التمدُّد التركي في الساحل والصحراء وغرب أفريقيا: الدوافع والتداعيات

أحمد عسكر | 24 أغسطس 2020

تُواصِل تركيا سعيها الحثيث نحو تطوير علاقاتها الأفريقية، لا سيما في منطقة الساحل والصحراء وغرب القارة، بهدف بناء شراكات متعددة وصولاً إلى تحقيق أهدافها الاستراتيجية التي تتمحور حول إيجاد موطئ قدم في هذا الجزء الاستراتيجي من القارة والمساهمة في إعادة هندسة المعادلة الإقليمية في الساحل والصحراء، وذلك في ظل إلحاح بعض القضايا التي تتشابك في تحديد علاقة تركيا بالعالم العربي وأوروبا وأفريقيا بطبيعة الحال، مثل تنامي ظاهرة الإرهاب والتنظيمات الإرهابية في الساحل وغرب أفريقيا، واستمرار أزمة الهجرة غير الشرعية إلى أوروبا، فضلًا عن مزاحمة بعض القوى الأوروبية في الساحل والصحراء مثل فرنسا وألمانيا. بالإضافة إلى محاولاتها المستمرة للتأثير في الملف الليبي بهدف تعزيز نفوذها في هذا البلد، وتطويق المصالح الاستراتيجية للقوى المحلية والإقليمية والدولية المناوئة لدور تركيا السلبي هناك.

وهناك مساعٍ حثيثة من قبل الجانب التركي لتعزيز العلاقات مع بعض دول المنطقة وتعميق العلاقات مع المنظمات الإقليمية من خلال التحرك على المستويات كافة، واستخدام العديد من الأدوات الفاعلة اللازمة لذلك، وتوقيع المزيد من اتفاقيات التعاون في مختلف المجالات، وتحديداً الأمنية التي تسمح لأنقرة بالوجود وفتح أسواق جديدة للصناعات التسليحية التركية، الأمر الذي يمثل تهديداً للمصالح الاستراتيجية للعديد من القوى الإقليمية والدولية في المنطقة، ويؤثر في المعادلة الأمنية بالمنطقة، لا سيما فيما يتعلق بالأزمة الليبية نظرًا للتشابكات الجيوبوليتيكية بين الشمال الأفريقي والساحل والصحراء وغرب أفريقيا.

