تزايُد الإرهاب والتطرف المحلي في الولايات المتحدة: المؤشرات والدلالات

مركز الإمارات للسياسات | 22 فبراير 2021

قال مايكل ماكجاريتي، مساعد مدير إدارة مكافحة الإرهاب في مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي عام 2019 أمام لجنة الأمن الداخلي في مجلس الشيوخ الأمريكي، إنه في حين أن الإرهاب الدولي يظل مصدرَ قلق، غير أن الإرهاب المحلي يُشَكِّل أكثر التهديدات إلحاحاً لأمن الولايات المتحدة. ودعم التقييمُ حول التهديدات التي تواجه الأمن الداخلي الأمريكي، الذي صدر عن المكتب ووزارة الأمن الداخلي عام 2020، تصريحاتِ ماكجاريتي، حيث خلُص التقييم إلى أن حالات الاعتقال والإصابات الناجمة عن الإرهاب المحلي فاقت تلك الناجمة عن الإرهاب الدولي خلال السنوات الأخيرة. وكشف التقرير أن "الهجمات الإرهابية التي يقوم بها أفراد وخلايا صغيرة" تأتي في مُقدِّمة الهجمات الإرهابية داخل الولايات المتحدة، والتي تشمل الهجمات التي يقوم بها متشددون محليون عنيفون ومتشددون محليون عنيفون يستلهمون أفكارهم من تنظيمات خارجية.

ولعل الأهم من ذلك كله أن التقييم حول التهديدات التي تواجه الأمن الداخلي الأمريكي زعم أن دعاة تفوق العِرْق الأبيض واليمين المتطرف يشكلون الآن أكبر تهديد للأمن الداخلي الأمريكي. وحصلت هذه الزيادة في الإرهاب المحلي خلال فترة الاضطراب والاستقطاب السياسي والاجتماعي والاقتصادي الذي تغذَّى على عدد من الديناميات القائمة أصلاً والملتهبة والكامنة. وأظهرت البيانات الأخيرة أن عمليات القتل الجماعي بلغت ذروتها عام 2019، إضافة إلى أن جرائم الكراهية في ازدياد، في حين تواجه مجتمعات الأمريكيين من أصول أفريقية وحشيةً متصاعدة من جانب الشرطة، في الوقت الذي أدى فيه فيروس كورونا المستجد إلى وفاة مئات الآلاف من الأمريكيين، وعطَّل النشاطات الاقتصادية، بينما أدت حادثة مقتل جورج فلويد على يد الشرطة إلى خروج مظاهرات في أرجاء الولايات المتحدة. ويرى الكثير من المحللين أن أثر هذه العوامل المتزامنة والمزعزعة للاستقرار التي تفاقمت نتيجة الاستقطاب السياسي والتوتر الذي أحاط بانتخابات الرئاسة الأمريكية الأخيرة كشف عن ضعف لافت في الولايات المتحدة، ويوفر تربةً خصبة لمواصلة تجنيد المتشددين العنيفين المحليين.

تُسلِّط هذه الورقة الضوء على التراجع النسبي في الإرهاب الدولي ضمن حدود الولايات المتحدة، وتنامي الإرهاب المحلي في المقابل، وتستعرض العوامل التي تجعل تهديد الإرهاب المحلي أكثر تعقيداً من الإرهاب الدولي.

تراجُع الإرهاب الدولي

خضعت التنظيمات الإرهابية الخارجية لإجراءات مكافحة الإرهاب المتواصلة التي أعقبت هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001 والحرب على الإرهاب. وناقش الكونجرس الأمريكي منذ عام 2001 أكثر من 130 تشريعاً تتعلق بتلك الهجمات، وصادق على 48 مشروعَ قرار. ونجحت الولايات المتحدة إلى حد كبير في كبح جماح جهود التنظيمات الإرهابية الخارجية من خلال وضع بنية تحتية قانونية لمحاكمة الإرهابيين من الفاعلين ما دون الدولة، وتجميد أصول التنظيمات الإرهابية الخارجية، وخوض حرب فعلية مع مقاتلي هذه التنظيمات مثل "القاعدة" و"داعش" و"بوكو حرام". وساعد تحسن الظروف في كلٍّ من العراق والصومال إلى جانب استخدام الطائرات المسيرة واشنطنَ في حربها ضد الإرهاب.

