التدخل التركي في ليبيا: المحددات والتحديات

مركز الإمارات للسياسات | 04 أغسطس 2020

مَثّل توقيعُ تركيا مع حكومة الوفاق بقيادة فايز السراج مذكرتي تفاهم لتحديد الحقوق البحرية والتعاون الأمني والعسكري بينهما في نوفمبر 2019، نقطةً فاصلة في التدخل التركي في الساحة الليبية؛ فتحول إلى تدخُّل مباشر ومُعلن ونوعي؛ فإثر ذلك زادت تركيا دعمها العسكري لقوات الوفاق وعدا عن تزويدها بمنظومات التسلح النوعية أمدّتها أيضاً بمستشارين عسكريين أتراك ومرتزقة سوريين تابعين لها؛ الأمر الذي ساهم في تحويل مجريات المعركة ونجاح قوات الوفاق من إخراج قوات الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير حفتر من مدن الساحل الغربي، وطرابلس وضواحيها، وقاعدة الوطية الجوية ومدينة ترهونة، وتراجُعها نحو مدينة سرت وقاعدة الجفرة العسكرية في وسط البلاد.

وقد فتح ذلك "النصر العسكري" لقوات الوفاق شهيةَ أنقرة لقطف ثمار تدخلها من خلال تعزيز نفوذها العسكري بإقامة قواعد لها في الأرض الليبية، وتحقيق مصالحها الاقتصادية عبر توقيع اتفاق مع حكومة طرابلس للتنقيب عن النفط والغاز قبالة السواحل الليبية، إلا أن الأهداف والتمدد التركي في ليبيا يصطدم بالسياسات الإقليمية والدولية تجاه ليبيا.

دوافع التدخل التركي في ليبيا وقيوده

يجب القول بداية إن التدخل العسكري التركي في الملف الليبي، والوجود التركي على الأرض الليبية، لم يكن جزءاً من خطة استراتيجية مُعدَّة مُسبقاً، وإنما جاء كردة فعل على تطور الأحداث في ليبيا، وعليه فإن مستقبل التدخل التركي في ليبيا سيبقى متعلقاً أيضاً بتطورات الظروف العسكرية والسياسية على الأرض وفي المنطقة. وهنا يمكن الوقوف على عدة عوامل تحدد التحركات التركية في ليبيا:

أولاً، الفراغ الجيواستراتيجي. فسقوط نظام القذافي وفشل الليبيين في إنشاء نظام سياسي بديل مستقر، وتعرُّض المصالح الأمريكية في ليبيا للهجوم الذي دفع واشنطن إلى التراجع وإهمال متابعة هذا الملف في شمال أفريقيا، وكذلك انكفاء الاتحاد الأوروبي على نفسه في الفترة الأخيرة بسبب مشاكله الداخلية وأزمة خروج بريطانيا (البريكست) وتراجُع قوة تأثيره في الملف الليبي بسبب التنافس الفرنسي-الإيطالي؛ كل هذه العوامل أدت إلى خلق فراغ جيواستراتيجي في ليبيا، حاولت كلٌّ من مصر وروسيا أن تملأه من خلال لعب دور فاعل هناك على الأرض وبأقل التكاليف (دون التدخل المباشر وإنما من خلال حلفاء محليين)، وهذا ما دفع تركيا إلى دخول ميدان السباق هناك وبأسلوب مُشابِه، أي من خلال وكلاء على الأرض دون الوجود بشكل مباشر ومُعلَن.

ثانياً، غياب أي قوة ردع. تبعاً للسبب الأول ومن خلال حساباتها الجيواستراتيجية، أدركت أنقرة أنه لن تكون هناك قوة بإمكانها أن تتصدى لها في ليبيا وتردع تقدمها هناك، بسبب انشغال اللاعبين أنفسهم بملفات أخرى، وانشغال مصر بمشاكلها الداخلية والاقتصادية؛ ما سيجعل من الصعب على هذه الدول التصدي لتركيا في ليبيا. لكن المهم كان إدراك أنقرة مدى العجز الأوروبي عن الوجود في ليبيا والتدخل هناك، على الرغم من أهمية الملف الليبي للاتحاد الأوروبي أمنياً.

