الاختراق التركي للاتحاد الأوروبي: مظاهره وأهدافه والسياسات المضادة

أحمد نظيف | 14 يناير 2021

على مدى عقدين تقريباً من حكم حزب العدالة والتنمية برئاسة رجب طيب أردوغان، نجحت تركيا في اختراق دول الاتحاد الأوروبي بشكل غير مسبوق، اعتماداً على الثقل الديموغرافي لجالياتها الممتدة في القارة، وإمكانات هذه الجالية، المالية الكبيرة، وكذلك على حلفائها من الجماعات الإسلامية ذات الحضور التاريخي والعميق في دول الاتحاد الأوروبي.

تُلقي هذه الورقة الضوء على ملامح السياسة التوسعية التركية في دول الاتحاد الأوروبي، من خلال شبكات سياسية ودينية وجماعات ضغط أنشأتها الدولة التركية على مدى سنوات، ومظاهر هذا الاختراق وماهيته والأهداف التي تريد أنقرة تحقيقها من خلاله، وردّ الفعل الأوروبي تجاه هذه السياسات وآفاقها المستقبلية في ظل "استفاقة" أوروبية متنامية ضد الإسلام السياسي وداعميه.

تطوّر الشبكات التركية في أوروبا

منذ ثمانينيات القرن الماضي زاد اهتمام تركيا بالشتات التركي الكبير في أوروبا، حيث كانت هذه الجاليات البيئة المفضلة لنشاط حركة مللي غوروش Milli Görüş (الرؤية الوطنية)، القريبة من تيار الإخوان المسلمين، والتي أسسها نجم الدين أربكان منذ العام 1969، بوصفها امتداداً أوروبياً لحزبه الإسلامي "النظام الوطني"، وتَجذَّر وجودها أكثر في أعقاب الانقلاب العسكري عام 1971. وكان اهتمام الجمهورية الكمالية حينذاك مُنصبَّاً على تحييد الجاليات التركية في أوروبا وإبعادها عن تيار الإسلام السياسي. وفي هذا السياق، بدأت السلطات التركية في توقيع اتفاقيات مع الدول الأوروبية يتم بمقتضاها افتتاح فروع للاتحاد التركي الإسلامي لمديرية الشؤون الدينية (DİTİB) (1) في العواصم الأوروبية كي يقوم بالإشراف على المساجد التي تؤمها الأغلبية التركية، وإدارة الجمعيات الإسلامية، والتصرف في منح شهادات اللحوم الحلال. وحتى ذلك الوقت لم يكن للدولة التركية أهداف تتعلق بتوظيف هذا الشتات التركي في صراعات خارجية بقدر ما كان هدفها السيطرة عليها، ومنع الحركات الإسلامية والكردية من اختراقها، والاستفادة من ذلك الشتات اقتصادياً، باعتبار أن شبكات "التضامن الأناضولي" المكوَّنة من مُهاجري الريف التركي منذ خمسينيات القرن الماضي، كانت إحدى أهم مصادر العملة الصعبة للدولة التركية(2).

وعندما وصل حزب العدالة والتنمية إلى السلطة في العام 2002 وجد بنية تنظيمية قوية وواسعة تضم المئات من المساجد والجمعيات والمؤسسات الاقتصادية التي تسيطر عليها الدولة التركية، جاهزة. وانطلاقاً من التوجهات الإسلاموية للنظام الجديد، بدأت حكومة العدالة والتنمية في تجسير الهوة بين قُطبي الصراع حول الشتات التركي وهما الاتحاد التركي الإسلامي لمديرية الشؤون الدينية، الممثل الرسمي للدولة، و"حركة مللي غوروش" التي تمثل التيار الإسلاموي، إذ تحولت العلاقة بين الطرفين من الصراع إلى التنسيق، لتتمكن الحكومة من بسط سيطرتها التامة على المؤسسات الدينية والدعوية والتعليمية التابعة للجالية التركية في عموم القارة الأوروبية، ولم يبق خارج سيطرة الدولة التركية سوى المنظمات العلوية والكردية، باعتبار أغلبها مؤسسات مُعارِضة للنظام في أنقرة.

