العلاقات التركية-الأمريكية ما بين زيارة أردوغان للبيت الأبيض والقضايا الجوهرية

مركز الإمارات للسياسات | 20 نوفمبر 2019

حظي الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بترحيب حار من جانب الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، خلال استقباله في البيت الأبيض في 13 نوفمبر 2019، لكنَّ هذه الصورة الزائفة للعلاقات الجيدة بين الدولتين خادعة. كما أن أي شعور بالنصر تدعيه تركيا في أعقاب هذه الزيارة يُعَدُّ وهماً. وتتمثل الحقيقة في أن الدولتين تقفان على طرفي نقيض حول قضايا جوهرية.

تتناول هذه الورقة تطورات العلاقات التركية-الأمريكية، والقضايا الثلاث التي ستؤثّر في مسارات هذه العلاقات.

تضرُّر صورة تركيا في الولايات المتحدة

تشعر وسائل الإعلام، والرأي العام، ومؤسستا الأمن القومي، والمشرّعين في كلتا الدولتين، باستياء شديد تجاه الطرف الآخر. وتعاني تركيا من صورة سيئة في الولايات المتحدة بعد عمليتها العسكرية في شمال سوريا (عملية نبع السلام). وقد يُمثل الغضب تجاه تركيا القضيةَ الوحيدة التي يتفق عليها الحزبان الجمهوري والديمقراطي في الكونجرس الأمريكي الذي يعاني حالياً من حالة استقطاب شديدة. ويشهد مجلس الشيوخ الأمريكي زخماً قوياً لتمرير مشروع قرار لمعاقبة أنقرة، والذي صادق عليه مجلس النواب بالفعل في 29 أكتوبر الماضي، لفرض عقوبات على الاقتصاد وقطاع الدفاع التركي بسبب شراء تركيا منظومة الدفاع الصاروخي الروسية.

وأشارت التقارير إلى أن المحادثات بين ترمب وأردوغان في المكتب البيضاوي تمحورت بشكل حصري تقريباً حول هذه القضية المثيرة للجدل، ومما لا شك فيه أن مسألة صواريخ "أس-400" حلت محل قضية أكراد سوريا التي شَكَّلَتْ المشكلة الرئيسة التي تُسمم العلاقات المتوترة أصلاً بين الدولتين العضوين في "حلف شمال الأطلسي" (الناتو). وقال ترمب خلال المؤتمر الصحفي المشترك مع أردوغان، إن "حصول تركيا على معدات عسكرية روسية متطورة مثل صواريخ "أس-400" يُثير بعض التحديات الجادة للغاية بالنسبة لنا، ونحن نتحدث حول هذه القضية باستمرار".

ويبدو أن ترمب حاول جاهداً إقناع أردوغان الإعلان بأنه لن يعمل على تشغيل النظام الروسي، كما أن وجود أعضاء جمهوريين في مجلس الشيوخ الأمريكي من العيار الثقيل مثل ليندسي جراهام في المكتب البيضاوي خلال محادثات ترمب وأردوغان يُعَدُّ أمراً غير عادي، ويُمَثِّلُ تذكيراً صارخاً للدور المتزايد للكونجرس الأمريكي في القضايا المتعلقة بتركيا. وربما كان أردوغان بحاجة إلى مثل هذا التذكير لأنه يعلم علم اليقين أن مجلس النواب الأمريكي صادق بأغلبية ساحقة على القرارات المتعلقة بإبادة الأرمن، والعقوبات المالية والسياسية الثقيلة قبل أسبوعين فقط. وفي الوقت الذي أعلن فيه جراهام بأنه لن يطرح القرار المتعلق بإبادة الأرمن أمام مجلس الشيوخ، فإنه لم يقدم مثل هذا الالتزام حول التهديد الأكثر أهمية والمتعلق بالعقوبات الاقتصادية والعسكرية القاسية.