وقبل التدخل العسكري التركي في ليبيا سبقه عمليات جس نبض تركية لقوة ردع الاتحاد الأوروبي من خلال عمليات التنقيب عن النفط والغاز في شرق المتوسط، وبدا الاتحاد الأوروبي عاجزاً تماماً عن توجيه أي ضربة رادعة لتركيا حينها؛ ما شجَّع صانع القرار التركي على توسيع هذا الدور ليصل إلى ليبيا. ولعل القرار التركي الذي بدا مغامرةً في بداية الأمر، قد حقق نتائجه وأكد التحليلات التركية حول عجز أو عدم وجود قوة أوروبية أو عربية رادعة يمكنها إيقاف المخطط التركي، وأهم مثال على ذلك استمرار أنقرة في نقل المسلحين والسلاح إلى حكومة طرابلس حتى بعد مؤتمر برلين (في يناير 2019) دون وجود أي رد فعل دولي حقيقي قوي على الأرض.

ثالثاً، حماية المصالح التركية في ليبيا وشرق المتوسط. هناك العديد من المصالح التركية المهمة جداً في ليبيا؛ بدايةً من أموال شركات الإنشاءات التي لم يتم تحصيلها بسبب سقوط نظام القذافي، بالإضافة إلى مشاريع إعادة الإعمار، ومشاريع استخراج النفط، وبناء محطات الطاقة الكهربائية وغيرها من مصالح اقتصادية كبيرة. لكن أهم هذه المصالح هو ارتباط ليبيا الآن عضوياً وسياسياً بملف الصراع على تحديد مناطق النفوذ الاقتصادية في شرق المتوسط. فمع رفض الرئيس رجب طيب أردوغان تطبيع العلاقات مع مصر وإسرائيل من أجل إعادة رسم الحدود البحرية، ومواجهة المشروع اليوناني القبرصي في شرق المتوسط، لجأت تركيا إلى حل ابتدعته من خلال توقيع مذكرة التفاهم مع حكومة طرابلس حول تحديد الحقوق البحرية مع ليبيا، وبذلك أصبحت ليبيا جزءاً ضامناً للأمن القومي التركي ومصالحها في شرق المتوسط، وبات استمرار حكومة الوفاق في الحكم أمراً استراتيجياً لتركيا من أجل المحافظة على اتفاقية تحديد الحقوق البحرية لمواجهة مخططات دول شرق المتوسط، وعليه فإن التدخل العسكري التركي كان إلزامياً بعد محاولة الجيش الوطني الليبي وبقيادة المشير خليفة حفتر إسقاط حكومة الوفاق ودخول طرابلس.

رابعاً، تطورات السياسة الداخلية التركية، وخصوصاً التحول إلى النظام الرئاسي وجمع الرئيس أردوغان جميع الصلاحيات في يده، وفرض وجهة نظره الخاصة على السياسة الخارجية دون أي عوائق. هذا جعل تركيا تحذو حذو سياسة روسيا - النموذج الذي يبدو الرئيس أردوغان معجباً به – من خلال القيام خطوات جريئة وقوية بل عسكرية من أجل اغتنام الفرص في المناطق الرخوة - مناطق الفراغ السياسي -  القريبة في المنطقة، واستخدامها من أجل المصالح التركية. كما أن التدخل العسكري التركي في ليبيا يخدم مصالح الدعاية الأردوغانية بشأن "العثمانية"، وتحوُّل تركيا إلى دولة "عظمى" في المنطقة، و"وحدة المصير مع أبناء المنطقة". كما أن هذه السياسة تزيد من دعم التيار القومي – حليف أردوغان حالياً – له، وإن كان هناك خلاف بين أردوغان والقوميين في الشأن الليبي، حيث يفضل القوميون التوجه - بعد تثبيت الأقدام عسكرياً في ليبيا - إلى استخدام هذا الوضع من أجل التفاوض مع مصر وإسرائيل، وهو ما من شأنه فصل ملف شرق المتوسط عن ملف ليبيا مستقبلاً، في حال التوصل إلى اتفاقات مُرضية مع مصر وإسرائيل، بحيث تصبح اتفاقية ترسيم الحدود التركية-الليبية غير ذات أهمية. لكن الموقف الأيديولوجي للرئيس أردوغان تجاه جماعة الإخوان المسلمين يحُول دون الحوار مع القاهرة. وهنا يرى القوميون الأتراك أن الأولوية الآن هي دعم أردوغان في ليبيا إلى حين التوصل إلى نقطة الانتقال من المواجهة العسكرية إلى المفاوضات السياسية هناك، وبعدها يمكن رفع الصوت بشأن ضرورة التفاوض مع مصر وإسرائيل.

