الحضور التركي في البحر الأحمر: مظاهِره وأهدافه وآفاقه المستقبلية

مركز الإمارات للسياسات | 23 مارس 2020

أضحى البحر الأحمر ساحة للتنافس الجيوسياسي، ويعد البُعد الأمني والعسكري من أهم الأسباب التي دفعت القوى الدولية إلى السعي للحصول على موطئ قدم فيه. وتعتبر تركيا من بين الفاعلين الإقليميين الذي برزوا في ساحة الصراع على البحر الأحمر في السنوات الماضية، إذ أولت حكومة حزب العدالة والتنمية منذ وصولها إلى السلطة عام 2002 أهمية خاصة لهذه المنطقة، بحكم أهميتها الجيواستراتيجية المتنامية، وكذلك بحكم أن العديد من الدول المطلة على البحر الأحمر كانت مستعمراتٍ سابقة للإمبراطورية العثمانية، التي يأمل أردوغان في استعادتها ثقافياً واقتصادياً وعسكرياً وسياسياً، من خلال سياسات "العثمانية الجديدة".

وبسبب تلك الاعتبارات وغيرها، كانت تركيا من الدول السَّبَّاقة إلى الانخراط والتأثير في جيوبوليتيك البحر الأحمر. وتستفيد تركيا من علاقتها القديمة بالمنطقة، والتي تمتد إلى الحقبة العثمانية، لدفع علاقتها مع الدول المطلة على البحر الأحمر؛ فقد حصلت على قاعدة عسكرية في الصومال، وتتفاوض على أخرى في جيبوتي، كما حاولت الحصول على موطئ قدمٍ في السودان، وخلال عامي 2018 و2019 حرصت القوات التركية على ضمان وجود لها في خليج عدن وبحر العرب ومحيطه، والمياه الإقليمية للصومال وسواحله، حيث وافق البرلمان التركي رسمياً على تمديد انتشار هذه القوات.

ورغم أن قواعد الصراع/التنافس في منطقة البحر الأحمر لا تبدو واضحة المعالم، إلا أن الحضور التركي هناك يطرح جملة من التحديات والمخاطر بالنسبة للمنظومة الإقليمية للبحر الأحمر بصفة خاصة، وللأمن القومي العربي عموماً.

أشكال ومظاهر الحضور التركي في البحر الأحمر

تتنوع أشكال ومظاهر الحضور التركي في البحر الأحمر، بين التمثيل الدبلوماسي والسياسي في الدول المطلّة عليه، وبين الوجود العسكري الفعلي في البحر الأحمر نفسه، حيث تشارك القوات التركية ضمن فرقة العمل المشتركة 150 (CTF-150)، التي تؤطر جهود المجتمع الدولي من أجل مكافحة القرصنة وعمليات السطو المسلح التي تستهدف السفن وناقلات النفط قبالة سواحل الصومال وفي خليج عدن. فضلاً عن انتهاج الحكومة التركية استراتيجية طموحة لتوسيع نطاق وجودها العسكري بإقامة قواعد عسكرية ثابتة، وعقد تبادلات عسكرية مع عدة دولٍ في المنطقة. كما برز في الآونة الأخيرة اهتمامٌ تركي بالاستحواذ على الموانئ الاستراتيجية في البحر الأحمر، ما يعكس توجهاً لدى حكومة العدالة والتنمية للتغلغل في جغرافيا هذا الممر والدول المُشاطئة له، وعلى نحوٍ يسمح لها بممارسة التأثير الاستراتيجي في العديد من تفاعلات الإقليم بهدف ضمان مصالحها. ويمكن القول إن أهم مظاهر الحضور التركي في البحر الأحمر يتمثَّل في ما يأتي:

1. نشر القواعد العسكرية

حاولت حكومة العدالة والتنمية التركية توسيع نطاق استراتيجيتها المتمثلة في نشر قواعد عسكرية متقدّمة في عمق محيطها الملتهب وغير المستقر في الشرق الأوسط، حيث نشرت أول قاعدة عسكرية تركية في أفريقيا في الصومال، بتكلفة 50 مليون دولار. وتبلغ مساحة القاعدة الضخمة المقامة في طرف العاصمة الصومالية بالقرب من المطار الرئيس، 400 هكتار، وتضم 200 ضابط ومُدرِّب تركي.