وحققت هذه الخطوات والاستراتيجيات نجاحاً باهراً إلى درجة أن الفترة 2019-2020 أصبحت رابع سنة على التوالي التي يتراجع فيها أعداد القتلى نتيجة هجمات التنظيمات الإرهابية الخارجية بنسبة 52% مقارنة مع عام 2014. وفي الوقت الذي تتواصل فيه مساعي التنظيمات الإرهابية الخارجية ما دون الدولة، مثل "القاعدة" و"داعش"، لإلْحاق أضرار بالولايات المتحدة فإن دولاً مثل روسيا والصين وإيران وكوريا الشمالية حلّت محل هذه التنظيمات. وبحسب وزارة الأمن الداخلي فإن إيران ووكيلها في لبنان "حزب الله" يمتلكان قدرات إرهابية حقيقية من أجل ردع الولايات المتحدة من التدخل، وشن نشاطات مناهضة للنظام.

وتستخدم كلٌّ من روسيا والصين وكوريا الشمالية وإيران أساليب الحرب غير التقليدية، بما في ذلك الحرب السِّبرانية وحملات التضليل، لتأجيج الاستقطاب السياسي والإعلامي القائم في الولايات المتحدة. وفي الوقت الذي حوّلت فيه واشنطن تركيزها نحو الفاعلين من الدول الوطنية، غير أن الباحثين والمستشارين ما زالوا يتوخون الحذر في تحويل الجهود بعيداً عن التنظيمات الإرهابية الخارجية، نظراً لاحتفاظ هذه الشبكات بصلات عالمية واحتمالات العودة.

التطرف وأساليب الإرهاب المحلي

تُعرف السلطات الأمريكية الإرهابيين المحليين بأنهم "أفراد يمارسون أفعالاً جنائية عنيفة لتحقيق أهداف أيديولوجية نابعة من تأثيرات محلية مثل التعصب العرقي، والمشاعر المناهضة للحكومة". ويُعرِّفُ مكتب التحقيقات الفيدرالي ووزارة الأمن الداخلي الإرهابَ المحلي بأنه "أي فعل يُمَثِّلُ خطراً على الحياة البشرية، وينتهك قوانين الجنايات الأمريكية، ويبدو أنه يهدف إلى تخويف أو إكراه السكان المدنيين، والتأثير في سياسة الحكومة من خلال التخويف أو الإكراه، أو التأثير في سلوك الحكومة من خلال التدمير أو الاغتيال أو الخطف الجماعي. ويجب أن يحدث هذا الفعل قيد البحث ضمن صلاحيات الولايات المتحدة بشكل رئيس". ويحدد المكتب والوزارة أربعة أنواع رئيسة من الإرهاب المحلي: الديني، والعرقي-القومي، واليساري المتطرف، واليميني المتطرف.

وفي الوقت الذي تراجعت فيه آثار الإرهاب الدولي خلال السنوات الأخيرة، فإن التطرف وأساليب الإرهاب ما زالا يغذيان الإرهابيين المحليين والمتشددين العنيفين المحليين. ولعبت وسائل الإعلام منذ انتشار شبكة الإنترنت دوراً كبيراً في عمليات تجنيد المتطرفين وتسهيل تنفيذ المخططات الإرهابية في الولايات المتحدة. ويستطيع المتشددون العنيفون استخدام منصاتهم الأيديولوجية الخاصة بهم أو استخدام منصات وسائل التواصل الاجتماعي القائمة لنشر الدعاية، والتجنيد في أوساط الشرائح السكانية المستهدفة، والتحريض على العنف. ويستطيع الإرهابيون الآن عبر الإنترنت الوصول إلى شرائح سكانية خارج مجتمعاتهم والتأثير في دول حول العالم.