يمكن القول أخيراً إن الاستراتيجية التركية للبقاء عسكرياً في ليبيا لم تتبلور إلا بسبب "أخطاء" ارتكبها الطرف الآخر، والتي فرت فرص التدخل التركي والحماية الأمريكية له، لتتحول من عملية اقتناص فرصة إلى استراتيجية تتوسع يوماً بعد آخر وفق الظروف والتطورات السياسية، التي ما زالت حتى الآن تسير في صالح الاستراتيجية التركية للتدخل والبقاء. وتتركز الأولوية الاستراتيجية لتركيا في ليبيا في "توفير الحماية والتمويل اللازمين لحكومة الوفاق في طرابلس كي تبقى طرفاً أصيلاً في أي حل سياسي قادم"، مع البحث عن سبل توفير هذه الحماية وهذا التمويل محلياً، من أجل تخفيف العبء عن تركيا وعدم الدخول في صراع مباشر في ليبيا.

لكن مستقبل الصراع في ليبيا حالياً بدأ يحمل معه مخاطر جديدة وجدية قد تُغير الصورة هناك وتدفع تركيا إلى اتخاذ خطوات جديدة، ومن أهم المتغيرات والمخاطر التي تواجهها تركيا في ليبيا قريباً، هي:

  1. خطر انتقال الصراع على الأرض الليبية من حرب الوكالة إلى المواجهة المباشرة، سواء مع مصر أو روسيا. فتركيا تزيد وجودها العسكري على الساحة باتجاه بناء قاعدة جوية وأخرى بحرية، فيما أرسلت روسيا طائراتها المقاتلة إلى قاعدة الجفرة، بينما تهدد القاهرة علناً بالتدخل العسكري المباشر عبر دعم القبائل والبرلمان الليبي. وحتى الآن كانت الحرب في ليبيا عن طريق الوكالة غير مكلفة لتركيا عسكرياً، لكن تحولها إلى حرب مباشرة نظامية سيكون مكلفاً جداً، مالياً وبشرياً.
  2. تُدرك أنقرة بأن حكومة الوفاق، ورغم تعاونها الوثيق معها، فإنها تبحث عن بدائل سياسية خارجية لأنها لا تريد أن تكون تحت الوصاية التركية المباشرة، وقد بدأت هذه الحكومة مباحثات مباشرة مع الولايات المتحدة ومع إيطاليا أيضاً، من أجل تنويع مصادر دعمها الخارجي. وفي المقابل فإن واشنطن تدعم وتدفع حكومة الوفاق من أجل تخفيف اعتمادها على تركيا، وفتح مجالات لخيارات أمريكية أخرى.

الصراع التركي-الفرنسي في ليبيا

ردود الفعل الفرنسية الغاضبة على الوجود التركي في ليبيا، تتجاوز الملف الليبي إلى إطار أوسع في العلاقات بين أنقرة وباريس، ولهذا عدة أسباب. فالعلاقات بين البلدين بدأت تتوتر بسبب مشاكل تعود إلى عام 2017، فبعد أن كان التعاون سائداً بين البلدين في الملف السوري، أخذت الخلافات تظهر مع تقديم باريس الدعم لقوات سوريا الديمقراطية (قسد) ذات الغالبية الكردية هناك، وتحول التعاون بين تركيا وفرنسا في سوريا إلى تنافس ومصالح متعارضة. تبع ذلك خلافات بين البلدين داخل حلف شمال الأطلسي (الناتو) على عدة خطط دفاع استراتيجية. وقد فشلت جهود الوساطة السرية بين البلدين عامي 2018 و2019، وتحول الخلاف إلى خلاف شخصي بين الزعيمين إيمانويل ماكرون ورجب طيب أردوغان مع تبادل الألفاظ الجارحة والاتهامات مؤخراً. ليتبع ذلك وبشكل مفاجئ إلقاء القبض على عدد من المواطنين الأتراك في إسطنبول بتهمة "التجسس" لصالح باريس، وهو جزء آخر يضاف إلى حلقات الخلاف بين العاصمتين.