ومع أن الصومال لا يملك حدوداً ساحلية فعليّة مع خليج عدن ومضيق باب المندب الاستراتيجي، بحكم أن جمهورية أرض الصومال منفصلة عن الصومال على أرض الواقع، إلا أن تركيا ما فتئت تُحاول الدفع نحو تغيير الوضع الجيوسياسي القائم حالياً، من خلال دعم المساعي الهادفة إلى ضم أرض الصومال إلى جمهورية الصومال الفدرالية، الأمر الذي يتيح للنظام التركي تحقيق مزيد من التأثير في جيوبوليتيك البحر الأحمر وخليج عدن، والشرق الأفريقي عموماً.

وفي السودان، قام وزير الدفاع التركي، الفريق أول خلوصي آكار بزيارة إلى البلاد في مطلع نوفمبر 2018، وشملت زيارته جزيرة سواكن المُطِلَّة على البحر الأحمر، والتي منحتها الحكومة السودانية السابقة لتركيا بهدف إعادة ترميمها على الطراز العثماني. وفي السياق ذاته، أشار بعض التحليلات إلى أنّ زيارة خلوصي آكار هدفت بحث إقامة قواعد عسكرية للتدريب في جزيرة سواكن السودانية. وفي أكتوبر من نفس العام، أجازت الحكومة السودانية ما أسمته "اتفاقية للتعاون والتدريب العسكري بين السودان وتركيا؛ بهدف تعزيز التعاون في مجال التدريب ودعم السلام والاستقرار في البلدين".

ومع أن ثمة تحليلات تؤكد أن المخاوف إزاء إقامة قاعدة عسكرية تركية على البحر الأحمر أمرٌ مبالغٌ فيه؛ لأن الحجم الصغير لجزيرة سواكن، والصعوبات المالية التي تواجهها تركيا حالياً تجعل توجهاً كهذا احتمالاً غير مرجَّح على الأمد القريب على الأقل. لكنَّ هذه الجزيرة التاريخية في المنظور التركي تعكس علاقات عميقة مع السودان، ما يجعلها تحمل قيمة رمزية في اللعبة الأوسع بين المتنافسين في منطقة الشرق الأوسط.

والمؤكد أن استمرار البحث التركي عن إقامة قواعد عسكرية في المنطقة، سيظل يثير حفيظة عدة دول فيها، وقد انتقد الرئيس الإريتري أسياسي أفورقي، على سبيل المثال، الوجود العسكري التركي المحتمل في سواكن السودانية، إلى جانب الوجود التركي في الصومال، مُعتبراً هذه التوجهات أمراً غير مقبول ولا يساهم في استقرار المنطقة، باعتبار أن تركيا تُنفِّذ أجندة الإخوان المسلمين في البحر الأحمر، وتسعى لفرض نفوذها في المنطقة.

2. أدوات القوة الناعمة 

إلى جانب استعراض مظاهر القوة الخشنة، وإقامة القواعد العسكرية، حرصت تركيا على توظيف ما تمتلكه من أدوات القوة الناعمة ضمن سياستها الخارجية الرامية إلى التوسُّع الإقليمي، ولعب دورٍ في هذه المنطقة. ويتضح التركيز على بعد القوة الناعمة التركية، من خلال استخدام أدوات مثل المساعدات الإنسانية والمنح الدراسية وبناء المستشفيات والمساجد والطرق ومواصلة نشر الدراما التركية التي تمجّد الحكم العثماني. فضلاً عن الاستفادة من حالة الاضطراب التي كانت تعمّ بلداً مثل الصومال، لوضع اليد على إمكانياته؛ وربما هذا ما يُفسِّر قيام أردوغان بزيارة العاصمة الصومالية في عام 2011 إثر المجاعة التي ضربت أجزاء واسعة من هذا البلد، وهي قضية لا يغفل المسؤولون الأتراك عن تكرارها.

وتحوَّل ما بدأ كمبادرة إنسانية بشكل أساسي إلى سياسة أكثر شمولاً، حيث زادت أنقرة من أموال المساعدات، وأطلقت مشاريع تنموية، وفتحت المدارس، وبدأت بلعب دور بارز في تشكيل أجندة بناء الدولة، بما في ذلك فتح مُنشأة عسكرية كبيرة لتدريب جنود الحكومة الصومالية. وتدير شركات تركية اليوم مطار وميناء مقديشو، كما تعجُّ أسواق العاصمة بالبضائع التركية، إضافة إلى قيام شركة الطيران التركية بتشغيل رحلات مباشرة إلى مقديشو، وهي أول شركة طيران عالمية رئيسة تقوم بذلك.

