أزمة الليرة التركية: جدوى الحلول التقليدية وغير التقليدية

مركز الإمارات للسياسات | 17 مايو 2020

انفجرت الأزمة المالية في تركيا لأسباب تراكمية قديمة قبل بروز جائحة كورونا؛ إذ إن الآثار السلبية للجائحة العالمية ستبدأ في الظهور خلال هذا الصيف في تركيا، لكن الجائحة هدمت الآمال والخطط الحكومية لتعافي الاقتصاد ولو نسبياً خلال هذا العام.

تبحث هذه الورقة في أسباب أزمة الليرة التركية الحالية، والحلول المتاحة أمام الحكومة التركية لتجاوزها أو إدارتها لفترة أطول.

سياسة اقتصادية بدأت عام 2002 مع حزب العدالة والتنمية

اعتمد حزبُ العدالة والتنمية منذ وصوله إلى الحكم في نوفمبر 2002 استراتيجيةً اقتصادية تقوم على دعم النمو من خلال الاقتراض المحلي، ودعم قطاعات الخدمات والإنشاءات، وتمويل العجز في ميزان التجارة الخارجية والنمو من خلال الاقتراض الخارجي. هذه الاستراتيجية التي كان يفترض أن تكون "مؤقتة" وأن يتم تعديل أجزاء مهمة منها تخفف الاعتماد على الاقتراض من الخارج، استمرت حتى الآن دون إدخال الإصلاحات الجوهرية المطلوبة عليها. وواجهت تركيا أول إنذار حقيقي تجاه هذه الاستراتيجية عام 2011 مع بدء تراجع سعر الليرة التركية حينها، بسبب تضخم الديون الخارجية، لكن ما أنقذ تركيا حينها كانت الظروف الاقتصادية الدولية مجدداً، حيث عمدت البنوك المركزية الكبرى في العالم إلى خفض سعر الفائدة حتى الصفر، واتجهت إلى التوسع المالي، مما وفر سيولةً من العملة الأجنبية في الأسواق أسعفت تركيا حينها، وساعدتها على الاستمرار في نهجها الاقتصادي الخاطئ، من خلال إعادة تدوير الديون الخارجية.

لكنْ اعتباراً من عام 2011 بدأت العملة التركية تهتز، وتصبح أكثر حساسية للتطورات الاقتصادية والسياسية التركية والدولية، وأصبح سعر الليرة مرهوناً بتوافر التمويل الأجنبي لإعادة تدوير الديون، وينخفض سعرها في أي وقت تجد فيه الحكومة صعوبةً في تأمين النقد الأجنبي والتمويل الخارجي لأي سبب كان. وكأكبر شاهد على ذلك هوت الليرة التركية صيف عام 2018 إلى 7.24 ليرة مقابل الدولار الأمريكي بسبب أزمة احتجاز أنقرة للراهب الأمريكي برونسون، وتهديد الرئيس الأمريكي ترامب بتدمير الاقتصاد التركي، ما انعكس فعلياً على وقف التمويل الأجنبي لتركيا، وأدى إلى انهيار سعر الليرة.

حينها استطاع البنك المركزي التركي، بعد هدوء الأزمة سياسياً مع واشنطن، إعادة سعر الليرة التركية إلى 5.15 ليرة للدولار خلال 4 أشهر، من خلال رفع سعر الفائدة بشكل قياسي إلى 24% على الليرة التركية. لكنّ استمرار الخلافات مع واشنطن عام 2019، وتدخلات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان المباشرة في سياسات البنك المركزي وضغطه من أجل خفض سعر الفائدة، كاد أن يؤدي إلى أزمة ليرة جديدة لولا تدخل البنك المركزي التركي من جديد بخطوة غير مسبوقة ومزعجة لكل المستثمرين الأجانب، حيث منع عن طريق قناة التبادل المالي SWAP المستثمرين الأجانب من الوصول إلى الليرة التركية، وهي خطوة وإن أنقذت الليرة التركية حينها من ضربة جديدة، إلا أنها أفقدت المستثمرين الأجانب الثقةَ في "نزاهة" تركيا في تعاملاتها المالية مع المستثمرين.