ويستند الخلاف الأساسي بين أنقرة وباريس على ليبيا إلى قلق فرنسا من أن التدخل العسكري التركي الذي بدأ نهاية 2019، سيقوِّض الجهود الأوروبية لاحتواء هذا الملف. فمع الانسحاب الأمريكي من الملف الليبي، اعتقدت باريس أن الاتحاد الأوروبي يمكنه احتواء ملف ليبيا، لكن التدخل التركي كشف العجز الأوروبي، وهدّد بخروج هذا الملف عن السيطرة الأوروبية، وتفاقمَ الخلافُ مع استقدام تركيا المسلحين المرتزقة إلى ليبيا بشكل يهدد الأمن الأوروبي. والأهم من ذلك أن باريس لا ترى في التدخل التركي في ليبيا مجرد خطوة لحفظ مصالحها هناك، وإنما الرأي السائد في باريس هو أن التدخل التركي هو جزء من استراتيجية تركية جديدة في شرق المتوسط وشمال أفريقيا وأفريقيا عموماً، تهدد المصالح الفرنسية هناك.

وتتابع باريس بقلق بالغ التمدد التركي الناعم في أفريقيا عبر وكالة التعاون والتنسيق التركية (TIKA) التي تعمل على تقديم الدعم المالي والاجتماعي للدول الأفريقية، وهو النشاط الذي زاد مؤخراً بسبب الدعم القطري له مالياً. كما تلاحظ فرنسا توسيع تركيا وجودها العسكري في الصومال بعد إعلانها عن التنقيب عن النفط والغاز هناك بالقرب من باب المندب، وزيادة عدد الخطوط التي تطير إليها الخطوط الجوية التركية في عدد من العواصم الأفريقية جنوب الصحراء وغربها، بالإضافة إلى ما ظهر من علاقة قوية بين المخابرات التركية وعدد من الفصائل الإرهابية في أفريقيا بعد الإفراج عن رهينة إيطالية في الصومال مؤخراً.

ومن هنا ومع زيادة النشاط العسكري التركي في شرق المتوسط، فإن باريس ترسم صورة "تبدو حتى الآن أضخم من الحقيقة" لمشاريع تركيا في أفريقيا، والتي قد تمهد للعب تركيا دور الشريك البديل للقوات الأمريكية في أفريقيا بعد تراجع الدور الفرنسي بسبب الأزمة المالية والمشاكل الداخلية الفرنسية التي أدت بالرئيس ماكرون إلى اقتطاع جزء من موازنة تسليح الجيش الفرنسي في الخارج، العام الماضي. وعليه، ليس الخلاف التركي-الفرنسي محدوداً بالملف الليبي وإنما هو دفاع فرنسي عن احتمال تمدد الدور التركي والهيمنة التركية على مساحات أوسع من أفريقيا بدعم أمريكي من خلال بوابة ليبيا.

وهنا يبدو "خطر" التمدد التركي في أفريقيا عبر البوابة الليبية، أكبر بالنسبة لفرنسا من "خطر" التمدد الروسي هناك، على الرغم مما يجمع بين أنقرة وباريس من تحالف "مفترض" داخل حلف شمال الأطلسي، وذلك لعدة أسباب، أهمها المشترك الديني والتاريخي بين تركيا وعدد من شعوب القارة الأفريقية مما يسهل التدخل التركي فيها، خصوصاً مع نشاطها الثقافي والإغاثي هناك، والدعاية العثمانية الإسلامية التي يرددها الرئيس رجب طيب أردوغان. وكذلك وجود علاقات بين أنقرة وعدد من الجماعات المتطرفة في أفريقيا، مثل جماعة الشباب الصومالية وبوكو حرام في نيجيريا، مما يجعلها أقدر ليس فقط على التدخل والتأثير في تلك الدول، وإنما تهديد مصالح الدول الأخرى مثل فرنسا هناك. وأخيراً، احتمالية أن تستبدل واشنطن حلفها الأمني والعسكري ضد الإرهاب في غرب أفريقيا القائم مع فرنسا، بحلف جديد مع تركيا هناك، مع تراجع القدرات العسكرية الفرنسية بسبب التقشف الاقتصادي، في مقابل توسُّع العمل العسكري التركي خارجياً، وهي مهمة تبدو ممكنة نظرياً، وإن كان تحقيقها عملياً لا يزال رهناً بقرار واشنطن وتقديمها الدعم المالي واللوجستي اللذين تفتقدهما تركيا حالياً.