وقد كرَّست تركيا نفسها في أذهان الصوماليين، بوصفها الجهة التي "تجرّأت" على الانخراط بنشاط في هذه البلاد الخطرة. وأشاد الصوماليون على نطاق واسع بمقاربة تركيا في بلادهم، والتي جاءت مدعومة بمناشدة أردوغان للتضامن الإسلامي والإنساني، ووجود أكثر وضوحاً على الأرض مقارنةً بالمانحين التقليديين. ويأتي مضمون انخراط تركيا وقلة القيود التي ترتبط بهذا الانخراط بالنسبة للكثيرين على طرفي نقيض مع الانطباعات حول التدخلات الغربية الفاشلة في الماضي. وعيَّنت أنقرة مبعوثاً خاصاً إلى الصومال عام 2018 - وهي المرة الأولى من نوعها في السياسة الخارجية التركية - وأناطت بهذا المبعوث مسؤولية إحياء جهود إجراء مصالحة، وإن كانت غير محتملة على الأمد القصير، بين الحكومة الاتحادية في الصومال ومنطقة "أرض الصومال" الانفصالية.

وفي الوقت الذي تصدر فيه تقارير عن مسؤولين في أنقرة بأنهم أصبحوا يُقدِّرون قيمة "القوة الناعمة" الناتجة عن استثماراتهم في الصومال، إلا أن حضور تركيا هناك لم يكن مشروعاً استراتيجياً بعيد الأمد في البداية. وشَكَّلَ الدور البارز التدريجي الذي لعبته هذه الاستثمارات تجربة مفيدة أكثر من ممارسة القوة المدروسة. وتَرافَق هذا مع نقاش داخلي حول كيفية النظر إلى وضع تركيا، ليس في الصومال فحسب وإنما في أرجاء القارة الأفريقية أيضاً.

ويُمَثِّلُ انخراط تركيا في الصومال أكثر نمو جوهري لسياسة أنقرة الطموحة، "الانفتاح على أفريقيا"، التي ظهرت عام 2005 مع "مبادرة عام أفريقيا"، والتي تهدف إلى تعزيز وجود تركيا الدبلوماسي والتجاري في أرجاء القارة. واشتملت المبادرة على فتح عشرات السفارات الجديدة، وخطوط جديدة لشركة الطيران التركية، وعقد لقاءات قمة منتظمة تركية-أفريقية. وشَمِلَ زخم دبلوماسية التركيا الناعمة بعض دول منطقة البحر الأحمر الأفريقية؛ حيث تنتشر مساجد يديرها خطباء مُدرَّبون في تركيا، ومؤخراً تمّ تشييد مسجد عبد الحميد الثاني في جيبوتي، وهو أكبر مسجد في جيبوتي من قبل وقف الديانة التركي الذي يتبع رئاسة الشؤون الدينية، وهي هيئة تملك نحو 1000 فرع داخل تركيا، وتُقدِّم خدمات مختلفة في 135 دولة. والمسجد مُصمَّم على طراز العمارة الكلاسيكية العثمانية، وقد شُيِّد على رقعة مساحتها 10 آلاف متر مربع، ويُطل على شواطئ المحيط الهندي بالقرب من القصر الرئاسي في جيبوتي.

وكجزءٍ من خطط حكومة حزب العدالة والتنمية للتوجه نحو المنطقة أُطلِقَت منصاتٌ إعلامية رسمية ناطقة باللغة العربية والصومالية، وجرى دبلجة المسلسلات التركية إلى اللغات الصومالية والأمهرية، حيث سعت الحكومة التركية إلى توسيع نطاق التركيز على المسلسلات التاريخية بهدف إعادة رسم الصورة الذهنية لشعوب المنطقة عن الحكم العثماني.