حدود ودينامية التحركات التركية في المنطقة

  • تنخرط أنقرة في استراتيجية طويلة الأمد لبناء علاقات قوية مع دول الساحل وغرب أفريقيا، وتسعى من خلالها إلى توسيع نطاق نفوذها وحضورها السياسي والاقتصادي والعسكري في القارة الأفريقية بعدما عززت وجودها في منطقة شرق أفريقيا والقرن الأفريقي من خلال بوابة الصومال، الأمر الذي قد يُعزز من حدة التوترات في المنطقة التي تعد مسرحاً للعديد من القوى الدولية والإقليمية الفاعلة.
  • وسَّعت تركيا علاقاتها مع معظم دول المنطقة مثل النيجر وتشاد ومالي وبوركينا فاسو وموريتانيا في ضوء ما تواجهه تلك الدول من أزمات مُزمِنة مثل انتشار الإرهاب وتوسُّع رقعة الفقر والمجاعة والصراعات الإثنية والقبلية، وهي مشكلات استغلتها أنقرة كبوابة لتعزيز حضورها. فقد كثف المسؤولون الأتراك خلال السنوات الأربع الأخيرة زياراتهم إلى معظم دول الساحل وغرب أفريقيا، مثل تشاد والسودان وموريتانيا والسنغال ومالي وتوغو والنيجر وغينيا الاستوائية ونيجيريا وغامبيا وكوت ديفوار. وكانت آخر زيارة للرئيس التركي أردوغان في يناير 2020 إلى غامبيا والسنغال. بينما جاءت جولة وزير الخارجية التركي في منطقة الساحل وغرب أفريقيا، في يوليو 2020، لتشمل دول توغو وغينيا الاستوائية والنيجر. وتهدف التحركات التركية بشكل أساسي إلى إعادة تشكيل المحاور الإقليمية وميزان القوى الدولي في المنطقة، لا سيما في خضم تنامي التنافس التركي الفرنسي، ما يكشف جانباً من الأهداف التركية في منطقة الساحل والصحراء الأفريقية.
  • تضاعَف عدد السفارات التركية في أفريقيا إلى 4 أضعاف خلال العقدين الماضيين، ليصل إلى حوالي 43 سفارة. وقد افتتحت أنقرة خلال الفترة الأخيرة سفارتين جديدتين لها في كل من توغو وغينيا الاستوائية[1]، وذلك بهدف تعزيز العلاقات والحضور التركي في المنطقة.
  • تُولي أنقرة للدائرة الأفريقية في المجال الأمني أهمية كبيرة، حيث أصبحت السياسة التركية أكثر عسكرة منذ عام 2015 بُغية توسيع نفوذها الجيوسياسي في المنطقة والقارة[2]، وهو ما برز في اتفاقات التعاون الأمني التي أبرمتها أنقرة مع معظم دول المنطقة مثل موريتانيا وغامبيا وكوت ديفوار وتشاد والسودان وغينيا ونيجيريا وبنين، وآخرها التوصل إلى اتفاق أمني مع النيجر في يوليو 2020 بهدف إيجاد موطئ قدم علني في منطقة الساحل والصحراء. وهناك بعض التقارير التي تشير إلى سعي أنقرة إلى إنشاء قاعدة عسكرية في غرب أفريقيا، خاصة في النيجر قرب الحدود مع ليبيا، وهو ما يمنحها موطئ قدم علني في دولة أفريقية ثالثة بعد الصومال وليبيا[3]. وكان البرلمان التركي قد وافق في نوفمبر 2014 على المشاركة في عمليات حفظ السلام الدولية في كلٍّ من مالي وأفريقيا الوسطى[4]. كما تقوم مؤسسة "صادات" التركية بإجراء برامج تدريبية عسكرية للعديد من القوات والجيوش الأفريقية، وتبحث عن فُرصٍ للاستفادة من الصفقات العسكرية في القارة الأفريقية[5].
  • تتبع أنقرة استراتيجية الاستثمار في الأزمات الناشبة في الساحل والصحراء، حيث تستفيد من موجة الإرهاب التي تجتاح دول المنطقة بفعل انتشار التنظيمات الإرهابية، عبر تقديم المساعدات والتدريب والخبرات العسكرية إلى الدول الأفريقية[6]. وقد أعلنت تركيا في مارس 2018 مساهمتها بخمسة ملايين دولار لتمويل قوة دول الساحل الخمس بهدف مكافحة الإرهاب في المنطقة[7].
  • وفي نفس الوقت، تواجه أنقرة العديد من الاتهامات فيما يتعلق برعاية التنظيمات الإرهابية في الساحل وغرب أفريقيا، وأن جزءاً محورياً من تحركات أنقرة في المنطقة يعتمد على تسليح التنظيمات الإرهابية والمرتزقة، بهدف تعزيز الوجود التركي والسيطرة على الموارد والثروات الطبيعية، وتدعيم تيارات الإسلام السياسي[8]. وقد صَرَّح عدنان تانريفيردي، مالك مؤسسة صادات شبه العسكرية وكبير المساعدين العسكريين سابقاً للرئيس التركي أردوغان، أنه يجب على تركيا دعم التنظيمات الإرهابية ضد ما أسماه إرهاب الدولة في بعض مناطق وبلدان القارة الأفريقية مثل أفريقيا الوسطى ومالي ونيجيريا[9]. أضف إلى ذلك، عيّنت أنقرة سفيراً لها لدى السنغال في مارس 2020 كان قد أظهر تعاطفه مع تنظيم القاعدة، واعتبره منظمة غير إرهابية وحركة مقاومة مشروعة[10]. ويشير بعض التقارير إلى أن هناك 229 من كبار قادة التنظيمات الإرهابية من جبهة النصرة و"داعش" قد أرسلتهم أنقرة من تركيا إلى طرابلس الليبية، بما يعني إمكانية انتشارهم في مناطق أخرى في أفريقيا. وفي هذا الإطار، أفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان بوجود عناصر إرهابية تُمولها وتدربها أنقرة يصل عددهم إلى 4700 عنصر في ليبيا وفقاً لإحصائيات فبراير 2020، و1800 يتدربون في أنقرة، فيما وصل 64 عنصراً من أوروبا، وأن العشرات من هؤلاء قد فرُّوا إلى أوروبا، وتحديداً إيطاليا[11]. كما كشف بعض التقارير الاستخباراتية عن إرسال أنقرة نحو 900 عنصر للانضمام إلى تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" المتمركز في شمال غرب مالي، بهدف تعزيز صفوفه تحت قيادة عبد الحكيم صحراوي، الأمر الذي يترتب عليه تقويض السلم والأمن الإقليمي في المنطقة وأفريقيا عموماً[12]. ومن ثمّ، تبدو بيئة منطقة الساحل والصحراء مُهيَّأة لتعزيز العلاقة بين أنقرة ومختلف التنظيمات الإرهابية النشطة في المنطقة التي تشكل تهديداً واضحاً لدول المنطقة ومناطق الجوار الجغرافي، لا سيما شمال أفريقيا.