ولعل ما يحظى بالدرجة نفسها من الأهمية يَتَمَثَّل في حقيقة أن تركيا تُشَكِّلُ الآن جزءًا من الجدل السياسي الدائر في الولايات المتحدة حول عزل الرئيس ترمب. ونشرت صحيفتا "واشنطن بوست" و"نيويورك تايمز" تقريرين على صفحاتهما الأولى في يوم زيارة أردوغان أثارتا فيهما تساؤلات حول استثمارات ترمب المالية في تركيا. وهناك دليل واضح حول الضغط المتزايد من جانب الديمقراطيين لشمول تركيا في جلسات الاستماع المتعلقة بعزل ترمب، إلى جانب الأمور المتعلقة بقضية أوكرانيا، والتي بدأت علناً في اليوم نفسه الذي زار فيه أردوغان البيت الأبيض. كما أشار جون بولتون، مستشار الأمن القومي السابق للرئيس ترمب، إلى أن تردد الرئيس ترمب في معاقبة أردوغان في أعقاب شراء منظومة الصواريخ الروسية مدفوعٌ بـ "مصالح شخصية أو مالية".

ولعل هذه الديناميات لا تبشر بخير بالنسبة لرئيس أمريكي يواجه إجراءات العزل. وفي حال اقتناع أردوغان بأن ترمب سيواصل حمايته من غضب المشرّعين الأمريكيين فإن عليه إعادة التفكير بذلك. ويتعين على أنقرة إعادة صوغ استراتيجيتها وتنويع أدواتها في واشنطن لتشمل جهات أخرى غير البيت الأبيض. ولعل فتح قنوات مع مجلس الشيوخ، ونقل رسالة للمجلس مفادها أن أنقرة منفتحة على قضية إعادة النظر في تشغيل صواريخ "أس-400" تُعَدُّ بداية جيدة، لكنَّ أنقرة في وادٍ آخر. وبدلاً من ذلك اتهم أردوغان، الذي وصف ترمب بأنه "صديق عزيز" خلال المؤتمر الصحفي المشترك، مجلسَ النواب الأمريكي بـ "إلْقاء ظلال قوية" على الصداقة الثنائية بين الدولتين.

ويبدو أردوغان حالياً مُهتماً بعدم عزل ترمب أكثر من اهتمامه بتحسين صورته في واشنطن. ولعل حقيقة تحول الرأي العام التركي باتجاه معاداة الولايات المتحدة تعمل على مساعدة أردوغان. ويرى أغلبية ساحقة من الأتراك أن الولايات المتحدة تُمَثِّلُ التهديد الرئيس للأمن القومي التركي، وذلك بسبب دعم واشنطن لأكراد سوريا. وطالما اعتبر المسؤولون في أنقرة الدعمَ الأمريكي لوحدات حماية الشعب الكردية، في العمليات العسكرية للقضاء على مقاتلي تنظيم "الدولة الإسلامية" تهديداً أمنياً، الأمر الذي شَكَّلَ ضغطاً على العلاقات الثنائية بين الدولتين منذ عام 2014.

ويُشَكِّلُ رفض واشنطن تسليم فتح الله غولن، الذي تنظر إليه أنقرة على نطاق واسع بأنه العقل المدبر لمحاولة الانقلاب العسكرية عام 2016، مصدرَ توتر رئيساً آخر في العلاقات بين الدولتين. كما حظي قرار أردوغان بإرسال الجيش التركي لسحق الكيان الكردي الناشئ عبر الحدود السورية دعماً قوياً من كافة الأطياف السياسية التركية، بما في ذلك المعارضة العلمانية في يسار الوسط التي كان يجب عليها أن تكون أكثر حذراً في خطوتها هذه لأنها تعتمد على الدعم السياسي الكردي لامتلاك أي فرصة في أي انتخابات مستقبلية في مواجهة أردوغان. لكنَّ المشاعر القومية تُعَدُّ أقوى سلاح يمتلكه أردوغان، والذي يستخدمه بشكل فاعل تماماً لتقويض وحدة المعارضة التي تتكون من تحالف سياسي غريب؛ مثل "حزب الشعوب الديمقراطي" المؤيد للأكراد، و"حزب الخير" اليميني المناهض للأكراد، و"حزب الشعب الجمهوري" العلماني الكمالي.