سياسة اقتصادية غير واقعية بثمن مرتفع منذ 2019

وفي عام 2019 وضعت حكومة الرئيس أردوغان، وصهره وزير المالية برات البيرق، خطةً اقتصادية تقوم على خفض سعر الفائدة وخفض التضخم معاً، ودفع النمو الاقتصادي إلى 5%، وخفض العجز في ميزان التجارة الخارجية، والحفاظ على سعر الليرة التركية عند 6 ليرات مقابل الدولار، وهي وعود أجمع جميع المحللين الاقتصاديين على استحالة تحقيقها في تركيا، وخصوصاً مع تدهور سياسات تركيا الخارجية وعلاقاتها مع واشنطن والعالم العربي والاتحاد الأوروبي، وتراجُع فرص حصولها على قروض أو تمويل أو استثمار خارجي بسبب هذه السياسات. وتدفع تركيا اليوم ثمناً باهظاً لهذه السياسة الاقتصادية غير الواقعية.

وفعلياً بدأ البنك المركزي في يوليو 2019 بخفض سعر الفائدة تدريجياً، من 24% حتى وصلت إلى 8.50% في مطلع مايو 2020، وذلك بالأمر المباشر من الرئيس أردوغان، بعد أن فقد البنك المركزي استقلاليته تماماً، وتم ضخ قروض مخفَّضة الفائدة بالليرة التركية من البنوك الحكومية من أجل دعم النمو والمشاريع الجديدة وإنقاذ المشاريع التي قاربت على الإفلاس. وحاولت الحكومة التدخل والتلاعب في أرقام التضخم لإظهارها بأرقام أقل من تلك الحقيقية.

ومع استمرار تدهور الوضع الاقتصادي في تركيا، وتراجُع الاستثمارات الخارجية والتمويل الأجنبي بسبب تراجع الثقة في حكومة الرئيس أردوغان وسياساته الخارجية، اضطُر البنك المركزي التركي للتدخل شهرياً لدعم الليرة التركية وتثبيت سعرها مقابل الدولار، لدرجة أنه اضطر لصرف ما مجموعه 65.7 مليار دولار من احتياطاته بالنقد الأجنبي منذ يناير 2019 وحتى مارس 2020، لدعم الليرة في السوق المحلية وتثبيت سعرها عند 6 ليرات للدولار. وقد أدى ذلك إلى تراجع احتياطات البنك المركزي التركي بشكل خطير وغير مسبوق. وتعتمد الحكومة التركية والبنك المركزي على عدم الشفافية للتغطية على هذه الحقيقة التي يمكن للمحللين الماليين حسابها. وأكبر دليل على هذا التراجع الخطير، هو فقدان البنك المركزي مؤخراً (خلال شهر مايو تحديداً) قدرته السابقة على التدخل وضخ الدولار في الأسواق لحماية سعر الليرة، كما كان يفعل في السابق، مما هوى بسعر الليرة بشكل متسارع إلى 7.24 ليرة للدولار مجدداً.

ويمكن حالياً إعلان فشل السياسة الاقتصادية التي وضعتها حكومة الرئيس أردوغان عام 2019، والتي ستكلف تركيا الدخولَ في أزمة تمويل قوية تُضاف إلى أزمتها الاقتصادية والركود الذي بدأ منذ عام 2018. وكل هذا يأتي في وقت جائحة كورونا التي قضت على ما بقي من آمال لدى الحكومة في دفع النمو ولو على حساب المدخرات الأجنبية. وقد باءت بالفشل جميع محاولات الحكومة التركية للحصول على تمويل أو استثمار أجنبي تحمي به سعر الليرة، أو تسد به العجز في ميزان التجارة الخارجية. وأصبحت الحكومة والسوق المالية التركية والقطاع الخاص كلها في مواجهة مستقبل غامض وخطير يعتمد على الخطوات التي ستخطوها الحكومة التركية للخروج من هذا المأزق بأسرع ما يمكن خلال الأسابيع القادمة حتى شهر يوليو، حيث من المتوقع أن ينفجر الوضع المالي مع حاجة العديد من الشركات التركية إلى النقد الأجنبي لدفع ديونها الخارجية المستحقة لهذا العام، والمقدرة بنحو 170 مليار دولار. وفي حال بقي الوضع على ما هو عليه دون حل، فإن الليرة التركية ستشهد تدهوراً كبيراً خلال صيف هذا العام يصعب تخمين حجمه، لكنه سيحوّل تركيا إلى حالة جديدة أشبه بما عاشته الأرجنتين سابقاً.

