمريكية ترك خارج مظلته مجالات اقتصادية مهمة تعتبر من أهم البوابات الاقتصادية لإيران، كما أنه بحاجة إلى أن يغطي مجالات جديدة تفكر الحكومة الإيرانية في الاستناد إليها بديلا عن الموارد النفطية، ومن أهم هذه القطاعات:

  1. قطاع بيع الكهرباء والإيرادات الناجمة عنه؛ يعتبر هذا القطاع من ضمن الموارد الأساسية للاقتصاد الإيراني التي تجاهلها نظام العقوبات. وعلى الرغم من توزيع الكهرباء التي تصدرها إيران إلى عدة بلدان، إلا أن العراق يتمتع بحصة الأسد من هذه الصادرات؛ إذ بلغت إيرادات الحكومة من هذا المجال نحو 3.5 مليار دولار، بينما يقدر مشروع الموازنة العامة للعام المقبل أن الحكومة تستهدف الحصول على 4 مليارات دولار من تصدير الكهرباء إلى العراق. وستؤدي تغطية العقوبات لهذا المجال إلى حرمان إيران من جزء كبير من الإيرادات التي يعول عليها؛ خصوصا وأنها تكتسب أهمية من منطلق سهولة نقل الأموال من العراق إلى إيران مقارنة بالحالات الأخرى.
  2. قطاع الغاز؛ يشكل الغاز أحد الحقول المهمة التي لم يشملها نظام العقوبات بشكل فعال، وهو أحد أهم مصادر إيران من العملة الصعبة، وستكون إيراداته منها في موازنة العام المقبل عند مستوى 3.45 مليار دولار. وعلى الرغم من أن نظام العقوبات يتضمن بنودا تضع شركات إيرانية ناشطة في مجال استخراج الغاز وبيعه تحت مظلة العقوبات، لكنّ إيران استطاعت حتى الآن الالتفاف على هذا النظام، وبيع الغاز في الأسواق الإقليمية والعالمية؛ وستستمر في ذلك؛ ما يعطيها مجالا للتنفس والصمود أمام العقوبات، إلا إذا شملت العقوبات بشكل واضح قطاع الغاز الإيراني.
  3. قطاع الوقود؛ يعدُّ الوقود أحد الموارد المهمة التي تعول الحكومة على إيراداتها وفق مشروع الموازنة العامة للعام المقبل؛ إذ يضع هذا المشروع ضمن صلاحيات الحكومة تصدير نحو 20 مليون لتر يوميًا من البنزين ناجمة عن انخفاض الاستهلاك نتيجة ارتفاع الأسعار؛ وستكون أفغانستان وباكستان والعراق من بين البلدان المرشحة لاستقبال هذا الحجم من الوقود الذي تشير مصادر حكومية أنه يقدم إيرادات أقصاها 4 مليار دولار للحكومة في قطاع لم تشمله العقوبات.

السيناريوهات

السيناريو الأول: مواصلة العقوبات الأمريكية وصمود إيران: ويفترض هذا السيناريو أن تواصل العقوبات مسيرتها الراهنة؛ حيث ستحاول الإدارة الأمريكية ضبط العقوبات التي تم فرضها حتى الآن، وقد تضيف إليها أسماء ومجالات لا يمكن وصفها بالحيوية، دون أن تتجاوز ذلك إلى حقول جديدة، وبذلك سيكون النظام الإيراني تحت وطأة عقوبات ثقيلة جدًا، لكنها ليست مميتة، ولا تعمل على انهياره، بل وفي رؤية متفائلة قد تمنحه إمكانية الصمود لفترة أطول، وبالتالي يظل قرار العودة إلى طاولة المفاوضات مستبعدًا أو ضعيف الاحتمال. وعلى الرغم من أن هذا السيناريو يبدو مستبعدًا في ظل التأكيد الأمريكي المتكرر على ضرورة جلوس إيران على طاولة الحوار، وفي ظل الخطوات الجديدة للثلاثي الأوروبي، ومنها قرار تفعيل آليات الزناد؛ مما يرفع احتمال عودة الملف الإيراني إلى مجلس الأمن، إلا أنه سيكون واردا فقط في حال تصور رغبة أمريكية ودولية في استمرار الوضع بشكل عام، والوضع الإيراني بوجه خاص على ما هو عليه، حيث تتنصل إيران عن جزء كبير من مشروعها للتوسع الإقليمي، ومن برنامجها للصواريخ الباليستية مع فرض حدود كبيرة على برنامجها النووي دون التوصل إلى أي حلول جذرية في هذه الملفات الثلاث.