حسابات أردوغان الداخلية

بلغت مشاعر العداء للولايات المتحدة داخل تركيا حداً دفع أردوغان إلى القيام بحسابات دقيقة حول سلبيات وإيجابيات زيارته إلى واشنطن؛ ففي ظل الظروف الطبيعية فقد كان بإمكان الرئيس التركي – نتيجة للأثر التراكمي للرسالة التي تفتقر إلى الدبلوماسية التي بعث بها ترمب إلى أردوغان والتي حذره فيها بأن لا يحاول أن يكون "شخصاً عنيداً"، وقرار مجلس النواب الأمريكي حول الإبادة الأرمنية، والتلويح بفرض عقوبات اقتصادية وعسكرية – أن يستنتج بسهولة ضرورة تجاهل دعوة ترمب لزيارة البيت الأبيض، واستخدام ورقة "الكبرياء القومي" واستراتيجية الالتفاف حول العلم التركي في الداخل. كما سرت شائعات بأن أردوغان كان يخطط للدعوة إلى إجراء انتخابات مبكرة للاستفادة من تدخل جيشه في شمال سوريا، والزخم القومي الذي نتج عن هذا التدخل. وبدلاً من ذلك خاطر أردوغان بالذهاب إلى البيت الأبيض، غير أنه سعى إلى تهدئة قاعدته الشعبية في الداخل من خلال رسالة بعث بها في أثناء المؤتمر الصحفي بأنه رد على الرسالة التي بعث بها ترمب إليه، لكنَّ ترمب لم يرد على هذه الملاحظة خلال المؤتمر الصحفي.

كما أن أردوغان لم ينسَ قاعدته الشعبية داخل تركيا عندما حاول الرد على مسألة الإبادة الأرمنية بقوله إنه "يجري استخدام بعض الاتهامات التاريخية من أجل تخريب العلاقات المتبادلة والثنائية بيننا، وخاصة أن بعض القرارات التي جرى تمريرها في مجلس النواب الأمريكي في 29 أكتوبر خدمت هذا الهدف، الأمر الذي ألحق أذىً كبيراً بالأمة التركية، وكان الأحرى بصُناع القرار في حادثة وقعت قبل أكثر من 100 سنة أن يكونوا مؤرخين وليس سياسيين".

ونظراً لما يعانيه الاقتصاد التركي من معدلات بطالة وتضخم مرتفعة، وعملة ضعيفة، ومخاطر كبيرة نتيجة الديون المترتبة على القطاع الخاص، فإن الرأي القائل بأن أردوغان أمر بالتدخل العسكري في سوريا لتحويل الانتباه عن المشاكل الداخلية منطقيٌ للغاية. كما أن من الواضح تماماً أن الوقت ليس في صالح أردوغان؛ إذ إن التكتلات السياسية الجديدة في يمين الوسط تهدد وحدة الحزب الحاكم كما أن الزخم الذي حققته المعارضة العلمانية في يسار الوسط بعد الفوز الساحق في الانتخابات المحلية أثار توتر أردوغان بشكل واضح.

في غضون ذلك هناك شكوك كبيرة إذا ما كان أردوغان يمتلك القدرة على إجراء إصلاحات اقتصادية كبيرة، والتي تُعَدُّ ضرورية للغاية للتعامل مع المشاكل المالية المُلحَّة؛ مثل تراجع الاحتياطي الدولي لتركيا، في الوقت الذي ارتفعت فيه احتياجات التمويل الخارجي. كما تأثرت الميزانيات العمومية للشركات بشكل سلبي نتيجة انخفاض قيمة الليرة التركية وارتفاع أسعار الفائدة، وبالتالي التأثير السلبي على نوعية القروض البنكية. ويدرك أردوغان الحاجة إلى تنفيذ حزمة من الإصلاحات الشاملة، بما في ذلك فرض سياسة نقدية صارمة، وتقليص العجز على الأمد المتوسط، وإجراء تقييم مفصل لسلامة البنوك، وإجراء مزيد من التحسين في نظام الإعسار المالي، وإجراء إصلاحات هيكلية موجهة تدعم احتمال حدوث نمو قوي ومستدام؛ لكنَّ غرائز أردوغان السياسية والاقتصادية تظل شعبوية للغاية. بعبارة أخرى لا يزال أردوغان يأمل بأن خفض معدلات الفائدة وزيادة النفقات ستعمل على حل المشاكل من خلال تحفيز النمو.