الحلول التقليدية المطروحة

اعتادت تركيا على أربع حلول تقليدية في مثل هذه الأزمات، لكن جميع هذه الحلول تواجه عقبات سياسية وعملياتية تحول دون تطبيقها حالياً. وفيما يلي مناقشة لهذه الحلول:

الأول، رفع سعر الفائدة: هو أحد أهم الحلول التقليدية من أجل إنقاذ سعر الليرة التركية، لكن وبسبب التوجه الأيديولوجي للرئيس أردوغان ووزير المالية البيرق الذي يصر على أن رفع سعر الفائدة سيعرقل الخطط الاقتصادية في تركيا لدفع النمو، فإن التوجه لهذا الحل غير مطروح حالياً على الأقل، لأنه سيعني اعترافاً بفشل الخطة الاقتصادية التي تم وضعها عام 2019، واعترافاً بفشل النظرية الاقتصادية التي وضعها أردوغان شخصياً، والقائلة بأنه يمكن خفض سعر الفائدة والتضخم معاً في تركيا.

الثاني، سحب الليرة التركية من السوق من خلال البنك المركزي بالتدريج، من أجل تقليل العرض وزيادة سعرها، لكن هذا الحل أيضاً يبدو غير ممكن مع تركيز الحكومة على إنقاذ الشركات ودفع النمو من خلال تقديم قروض مخفَّضة الفائدة عبر البنوك الحكومية، وتخصيص 100 مليار ليرة كتعويضات عن خسائر التجار خلال الإغلاق في فترة جائحة كورونا. ومع أنه تم رفع المبلغ إلى 200 مليار بعد ذلك، لكن المحللين الاقتصاديين يقولون إن ما تم إنفاقه حتى الآن لا يتجاوز 20 مليار فقط بسبب عجز الحكومة المالي، وأن الأموال التي تم تقديمها تم طبعها دون مقابل من قبل البنك المركزي.

الثالث، بيع المزيد من احتياطات البنك المركزي من الدولار، فقد قال وزير المالية برات البيرق في لقائه مع المستثمرين الأجانب في الأسبوع الأول من شهر مايو الحالي، إن لدى البنك المركزي احتياطاً من النقد الأجنبي، لكنه لم يذكر أي أرقام، علماً بأن أرقام البنك المركزي التركي تشير إلى أن مجموع احتياطاته الحالية من نقد أجنبي وذهب -خلال شهر مايو 2020- تبلغ قرابة 86 مليار دولار. لكننا نعلم أن 59 مليار دولار منها هي أموال للبنوك التركية موجودة كوديعة إجبارية في البنك المركزي، ولا يحق للبنك المركزي التصرف فيها لأنها ليست ملكه. وعليه فإن الاحتياطي الحقيقي والخالص من النقد الأجنبي لدى البنك المركزي التركي يبلغ 27 مليار دولار فقط، وهذه جميعها جاءت من اتفاقات تبادل SWAP  مع حكومات وبنوك أجنبية مطلوب سدادها خلال هذا العام، وعليه فإنه في حال أخرجنا مجموع الأموال من النقد الأجنبي التي يجب أن يعيدها البنك المركزي عند انتهاء اتفاقيات SWAP هذا العام، فإننا نجد أن الاحتياطي الحقيقي للنقد الأجنبي في البنك المركزي يساوي -2 مليار دولار (ناقص 2 مليار دولار)؛ وعليه فإن قدرة البنك المركزي على طرح المزيد من العملة الصعبة في السوق لحماية سعر الليرة باتت ضعيفة جداً. وهنا بدأت الحكومة التركية بالضغط على البنوك الخاصة والأجنبية العاملة في تركيا من أجل مساعدتها في الحصول على قروض واستثمارات أجنبية، أو إيداع المزيد من ودائع زبائنها من النقد الأجنبي في البنك المركزي، وقد هددت هيئة تنظيم عمل البنوك التركية البنوكَ الخاصة العاملة في تركيا بعقوبات مالية كبيرة (تصل إلى 500 مليون ليرة) للبنوك التي لا تتعاون مع البنك المركزي التركي. وخطوة الضغط هذه قد تأتي بنتائج محدودة وقصيرة الأجل، لكنها تزيد من فجوة الثقة بين البنوك الأجنبية والحكومة التركية.