ومن خلال هذا التحالف "المقدس" أصبح النظام التركي يسيطر على نحو 300 مسجد في فرنسا من خلال الاتحاد التركي الإسلامي لمديرية الشؤون الدينية، و300 جمعية إسلامية من خلال "مللي غوروش"(3)، والتي تضم في صفوفها 100 ألف عضو ناشط في عموم القارة الأوروبية، نصفهم في ألمانيا وحدها، وفقاً لتقديرات نشرتها السلطات الألمانية، حيث تتخذ هذه المنظمة من مدينة كولن مقراً رئيسياً لها. وفي بلجيكا تسيطر الحركة على 300 جمعية إسلامية، و147 مسجداً، ولديها نحو 15000 إماماً ومعلماً وموظفاً، أما الاتحاد التركي الإسلامي فيدير حوالي 700 مسجداً في بلجيكا، ولديه نحو 9000 إمام ومعلم في ألمانيا(4). وهذه الأرقام لا تشمل التكايا الصوفية، والجمعيات الثقافية التي دعمتها أنقرة بسخاء.

وطَوَّرت التيارات الإسلامية التركية في أوروبا بالتحالف مع مؤسسات الدولة التركية، إسلاماً اجتماعياً نشطاً للغاية، مع التركيز على تعزيز الروابط المجتمعية للسيطرة على أكبر حيّز ممكن من الشتات، وذلك من خلال العمل على ثلاثة محاور: إنشاء المساجد، والتعليم مع إعادة تأكيد القيم التقليدية المشوبة بالعثمانية، والدعم الاجتماعي والتعليمي. ومن خلال شبكة من أئمة المساجد الذين ترسلهم أنقرة سنوياً إلى العواصم الأوروبية نجحت في وضع يدها على قطاعات واسعة من الجالية التركية، وخاصة الفئات الشبابية. فالرقابة الدينية على الأتراك الأوروبيين من قبل الدولة التركية تؤثر على كامل عملية التنشئة الاجتماعية للأتراك في الدول المضيفة. وسيكون من السذاجة الاعتقاد بأن الأئمة الذين أرسلتهم أنقرة للوعظ موجودون هناك فقط لأسباب دينية وفردية؛ فوظيفتهم تتجاوز بكثير الإطار الديني، ولها آثار على طريقة التصرُّف في مجتمع الأغلبية، وعلى تثبيت أسس الولاء للقيادة التركية وخدمة مصالحها(5).

وإلى جانب الشبكات الدينية والمساجد، يملك النظام التركي اليوم شبكات سياسية وبحثية في دول الاتحاد الأوروبي، سيما في العواصم المؤثرة كبرلين وباريس وبروكسل وفيينا، ساهم في تأسيسها على مدى السنوات الأخيرة لتقوم بأدوار شتى، تراوحت بين الدعاية للنظام إلى القيام بأعمال الجماعات الوظيفية ومراكز الضغط السياسي، وصولاً إلى إخضاع أصوات المعارضة وملاحقتها حيث ما وجدت.

وفي هذا السياق، برز توجه النظام التركي نحو إعادة إنتاج جماعات تركية تعمل على الساحة الأوروبية لتجنيدهم ضمن شبكاته، لعل أهمها حركة "الذئاب الرمادية" القومية، وهي منظمة شبه مسلحة تأسست في ستينات القرن الماضي للدفاع عن القومية التركية. واستمرت الحركة في التطور لتصبح منظمة إجرامية تُعرف رسمياً باسم "الشباب المثالي"، وقد استخدمتها الحكومات التركية في محاربة الشيوعية والحركات الانفصالية الكردية والأرمن. ووفاءً لأيديولوجيتها الأصلية وهي محاربة خصوم تركيا العرقييّن (الأكراد والأرمن والعرب)، فقد تطورت لتتكيف مع وصول حزب العدالة والتنمية للسلطة في تركيا، ومشاريعه التوسعية، إذ تلعب الذئاب الرمادية اليوم دوراً رئيساً باعتبارها رافعةً للقوة التركية(6).