ونظراً لتردد أردوغان في تنفيذ إصلاحات اقتصادية مؤلمة في الداخل، فإنه يمارس لعبة السياسة الخارجية من أجل تعزيز صورته، وتحويل الرأي العام عن التراجع الاقتصادي في تركيا. لكنْ يبدو أن أردوغان من خلال قدومه إلى البيت الأبيض اختار اتباع استراتيجية الأمد البعيد بدلاً من الدعوة إلى انتخابات مبكرة؛ فقد ازدادت الصعوبة أمام أردوغان في استخدام أوراق المشاعر القومية والعداء للولايات المتحدة والانتصار العسكري في سوريا كاستراتيجية لإجراء انتخابات مبكرة. وبدلاً من ذلك يستمتع أردوغان بلعب دور الاستراتيجي العظيم ورجل الدولة الحاذق الذي يستطيع التعامل مع "روسيا بوتن" و"أمريكا ترمب" معاً لتحقيق مصالح بلاده في مجال الأمن القومي. وبعد تحقيق أردوغان هدفه على الأرض في سوريا يحاول أيضاً عرض صورة للقوة والهدوء من خلال الانخراط في مفاوضات بعيدة الأمد مع واشنطن من أجل مصلحة بلاده. ويُعَدُّ الزمن وحالة الاقتصاد التركي الشيئين الوحيدين الكفيلين بمعرفة إذا ما كانت مهارات أردوغان ناجحة أم لا. لكنَّ الاقتصاد لغاية الآن ما زال ضعيفاً، كما أن من المرجح أن تثبت العقوبات الأمريكية التي تلوح في الأفق بأن الانتصار التركي باهظُ الثمن.                        

آفاق العلاقات التركية-الأمريكية

لا تزال هناك ثلاث قضايا رئيسة تُهيّمن على العلاقات بين أنقرة وواشنطن، والتي إمّا لم يتم التوصّل إلى حل بشأنها أو يُحتمل أن تزداد سوءاً، وهي صفقة الصواريخ الروسية طراز "أس-400”، وقضية مصرف خلق التركي، ومسألة شمال سوريا.

1. صفقة الصواريخ الروسية طراز "أس-400"

يريد البيت الأبيض والكونغرس الأمريكي من تركيا أن تُعلن أنها لن تستخدم نظام الدفاع الصاروخي الروسي الذي تم شراؤه حديثاً. ومن الواضح أن التهديد بالعقوبات الاقتصادية والعسكرية في إطار "قانون مكافحة أعداء أمريكا من خلال العقوبات" (CAATSA) لا يزال مطروحاً على الطاولة. ومع ذلك، فإنه لا يبدو أن أنقرة قد ارتدعت، اعتقاداً منها بأنه لدى واشنطن مشكلة بشأن مصداقية تنفيذ التهديدات. وعلى أي حال، ومن وجهة نظر تركيا، فإن الولايات المتحدة تُهدّد بفرض عقوبات منذ أن بدأت أنقرة بالتخطيط لشراء النظام الدفاعي الروسي، ووقّعت تركيا الاتفاق مع روسيا لشراء النظام الصاروخي طراز "أس-400"، ولكن لم يحدث شيء من هذا القبيل. وبمجرّد أن تم تجاوز هذه المرحلة، هدّدت واشنطن هذه المرة بأن العقوبات ستدخل حيّز التنفيذ عندما يتم تسليم نظام الدفاع الجوي الصاروخي الروسي "أس-400" إلى تركيا. ومرة أخرى، لم يحدث شيء في هذا الخصوص. والآن، تُهدّد الولايات المتحدة بتطبيق العقوبات بمجرّد تشغيل الصواريخ. وهو ما أشار إليه مؤخراً إبراهيم كالين، المُتحدّث الرسمي باسم الرئاسة التركية، بالقول إن الولايات المتحدة دائماً تُطلق التهديدات لكنها لا تتخذ خطوات ملموسة.