وتحاول تركيا طرح مخططاتها وعلاقتها مع الدول الساحل الجنوبي للبحر الأحمر كبديل عن علاقتها بالقوى الأوروبية، التي تمتلك سجلاً استعمارياً في المنطقة. ولبرهنة ذلك، تعمل تركيا بشكل دؤوب على بناء الطرق والجسور وتقديم المساعدات الإنسانية والمنح الدراسية للطلاب الأفارقة والعرب على حدٍّ سواء، ويدرس حالياً قرابة 4500 طالب أفريقي في إطار برنامج حكومي للمنح الدراسية، بمن فيهم طلاب قادمون من الصومال والسودان ومصر وجيبوتي. ومنذ 2011 حافظت تركيا على حضور دبلوماسي في جميع الدول الواقعة ضمن سواحل البحر الأحمر، عدا إريتريا. وتُسيِّر الخطوط الجوية التركية رحلات منتظمة إلى الصومال وإثيوبيا وجيبوتي والسودان، وقد فتحت وكالة التعاون والتنسيق التركية مكاتب لها في عواصم تلك الدول.

وعلى الضفة الشرقية للبحر الأحمر، تُحاوِل تركيا الدخول على خطّ الأزمة في اليمن، تحت غطاء تقديم المساعدات الإنسانية والإغاثية. وتقدم أنقرة، عبر هيئات حكومية وغير حكومية، مساعدات إغاثية وإنسانية، تقول إنها "من أجل مساعدة الشعب اليمني جراء ظروف الحرب التي يعيشها منذ أكثر من 5 أعوام". ويُمكن فهم التوجه التركي لتقديم المساعدات في اليمن بوصفها محاولة جديدة لاستنساخ التجربة التركية في الصومال، حيث تحولت تركيا من مانح أجنبي، إلى دولة تُسيطر على أهم القطاعات الاقتصادية والخدمية في البلاد. كما يُمكن فهم هذا التوجه باعتباره محاولة للبحث عن موطئ قدم في الساحل الجنوبي لليمن، ما يؤهل لتركيا تأسيس نفوذ لها في البحر الأحمر وخليج عدن لضمان مصالحها في منطقة تفتقر إلى هياكل إقليمية راسخة تُنظِّم العلاقات والتعاون بين البلدان المعنية.

3. فتح أسواق للمنتجات التركية

يشمل التوجه التركي للتغلغل في منطقة البحر الأحمر، تعميق العلاقات التجارية والاقتصادية مع أكبر عدد ممكن من دولها، وتحديداً من خلال غزو المنتجات التركية للدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر. كما تشمل هذه الاستراتيجية ضخّ الاستثمارات المباشرة في القطاعات العامة والخاصة لتلك الدول، وكذلك عقد صفقات تجارية لإنشاء مناطق تجارية حُرّة. ففي ديسمبر 2016، على سبيل المثال، وقّعت تركيا اتفاقية مع جيبوتي، البلد الصغير المُطِلّ على ساحل البحر الأحمر ومضيق باب المندب، لإنشاء منطقة تجارية حُرّة، تبلغ مساحتها 5 ملايين متر مربع، "بهدف وصول منتجاتها إلى القارة الإفريقية بسهولة وسرعة أكبر".

ووفقاً لمعهد الإحصاء التركي، فقد ارتفع حجم التجارة الثنائية بين تركيا والصومال إلى 206 ملايين دولار في عام 2019، بعد أن كان 144 مليون دولار في عام 2017. وحصلت تركيا على مكاسب عديدة من تحالفها مع نظام الرئيس السوداني المخلوع عمر البشير، وتمثل ذلك في زيادة وزنها الإقليمي وامتلاكها منصة جديدة في البحر الأحمر؛ ففي وقتٍ سابقٍ تعهَّد الرئيس رجب طيب أردوغان خلال زيارته للخرطوم في 2017 بزيادة حجم التجارة التركية السودانية بمقدار 10 مليارات دولار تقريباً، واشترى الحق في إعادة تأهيل جزيرة سواكن التي كانت ميناءً للدولة العثمانية خلال الفترة من القرن الخامس عشر حتى القرن التاسع عشر الميلادي، في خطوة أثارت مخاوف كل من السعودية ومصر التي تعتقد أن تركيا تقوم ببناء قاعدة عسكرية على الساحل الغربي للبحر الأحمر بهدف تهديد أمنها ومصالحها.

4. استئجار الموانئ البحرية

من ضمن استراتيجية حكومة العدالة والتنمية التركية للتغلغل في اقتصاد منطقة البحر الأحمر، سعيها للحصول على عقود استئجار للموانئ الاستراتيجية، وأحدث خطوة في هذا الاتجاه، تطلُّع تركيا إلى لعب دورٍ في إدارة ميناء دوراليه الجيبوتي؛ وهو واحدٌ من أهم موانئ منطقة القرن الإفريقي، والذي لعب منذ فترة طويلة دوراً رئيساً في التجارة الإقليمية، وفقاً لاتفاقية جديدة بشأن التعاون البحري بين حكومتي البلدين. وتضع الاتفاقية الأساس القانوني لمثل هذه الاستثمارات التركية في جيبوتي.