السيناريو الثاني: فرض عقوبات جديدة، وعودة إيران إلى الحوار: ويفترض هذا السيناريو أن تقوم الولايات المتحدة بفرض عقوبات مكملة جديدة، وسد الثغرات من أجل ترشيد العقوبات، ورفعها إلى مستوىً سيجبر إيران على الرضوخ للحوار، وتشير آخر المؤشرات أن هذا ما يحدث حالياً. وفي هذه الحالة ستقوم الإدارة الأمريكية بفرض عقوبات على مجالات سيادية، يمكن التأكد من وقف تدفقها بشكل كامل، مثل فرض عقوبات على بيع الوقود، وعقوبات على قطاع الغاز السائل، كما تقوم بالسعي نحو سد ثغرات مفتعلة على رأسها الثغرة العراقية قدر الإمكان، وثغرة الـ (FATF).

وفي حال تطبيق هذه العملية التي يمكن تسميتها "ترشيد العقوبات"، فإن الاقتصاد الإيراني سيتجه بسرعة أكبر نحو الانهيار، نتيجة التوازن السلبي في التبادل التجاري، وانخفاض نسبة العملة الصعبة في الأسواق، لتأمين حاجاتها؛ ما يؤدي بدوره إلى ارتفاع سعر الدولار، وانخفاض العملة بيد الحكومة، لتوفير البضائع الأساسية للمجتمع من جهة ثانية؛ ما يؤدي إلى تضخم كبير في الأسعار. وبالنتيجة ستزداد حدة السخط الاجتماعي؛ ليؤدي بدوره إلى ضغط على النظام السياسي، واضطراره للقبول بحل سياسي. كما من المفترض أن ترتفع نسبة الخلافات داخل الأجهزة الرسمية، وتغليب لغة التعامل مع الجانب الأمريكي، ودخول مفاوضات معها؛ إلا أن ذلك سيكون صعبًا جداً في ظل رفض خامنئي الصريح للمفاوضات مع الجانب الأمريكي.

السيناريو الثالث: فرض عقوبات جديدة ورفض إيران للحوار المباشر مع الولايات المتحدة: ينطلق هذا السيناريو من نفس النقطة التي ينطلق منها السيناريو الثاني؛ إذ يفترض استمرارا للعقوبات وتطبيقا لعملية إكمالها وترشيده، إلا أنه يفترض أن ذلك لن يؤدي إلى حوار شامل مع الولايات المتحدة، وإنما سيؤدي إلى بدء النظام الإيراني حوارات منفصلة (يمكن أن تكون جادة فيها كما يمكن أن تقوم بها من أجل شراء الوقت) مع الجانب الأوروبي، ومع الأطراف العربية بغية التوصل إلى اتفاقيات لتطمين العالم بشأن برنامجها النووي، واتفاقيات مع الأطراف العربية بشأن القضايا الإقليمية.

وعلى الرغم من أن الرغبة الإيرانية متمثلة في تأكيد القائد الأعلى الإيراني على أن إيران جاهزة للحوار إلا مع الولايات المتحدة، وفي تأكيد وزير الخارجية الإيراني على أن إيران جاهزة لبدء حوار إقليمي مع جيرانها الخليجيين، تصب في هذا الاتجاه، إلا أن هذا السيناريو سيظل مستبعداً إلى حدود بعيدة، إذا أخذنا بعين الاعتبار عدة نقاط، منها: أولاً، قد لا يؤدي اتفاق مع الاتحاد الأوروبي إلى إنهاء العقوبات الأمريكية؛ وثانياً، أن ثمة خلافاً كبيراً داخل الخط الأوروبي نفسه حول جدوى التعامل مع إيران بمعزل عن الولايات المتحدة، خصوصاً في ظل الدعوات البريطانية الصريحة إلى استبدال الاتفاق النووي باتفاق ترمب؛ وثالثاً، عدم رغبة الدول الخليجية في دخول مفاوضات إقليمية مع إيران مستقلة عن رؤية المفاوضات الشاملة مع هذه الدولة.

 

أحدث المواضيع المميزة