  • يحاول النظام التركي تجنيد قبائل الطوارق في منطقة الساحل للترويج لسياساته في الساحل وغرب وشمال أفريقيا؛ فقد زار 10 من شيوخ وقادة الطوارق تركيا في أبريل 2020، وتسعى أنقرة إلى استمالة الطوارق واستغلالهم من أجل تعزيز سياساتها الحالية والطموحات الشخصية للرئيس التركي، تحت غطاء مساعدة الطوارق في توسيع دائرة الإسلام في أفريقيا[13]. ومن شأن النفوذ التركي على الطوارق أن يمنح أنقرة جملة من أوراق الضغط لابتزاز ومساومة بعض البلدان الأفريقية، بما في ذلك ليبيا والنيجر ومالي والجزائر، وكذلك بعض القوى الغربية مثل فرنسا.
  • كشف بعض التقارير عن تجسُّس السفارة التركية في أبوجا على بعض المؤسسات النيجيرية مثل جامعة النيل النيجيرية، ومؤسسة حوار UFUK[14]. كما تورطت تركيا في إرسال بعض شحنات الأسلحة من أراضيها إلى موانئ نيجيريا، حيث اكتشفت السلطات النيجيرية وجود أسلحة تركية الصُّنع تم شحنها عبر شبكة تهريب بين ميناءيْ لاجوس وإسطنبول، واستطاعت ضبط نحو 4 شحنات في عام 2017، وحوالي 2671 بندقية[15]، اتضح أن التنظيمات الإرهابية تمتلكها في مالي والنيجر وبوركينا فاسو وأفريقيا الوسطى[16].
  • ترى أنقرة في السيطرة على ليبيا بوابة مهمة لتعزيز النفوذ في الساحل وغرب أفريقيا، وتنفيذ أجندتها التوسعية في المنطقة[17]. ومن ثمَّ، فهي تسعى إلى تكوين حلفاء إقليميين لديهم مصالح جيوبوليتيكية مع ليبيا مثل النيجر وتشاد، بهدف استغلالهم كنقطة ارتكاز تركية للتوغل في الغرب الأفريقي. كما أنها تتخذ تلك الدول منصةً لدعم التنظيمات المتطرفة، حيث تحرص على تعزيز علاقاتها مع تشاد التي تشترك في حدود ممتدة مع ليبيا[18]. وتتعاظم الأهمية الجيوستراتيجية للنيجر بالنسبة للصراع حول ليبيا، حيث يشكل الوجود التركي في النيجر منطلقاً لدعم التنظيمات الإرهابية في المنطقة، وتقديم الدعم إلى مناطق أخرى خاصة في الشمال الأفريقي[19]، وهو ما دفع البعض إلى الإشارة إلى إمكانية إقامة قاعدة عسكرية تركية برية وجوية في نيامي/النيجر، إلى جانب تدريب القوات الأمنية والجيش النيجري وتزويده بالسلاح.
  • يمثل التدخل التركي في منطقة الساحل وغرب أفريقيا خطوةً على طريق التوجهات التركية المضادة للمصالح الفرنسية والأوروبية في المنطقة. وقد امتد الصراع بين فرنسا وتركيا من ليبيا وشرق المتوسط إلى منطقة الساحل والصحراء وغرب أفريقيا، خاصة في ظل المساعي التركية لتحجيم النفوذ الفرنسي وتعزيز موقعها، بما يضر بالمصالح الاستراتيجية الفرنسية في المنطقة التي تعد ساحة تقليدية للنفوذ الفرنسي، وهو ما يعني احتمالية تهديد القوات العسكرية الفرنسية في المنطقة وبعثة الأمم المتحدة الفاعلة في مالي، الأمر الذي سينعكس سلباً على الأمن الإقليمي في الساحل والصحراء نتيجة تنامي نشاط الشبكات الإرهابية والتنظيمات المتطرفة[20].
  • ينخرط العديد من الشركات التركية في معظم دول الساحل وغرب أفريقيا في مجالات متنوعة، بهدف زيادة الاستفادة الاقتصادية وتعظيم مصالح أنقرة التي أضحت شريكاً تجارياً لعدد من دول المنطقة، مثل السنغال التي تنفذ الشركات التركية فيها بعض مشروعات البنى التحتية الرئيسة مثل مركز عبده ضيوف الدولي للمؤتمرات، وقصر داكار الرياضي، وفندق راديسون، بالإضافة إلى إدارة مطار بليز ديان الدولي لمدة 25 عاماً. كما استحوذت تركيا على حوالي 29 مشروعاً بقيمة تتجاوز 700 مليون يورو في عام 2018 [21]. وفي الكاميرون تم بناء مجمع جابوما الرياضي في دوالا من قبل مجموعة يانجان التركية، وبتمويل من "ترك إكسيم بنك" التركي بقيمة 116 مليار فرنك أفريقي[22]. كما وقعت أنقرة مع مالي في ديسمبر 2019 من خلال مجموعة "كاليون" التركية مذكرة تفاهم بشأن مشروع إنشاء "متروباص" في العاصمة باماكو[23]. وقد ضخت تركيا نحو 250 مليون دولار في مشروعات البنية التحتية بالنيجر، واستطاعت مجموعة شركات تركية الفوز بعقود ضخمة أبرزها بناء مطار نيامي الجديد بتكلفة 154 مليون يورو. كما تحرص أنقرة على تعزيز التعاون مع نيجيريا في القطاع النفطي، وهو ما دللت عليه زيارة السفير التركي لدى أبوجا إلى شركة البترول الوطنية النيجيرية NNPC في أغسطس 2019، والتأكيد على حرص أنقرة على التعاون لتطوير البنية التحتية لمشروعات النفط في المنطقة، وتعزيز الشراكة التجارية بين البلدين[24].