وأثبتت الإنترنت فاعلية استثنائية في تجنيد متشددين عنيفين محليين، وجذب مقاتلين أجانب إلى تنظيم "داعش" في ذروة نشاط التنظيم عام 2014. وعلى غرار أولئك الذين يستلهمون أفكارهم من التشدد الديني العنيف، فإن المتشددين في اليسار المتطرف واليمين المتطرف استخدموا أيضاً منصات مثل "فيسبوك" و"تويتر" و"ريديت" للتحريض على العنف ضد المجموعات المهمشة ومَن يعتبرونهم خصوماً سياسيين. كما استخدمت بعض المجموعات في اليمين المتطرف منصات غير معروفة تماماً مثل "بارلر" و"جاب" و"دسكورد" و"مايندز" و"بتشوت" لتشكيل تنظيمات. وعمل بعض شركات تزويد الخدمة مؤخراً، بما في ذلك "أمازون" و"أبل"، على وقف نشاط منصة "بارلر" بعد أن استخدمها متشددون عنيفون محليون من اليمين المتطرف للمساعدة في التخطيط لعملية اقتحام مبنى الكونجرس الأمريكي في 6 يناير 2021. وبغض النظر عن انتماءات المتشددين فإن من المرجح أنهم سيواصلون استخدام المنصات الإلكترونية في عمليات التجنيد والتنظيم وجمع الأموال والتحريض على العنف وتنفيذ حملات جمع المعلومات الشخصية ونشرها.

وفي الوقت الذي يستخدم فيه المتشددون من اليمين المتطرف واليسار المتطرف وسائل التواصل الاجتماعي وأسلحة مماثلة، غير أن أهداف كلٍّ من الطرفين تختلف كثيراً. إذ يستهدف المتشددون في اليمين المتطرف بشكل عام المتظاهرين والأفراد المهمشين عرقياً أو سياسياً أو دينياً؛ مثل الأمريكيين من أصول أفريقية والمهاجرين والمسلمين واليهود. وجاءت نسبة 50% من الهجمات عام 2020 مدفوعة بأيديولوجيا اليمين المتطرف، وخاصة دعاة تفوق العِرْق الأبيض، والمشاركين في المظاهرات المضادة للمظاهرات التي تحمل شعار "حياة السود مهمة". وفي الوقت الذي استهدف فيه اليسار المتطرف متظاهرين، غير أنهم يميلون إلى استهداف عناصر فرض القانون، بما في ذلك الشرطة والحكومة والجيش إلى جانب مقرات ومنشآت أجهزة فرض القانون.

لماذا الآن؟ الأثر التراكمي للظروف

في الوقت الذي لا يُعَدُّ فيه الإرهاب المحلي تهديداً جديداً، غير أن التصاعُد الأخير في الحوادث يشير إلى حاجة مُلِحَّة إلى تحديد العوامل التي تقود إلى هذا الاتجاه المدمر، والحاجة أيضاً إلى التعامل مع هذه العوامل والحد منها. وتؤكد وزارة الأمن الداخلي أن أكثر الدوافع البارزة بالنسبة للمتشددين العنيفين المحليين عام 2020 تشتمل على "تصورات حول تجاوزات من جانب الحكومة أو أجهزة فرض القانون، والظروف الاجتماعية-السياسية، وردود الأفعال تجاه الإجراءات التشريعية".

وفي حين تظل هذه المظالم دوافعَ ثابتة للعنف، فإن الأثر الجمعي للضغوط الاقتصادية والاجتماعية على التوترات السياسية والأيديولوجية القائمة أدت إلى زيادة في أفعال المتشددين العنيفين المحليين. فقد أدى فيروس كورونا المستجد إلى إلْحاق ضرر بالغ بالاقتصاد الأمريكي، وأدخل عدداً كبيراً من الأمريكيين في حالة من البطالة والغموض الاقتصادي. كما أدى فرض الحظر وإلْزامية ارتداء الأقنعة إلى إشعال معارك حزبية وخلافات حول قدرة الحكومة على فرض مثل هذه القيود على حساب الحريات الفردية.