وفي أعقاب الانقلاب العسكري الذي حدث في تركيا في سبتمبر 1980، بدا أن الدولة التركية تخلت عن رعاية الذئاب الرمادية بعد أن وضعت العشرات من قادتها في السجون، وفقدت الحركة زخمها وقدرتها على الفعل السياسي؛ فتحولت إلى عصابة تحترف الأعمال المحظورة، وكانت أوروبا ساحة عملها الأكبر. لكن مع وصول حزب العدالة والتنمية للسلطة، بدأت السلطات التركية الجديدة في محاولة إعادة إنتاج الحركة القومية المتطرفة واستغلال حضورها الأوروبي، وحصلت تحولات فكرية في داخل الحركة من الإيديولوجية الطورانية النقية نحو الجمع بين القومية والإسلاموية.

كما ساهمت السلطات التركية في دعم تأسيس مجموعات ضغط (لوبي) سياسي في عواصم الاتحاد الأوروبي أبرزها "اتحاد الديمقراطيين الأتراك الأوروبيين "(UETD)، وهو أكبر شبكة ضغط تركية في الخارج تابعة رأساً لحزب العدالة والتنمية الحاكم، يوجد مقرها الرئيس في مدينة كولن الألمانية، ولديها فروع في فرنسا وبلجيكا والنمسا وهولندا، حيث تعمل للضغط من أجل الأهداف السياسية لحكومة أردوغان تجاه هذه الدول الأوروبية، وفي الوقت نفسه لإقناع الأتراك الذين يعيشون في أوروبا بدعم هذه الأهداف. وقامت المجموعة بتوسيع عملياتها بشكل كبير في ألمانيا، وفتحت فروعاً جديدة في برلين وميونيخ وشتوتغارت، وفي مناطق الشرق الفرنسي، حيث يوجد ثقل ديموغرافي تركي، خلال السنوات الأخيرة. وبفضل شبكة الدعم هذه، أصبح حزب العدالة والتنمية الذي يتزعمه أردوغان أفضل تنظيماً في ألمانيا من أي حزب تركي آخر. وفي المقابل، لم يتوقف الدعم الرسمي التركي السخي لهذه المجموعة، إذ منحت حوالي 10 ملايين يورو في عامي 2012 و2013 وحدهما(7).

وإلى جانب "اتحاد الديمقراطيين الأتراك الأوروبيين"، هناك منظمة تركية أخرى تعمل في المجال الأوروبي، بوصفها مؤسسة ضغط، هي "مجلس العدل والمساواة والسلام" المُقرَّب من حزب العدالة والتنمية الحاكم. وتنتشر هذه المؤسسة في أكثر من 15 بلداً أوروبياً إلى جانب تركيا والبلقان، وتعمل بشكل خاصة ضمن أنشطة المنظمات الدولية وشبه الحكومية كالمجلس الأوروبي والبرلمان الأوروبي ومنظمة الأمن والتعاون في أوروبا واليونسكو، ويتزعمها الفرنسي من أصل تركي علي جديك أوغلو، العضو السابق في جماعة نجم الدين أربكان، والذي يعتبر أحد داعمي سياسات أردوغان ومدافعاً قوياً عنه حتى في مواجهة سياسات الدول التي يعمل داخلها المجلس. (8)

أهداف الاختراق

تضرب سياسة الاختراق التركي للاتحاد الأوروبي من خلال مروحة من الشبكات متنوعة الانتماء والبيئات، عصافير كثيرة بحجر واحد. إذ تلعب هذه الشبكات دوراً مركزياً في السيطرة على الجاليات التركية وتحويلها إلى قواعد اجتماعية للنظام السياسي في أنقرة، واستعمالها في حشد التأييد لنظام الرئيس أردوغان وحزبه داخل الشتات التركي، خلال المحطات الانتخابية، حتى تحولت العواصم الأوروبية إلى خزان انتخابي كبير يُسهِم في تصعيد نواب ضمن الأغلبية الحاكمة. كما تُمثِّل الشبكات الاقتصادية التقليدية لطبقة البرجوازية الأناضولية في ألمانيا وفرنسا مصدراً مهماً من مصادر تمويل الحزب الحاكم في تركيا، وأحد مصادر الاستثمار الخارجي للدولة التركية، إذ تجاوزت الشركات التي أسسها أتراك أو أشخاص من أصل تركي في ألمانيا وحدها المئة ألف إلى حدود 2010، فيما بلغ عدد البنوك التركية في أوروبا حوالي 18 مصرفاً تدير 106 فرعاً (78% منها في ألمانيا وحدها)، وتعمل أساساً في تحويلات رأس المال نحو تركيا وفي إنشاء الأعمال التجارية(9).