دوافع وأسباب التمدُّد التركي

  • تقدم أنقرة نفسها بوصفها صوتاً دولياً موثوقاً به بالنسبة للدول الأفريقية، في إطار سعيها للعب دور أكبر في النظام الدولي عبر التأكيد على الحضور التركي في الساحة الأفريقية، باعتبارها ساحة تنافس بارزة في السباق على النفوذ في أفريقيا، وفي نفس الوقت الدفع نحو انطلاقة قوية لمزيد من التعاون التجاري والاقتصادي بين أنقرة والدول الأفريقية[25].
  • إظهار أنقرة تحديها لخصومها الإقليميين في المنطقة لا سيما مصر[26]، ومن ثمّ محاولة تطويق وإضعاف النفوذ العربي واستهداف جهوده في الساحل والصحراء.
  • مواجهة التحالفات المضادة التي تشكلت ضدها في البحر الأبيض المتوسط، وتعزيز نشاطاتها في البحر الأبيض المتوسط[27]، وذلك من خلال موازنة القوى وموازنة النفوذ على الأرض، والحفاظ على الوجود التركي في ليبيا من أجل تعزيز التوسُّع التركي في أفريقيا.
  • دعم حركات الإسلام السياسي في المنطقة وفي الشمال الأفريقي، والبحث عن حلفاء جدد بعد سقوط جماعة الإخوان في السودان، حيث إن لدى تركيا مشروعاً توسعياً تُمثِّل فيه ليبيا نقطة انطلاق نحو منطقة الساحل والصحراء وغرب أفريقيا. ومن ثمّ تسعى أنقرة إلى التعاون مع بعض قوى الإسلام السياسي في المنطقة، بهدف تغيير موازين القوى عبر التنظيمات المتطرفة التي ترغب أنقرة في نسج خيوط الارتباط بينها في ليبيا. وهناك تقارير تشير إلى وجود اتفاق بين أنقرة وجماعة بوكو حرام لنقل بعض عناصرها إلى الجنوب الليبي الخاضع لسيطرة الجيش الوطني الليبي[28].
  • التعاون مع الاتحاد الأفريقي في مجال مكافحة الإرهاب في الساحل والصحراء بعد عزمه إرسال قوة عسكرية إلى هناك تتكون من 3 آلاف جندي خلال عام 2020، والانخراط بشكل أو بآخر في قوة الساحل الخمس المشاركة في محاربة الإرهاب.
  • الحصول على دعم الدول الأفريقية الفاعلة في الاتحاد الأفريقي لاستمرار الوجود التركي في ليبيا، وذلك بهدف تقوية موقف تركيا في معادلة تسوية الأزمة الليبية مستقبلاً.
  • العمل على تعزيز الطموحات العسكرية التركية في أفريقيا والمنطقة، وحماية القواعد العسكرية التركية المزمع تدشينها في ليبيا والنيجر وإقامة المزيد منها، إضافة إلى فتح سوق جديدة للترويج للصناعات التسليحية التركية في المنطقة التي تشهد انتشاراً للتنظيمات الإرهابية والصراعات المختلفة.
  • ضمان تأمين المصالح الاقتصادية والتجارية لأنقرة في أفريقيا، وإقامة علاقات اقتصادية مع دول المنطقة يمكن أن تؤدي إلى روابط سياسية وأيديولوجية في المستقبل تستطيع أنقرة من خلالها بناء نفوذ قوي في القارة والمنطقة، باعتبارها مساحة حركة معتبرة لأنقرة، والبحث عن فرص للشراكات في الساحل التي من شأنها تعزيز مكانة تركيا كقوة إقليمية ودولية فاعلة[29]، ومساعدة الاقتصاد التركي على الخروج من أزماته من خلال زيادة الصادرات التركية إلى دول الساحل، وهي أولوية بالنسبة للحكومة التركية[30].
  • مواصلة التغلغل التركي في قطاع الموانئ البحرية والسيطرة على المزيد منها على الساحل الغربي للقارة الأفريقية. فقد استحوذت مجموعة البيرق التركية على ميناء كوناكري المستقل في غينيا لمدة 25 عاماً، باستثمار يتجاوز 700 مليون دولار[31]. إلى جانب ميناء بانجول-بارا في غامبيا، بهدف تحسين فرص الاستثمار للشركات التركية.
  • السيطرة على الموارد والثروات وطرق المواصلات، وعلى أكبر عدد من مناجم اليورانيوم والذهب في دول المنطقة. وتأمين الحصول على الطاقة، إذ تفتقر أنقرة للموارد النفطية الكافية، وتستورد ما قيمته 50 مليار دولار سنوياً منها[32].
  • التوجُّه نحو توسيع علاقات تركيا مع أفريقيا ونطاق نفوذها لتعويض الخسائر التي تكبدتها أنقرة خلال العقد الأخير على المستويين الإقليمي والدولي سياسيًّا واقتصاديًّا في ضوء سلسلة الأزمات في علاقات أنقرة مع الغرب وتزايد عزلتها في الشرق الأوسط[33].
  • مُزاحَمة القوى الدولية الكبرى المنخرطة في الساحل وغرب أفريقيا، وإحداث اختراق لمجال الهيمنة الفرنسية في المنطقة، بهدف تحجيم نفوذ باريس لصالح التوغل التركي، لا سيما في ظل الخلاف القائم في ليبيا وموقف باريس الرافض للتدخلات التركية في ليبيا وفي شرق المتوسط كما في سوريا[34].
  • مساومة القوى الأوروبية بالضغط في ملف الهجرة غير الشرعية وانتقال عناصر التنظيمات الإرهابية إلى الداخل الأوروبي، وكذلك الأمر بالنسبة لتهريب السلاح والمخدرات والجريمة المنظمة لتسوية ملفات إقليمية شائكة بين الطرفين في مناطق أخرى مثل الشرق الأوسط.
  • ملاحقة حركة فتح الله غولن في أفريقيا، وشبكة المدارس التابعة لها والاستحواذ عليها، ونقل ملكيتها للحكومة التركية.
  • استغلال حاجة بلدان الساحل وغرب أفريقيا إلى مزيد من الدعم الدولي في محاربة الإرهاب والجريمة المنظمة، ومحاربة الفقر، بما يسمح لأنقرة لعب دور أكبر فيما يتعلق بالحرب على الإرهاب في الساحل.