ولا يزال أردوغان يعتقد أن الرئيس ترمب يُمكنه استخدام حق النقض "الفيتو" ضد عقوبات الكونغرس، بينما تعتقد مؤسسة الأمن القومي التركية بأن مجلس الشيوخ الأمريكي يخادع فقط في هذا الخصوص. وحقيقة أن أنقرة وواشنطن قد قرّرتا مرة أخرى العمل على إيجاد آلية عمل فنية مُشتركة لتقييم تأثير صواريخ طراز "أس-400"على الطائرات الأمريكية المقاتلة طراز "أف-35" (كان هذا القرار أحد النتائج الملموسة القليلة لزيارة أردوغان إلى البيت الأبيض) يدلّ على أن تركيا تعتقد أنها تستطيع تشغيل الصواريخ الروسية والإفلات من العقوبات الأمريكية. ويعتقد بعض السياسيين في تركيا أن مجموعة العمل الفنية هذه ستُثْبِت أن تشغيل الصواريخ الروسية طراز "أس-400" لن يُعيق شراء تركيا للطائرات الأمريكية طراز "أف-35".

كل هذا يُثْبِت بأنه من أجل أن تُؤخذ تهديدات واشنطن على محمل الجد، يجب إرسال رسالة أقوى بكثير إلى أنقرة. وفي الوقت الحالي، يبدو أن هناك الكثير من "الجَزَر" وليس ما يكفي من "العِصي" في النهج الأمريكي تجاه تركيا. فقد كانت زيارة البيت الأبيض بحد ذاتها هدية لأردوغان. وثمة "جزَرة" أخرى في البعد الاقتصادي، حيث عُرِضَ على أنقرة حوافز مثل توقيع اتفاقية تجارة حرة مع واشنطن، والتي من المفترض أن ترفع حجم التجارة بين البلدين من 20 مليار دولار إلى 100 مليار دولار (وهو رقم غير واقعي باي حال). وثمة جزَرة أخرى وهي أن واشنطن مُستعدة للدفع بتجاه بيع صواريخ باتريوت إلى أنقرة بشروط مالية مواتية. ونتيجةً لذلك، ليس هناك سوى عصا أمريكية واحدة فقط على شكل عقوبات لا يَعتقد أي شخص في تركيا أن مجلس الشيوخ الأمريكي سيُقرّها؛ فقد وفّرت واشنطن العديدَ من الحوافز لتركيا لقاء تعاونها.

أخيراً، ستعتمد الكثير من الأمور على مدى رغبة مجلس الشيوخ الأمريكي في خوض معركة حقيقية مع تركيا، وكيف ستتعامل تركيا مع قضية الصواريخ الروسية طراز "أس-400". وعلى الرغم من العلاقات الجيدة ظاهرياً بين الجانبين، فقد كان إعلان البيت الأبيض الرسمي واضحاً؛ فبعد دقائق من عقد الرئيسين مؤتمرهما الصحفي، أصدر البيت الأبيض بياناً استخدم فيه لغة أكثر حزماً من اللغة التي استخدمها الزعيمان، اللذان يتفاخران بعلاقة شخصية حميمة بينما تتسم العلاقات بين حكومتي البلدين بالجمود إلى حد كبير. وقال البيان إنه من أجل تحقيق تقدّم على جبهات أخرى، فمن الأهمية حلّ المسائل المُتعلقة بشراء تركيا لنظام الدفاع الجوي الروسي طراز "أس-400"، وتعزيز شراكتنا الدفاعية.