لكن إنشاء هذه الشبكات ورعايتها من طرف الدولة التركية ليس الهدف منهما فقط خدمة الصالح الداخلي للنظام، حيث تعمل الكثير من الدول في العالم على تأطيرها جالياتها في الخارج والاستفادة منها مالياً أو لأهداف سياسية مشروعة، لكن النموذج التركي يتعداها للقيام بأدوار تستهدف سياسات الدول المضيفة، أو الدول التي تحمل جنسيتها جاليات من أصول تركية.

فقد كان لافتاً المواقف والأدوار التي اتخذتها الشبكات التركية خلال الأزمة الأخيرة التي اندلعت بين تركيا ودول الاتحاد الأوروبي في ملفات مختلفة تتراوح بين النزاع في أرمينيا، وملف التنقيب عن الغاز في المياه القبرصية، والحرب في ليبيا، والأزمة الديبلوماسية مع فرنسا في أعقاب الهجمات الإرهابية في أكتوبر 2020. فقد شنَّت هذه الشبكات حملات علاقات عامة، وحملات إلكترونية ضد سياسات الدولة التي تعمل على أرضها، مُستفيدةً من هوامش الحريات السياسية والإعلامية الواسعة في الاتحاد الأوروبي. ومن أمثلة ذلك الحملة الواسعة التي قام بها "مجلس العدل والمساواة والسلام" ضد عدد من الصحف الفرنسية بعد نشرها لملفات صحافية ومقالات حول سياسات أردوغان، وحول الشبكات التي يخترق بها فرنسا منذ سنوات، إذ وصف المعهد هذه الصحف بــأنها "نموذج صارخ للصحافة غير المسؤولة والعدوانية"، ووصف أردوغان بأنه "نيلسون مانديلا القرن الواحد والعشرين"(10).

وقادت الشبكات التركية هجمات إعلامية ومظاهرات عديدة ضد مشروع القانون الذي ناقشه البرلمان الفرنسي عام 2011 حول تجريم إنكار إبادة الأرمن سنة 1915، من قبل الدولة العثمانية، في حملة تعبئة غير مسبوقة انتهت بالفشل بعد المصادق على القانون. كما نجح الاتحاد التركي الإسلامي لمديرية الشؤون الدينية في فرنسا، والذي يقوده أحد أعضاء حزب العدالة والتنمية، رجل الأعمال المقرب من عائلة أردوغان، أحمد أوغراس، في عرقلة صياغة "ميثاق المجلس الوطني للأئمة" الذي طالبت السلطات الفرنسية من مجلس الديانة الإسلامية وضعه لتنظيم عمل أئمة المساجد، ومنع التدخلات الأجنبية في تنظيم العبادات الإسلامية. وقد رفض الاتحاد التركي، باعتباره عضواً في مجلس الديانة الإسلامية متحالفاً مع اتحاد المنظمات الإسلامية – الفرع الفرنسي لجماعة الإخوان المسلمين – في إسقاط صيغة الميثاق لتضمنها رفضاً للتدخلات الأجنبية في تعيين الأئمة وتمويل النشاط الديني، وكذلك رفض أي نزعات إسلامية سياسية داخل دور العيادة، وهي محظورات يمكن أن تُجفِّف منابع الشبكات الدينية التركية وحليفتها الإخوانية(11).

ودأبت هذه الشبكات منذ سنوات على التصدّي لأي تيارات مناهضة للسياسات التركية، وتختلف أنماط التصدّي بين الضغط السياسي الذي تمارسه مجموعات اللوبي ("اتحاد الديمقراطيين الأتراك الأوروبيين"، "مجلس العدل والمساواة والسلام"، ...)، واستعمال العنف السياسي عن طريق "حركة الذئاب الرمادية". ولعل أقرب مثال لذلك ما حدث في أكتوبر 2020 عندما نزل نحو 250 شخص، يعتقد أن أغلبهم ينتمون لحركة الذائب الرمادية في مدينة ديسين-شاربيو قرب ليون، شرق فرنسا، للشوارع وهاجموا مواطنين من أصول أرمنية، بسبب النزاع في إقليم ناغورني قره باغ بين أرمينيا وأذربيجان التي تدعمها تركيا، مما أدى إلى سقوط جرحى، وكتبوا عبارة "الذئاب الرمادية" والاسم المختصر للرئيس أردوغان، على نصبٍ تكريمي لضحايا الإبادة الأرمنية والمركز الوطني للذاكرة الأرمنية(12).