أدوات السياسة التركية

  • وكالة التعاون والتنسيق التركية (TIKA): تُنفِّذ أنشطتها في القارة من خلال 22 مكتب تنسيق، بحيث يتم تقديم المساعدة في مختلف المجالات إلى البلدان الأفريقية[35]. وقد نفذت الوكالة العديد من المشروعات في دول المنطقة مثل تشاد والنيجر وغيرهما. وتُتهم الوكالة بأنها تشكل ستاراً للعمل الاستخباراتي وللتجنيد وتمويل التنظيمات الإرهابية من قبل النظام التركي.
  • شركة صادات التركية: تُمثل ذراعاً مهمة للسياسة التركية في أفريقيا، باعتبارها عقلاً مدبراً وذراعاً منفذاً لأهدافها التي تنطوي على التمدد الخارجي في مناطق النزاعات في القارة. كما يتم توظيفها بأشكال متعددة، سواء فيما يتعلق ببيع الأسلحة والخدمات الأمنية والاستخباراتية، ويمكن استغلالها في بعض المسائل غير القانونية وغير المشروعة[36].
  • مؤسسة "المعارف" التركية: أنشأتها الحكومة التركية لإدارة المدارس الخارجية المرتبطة بحركة فتح الله غولن. وباتت هذه المؤسسة تملك 23 فرعاً في أفريقيا، وحوالي 333 مدرسة في 43 دولة، واستطاعت تأسيس مكاتب وممثليات لها في عدد من دول المنطقة، هي تشاد والغابون وغامبيا وغينيا ومالي وموريتانيا والنيجر والسنغال وسيراليون والسودان وتونس[37]. وتتهم هذه المؤسسة بأنها بمثابة ذراع طويلة للنظام التركي في أفريقيا فيما يتعلق بتقديم الخدمات التعليمية كجزء من استراتيجية "تركنة" الأفارقة، خاصة أنها تهدف إلى تنشئة جيل جديد من الناشطين الإسلاميين السياسيين للتعبئة حول السياسة التركية في أفريقيا[38].
  • أدوات القوة الناعمة الأخرى: تتعدد أدوات القوة الناعمة للسياسة التركية في الساحل وغرب أفريقيا، وتأتي على رأسها المساعدات الإنسانية، حيث تنخرط أنقرة بشكل كبير في مجال المساعدات وتوزيع الغذاء لشعوب المنطقة. كما توجد عدد من المؤسسات التركية التي تعمل في المنطقة مثل الهلال الأحمر التركي، ووقف الديانة التركي واتحاد الجمعيات الإنسانية التركية IDDEF التي تقوم بنشاطات إنسانية وإغاثية في العديد من دول المنطقة[39].
  • إثارة المشاعر الدينية: تستغل أنقرة المشاعر الدينية للتجمعات السكانية المسلمة في دول المنطقة مثل نيجيريا ومالي والنيجر والسنغال، بهدف نسج شبكات نفوذ ومصالح تركية على أراضيها. كما أن الخطاب التركي يلقى قبولًا لدى بعض الأفارقة، لا سيما أن أردوغان يتبنى خطاباً معادياً للممارسات الغربية وما وصفه بـ "تكالب القوى الغربية على ثروات القارة"، مُتَّهماً الدول الغربية بأنها لا تريد لأفريقيا أن تنهض وتستفيد من إمكاناتها وتنعم بالسلام[40].