وتشمل الاتفاقية، التي وقعتها الحكومة الجيبوتية مع نظيرتها التركية، مجالات مثل إنشاء مشاريع مشتركة لتشغيل وإدارة الموانئ، وكذلك النقل البحري الدولي وخدمات الملاحة وبناء السفن واليخوت وتطبيق التقنيات الحديثة والتدريب، وتمت الموافقة على الاتفاقية بين تركيا وجيبوتي بشأن التعاون البحري من قبل لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان التركي في نفس اليوم الذي شارك فيه وزير الخارجية الجيبوتي محمود علي يوسف ووزير النقل والبنية التحتية محمد محمد تورهان في رئاسة اجتماع اللجنة الاقتصادية المشتركة في أنقرة، في 19 فبراير 2020. ووفقاً لصحيفة Milliyet اليومية التركية، اتفق الطرفان على تعزيز التجارة الثنائية ومواصلة تطوير العلاقات في مجال النقل، بما في ذلك قطاعات الطيران والسكك الحديدية والبحرية، وإنشاء منطقة اقتصادية حُرَّة جديدة في جيبوتي.

وفي الصومال، تُدير مجموعة البيرق التركية، المعروفة بعلاقاتها الوثيقة مع حزب العدالة والتنمية الحاكم (AKP) والرئيس أردوغان، ميناء مقديشو في الصومال تماشياً مع أجندة تركيا منذ عام 2014. وقد حصلت على امتياز مدته 20 عاماً؛ تأخذ بموجبه الشركة 45٪ من إجمالي إيرادات الميناء.

وتتماشى تلك الاتفاقيات التركية مع جيبوتي والصومال وإثيوبيا والسودان مع سياسة حزب العدالة والتنمية الخارجية، التي تسعى إلى توسيع دور تركيا وحضورها في مجال البحر الأحمر مع زيادة مكانة تركيا بشكل عام في القارة الأفريقية. وتسعى تركيا من خلال هذا التوسُّع في عقود الإيجار إلى التحكم في الموانئ والمناطق الحاكمة وصولاً إلى ضمان قدرة أوسع على التحكم في طرق التجارة العالمية وتأمين قواعد وخطوط الملاحة لقواتها، من أجل دعم ومساندة أي خطط لتوسيع نطاق العمل العسكري التركي إذا اقتضت الحاجة ذلك مستقبلاً.

أهداف الحضور التركي في البحر الأحمر

يمكن إجمال أهداف الوجود التركي في البحر الأحمر في النقاط الآتية:

  • توسيع الدور والنفوذ التركي في المنطقة، ووضع اليد على الثروات والإمكانيات والسيطرة على الأسواق، وتشكل سيطرة الشركات التركية على بعض القطاعات الحيوية في الصومال مثالاً على ذلك.
  • فرض الهيمنة العسكرية والأمنية، ومراقبة أطراف أخرى في المنطقة والحد من تأثيرها، وذلك في إطار المساعي التركية المستمرة لدعم جماعة الإخوان المسلمين، وإرسال رسالة إلى الدول الفاعلة في المنطقة التي تختلف وتتنافس معها في الرؤى والمشاريع مثل مصر والسعودية بأهمية دورها ومكانتها.
  • فتح الأسواق الأفريقية أمام المنتجات التركية، وتأمين مصادر الطاقة والمشاريع المستقبلية، والبحث عن المواد الخام (النفط والغاز)، ورفع وتيرة المنافسة الاقتصادية مع القوى الأخرى.