ومن وجهة نظر تركية، فإن أنقرة تدرك وتعتقد أنه ليس بيد فرنسا الكثير لتقوم به في ليبيا، وذلك لعدة أسباب: أولها العقدة النفسية لدى الفرنسيين من تدخل الرئيس السابق ساركوزي في ليبيا، وتوابع ذلك التدخل من فوضى ومشاكل أمنية؛ وثانيها انقسام الاتحاد الأوروبي على نفسه بين ألمانيا وفرنسا وبريطانيا وإيطاليا، حيث لكل طرف وجهة نظر خاصة به، تجعل فرنسا في كثير من الأحيان تبدو وحيدة في جهودها الدبلوماسية. وإذا ما أضفنا التحسُّن أو التقارب التدريجي بين أنقرة وواشنطن في الملف الليبي، فإن أنقرة لا تُقيم وزناً كبيراً لردود الفعل الفرنسية في هذا الإطار.

العلاقات التركية-الأمريكية والملف الليبي

بدا الدعمُ الأمريكي الضمني للتدخل العسكري في ليبيا مفاجئاً للوهلة الأولى، بالنظر إلى طبيعة العلاقات بين البلدين خلال عام 2019. فالخلاف بين البلدين في سوريا كان على أشده، وكذلك بسبب التعاون التركي مع موسكو هناك، ولم تُخْفِ واشنطن قلقها من التحركات التركية في شرق المتوسط، وأعلنت عن دعمها صراحةً لقبرص واليونان، ودعمت واشنطن بوضوح منتدى غاز المتوسط في القاهرة الذي شاركت فيه اليونان وقبرص وإسرائيل ومصر.

لكن زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى واشنطن في 13 نوفمبر الماضي، والتي تزامنت تقريباً مع الإعلان عن الاتفاقيات التركية مع حكومة الوفاق، كانت فرصة لجس نبض واشنطن حول هذا الملف، ويبدو أن الرئيس أردوغان استطاع أن يقرأ بشكل صحيح الموقف الأمريكي الذي لن يعارض زيادة التدخل التركي في ليبيا، كونه يأتي مُوازناً للوجود العسكري الروسي هناك. كما قرأت أنقرة بدقة موقف واشنطن المنزعج من المشير حفتر بسبب استعانته بموسكو، وسماحه بزيادة أعداد مقاتلي شركة فاغنر الروسية على الأرض الليبية. لذا كان تركيز الرئيس أردوغان واضحاً في تصريحاته على المشير حفتر الذي يعلم أن صورته في واشنطن بدت غير موثوق بها وبنواياها السياسية. كما استطاعت أنقرة أن تقرأ تأثير الانتخابات الأمريكية المقبلة على الملف الليبي، من خلال عودة ظهور عنصر "محاربة التمدد الروسي في المنطقة" مجدداً، وهو ما يخدم دعم التوسع التركي العسكري في ليبيا، ولكن بحدود وشروط أمريكية وليس بالمطلق. إذ أعلنت قيادة القوات الأمريكية في أفريقيا عن رفضها للوجود العسكري الروسي في ليبيا، ومن خلال سياسة الرئيس ترمب بعدم الزج بالجيش الأمريكي في صراعات الشرق المتوسط، فإن الخيار الأفضل لواشنطن من أجل ضبط "جموح" المشير حفتر وما خلقه من فرصة للتدخل الروسي، هي دعم الوجود العسكري التركي في ليبيا من أجل إحداث توازن عسكري على الأرض يؤدي في النهاية إلى بدء مفاوضات سياسية جدية.