وللمفارقة، ولتوضيح التخبط الحاصل في إدارة الاقتصاد التركي، فرضت هيئة تنظيم عمل البنوك –التي تخضع أيضاً لأوامر الرئيس أردوغان على الرغم من إعلانها الاستقلال في قراراتها- عقوبةً على ثلاثة بنوك أجنبية تتمثل بحرمانها من التعامل مع البنوك التركية، وهذه البنوك هي CitiBank الأمريكي، وUBS السويسري، وBNP PARIPAS الفرنسي. وقد جاء هذا القرار صبيحة يوم 8 مايو الماضي، علماً بأن وزير المالية برات البيرق كان على موعد لعقد اجتماع عبر الإنترنت مع عشرات ممثلي البنوك الأجنبية والمستثمرين الأجانب لدعوتهم إلى الاستثمار في تركيا، أو عقد صفقات SWAP مع البنك المركزي، وكان من بين المدعوين ممثلون عن هذه البنوك الثلاثة التي تم فرض العقوبات عليها صباح ذلك اليوم.  

الرابع، اللجوء إلى صندوق النقد الدولي، وهي خطوة تلجأ إليها الكثير من الدول التي في وضع تركيا الحالي، لكن السياسة الأيديولوجية للرئيس أردوغان جعلت هذا الأمر في غاية الصعوبة مع رفضه المطلق لهذه الخطوة، لأنها ستشكل اعترافاً بفشل كل سياساته الاقتصادية وسياسات حزبه الذي يفخر بأنه سدد جميع ديون تركيا للصندوق وأنهى جميع التعاملات معه. كما أن توتر العلاقات بين أنقرة وواشنطن يجعل أمر حصول تركيا على اتفاق Stand by مع الصندوق –حتى لو وافق أردوغان– أمراً صعباً لأن واشنطن لديها الحق في رفض أي اتفاق يُقْدم عليه الصندوق لكونها الشريك المؤسس الكبير في هذا الصندوق. وحتى لو لجأت تركيا إلى الصندوق لطلب الدعم العاجل بسبب جائحة كورونا (وهو دعم عاجل لا تستطيع واشنطن عرقلته)، فإن هذا الدعم سيكون محدوداً (ما بين 3.2 و9.5 مليار دولار فقط)، وحتى الآن لم تقْدم تركيا على التقدم بمثل هذا الطلب. وبالنظر إلى أن مجموع الديون التركية بلغ عام 2019 نحو 437 مليار دولار، وما يستحق منه الدفع خلال هذا العام يبلغ 169 مليار دولار، حصة القطاع الخاص منها 71 مليار دولار، فإن تركيا بحاجة إلى تمويل أو قرض بمبلغ أكبر بكثير مما يمكن أن تحصل عليه من صندوق النقد الدولي بحجة جائحة كورونا؛ إذ تحتاج تركيا إلى قرض بقيمة 60-80 مليار دولار من أجل الخروج من أزمتها الحالية.