وأدى الاتجاه الأخير إلى تشكيل فصيل قوي مناهض للحكومة في أوساط اليمين المتطرف، والذي تُعَدُّ عادة من سمات أيديولوجية الفوضى التي يتبناه اليسار المتطرف. وإلى جانب الآثار غير المتوقعة بعيدة المدى لجائحة كورونا، فقد ظهرت مؤخراً معضلةٌ أمنية متواصلة بين اليمن المتطرف واليسار المتطرف. ففي بيئة تشهد استقطاباً سياسياً متزايداً تسببت مخاوفُ كل طرف تجاه التهديدات المتصورة من الطرف الآخر بقيام فاعلين من كلا الطرفين بتصعيد الإجراءات الدفاعية، ما أدى إلى زيادة التسلح في أوساط الطرفين.

والأهم من ذلك كله أن البيانات تدل على أن الزيادة في الأعمال الإرهابية المحلية تزامنت بشكل مباشر مع زيادة في التظاهرات الشعبية في الولايات المتحدة. وقد شهد عام 2020 تنوعاً في المظاهرات بدأت بالاحتجاجات على القيود المتعلقة بفيروس كورونا. وخرجت مطلع يونيو الماضي مظاهرات "حياة السود مهمة" إلى الشوارع احتجاجاً على مقتل جورج فلويد ووحشية الشرطة عموماً. كما شهدت الفترة 2020-2021 مسيرات وأعمال شغب ذات أجندات مختلفة مؤيدة لترمب. ومنحت الزيادة في المظاهرات الشعبية والمسيسة فرصةً للمتشددين العنيفين المحليين لمهاجمة أعداد أكبر من الشرائح السكانية المستهدفة.

وأشار التقييم حول التهديدات التي تواجه الأمن الداخلي الأمريكي لعام 2020 إلى إصابة 300 من عناصر فرض القانون التابعين لوزارة الأمن الداخلي والمدنيين بعد تعرضهم لهجمات بالمطارق والمفرقعات والحجارة والأنابيب المعدنية والعبوات الناسفة بدائية الصنع وغيرها. كما أن المظاهرات لا تُشَكِّلَ أهدافاً فحسب، بل توفر تمويهاً أيضاً، حيث أشارت وزارة الأمن الداخلي إلى أن متشددين استغلوا مظاهرات قانونية سلمية لإخفاء نواياهم العنيفة، وقد يحصلون على التشجيع من خلال ما يَعتبرونه نجاحاً من خلال الخروج في مظاهرات سلمية، واحتمال الاستمرار في فعل ذلك في المستقبل من أجل شن أعمال عنف ضد المسؤولين والمنشآت الحكومية والمتظاهرين المناهضين لهم.

التهديدات الأيديولوجية والجناة

يؤكد مكتب التحقيقات الفيدرالي ووزارة الأمن الداخلي أن دعاة تفوق العِرْق الأبيض وأيديولوجيا اليمين المتطرف، التي تغاضى عنها الرئيس السابق دونالد ترمب إلى حد كبير، تُشكِّل أكثرَ التهديدات الراهنة خطورة على الأمن الداخلي، إلى جانب العوامل المادية والاقتصادية التي سهّلت زيادة الإرهاب المحلي.

وتسبَّب المتشددون العنيفون من اليمين المتطرف في أكثر من 90% من الإرهاب المحلي. وباستثناء عام 2013، فإن المتشددين في اليمين المتطرف نفّذوا أكثر من 50% من النشاطات الإرهابية المحلية منذ عام 2011. ووصلت أعمال العنف على يد اليمين المتطرف إلى ذروتها عام 2016، وهي السنة التي فاز فيها ترمب بانتخابات الرئاسة الأمريكية. كما تتعارض هذه الأرقام بشكل واضح مع مزاعم ترمب بأن جماعات اليسار المتطرف المناهضة للسلطة، وخاصة حركة "مناهضة الفاشية" وحركة "حياة السود مهمة"، هي التي نفّذت معظم أعمال العنف عام 2020. وحددت وزارة الأمن الداخلي المتشددين من دعاة تفوق العِرْق الأبيض على أنهم أكثر الإرهابيين المحليين نشاطاً وخطورة داخل أيديولوجيا اليمين المتطرف. ونفَّذ دعاة تفوق العِرْق الأبيض ومن يشاطرونهم الفكر نفسه نسبة 33% من الهجمات الإرهابية في الولايات المتحدة.