تداعيات الوجود التركي في المنطقة ومخاطره

  • تحوُّل المنطقة إلى ساحة صراع بين تركيا والقوى الفاعلة هناك، مما يهدد الأمن الإقليمي للفناء الخلفي لأوروبا، والمصالح الاستراتيجية لبعض القوى الإقليمية الرئيسة مثل مصر، وتشكيل حزام تهديد أمني حولها، من البحر الأحمر من خلال القاعدة التركية في الصومال، حتى البحر المتوسط شمالاً من خلال التحركات في ليبيا وشرق المتوسط، وشرقاً في شمال سوريا والعراق، وغرباً عبر التوغل العسكري في ليبيا والساحل والصحراء وغرب أفريقيا.
  • تقوية شوكة التنظيمات المتطرفة والإرهابية في منطقة الساحل وغرب أفريقيا على حساب الجيوش الأفريقية في ظل استمرار الدعم العسكري واللوجستي من أنقرة والدوحة لتلك التنظيمات. وخلق بيئة جديدة حاضنة للإرهاب، ونقل المزيد من العناصر الإرهابية إلى المنطقة، وتحديداً إلى ليبيا، ومنها إلى الساحل والصحراء وغرب أفريقيا. ومن ثمّ تصاعُد حالة الفوضى وعدم الاستقرار في المنطقة.
  • محاولة إعادة إحياء مشروع الإخوان المسلمين في المنطقة، لا سيما في بعض الدول التي تضم نسبة معقولة من المسلمين في ضوء التحركات التركية هناك.
  • إمكانية زيادة التنسيق والتوافق بين أهداف تنظيم "داعش" وسلطة أردوغان فيما يتعلق بإقامة المشروع الإسلامي، وإن اختلفت الرؤى، فكلاهما ينظر إلى ليبيا، على سبيل المثال، باعتبارها البوابة الاستراتيجية للدولة الإسلامية[41].
  • تزايد التهديدات التي تواجهها دول الاتحاد الأوروبي، لاسيما تلك المتعلقة بتصدير العناصر الإرهابية إلى أوروبا، وعدم السيطرة على عملية الهجرة غير الشرعية من أفريقيا عبر المتوسط للقارة الأوروبية، وتحوُّل منطقة البحر المتوسط إلى منطقة مضطربة بعد تجميع الإرهابيين في ليبيا والساحل والصحراء، مما يهدد مصالح الأطراف الإقليمية والدولية الفاعلة هناك.
  • تزايد احتمالية وقوع صدام تركي فرنسي في ظل القلق الفرنسي من انعكاسات الدور التركي في ليبيا على نفوذها في القارة الأفريقية عموماً، وبصفة خاصة في منطقة الساحل وغرب أفريقيا؛ فأي صعود تركي في المنطقة من شأنه إفساد المصالح الفرنسية الاستراتيجية في أفريقيا. 
  • يسهم الدور التركي، بما يتركه من تداعيات سلبية تُحِّفز الصراعات، في إجبار الآلاف من الأشخاص نحو النزوح واللجوء خارج بلدانهم، حيث سجلت البيانات نزوح نحو 3 آلاف شخص يومياً خلال عام 2020، وأجبرت أعمال العنف في منطقة الساحل نحو 1.7 مليون شخص إلى النزوح من مناطقهم[42].