 الحلول غير التقليدية المطروحة

ترفض حكومة الرئيس رجب طيب أردوغان أي حل اقتصادي للأزمة الحالية قد يُضر بالنمو أو يرفع أسعار الفائدة على الليرة التركية، كما ترفض اللجوء إلى صندوق النقد الدولي، ولكن من الواضح أن عدم الاستقرار المالي والاقتصادي في تركيا سيؤثر في الاستقرار السياسي فيها. ومن أجل الخروج من الأزمة الحالية تعتقد حكومة الرئيس أردوغان بأن عليها أن تقوم بأمرين أساسيين هما: الخروج سريعاً من أي إغلاق اقتصادي بسبب جائحة كورونا مهما كان الثمن صحياً واجتماعياً، وإيجاد تمويل خارجي ولو محدود يؤجل أو يمنع وقوع انهيار كبير في العملة التركية خلال الأشهر الستة المقبلة؛ أي أن الحكومة تبحث عن حلول مؤقتة وليس جذرية، لأن الرئيس أردوغان ما زال مؤمناً بقدرته على إعادة إحياء الاقتصاد التركي ودفع النمو من جديد، وأن ما حال دون تحقيق ذلك هو دخول أزمة كورونا على الخط، وهو يعتبرها أزمةً عابرة يمكن تجاوز آثارها من خلال اختصار زمن الإغلاق الاقتصادي، وإيجاد تمويل خارجي يحمي العملة التركية إلى حين عودة عجلة الاقتصاد للدوران من جديد خلال فترة يعتقد أردوغان بأنها لن تطول أكثر من 6 أشهر أو على أبعد تقدير نهاية العام الجاري.

والواقع أن جميع الحلول غير التقليدية التي سيتم شرحها هنا تعتمد بالأساس على الحصول على دعم من واشنطن ولندن، لذا فإن الرئيس أردوغان مضطر لتحسين علاقات بلاده مع الغرب عموماً، ومع واشنطن تحديداً في المرحلة الحالية. ومن اللافت للنظر هنا تحجج السلطات التركية بجائحة كورونا من أجل عدم تفعيل صواريخ "إس400" الروسية خلال شهر أبريل الماضي، على عكس ما وعد به الرئيس أردوغان ووزير الدفاع خلوصي أكار سابقاً، وهي خطوة مهمة لاسترضاء الكونغرس الأمريكي والبيت الأبيض. أما الحلول غير التقليدية فهي:

أولاً، عقد اتفاقية SWAP مع مجلس الاحتياط الفدرالي الأمريكي، أو أحد البنوك المركزية للدول الصناعية الكبرى؛ إذ يمكن لاتفاقية من هذا النوع بقيمة 10 مليارات دولار، أن توفر للبنك المركزي التركي دعمَ سعر الليرة التركية خلال الأشهر الستة المقبلة، إلى حين الخروج من تداعيات أزمة كورونا –كما يعتقد الرئيس أردوغان وفق حساباته الخاصة- لكنها لن تحل أزمة الاقتصاد التركي ولا أزمة الديون الخارجية. وقد أكد مسؤولون في مجلس الاحتياط الفدرالي الأمريكي أن تركيا ليست من بين الدول المدرجة على قائمة SWAP مع المجلس، في حين تسعى انقرة إلى إقناع البنوك المركزية، في اليابان وألمانيا وبريطانيا، بتوقيع اتفاقية SWAP مع تركيا، لكن يبدو تحقيق ذلك صعباً في ظل وجود فيتو أمريكي. وكانت تركيا مؤخراً قد وقعت اتفاقيتي SWAP مع الصين بقيمة مليار دولار عام 2019، ومع قطر بقيمة 5 مليارات دولار عام 2018، لكنها فشلت في توسيع هذه الاتفاقيات أو زيادة أرقامها. كما حصلت تركيا على "وديعة صفرية" بقيمة 4 مليارات دولار من حكومة الوفاق الليبية بداية العام الجاري، وسيكون صعباً الحصول على مبلغ مشابه من الحكومة الليبية قريباً مجدداً.