وأكد مكتب التحقيقات الفيدرالي في خريف عام 2020 أن أكثر اشكال الإرهاب المحلي شيوعاً ينبع من دوافع عرقية. ويتحمل الأشخاص الذين يتبنون أيديولوجيا التشدد العنيف المدفوع عرقياً مسؤوليةَ الحوادث الأكثر دموية. كما يؤكد المكتب أن من المرجح أن تظل أعمال العنف النابعة من دوافع عرقية أكثر الأشكال تكراراً ودموية للإرهاب المحلي في المستقبل أيضاً.

كما نفَّذ المتشددون المناهضون للحكومة في اليمين المتطرف عدداً من الهجمات في إطار محاولاتهم لعرقلة ما يرون أنه انتهاك لحرياتهم الفردية الثابتة. وقد اعتقل مكتب التحقيقات الفيدرالي في أكتوبر 2020 آدم فوكس وباري كروفت والمتآمرين معهم، قبل أن يتمكنوا من تنفيذ مخططهم لاختطاف وإعدام حاكمة ولاية مشيجان جريتشين ويتمر. ووصف أعضاء آخرون في الشبكة ويتمر بأنها "طاغية"، وزعموا بأنها تمتلك "سلطةً خارج السيطرة الآن" بسبب القيود التي فرضتها في ظل جائحة كورونا.

وفي ضوء العنف المتزايد ضد عناصر الحكومة وأجهزة فرض القانون، فإنه ليس بوسع أي شخص إنكار الدور الذي لعبه ترمب في قيادة اليمين المتطرف المناهض للحكومة بالرغم من كونه رئيساً للبلاد. ولم يتغاضَ ترمب عن المشاعر المناهضة للحكومة التي عملت على تبجيله شخصياً فحسب، بل شجَّع هذه المشاعر أيضاً على حساب النزاهة الحكومية وسيادة القانون. وقاد هذا الخطاب، وما رافقه من نظريات المؤامرة في غرف الدردشة لليمين المتطرف على مواقع التواصل الاجتماعي، إلى أضخم هجوم إرهابي محلي منسق في الذاكرة الحديثة ضد مبنى الكونجرس الأمريكي في 6 يناير 2021، ما أدى إلى مقتل 6 اشخاص وجرح العشرات.

صعوبة التعامل مع الإرهاب المحلي

يستمر تزايدُ الإرهاب المحلي في تشكيل مصاعب لأجهزة الاستخبارات وفرض القانون ومكافحة الإرهاب نظراً للافتقار الحاد إلى البنية التحتية القانونية والموارد الضرورية لمكافحة هذا التهديد الجديد. ويعكس الإخفاق النسبي للسلطات الفيدرالية في مكافحة الإرهاب المحلي عيوباً قانونية واضحة أحبطت جهود مكافحة الإرهاب والتطرف الداخلي بشكل فاعل. وعلى سبيل المثال في الوقت الذي تتوافر فيه تشريعات فدرالية لتعريف الإرهاب المحلي، غير أنه لا توجد قوانين لإدانة الإرهابيين المحليين وتحديد العقوبة. لذلك يتعين على الادعاء العام اللجوء إلى توجيه تهمة جرائم الكراهية أو حيازة الأسلحة بشكل غير قانوني أو أي انتهاكات أو أفعال أخرى تتعلق بالقوانين الفيدرالية/الولاية للمتشددين المحليين. ويمكن للسلطات في بعض الظروف، التي تتعلق عادة باستخدام عبوة ناسفة، توجيه تهمة الإرهاب المحلي بحيث تتوقف العقوبة على طبيعة السلاح مقارنة بالجريمة.

وقضت المحاكم الأمريكية خلال سبعينيات القرن الماضي بأنه يجب على مكتب التحقيقات الفيدرالي الالتزام بشروط صارمة من أجل مراقبة أي مجموعة أو تنظيم. وفي الوقت الذي يهدف فيه هذا الحكم إلى حماية خصوصية الأمريكيين وحرياتهم المدنية، غير أنه عرقل قدرة المحققين على استخدام تقنيات المراقبة المناسبة، بما في ذلك أساليب بسيطة مثل التنصت. وما زال هذا الحكم وشروطه تحكم مدونة سلوك وحدات مكافحة الإرهاب التابعة للمكتب. علاوة على ذلك وفي الوقت الذي يمكن فيه محاكمة أعضاء التنظيمات الإرهابية الخارجية، مثل "القاعدة" و"داعش"، بتهمة الانتماء لهذه التنظيمات، غير أنه لا يمكن إدانة الأمريكيين الذين يشاركون في تنظيمات إرهابية محلية معروفة مثل "كو كلوكس كلان" لمجرد انتمائهم لمثل هذه التنظيمات.