وجاء هذا الدعم الأمريكي للموقف التركي في ليبيا تدريجياً منذ زيارة الرئيس أردوغان لواشنطن في نوفمبر الماضي، حيث تم الاتفاق على زيادة التقارب والتعاون بين البلدين في مختلف المجالات، ولوحظ في الأشهر الستة الأخيرة زيادة التعاون بينهما في سوريا على حساب تعاون تركيا مع موسكو هناك. وقد سمحت واشنطن لتركيا بحرية نقل السلاح إلى ليبيا عبر البحر والجو، وسمحت لها باستخدام السلاح الأمريكي في ليبيا.

التوقعات

يجب التذكير بأن الدعم الأمريكي لتركيا في ليبيا مشروطٌ بتحقيق المصالح الأمريكية هناك، القائمة على هدفين أساسيين: إضعاف النفوذ الروسي، والتوصل إلى توازن للقوة على الأرض يُفضي إلى بدء مسار الحل السياسي والمفاوضات وتقاسم السلطة. فيما تُبدي واشنطن امتعاضها من استخدام تركيا عناصر "جهادية" في عملياتها العسكرية في ليبيا، بينما تحاول أنقرة إقناع واشنطن بأن جميع هذه العناصر تحت سيطرتها.

وفي هذا الوقت تلعب واشنطن دور الوسيط السري وغير الرسمي بين القاهرة وأنقرة من أجل الوصول إلى حل وسط يحُول دون الصدام العسكري المباشر بين البلدين في ليبيا، إذ إن نشوب مواجهة عسكرية مباشرة بين حليفَيها، مصر وتركيا، سيفتح المجال بشكل أوسع للتدخل الروسي أو دعم موسكو للجيش الوطني الليبي، وهو ما لا تريده واشنطن. لكن الوساطة الأمريكية ما زالت تصطدم بالموقف الأيديولوجي للرئيس أردوغان تجاه الاعتراف بنظام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وموقفه من تنظيم الإخوان المسلمين الذي يرفض أردوغان تصنيفه كتنظيم إرهابي. فيما تُعتبر ورقة النفط الليبي من أهم الأوراق حالياً، لأن حرمان حكومة الوفاق من مدخول النفط يعني زيادة كلفة العمل العسكري على تركيا التي تتولى حالياً وبشكل سري، بيع النفط الليبي عبر بنوكها من أجل دعم سعر الليرة التركية، وتحصل على ثمن السلاح ورواتب المقاتلين من حكومة الوفاق.

وتَعتبر تركيا التعاونَ مع واشنطن في ليبيا فرصةً من أجل تصحيح العلاقات بين البلدين، والحصول على دعم واشنطن في ملف دعم الاقتصاد التركي والحصول على قروض من الخارج، لذا فإن أنقرة تتحرك بالتنسيق المباشر مع واشنطن على الأرض الليبية، وعليه فإنه من غير المتوقع – رغم كل التصعيد العسكري الحاصل - أن تسارع أنقرة إلى دعم هجوم قوات حكومة الوفاق على سرت والجفرة، ومن المرجح أن تنتظر نتيجة الوساطة الأمريكية، التي ربما تُفضي في النهاية إلى إرسال قوات دولية أو من الأمم المتحدة للسيطرة على سرت والجفرة، وتنظيم عملية بيع النفط الليبي بشكل محايد.

لكنْ في المقابل فإن تركيا سترد على كل خطوة مصرية تصعيدية، من خلال عقد اتفاقيات لبناء قاعدة بحرية وأخرى جوية في ليبيا، ومحاولة نقل مقاتلات تركية إلى ليبيا ودبابات وقوة عسكرية استعداداً للسيناريو الأسوأ، وهو الصدام العسكري المباشر بين مصر وتركيا على الأرض الليبية، وفي هذا السيناريو، ستحاول أنقرة قدر الإمكان تجنُّب المواجهات العسكرية المباشرة لكنها ستسعى قدر الإمكان إلى تحويل الصراع إلى عملية استنزاف عسكري للطرف المصري، من خلال تنشيط العمليات الإرهابية في الشرق الليبي والداخل المصري مجدداً. 

أحدث المواضيع المميزة