2. قضية مصرف خلق التركي

إن الاستثناء الوحيد لشعور تركيا بالرضا في علاقاتها مع الولايات المتحدة هو قضية هذا المصرف المملوك للدولة، والذي أدانته المحكمة الفيدرالية المحلية في نيويورك الشهر الماضي. واتُهم البنك رسمياً بالتآمر للاحتيال على الولايات المتحدة، والتآمر لانتهاك العقوبات الأمريكية على إيران، والتآمر لارتكاب عمليات احتيال مصرفي وغسل الأموال؛ فقد توصلت التحقيقات إلى أنه تم تحويل ما قيمته مليارات الدولارات من الذهب والمال إلى إيران مقابل النفط والغاز. وقال مسؤولو وزارة العدل الأمريكية إن مسؤولين حكوميين رفيعي المستوى في تركيا شاركوا في هذا المُخطّط ووفّروا له الحماية، حيث تلقى بعضهم رشىً تصل قيمتها إلى عشرات الملايين من الدولارات، وساعدوا في إخفاء المؤامرة عن الجهات الرقابية في الولايات المتحدة الأمريكية.

تتمتّع هذه القضية بالأهمية لأنها يُمكن أن تسمح لترمب بالضغط على أردوغان بالقول إنه لا يُسيطر على المحاكم الأمريكية، حيث إن فرض غرامة مالية على مصرف خلق والنظام المصرفي التركي بمقدار عشرات المليارات من الدولارات قد يُشكّل ضغطاً كبيراً على رصيد حسابات تركيا الهش فعلياً، على الرغم من أن البتّ في قضية المصرف يُمكن أن يستغرق أكثر من عام. ومن هذا المُنطلق، وعلى الرغم من أن هذه القضية تُمثّل أداةً مُهمة في يد واشنطن، إلاّ أنه لا يُمكن للإدارة الأمريكية السيطرة عليها بالكامل بسبب الفصل بين السلطات واستقلال القضاء. في نهاية المطاف، وعلى الرغم من أهمية قضية مصرف خلق بالنسبة للعلاقات التركية -الأمريكية، إلا أن هذه القضية ستستغرق بعض الوقت لإحداث تأثير كبير فيها.

3. شمال سوريا

بالنسبة لأردوغان، لم تكن الغاية من إرسال القوات التركية ووكلائها من الفصائل السورية المعارضة عبر الحدود لصد الأكراد فحسب، بل كانت أيضاً وسيلة لحل أزمة اللاجئين من خلال إنشاء منطقة آمنة وتوطين نحو 3.6 مليون سوري فرّوا إلى تركيا. واقترح أردوغان بناء 10 مدن في المنطقة الآمنة، مع المستشفيات والمدارس والمواقع الصناعية لاستيعاب مليون شخص. وأعلنت تركيا، في النشرات التي زودت بها الصحفيين الأجانب في هذا الخصوص، أن أنقرة ستستخدم الأموال الدولية لتغطية التكلُفة، والتي تُقدّر بنحو 26 مليار دولار أمريكي. ولم يكن واضحاً من أين سيأتي هذا المال. ولا تتّفق الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة مع خطة أردوغان لسبب أساسي واحد، وهو أنه بموجب القانون الدولي، لا يُمكن إجبار اللاجئين على العودة إلى بلدهم الأصلي.

 وفي اجتماع عقده الأمين العام للأمم المتحدة في أوائل نوفمبر مع الرئيس أردوغان في أنقرة، أكّد أنطونيو غوتيريش المبادئ الأساسية المُتعلّقة بعودة اللاجئين الطوعية والآمنة والكريمة. وتلقّى أردوغان تحذيراً مماثلاً من أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي الموجودين في المكتب البيضاوي أثناء زيارته للبيت الأبيض. ونتيجة لذلك، فليس من المُفاجئ أن نرى أردوغان يصمت بشكل متزايد في الآونة الأخيرة حول هدفه المُتمثّل بإعادة اللاجئين السوريين إلى شمال سوريا. وأخيراً، لم تَعُد مسألة نزع الولايات المتحدة لسلاح قوات حماية الشعب الكردية مُدرجة أيضاً على جدول الأعمال نظراً لأن القوات الأمريكية يتم تقليصها وإعادة تمركزها جنوباً بالقرب من حقول النفط. وستبقى وحدات حماية الشعب الكردية مصدرَ إزعاج كبير في العلاقات التركية -الأمريكية، لكن يُمكن لواشنطن الآن أن تدّعي أنها لم يعد لديها نفوذ استراتيجي على الأكراد السوريين.