مستقبل الحضور التركي

  • من المتوقع أن يتزايد اهتمام أنقرة بالساحل والصحراء وغرب أفريقيا، وأن تواصل مساعيها نحو تعزيز الدور التركي هناك في ضوء صعوبة فك الارتباط بين تطورات الملف الليبي وملف غاز شرق المتوسط وانعكاساتها على منطقة الساحل والصحراء، وطموح تركيا للعب دور أكبر على الصعيدين القاري والدولي.
  • من المرجَّح أن تواصل تركيا تقديم الدعم المادي واللوجستي من أنقرة لبعض التنظيمات المتطرفة في منطقة الساحل والصحراء والغرب الأفريقي، باعتبارها أداة ناجعة في يد السياسة التركية من أجل تحقيق مصالحها وأهدافها الاستراتيجية في المنطقة.
  • يُتوقَّع أن تزيد مظاهر الأمننة والعسكرة في علاقة تركيا بدول المنطقة خلال المرحلة المقبلة في ضوء تشابك وتعقُّد المشهدين الأمني والجيوسياسي في الساحل والصحراء.
  • ثمة احتمالية متزايدة لاندلاع صِدام فرنسي تركي مستقبلاً، قد يتخذ أشكالاً وتعبيرات مختلفة، في ظل تهديد التمدد التركي للمصالح الفرنسية ونفوذها التقليدي في القارة الأفريقية، وتزايد قلق الدول الأوروبية من التحركات التركية في الساحل والصحراء وغرب أفريقيا في ضوء حساسية الملفات التي تهدد الأمن الأوروبي.

الهوامش

[1] Horn diplomat, Turkey officially opens embassy in Equatorial Guinea, 23 July 2020. Available at: https://bit.ly/2Fw3PM1

[2] Valeria Talbot, Turkey’s Struggle for Influence in the Eastern Mediterranean, Italian Institute for International Political Studies, 17 July 2020. Available at: https://bit.ly/3iMG93Y

[3] Ahval, Turkey’s military pact with Niger securing foothold in neighbouring Libya - The New Khalij, 26 July 2020, available at: https://bit.ly/3iBheAy

[4] بدر حسن شافعي، "تركيا ومعضلة الأمن في أفريقيا"، الدوحة، مركز الجزيرة للدراسات، 21 ديسمبر 2015، ص4.

[5] Nordic Monitor, Turkey seeks to improve defense industry cooperation with Sudan, 14 February 2020, Available at: https://bit.ly/3g89q7B

[6] أيمن سمير، "الوجود العسكري التركي في النيجر"، موقع الغد، 29 يونيو 2020، متاح على: https://bit.ly/2Y6H8Ey

[7] "تركيا تقدم 5 ملايين دولار لمجموعة دول الساحل الخمس"، فرانس 24، 1 مارس 2018، متاح على: https://bit.ly/3kGvppI

[8] المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، "ما حقيقة سعي تركيا لإقامة قواعد عسكرية في ليبيا وأفريقيا"، 26 يونيو 2020، متاح على الرابط: https://bit.ly/2Ql6SZu

[9] Nordic Monitor, Support Islamists against ‘state terrorism’ in Mali, Nigeria, CAR, says ex-military advisor of Turkey’s president, 21 May 2020. Available at: https://bit.ly/2E6phqh

[10] Nordic Monitor, Turkey appoints radical Islamist professor as ambassador to Senegal, 3 March 2020. Available at: https://bit.ly/3gaMnt7

[11] Fabio Giuseppe Carlo Carisio, In Libya 229 ISIS Fierce Leaders with 4700 Turkish-backed Jihadists. UN Investigates, Europe Sleeps, Gospa News, 14 February 2020. Available at: https://bit.ly/2FnhCo5

[12] "مرصد الإفتاء: النظام التركي أرسل مئات الإرهابيين لدعم وتعزيز صفوف تنظيم داعش في منطقة الساحل والصحراء"، دار الإفتاء المصرية، القاهرة، 10 يوليو 2020، متاح على: https://bit.ly/2Y6EYVs

[13] Abdullah Bozkurt, Turkey’s Erdoğan enlists Tuaregs in his proxy battle, Nordic Monitor, 23 December 2019. Available at: https://bit.ly/347TujE

[14] Abdullah Bozkurt, Turkish Embassy spied on Nigerian school network, well-respected hospital, Nordic Monitor, 2 March 2019. Available at: https://bit.ly/2FxyiJn

[15] "نيجيريا تحقق في شحنات أسلحة مهربة يعتقد أن مصدرها تركيا"، فرانس 24، 22 سبتمبر 2017، متاح على: https://bit.ly/2QgM2up

[16] المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، مرجع سبق ذكره.