وأخيراً وفي الوقت الذي يمكن فيه مراقبة التنظيمات الإرهابية الخارجية كشبكة شاملة، غير أن المشهد الإرهابي غير المركزي في الولايات المتحدة ما زال عصياً على أجهزة الاستخبارات الأمريكية. ونظراً لقدرة الأفراد على التجنيد والتنظيم عبر شبكة الإنترنت، فإن الفاعلين المستقلين وشبكاتهم الصغيرة يصبحون قادرين على خداع أجهزة الاستخبارات وممارسة أعمال إرهابية محلية. ويعلم المتشددون العنيفون المحليون كيف يستغلون المظاهرات القانونية، ما يجعل من الصعب على أجهزة فرض القانون التفريق بين أفعال المتظاهرين السلميين والإرهابيين. على سبيل المثال شارك أشخاص ليس لديهم أي انتماء سياسي في عمليات النهب والشغب التي تخللت الاحتجاجات على مقتل جورج فلويد. وهذا لا يجعل من الصعب تحديد الأشخاص الخطيرين المحتملين فحسب، بل يقود إلى التوتر أيضاً بين أجهزة الأمن الداخلي والمواطنين الذين يرغبون في ممارسة حقهم في التجمع وحرية التعبير.

الخلاصة

أشارت الأدلة التجريبية والتقارير خلال السنوات الأخيرة، وخاصة في عام 2020، إلى أن الإرهاب المحلي تجاوز الإرهاب الدولي بصفته أكبر تهديد للأمن الداخلي الأمريكي. كما تشير الاتجاهات إلى أن المتشددين في اليمين المتطرف، ودعاة تفوق العِرْق الأبيض، يمثلون أكثر أنواع الإرهاب المحلي انتشاراً في الوقت الراهن. وإلى جانب الاستقطاب الاجتماعي-السياسي، فقد أدت الضغوط الاقتصادية والجدل الذي رافق القيود التي تزامنت مع انتشار جائحة فيروس كورونا إلى تفاقم التوتر. وفي غضون ذلك وفَّرَت الزيادة في التظاهرات والاحتجاجات الشعبية للإرهابيين المحليين الفرصةَ والغطاء لأعمالهم العنيفة.

وأخيراً فإن عقبات مختلفة بما في ذلك التجنيد عبر الإنترنت، والقيود القانونية والطبيعة غير المركزية للإرهاب في الولايات المتحدة، أدت إلى تقليص قدرة السلطات على مكافحة الإرهاب المحلي. وأبلغت المتحدثة باسم البيت الأبيض جين بساكي الصحفيين عزمَ الرئيس بايدن معالجة هذه القضية، حيث "وجَّهَ إدارته إلى إجراء تقييم كامل حول مخاطر الإرهاب المحلي". ومع أن السنوات التي سبقت عام 2020 شهدت زيادةً صادمة في الإرهاب المحلي، غير أن استعداد الإدارة الحالية للتعامل مع هذه القضية بالتعاون مع مكتب مدير الاستخبارات القومية ومكتب التحقيقات الفيدرالي ووزارة الأمن الداخلي قد تنطوي على أمل للمستقبل.           

أحدث المواضيع المميزة

نتائج الانتخابات العراقية وسيناريوهات المرحلة المقبلة

مركز الإمارات للسياسات | 24 أكتوبر 2021

الإدارة الأمريكية للأزمة الليبية: الحسابات والتحديات

مركز الإمارات للسياسات | 19 أكتوبر 2021

هل تنشب حرب روسية-تركية في إدلب؟

مركز الإمارات للسياسات | 12 أكتوبر 2021