وقبل ذلك سقط في العاصمة الفرنسية ثلاث ناشطات كرديات في العام 2013، ووجه المحققون الفرنسيون أصابع الاتهام إلى عناصر في أجهزة الاستخبارات التركية "إم إي تي" التي نفت أي تورُّط لها في القضية. كما كشفت تحقيقات ألمانية عن تورُّط المساجد التابعة للاتحاد التركي الإسلامي لمديرية الشؤون الدينية في ألمانيا في تتبُّع خصوم الرئيس أردوغان والتجسس على معارضيه، سواء كانوا من الأتراك أو الألمان، وتشير التحقيقات إلى وجود نحو 8 آلاف شخص يقوم بهذه الأعمال لصالح القنصليات التركية(13).

وفي هذه الأجواء تحوَّلت العديد من العواصم الأوروبية إلى بيئات غير مأمونة بالنسبة للكثير من المعارضين الأتراك، وخاصة من الأكراد وجماعة فتح الله غولن والجاليات الأرمنية. لكن أردوغان، ومن خلال زرع مناخ الخوف هذا، يحاول "استغلال الجاليات التركية والمسلمة في أوروبا، خاصة في النمسا وألمانيا وفرنسا، من أجل الضغط على الدول التي يقيمون فيها، ليقدّم نفسه زعيماً ممسكاً بخيوط اللعبة، وأنّ بإمكانه إثارة الفوضى في تلك البلدان حين يريد، وأن ثمن ذلك سيكون صمت أوروبا على سياساته، أو عليها مواجهة الغضب الذي يمكن أن يثيره في مجتمعاتها"(14).

السياسات الأوروبية المضادة

على الرغم من الاهتمام الأكاديمي الأوروبي منذ تسعينيات القرن الماضي بشبكات الهجرة التركية، وبتوظيف السلطات التركية لهذا الشتات الكبير، إلا أن الحكومات الأوروبية استفاقت بشكل متأخر نسبياً، أمام هذا الاختراق الذي حققه أردوغان داخل قطاعات واسعة من مواطنيها من ذوي الأصول التركية، إذ شكلت الحملة الانتخابية للاستفتاء الدستوري التركي في العام 2017 صدمة أوروبية؛ فقد لاحظ الجميع كيف استفاد أردوغان من خزان انتخابي هائل كان أحد أسباب نجاحه في تحويل النظام السياسي من برلماني إلى رئاسي. وإزاء هذه الشبكات التركية تنوعت السياسات الأوروبية المضادة للاختراق، كالآتي:

  • سياسات أمنية: إذ بدأت أجهزة المخابرات الأوروبية بوضع العديد من المنظمات – المشكوك في سلوكها – تحت المراقبة، وأبرزها "حركة ملليّ غوروش"، التي وضعت تحت رقابة هيئة حماية الدستور (الاستخبارات الداخلية الألمانية)، وخضعت لعمليات تفتيش استهدفت مساجدها ومؤسساتها الاقتصادية والثقافية. وفي فرنسا قررت الحكومة حلّ "حركة الذئاب الرمادية'' بتهم تتعلق بالكراهية والعنف، فيما تتجه ألمانيا لاتخاذ الخطوة ذاتها.
  • تشريعات جديدة: اتخذت بعض الدول الأوروبية خطوة إلى الأمام في تدعيم ترسانة تشريعية تُسهِم في تفكيك الشبكات التركية قانونياً، باعتبار أن هذه الشبكات تستفيد من ثغرات وهوامش في القوانين السائدة. ففي فرنسا طرحت الحكومة "قانون الانفصالية الإسلاموية"، ومن ضمن إجراءاته الحد من التمويل الأجنبي للنشاط الديني وفرض قيود على استقدام الأئمة من الخارج، لا سيما تركيا، وتدريب الأئمة في الداخل الأوروبي وفقاً مناهج تراعي ظروف المسلمين في الدول الأوروبية، حيث يوجد حالياً وجود نحو 151 إماماً مبتعثاً من طرف الدولة التركية في فرنسا، و65 بالمئة من الأئمة في البلاد يتلقون رواتب من تركيا. وفي النمسا تُناقِش السلطات وضع قانون يُجرِّم "الانتماء لتنظيمات إسلامية سياسية"، وهو ما يهدد نفوذ قطاع واسع من الشبكات التركية ذات التوجه الإسلاموي.
  • سياسات ثقافية: تستهدف إدماج الجاليات التركية ضمن النسيج الاجتماعي للدول التي يقيمون فيها، وكسر تأثير "الرعاية الأبوية" التركية من خلال منع استقدام المعلمين من تركيا، ودمج الشرائح الشبابية من أصول تركيا في مجتمعها الأوروبي.