[17] Majed Nehme, What in the world is Erdoğan doing in West Africa?, Ahval, 3 February 2020, available at: https://bit.ly/2PVcnOi

[18] المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، مرجع سبق ذكره.

[19] جهاد عودة، "الكولونالية التركية.. وجيوبوليتكس الصراع في النيجر"، موقع صدى البلد، القاهرة، 31 يوليو 2020، متاح على: https://bit.ly/341dB2I

[20] Majed Nehme, Ibid.

[21] En visite au senegal, le president turc confirm ses ambitions africaines, Le Monde, 29 January 2020. Available at: https://bit.ly/2Q0JfFn

[22] Idem.

[23] الصحراء، نحو تعزيز التعاون بين مالي وتركيا في مجال النقل، متاح على: https://bit.ly/3kKd1MV

[24] المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، مرجع سبق ذكره.

[25]. Dr. Alex Vines OBE, Challenged Ambitions: Turkey’s Africa Policy and the G20, Chatham house, 1 October 2015. Available at:  https://bit.ly/2Y36YJq

[26]. Steven A. Cook, Erdogan Is Libya’s Man Without a Plan, Foreign Policy, 9 July 2020. Available at: https://bit.ly/30QcSzg

[27]. Somaliland Sun, Turkey capable of destroying ‘evil alliances’ in E. Med, 12 August 2020. Available at: https://bit.ly/3kJeJOk

[28] الحبيب الأسود، "أردوغان يطمح إلى تأسيس إمبراطورية الإرهاب في ليبيا"، بوابة أفريقيا الإخبارية، 2 يونيو 2020، متاح على: https://bit.ly/2Y3YJwM

[29]. The Arab Weekly, Erdogan moves to expand arc of influence in North Africa, Sahel, 4 March 2020. Available at: https://bit.ly/3hg6YO1

[30]. Thomas Seibert, Turkey Seeks to Expand its Reach throughout Africa, Somaliland Sun, 3 February 2020, available at: https://bit.ly/343ChYe

[31]. Nordic Monitor, Albayrak Group’s scandals in Guinea lay bare shady ties to Turkey’s Erdogan, 22 September 2020. Available at: https://bit.ly/31bPWLn

[32] كرم سعيد، "تثبيت النفوذ: دوافع توظيف تركيا للمرتزقة الأجانب في الأزمة الليبية"، مركز المستقبل للدراسات والأبحاث المتقدمة، 4 فبراير 2020، متاح على: https://bit.ly/3h4dkzU

[33].David Lepeska, Beset by troubles, Turkey turns to Africa, Ahval, 7 February 2020. Available at: https://bit.ly/311K1Iw

[34] Tony Chafer, Gorden D. Cumming, Is France a reluctant multilateralist in the Sahel?, The Africa Report, 10 August 2020. Available at: https://bit.ly/31TIByU

[35] Somaliland Sun, Old acquaintances, new allies in new period of strategic Turkey-African political partnership, 2 January 2020. Available at: https://bit.ly/3ano4qk

[36] إسلام أبو العز، "ما بعد الدولة.. دور شركات الأمن والاستخبارات الخاصة في إدارة الصراعات الإقليمية"، مركز الإنذار المبكر EWC، 7 فبراير 2020، متاح على: https://bit.ly/30P2Caw

[37] "تركيا تتسلّل إلى موريتانيا عبر الهبات والمشاريع الاستثمارية"، أحوال تركية، 15 يوليو 2019، متاح على: https://bit.ly/2Q522zq

[38] Levent Kenez, South Africa’s ruling ANC signs MOU with Erdoğan’s Islamist party in Turkey, The Nordic Monitor, 27 august 2019. Available at: https://bit.ly/3h3bPSd

[39] Thomas Seibert, Turkey Seeks to Expand its Reach throughout Africa, Somaliland Sun, 3 February 2020, available at: https://bit.ly/343ChYe

[40] "احتدام الصدام الفرنسي التركي بسبب تعارض المصالح في أفريقيا"، مركز الروابط للدراسات والبحوث، 5 ديسمبر 2019، متاح على: https://bit.ly/2PVDPeL

[41] Fabio Giuseppe Carlo Carisio, Ibid.

[42] "حروب الساحل الأفريقي تجبر 1.7 مليون شخص على النزوح"، سكاي نيوز عربية، 21 يونيو 2020، متاح على: https://bit.ly/3iIJHUX

 

أحدث المواضيع المميزة