المتغيرات الجديدة في البحر الأحمر وانعكاساتها على الحضور التركي

تتأثر منطقة البحر الأحمر بالمتغيرات المحلية والإقليمية والدولية نظراً لترابطها واتصالها، وتزايد أهميتها الاستراتيجية والجيوبوليتيكية. وقادت مجموعة من المتغيرات السياسية والاقتصادية والأمنية إلى برز نظام جديد في البحر الأحمر، وإن كان نظاماً شديد التقلُّب والتغير. ويمكن إجمال تلك التغيرات التي رسمت مشهد البحر الأحمر الحالي في أربعة تطورات رئيسة، أخذت تُلقي بظلالها على الوجود التركي في البحر الأحمر:

1. التحولات السياسية في القرن الأفريقي: من شأن تغيُّر أنظمة سياسية مرَّت عليها عقود طويلة في الدولتين الكبيرتين في المنطقة (إثيوبيا في خريف 2017، ثم السودان في ربيع 2019)، أن يزيد من احتمالية بروز تحول قد يكون تاريخياً في منطقة القرن الأفريقي، وهو اتجاهٌ لا يبدو في صالح تركيا. فسقوط نظام عمر البشير المقرَّب من حكومة العدالة والتنمية دفع هذه الأخيرة إلى محاولة عقد صلات مع السلطة الانتقالية الجديدة في السودان بعد أن كانت أحد أبرز الداعمين لنظام الرئيس البشير، ويشكل فقدان تركيا لنفوذها في السودان ضربة موجعة لطموحاتها التوسُّعية في المنطقة، وفي شرق القارة الأفريقية عموماً، لاسيما وأن ثمة توجهاً لدى الحكومة الانتقالية في السودان لمراجعة وإعادة تقييم مجموعة من الاتفاقيات التي وُقِّعت إبان نظام البشير مع الجانب التركي (بما فيها اتفاقية جزيرة سواكن)، والتي لم يَستفِد منها السودان بنفس درجة استفادة تركيا.

وبالنسبة لإثيوبيا، يقود رئيس الوزراء الإُثيوبي آبي أحمد سياسة معتدلة مع الدول الخارجية، ويظهر أنه يميل إلى المحور الإماراتي-السعودي، نظراً للدور المهم الذي لعبته الدولتين الأخيرتين في عملية السلام التاريخية التي تحققت بين إريتريا وإثيوبيا في منتصف عام 2018.

2. حرب اليمن: إن استمرار هذه الحرب وعدم الوصول إلى تسوية شاملة ومحاولة الأطراف المحلية المدعومة من إيران وتركيا فَرْض أوضاع جديدة على الأرض، قد تسبَّبا في وصول النشاط الخليجي في منطقتي البحر الأحمر والقرن الأفريقي إلى مستويات غير معهودة. وتجلَّى ذلك في السباق المحموم على الساحل الأفريقي، حيث استقطبت عمليات الاستحواذ على الموانئ التجارية وبناء القواعد العسكرية اهتماماً خليجياً ملحوظاً، وهذا من شأنه أن يُساهِم في تطويق الوجود التركي في المنطقة.

3. ظهور منتدى البحر الأحمر: أصبح ما يعرف منتدى البحر الأحمر، موضوع نقاش كبير في العامين 2018-2019، داخل المنطقة وخارجها على حد سواء. ويشكل إنشاء تجمع/هيكل إقليمي كهذا تتمكن الدول المعنية في إطاره من مناقشة المصالح المتشاطرة وتحديد التهديدات الناشئة ووضع الحلول المشتركة، رداً معقولاً على الوقائع والمتغيرات الجديدة في المنطقة. ويُتيح منتدى إقليمياً كهذا معالجة مسائل متنوعة مثل التجارة وتطوير البنية التحية والأمن البحري والهجرة المختلطة والتدفقات المالية وحماية البيئة وإدارة الصراعات بصورة سلمية.

والمؤكد أن توجُّه السعودية إلى تبنِّي مبادرة لإنشاء "مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن" قد أثار هاجساً وقلقاً لدى الجانب التركي، وسارع مسؤولون أتراك إلى إظهار شكوكهم إزاء غايات هذا المجلس وأهدافه. فعندما سُئِلَ مسؤول رفيع المستوى في أنقرة عمَّا إذا كان اهتمام الرياض في العمل على منتدى للبحر الأحمر يمثل خطوةً لبلورة تحالف أوسع ضد إيران، أجاب على الفور "أو تحالفٌ ضدنا؟".