ثانياً، تغيير قواعد اللعبة المالية والاستثمارات في تركيا؛ وهو خيار مؤلم وصعب، حيث سيكون على الحكومة التركية فرض قوانين جديدة تمنع خروج الدولار من تركيا أو تحويله إلى الخارج، أو فرض ضرائب كبيرة على المستثمرين الأجانب لإجبارهم على عدم سحب ودائعهم واستثماراتهم (منذ بداية العام وحتى نهاية أبريل الماضي خرج من تركيا نحو 7 مليارات دولار من الاستثمارات الأجنبية). وتستطيع الهيئة المنظمة لعمل البنوك والبنك المركزي فرضَ هذه القواعد الجديدة والقوانين، لكن ذلك سيُضر بسمعة تركيا الاقتصادية دولياً، ويزيد من أزمة الثقة بينها وبين المؤسسات المالية والاقتصادية في الخارج.

ثالثاً، الاستفادة من الصندوق السيادي التركي الذي أسسه أردوغان عام 2016 ووضع في تصرف الصندوق معظم الشركات التركية الوطنية أو ما بقي بيد الحكومة من أسهمها. ولا يخضع هذا الصندوق لأي جهة رقابية في تركيا أو خارجها، لذا فإنه بإمكان الرئيس أردوغان وحكومته الحصول على قرض أجنبي بفائدة عالية مقابل رهن إحدى الشركات الحكومية التابعة للصندوق أو خصخصة هذه الشركة أو بيعها، إلا أن عملية الخصخصة أو البيع تأخذ وقتاً طويلاً وتضطر أردوغان للكشف عنها، بينما الحصول على قرض أجنبي مقابل وضع إحدى هذه الشركات كضامن أو رهن أمر يمكن فعله بسرية، لكنه أيضاً سيكون مكلفاً جداً ويحتاج أيضاً إلى ضوء أخضر من واشنطن بسبب فقدان الكثير من البنوك والمؤسسات المالية الأجنبية الثقة في تصرفات حكومة الرئيس أردوغان.

وكما ذكرنا فإن خطط الرئيس أردوغان تقوم على محاولة عبور الأزمة الراهنة التي يعتبرها مؤقتة لمدة ستة أشهر، ويعقد الأمل على عودة النمو في تركيا، وعودة الاستثمارات الخارجية من جديد، بعد خفض البنوك العالمية والمركزية الكبرى أسعار الفائدة إلى صفر، وبحث المستثمرين عن دول جديدة للاستثمار فيها. وسيحاول أردوغان جذب هذه الاستثمارات والأموال من جديد من خلال الإسراع في "تطبيع" الوضع الاقتصادي في تركيا وإنهاء الإغلاق، والادعاء بأن تركيا تغلبت تماماً على أزمة كورونا وعاد الاقتصاد فيها للحركة من جديد لتشجيع المستثمرين الأجانب على العودة إلى تركيا من جديد.

الخلاصة

في حال عدم إيجاد الحكومة التركية حلاً لأزمة الليرة والتمويل الخارجي قريباً (في غضون شهرين تقريباً)، فإن الليرة التركية ستواجه أزمةً جديدة قد تهوي بسعرها إلى 8.5 ليرة للدولار. وفي حال استمر الوضع على هذه الحال، فإن هذا سيؤدي إلى إفلاس عدد أكبر من الشركات التي لن تستطيع سداد ديونها الخارجية بسبب هذا السعر للدولار والركود الاقتصادي وجائحة كورونا، الأمر الذي سيزيد من أزمة البطالة التي تجاوزت نسبتها قبل أزمة كورونا 14%.

وهذا الوضع سيكون له انعكاسات سلبية على البنوك التي زادت فيها نسبة القروض غير المسددة، كما سيكون له انعكاسات قوية على الوضع السياسي واستقرار الحكومة. لذا فإن الحكومة التركية تبدو مضطرة لتقديم تنازلات دبلوماسية في السياسة الخارجية، خصوصاً في علاقاتها مع واشنطن ولندن من أجل إيجاد حل لأزمتها الاقتصادية الحالية.

أحدث المواضيع المميزة