نتيجة لذلك، أصبح من الصعب على نحوٍ متزايد الزعمَ أن أردوغان حقّق انتصاراً استراتيجياً كبيراً من حيث النتائج المحلية في أعقاب مغامرته العسكرية في شمال سوريا. وبالطبع، تمتّع أردوغان بدعم محلي قوي للتوغّل في سوريا الشهر الماضي، لكنْ بدأت المشاعر الوطنية لدعمه بالفعل بالتلاشي. وبدلاً من ذلك، أصبحت المُشكلات الاقتصادية مرة أخرى تتصدّر المشهد: فالبطالة تقترب من 15% وهي تقترب بذلك من تسجيل مستوى قياسي، والتضخم يزداد، وأصبحت ثقة المستهلك مُنخفضة للغاية. ومع بداية فصل الشتاء، الذي من المتوقّع أن يُعيد تأثير الارتفاع الأخير في أسعار الغاز والكهرباء، يقول المُحلّلون إن المغامرة العسكرية الأخيرة لتركيا في شمال تركيا ستفقد شعبيتها بسرعة، ولن يبقى سوى مشاكل أنقرة مع الولايات المتحدة، والخوف من ركود اقتصادي طويل الأجل.

الخلاصة والاستنتاجات

سيكون فصل الشتاء هذا حاراً بخصوص العلاقات التركية-الأمريكية؛ فواشنطن تشعر بقلق بالغ من أن تركيا تسير على طريق الانفصال المُطّرد عن الولايات المتحدة لأنها تسعى علناً إلى شراء نُظم تسليحية روسية أخرى، وقد تَضعُف المصداقية الأمريكية إذا لم تُنفّذ إدارة ترمب تهديداتها بفرض العقوبات على أنقرة. وفي الشهر الماضي فقط، قال مسؤولون أتراك إن أنقرة وصلت إلى "مرحلة مُتقدّمة" من المحادثات لشراء 50 طائرة مقاتلة روسية من طراز" سوخوي أس يو-35"، وهي خطوة قد تزيد من ابتعاد تركيا عن قاعدة الناتو الصناعية. وتأمل تركيا أيضاً شراء دفعة ثانية من بطاريات صواريخ طراز "أس-400"، والتي تتمتّع بقدرات راداريه قوية، ما دفع الولايات المتحدة إلى إقصاء تركيا من برنامج الطائرة الأمريكية المقاتلة طراز "أف-35". 

ولعل هذه الأزمة التي تلوح في الأفق بين أنقرة وواشنطن تنطوي على إمكانية حدوث تحوّل نموذجي في العلاقات الثنائية لأنها تُظهر بوضوح أن الجيشين التركي والأمريكي لم يعودا ينظران إلى بعضهما بعضاً كشركاء. وعلى نحو يتجاوز المشتريات الدفاعية، فإن القرار التركي بشراء النظام الدفاع الصاروخي الروسي هو أحد مؤشرات المأزق الجيو-استراتيجي الأكبر؛ إذ لم تعد واشنطن وأنقرة تتقاسمان المصالح الاستراتيجية وتصورات التهديد نفسها. فقد حان الوقت للاعتراف بأن تركيا والولايات المتحدة قد وصلتا إلى نهاية الطريق كشركاء تربطهم معاً الثقة المُشتركة. ولم يتبقّ الكثير مما كان ذات يوم تحالفاً استراتيجياً بين البلدين. وقد يقول بعض المراقبين إن الشراكة تحوّلت الآن إلى زواج مصلحة، ولكن حتى مع ذلك، فإن السؤال المُهم هو فيما إذا كان الطرفان يتجهان نحو الطلاق التوافقي أو الطلاق القبيح؛ فقد أصبح من الصعب العثور على شيء مُناسب في هذا الزواج.

 

أحدث المواضيع المميزة