أخيراً، لابد من ملاحظة غياب سياسة أوروبية موحدة ضد الاختراق التركي، لأسباب تتعلق بمصالح كل دولة، حيث نجد تصلُّباً من جهة فرنسا واليونان والنمسا ضد التدخلات التركية وعزماً على المضي بعيداً في تفكيك شبكات أردوغان، في المقابل توجد مرونة في ألمانيا، رغم أنها من أكثر الدول احتواءً لهذه الشبكات. لكن هذه المرونة تَبقى نسبيةً في الوقت الحالي، مع أن الجهات الألمانية طالما حذَّرت من حجم هذه الاختراقات وخطورتها.

خلاصة واستنتاجات

  • التحوُّل التاريخي الذي عاشته تركيا من "الوطنية الكمالية" المنكفئة على ذاتها إلى "العثمانية الجديدة" ذات النزعات التوسعية شكَّل نقطة بداية إنشاء شبكات دينية وسياسية، ومجموعات ضغط موالية لنظام حزب العدالة والتنمية الحاكم لاختراق الاتحاد الأوروبي.
  • توزَّعت الشبكات التركية بين مؤسسات موروثة من الجمهورية الكمالية ومؤسسة جديدة أنشئت بعد وصول أردوغان للسلطة، وتنوعت بين قطاعات مختلفة دينية وسياسية وبحثية ومدنية، وحتى ميليشيات شبه مسلحة.
  • تؤدي هذه الشبكات دوراً مهماً في حشد التأييد لنظام أردوغان في صفوف الشتات التركي في القارة الأوروبية، وقد بدا ذلك واضحاً في المحطات الانتخابية المختلفة. كما تلعب دوراً اقتصادياً مهماً في دعم الدولة التركية، وحزب العدالة والتنمية على وجه الخصوص. كما تقوم هذه الشبكات بأدوار الجماعات الوظيفية في الضغط على الحكومات الأوروبية لخدمات سياسات النظام التركي ومصالحه، وكذلك تلعب دوراً أمنياً في ملاحقة وتتبع مُعارضي النظام، وفي السيطرة على الشتات التركي.
  • في المقابل، لم تكن الحكومات الأوروبية واعيةً بشكل مبكر لتطور هذه الشبكات وخطورة أدوارها، رغم الاهتمام البحثي بها. ويُلاحظ غياب سياسة أوروبية موحدة ضد الاختراق التركي، لأسباب تتعلق بمصالح كل دولة، حيث نجد تصلُّباً من جهة فرنسا واليونان والنمسا ضد التدخلات التركية وعَزْماً على المضي بعيداً في تفكيك شبكات أردوغان، وفي المقابل توجد مرونة في ألمانيا، رغم أنها من أكثر الدول احتواءً لهذه الشبكات.

الهوامش

(1) أُنشئت مديرية الشؤون الدينية التركية في عام 1924، ولديها ميزانية كبيرة، وتوظف حوالي 85000 مسؤول ديني. وتنظم سنوياً مناسك الحج لعشرات الآلاف من الأتراك. تدعم المؤسسة مؤسسة ثقافية قوية (ديانة وقفي) تنشر الأبحاث والأعمال اللاهوتية أو التاريخية الشعبية. كما تنشر النسخة التركية من الإسلام. وتتعامل المؤسسة أيضاً مع تنظيم العبادة الإسلامية الرسمية في المهاجر التركية في أوروبا منذ عدة سنوات، وتقوم بأنشطة تعاون في الجمهوريات الناطقة بالتركية وجمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق.