4. تكثيف جمهورية أرض الصومال مساعيها لفك الارتباط: في إبان الحرب الباردة، كان الاتحاد السوفيتي يحتفظ بقاعدة عسكرية في مدينة بربرة الصومالية (صوماليلاند حالياً)، لأهميتها الاستراتيجية وقربها من البحر الأحمر، وفي خضم سعيها للسيطرة على الصومال وتعزيز نفوذها فيه، تعي تركيا أيضاً أهمية مدينة بربرة الاستراتيجية، وباتت تحشد قوتها لمنع هذا الإقليم من الانفصال عن جمهورية الصومال الفدرالية، وعيّنت تركيا مبعوثاً خاصاً لمحادثات أرض الصومال مع الحكومة الصومالية، هو أولكان بيكر، ما يُشكِّل سابقةً في السياسة الخارجية التركية، وهي أول دولة في العالم تخطو هذه الخطوة. ويُفسَّر هذا القرار من منطلق أن المسؤولين الأتراك يُدركون أهمية موقع هذا الإقليم الذي يمتلك 650 كيلومتراً من السواحل على خليج عدن، وفي حال نيله الاعتراف الدولي، قد تفقد تركيا جزءاً مهماً من وجودها على البحر الأحمر.

مستقبل الحضور التركي في البحر الأحمر

  من المتوقع أن تستمر تركيا في مساعيها لتوسيع نفوذها في منطقة البحر الأحمر والشرق الأفريقي خلال الفترة المقبلة، وبالنظر إلى المتغيرات التي شهدها البحر الأحمر في خلال العامين الماضيين، هناك سيناريوهان رئيسانِ اثنان ينتظران الحضور التركي في هذه المنطقة مستقبلاً:

السيناريو الأول: انحسار الحضور العسكري مقابل تزايد مظاهر القوة الناعمة. فوفق هذا السيناريو قد يشهد الوجود العسكري التركي في البحر الأحمر انحساراً متدرجاً، وقد يعزز ذلك تمكُّن إقليم أرض الصومال من فك ارتباطه مع الصومال. وبفقدان تركيا نظامها الحليف في السودان، قد تُجبِر حكومة العدالة والتنمية إلى التحول إلى دبلوماسية التجارة وأدوات القوة الناعمة الأخرى. وهو سيناريو مُمكِن، وتعضده شواهد من قبيل اتجاه تركيا الجديد لاستئجار ميناء دوراليه الجيبوتي (رغم أن حظوظها في ذلك تبدو قليلة)، واستمرارها في استخدام مختلف أدوات القوة الناعمة التي تمتلكها لزيادة رصيدها وحضورها، من قبيل تشييد المساجد والمدارس وتقديم المنح الدراسية للطلاب الأفارقة والعرب، وتقديم المساعدات الإنسانية، خاصة في ظل الهشاشة الاقتصادية التي تتسم بها دول المنطقة، مثل الصومال واليمن وجيبوتي.

السيناريو الثاني: زيادة الوجود العسكري التركي ودخول المنطقة في حالة استقطاب إقليمي أكبر. في منحى مُغاير، قد تعمل تركيا على مضاعفة وجودها العسكري في منطقة البحر الأحمر، ويُعزِّز هذا الخيار الانخراط العسكري التركي الواسع في الشأن الليبي، وتفاقم الصراع على غاز البحر المتوسط. وفي ظل هذا السيناريو من المتوقع أن تواجه تركيا تحدّي وجود مجلس البحر الأحمر، بقيادة المملكة العربية السعودية، وهي مواجهة من المتوقع أن تخسرها تركيا في نهاية المطاف بالنظر إلى أن قدرة الرياض على تعبئة بلدان المنطقة وحشدها خلفها تتجاوز القدرة التركية على ذلك.

خلاصة

 لا يُمكِن فَهم الحضور التركي في البحر الأحمر بمنأى عن حالة العسكرة والتنافـس والصـراع بيـن الدول الكبرى والإقليمية بهدف التوسُّع وزيادة النفوذ في المنطقة ورعاية مصالحها، بحيث لم يعد هناك مـن دولة مؤثرة خاصة من خارج المنطقة إلا ولها شكلٌ من أشكال الحضور في البحر الأحمر أو في الدول المُطلَّة عليه.

ورغم المتغيرات الكبيرة التي شهدها البحر الأحمر لاسيما في العامين الأخيرين؛ فإن الوجود العسكري التركي مُرشَّح للاستمرار، كما يأخذ الحضور التركي الناعم في المنطقة الذي يقوم على الإنتاج السينمائي والتلفزيوني والتعليم الديني وتسويق المنتجات التركية في التزايد، لكن الوجود العسكري التركي في البحر الأحمر سيظل يطرح سيناريوهات خطيرة؛ ويشكل تهديداً لأمن منظومة البحر الأحمر، إن لم يكن للأمن القومي العربي برمته.

أحدث المواضيع المميزة