(2) للمزيد حول شبكات "التضامن الأناضولي" ودورها، راجع: Stéphane de Tapia, MIGRATIONS ET DIASPORAS TURQUES - Circulation migratoire et continuité territoriale (1957-2004), Chapitre Troisième. Réseaux turcs en Europe, Institut français d’études anatoliennes – İstanbul, 2005, p. 75-109.  https://books.openedition.org/ifeagd/1403?lang=fr

(3) للمزيد حول حركة "ملليّ غوروش" وشبكاتها الأوروبية، راجع: Valérie Amiraux, ACTEURS DE L'ISLAM ENTRE ALLEMAGNE ET TURQUIE - Parcours militants et expériences religieuses,  Paris, L'Harmattan 2001.

(4) Ural Manço, Altay Manço, Oya Akhan, Pervine Jamil et Nathalie Loutz, TURCS DE Belgique - Publisher: Info-Türk ISBN: D/1992/2198/72. https://www.researchgate.net/publication/330937688_TURCS_DE_BELGIQUE

(5) Samim Akgönül, Islam turc, islams de Turquie: acteurs et réseaux en Europe, Politique étrangère 2005/1 (Printemps), pages 35 à 47. https://www.cairn.info/revue-politique-etrangere-2005-1-page-35.htm

(6) تأتي عقيدة الذئاب الرمادية بشكل أساسي من أعمال حسين نهال أتسيز، الكاتب والشاعر والمؤرخ (1905-1975)، والد القومية التركية الحديثة التي تم تصورها في السنوات 1930-1940. وقد وضع أتسيز تصوره العرقي لتركيا في رواية تاريخية بعنوان "موت الذئاب الرمادية". للمزيد حول الحركة وأفكارها والسياقات التاريخية لنشأتها وتأثيرها في القارة الأوروبية، انظر: Xavier Raufer, Les Loups gris: une forte influence en Europe, Revue Conflits, 3 novembre 2020. https://www.revueconflits.com/les-loups-gris-une-forte-influence-en-europe/

(7) The lobby behind Turkey's Prime Minister, DW, 21.05.2014. https://www.dw.com/en/the-lobby-behind-turkeys-prime-minister/a-17652516

(8) http://cojep.com/fondateur/

(9) Stéphane de Tapia, MIGRATIONS ET DIASPORAS TURQUES - Circulation migratoire et continuité territoriale (1957-2004), Chapitre Troisième. Réseaux turcs en Europe, Institut français d’études anatoliennes – İstanbul, 2005, p. 75-109.  https://books.openedition.org/ifeagd/1403?lang=fr

(10) "مجلس العدل والمساواة والسلام: "لوبوان" نموذج صارخ للصحافة غير المسؤولة"، الأناضول، 25 مايو 2020. https://cutt.us/elqmk

(11) أعلن إمام جامع باريس الكبير شمس الدين حافظ انسحابه من نقشات حول الميثاق مُتهماً ما أسماه بالمكون الإسلاموي في المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية، المرتبط بأنظمة أجنبية معادية لفرنسا، بتعطيل المفاوضات، بعد طعنه شبه المنهجي في بعض الفقرات المهمة في الميثاق، مضيفاً أن بعض الأعضاء زعموا أن "الميثاق يهدف إلى الاعتداء على كرامة المسلمين المؤمنين، في كذب وقح"، مُشيراً إلى أن الفروع المتشددة تحاول فصل المسلمين عن المجتمع الفرنسي. La Mosquée de Paris se retire du projet de «conseil national des imams», LE MONDE, 28 décembre 2020. https://www.lemonde.fr/societe/article/2020/12/28/la-grande-mosquee-de-paris-se-retire-du-projet-de-conseil-national-des-imams_6064691_3224.html

(12) "جمعيات ومنظمات ومساجد... أخطبوط التأثير التركي في فرنسا"، سكاي نيوز عربية، 6 ديسمبر 2020.

(13) "هكذا يستغل أردوغان مساجد ألمانيا للتجسس على خصومه"، سكاي نيوز عربية، 28 يونيو 2020.

(14) إرغون باباهان، "الذئاب الرمادية وبراثنها حول أوروبا"، صحيفة أحوال تركية، 8 نوفمبر 2020.

أحدث المواضيع المميزة